اللّغة العربية في ظل التعدد اللّغوي بالجزائر Arabic Language in the Light of Multilingualism in Algeria


اللّغة العربية في ظل التعدد اللّغوي بالجزائر

Arabic Language in the Light of Multilingualism in Algeria

مرية تونسي ، دكتوراه في الدراسات اللّغوية، جامعة مستغانم، الجزائر.

Maria Tounsi , Doctorat in Linguistic studies, University of Mostaganem, Algeria

مقال منشور في  مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 56 الصفحة 81.

ملخص

تعيش اللغة العربية في أيامنا الراهنة صراعا مريرا مع بقية اللغات العالمية، سواء في الوطن العربي أو في جميع أرجاء المعمورة، إلا أن المغرب العربي -الجزائر- يعتبر حالة شاذة في هذا، كون الصراع أزلي، بدأ منذ وطأت لغة الضاد أرض البربر، وبقي حتى الساعة، إلا أن هذا النزاع لم يمش على وتيرة واحدة، فقد بدأ عربيا-بربريا وأضحى عربيا-فرنسيا وأمسى عربيا-عربيا، بدأ الأول باعتبار العربية دخيلة على الأمازيغ لكن وأنّها لغة القرآن الكريم لم تفتأ هذه النار وأن خمدت، وثاني صراع كان بين لغة طاغية تبحث عن السلطة ولغة تقف  لها بالمرصاد، أمّا أعنف نزال هو ذاك الذي يكون من الصلب، فقد أنجبت العربية من يحاربها، ويتّهمها بالركود، ويضربها في مقتلها حين يدرج لها ضرّة في مراحل تعليمها الأولى،  والمتهم الأوّل هو السياسات التعليمية المتبّعة، لذا سيتم تسليط الضوء عن واقع اللغة العربية في البيئة الجزائرية وما مدى تأثير التعدد اللغوي على ذلك؟

الكلمات المفتاحية: التعدد اللّغوي، الازدواجية اللّغوية، اللّغة العربية، الصراع اللّغوي.

Abstract

Today, the Arabic language is experiencing a bitter struggle with the rest of the world languages, The Arab Maghreb – Algeria – is an anomalous situation in this, since the conflict is old, it began since Arabic language came to the land of the barbarians, and has remained until now, but this conflict did not go at one pace, It began with an Arab-Berber, than Arab-French, after Arab-Arab, and the first accused is the educational policies followed. Therefore, the reality of the Arabic language will be highlighted in the Algerian environment.

Keywords: Multilingualism; Bilingualism; Arabic Language; Linguistic Conflict.

   

اتّسم الواقع اللّغوي الجزائري بالتعددية منذ ولوج العرب الفاتحين أرض شمال إفريقيا، إلا أنّ الغلبة كثيرا ما سجلت للّغة العربية، بيد أنّ تبنيها لبعض المصطلحات البربرية أحدث بها شرخا لغويا، أدّى إلى نشأة نمط لغوي شفاهي جديد يختلف نوعا ما عن النمط المشرقي؛ وهكذا بدأت الثنائية اللغوية في الجزائر.

ورغم أنّ البربر القدامى لم يمتلكوا ناصية اللغة العربية الفصيحة. إلاّ أنّهم أحبوّها واستعملوها في حديثهم كونها لغة دينهم. وبعد أن دارت الدائرة على أهل الجزائر، وأتى من سلب حكمهم وهويتهم. لم يتوان في تدمير لغتهم وذلك بالتخلّي عنها في المدارس، واستعمل البربرـ-الأمازيغ- كذريعة لذلك، فمن منظوره اللغة العربية ليست لغة عامة الشعب، واختار المستعمر لغته الفرنسية لتكون لغة رسمية، ودّرسها في المدارس الجزائرية، واتّهم العربية في ذلك الأوان بالذّل والهوان.

ومغادرته لم توقف سوء مجاورته، فمازال من وراء البحار يلحق بالعربية كل هزيمة وعار؛ فتارة يتّهمها بالركود وطورا بعدم مسايرة ركب اللغات، وحينا بالعجز عن الترجمة وآخر بالعقم في توليد مصطلحات جديدة للمخترعات العلمية الحديثة.

وسارت السياسات التعليمية المتّبعة مؤخرا على النهج نفسه فأساءت هي الأخرى للّغة العربية حيث أُدرِجت لها ضّرة في المرحلة الابتدائية وضرتين في المرحلة الثانوية باسم التفتّح على اللغات، فساهم هذا كلّه في تدمير لغة النشء حيث صاروا لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك، فنفروا من لغتهم ما دفع بعض المحدثين وأشباه اللغويين بإرجاع هذا إلى صعوبة العربية والتشكيك في قدراتها ووصفها بأبشع الأوصاف وأنّها لغة لا تصلح للتقدم العلمي ولا مقدرة لها بالصراع اللغوي في هذا الجو الساخن والممتلئ باللغات الحّية ودعوا إلى حذفها من المدارس و استبدالها إمّا بلغة أجنبية أو اللّهجة المحلية بغية تحصيل علمي أفضل. وانطلاقا هذا فقد حاولنا في هاته الصفيحات تسليط النور على واقع اللّغة العربية في المجتمع الجزائري عن طريق الإجابة على الإشكال الآتي: ما السبيل لمجابهة الازدواجية اللغوية في الجزائر وما السبيل لتمكين اللّغة العربية في الدولة ذاتها؟  وقد تمخّض عن هذه الإشكالية بعض الفرضيات منها:

-ألا يعتبر العامل التاريخي والسياسي أهم سبب فيما آلت إليه اللّغة العربية بالجزائر؟

-ألا تعتبر مسألة التعدد اللّغوي مسألة متجذرة بالجزائر وبالتّالي فإنّ القضاء عليها هو ضرب من الخيال.

-هل يمكن أن يساهم تغيير السياسات التعليمية في تغيير واقع اللّغة العربية؟

-لمحة عن الواقع اللّغوي بالجزائر

إنّ الواقع  اللغوي المعيش في الجزائر، يبين أنّ استعمال اللّغات في هذا البلد غير متجانس. فاللّهجات  تغزو السوق الشفوية، وتحقق تواصلا بين المجموعات اللّغوية المختلفة، فالعربية الفصيحة واللغة الفرنسية لا تستعملهما إلا الطبقة المتعلمة أو ما يصطلح على تسميتها بطبقة المثقفين. بينما اللغة الأمازيغية، هي شتات لها مناطقها النافذة، وتأدياتها المختلفة التي لا تتفاهم مع بعضها البعض، ومن هذا التقسيم يمكن إجمال الوضع اللغوي الجزائري كما يلي:

-اللغات ذات الانتشار الواسع: العاميات أو الدارجات العربية، وهي متنوعة ولكنّها أقرب إلى بعضها البعض كونها تنبع من مصدر واحد.

-اللغات الرسمية –الدستورية- :اللغة العربية الفصحى واللغة الأمازيغية.

-اللغات الأجنبية لكنّها ذات نفوذ واسع خاصة داخل الإدارة الجزائرية: اللغة الفرنسية.

-اللّهجات الأخرى: كالشاوية والشلحية والطارقية والزناتية………، هي لهجات ذات نفوذ محدود، وكل منها خاص بمنطقة معينة منها: الأوراس، والصحراء. ويمكن تصنيفها جميعها كعاميات أمازيغية.

إنّ العامية الجزائرية، كغيرها من العاميات العربية، آخذة في التغير البطيئ المتواصل الخطى بواسطة التأثر بالغرب، حيث علت أصوات في دوائر بعض دعاة الإصلاح، تنحى بالنقد على العربية الفصحى نفسها، وتحث عن صبغ التعليم اللّغوي بصبغة جديدة، توائم قواعد التربية اللغوية الحديثة[1]. ومعلوم أنّ اللهجة تتعرض للتأثر الاجتماعي والسياسي والديني وغيرهم، فهي تقوى بقوة أهلها وتموت وتندثر بضعفهم، ولا يمكن الفصل بين اللهجات إلّا في طبيعة الأصوات وكيفية صدورها. فالذي يفرق بين لهجة وأخرى هو الاختلاف الصوتي في أغلب الأحيان[2].

إنّ وقوع الجزائر تحت ظل الاستعمار الفرنسي لفترة طويلة من الزمن “1830-1962″، أصاب لغتها وثقافتها في المقتل، إذ إنّ التوجهات الفرنسية ركّزت على “اللغة والثقافة الفرنسيتين” في المنطقة، ولا سيما سعيها لما سمي ب:”فرنسة الجزائر”، وتحويلها إلى النموذج الفرنسي الأوربي على مستوى الثقافة والمجتمع.

على حين بدأت الجزائر إثر نيلها الاستقلال محاولات إزاحة تركات “سياسة الفرنسة”[3] . والتيّ خلّفت بؤرا ناطقة بالفرنسية “فرانكوفونية”.”إنّ اللّغة الفرنسية هي اللّغة المعمول بها رغم قانون التعريب، وهي تحتل مكانة مميزة مقارنة مع اللّغات الأجنبية الأخرى، ومازالت لحدّ الآن موظّفة في شعب التعليم العلمية والتقنية، ومستعملة في وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة، ومازالت أيضا تستعمل كوسيلة اتصّال شفهية لدى بعض الفئات الاجتماعية وهذا ما أدّى إلى تأثيرها على العربية والدارجة والأمازيغية”[4].

إنّ الدراسات التي أجريت حول الوضع اللّغوي في الجزائر لا تستطيع لوحدها أن تكشف عن تعايش اللّغتين العربية والفرنسية في الحياة الاجتماعية اليومية، إذ إنّ الدستور الجزائري لم يُرسِّم سوى اللّغة العربية، وحديثا الأمازيغية، وبرغم ذلك فقد اعتبر التعدد اللغوي في الجزائر ظاهرة تاريخية حتَّمتها ظروف البلاد فهو الوحيد الذّي كان سيضمن النجاح والتفوق في المرحلة الانتقالية، والهدف من استعمال الفرنسية بعد الاستقلال كان للاستفادة من خصائص هذه اللغة كلغة أجنبية للوصول إلى العلم والمعرفة ولا يمكن نكران بأنّ لها باعا طويلا في علوم الطب والسياسة، ولكن لا تبقى لغة هيمنة عندنا، أو اللّغة التي يجب المرور منها للوصول إلى كل شيء[5] .

أمّا في الواقع نجد استعمال اللّغة الفرنسية في الحياة اليومية قد ترسّخ بصورة دائمة في الحقل اللّساني الجزائري، فالشارع متعدد اللغة، وإشارات المرور والكتابات على المباني العامة، وعناوين المحلاّت واللافتات باللغات الثلاثة، وتعايش اللغتين “العربية، الفرنسية” بارز في كل مكان وعلى جميع مستويات الحياة اليومية[6]. ويقدم في هذا السياق مثال العبارة التي يخاطب بها سائق الحافلة ركّابها “أفُونسِيوْ القُدام” أي تقدموا إلى الأمام، مشتقة من الكلمة الفرنسية «avancez »، في حين أنّ العبارات التي تعوضها عديدة[7] .

كما نجد التعددية اللّغوية أكثر انتشارا على الساحل الجزائري منها في المناطق الداخلية للبلد، وهي أكثر حضورا في المدن منها في القرى، والضواحي، كما أنّ ممارستها تلقى الإقبال الواسع من السكان المتعلمين ومن الفئات الميسورة من المستخدمين بالمؤسسات الخاصّة المندمجين في الاقتصاد الحديث من العمال أكثر ممّا تلقاه من الأميّين والطبقات المحرومة من العاملين في قطاعات الفلاحة[8] .

إنّ التعددية اللّغوية في الجزائر شبه رسمية، إلاّ أنّ الطريقة التي نشأت بها وتطورت، والمكانة التي حظيت بها، كلّ ذلك أنتج تعددا غير متزن، ذلك أنّ التخلي عن الدور الكبير للّغة الفرنسية من غير إغفال ضرورة استعادة مكانة اللغة العربية، قد يقصد به الدفاع عن سياسة الازدواجية “عربية، فرنسية”، ولما كانت الازدواجية غير متكافئة دائما، كما يرى الباحثون، فإنّ هذا يؤدي إلى زيادة ترسيخ اللّغة الفرنسية، وقد رأينا فيما أن البنوك والمؤسسات الحديثة تتعامل باللغة الفرنسية، وكذلك التعليم العالي والبحث العلمي غير أنّ عدم تكافؤ الازدواجية اللّغوية لا يتوقف عند هذا الحد بل يعمل أيضا على خلق انقسام بين الأجيال والقطاعات الاجتماعية، وإحداث تعارض بين المتقنين للّغة العربية والمتقنين للّغة الفرنسية[9] .

والواقع أن إتقان اللّغة الفرنسية ينظر إليه أنّه مصدر فخر ووسيلة يؤكّد بها للفرد فعاليته وانتماءه للعصر، لذا نلاحظ تنامي ظاهرة استعمال اللغتين بشكل غير متكافئ في الوقت نفسه، سواء في الحياة الاجتماعية، أو في الحياة المهنية على مستوى التعبير الشفوي، أو الكتابي، كما يحرص المتحدّث عادة على إثبات اختياره للتعبير بإحدى اللغتين، وهذا السلوك ينطوي على قدر من التبجح والمباهاة، ولكنه بالخصوص أيضا يسمح بتخطي العقد.

ومن جهة أخرى يكشف هذا السلوك عن حقيقة أخرى هي عدم تمكن الأجيال الصاعدة من اللغتين، ومن هنا فإنّ المتكلم عندما يجهل كلمة أو لا يريد أن يكلف نفسه عناء البحث عنها يعمد إلى استبدالها بما يراه مرادفا لها في اللّغة الأخرى، والأكثر من ذلك أنّ ضعف التكوين وانعدامه  لدينا يؤدي إلى تحريف المصطلحات العلمية الدّالة على طرق التصنيع، وأسماء الآلات والأدوات[10]. حتى الأطبّاء نراهم يستعملون لغة تقريبية أدخلت عليها التحريفات للتفاهم مع مرضاهم.

وخلاصة القول لما تقدم يتضح أنّ التعددية اللغوية في الجزائر تعدد واقع، ولكنه غير محكم الاتقان، وهو وضع يدّل، بما لا يدع مجالا للشك، على اتسّاع نطاق استعمال الفرنسية والعربية والأمازيغية معا، ولكنّه يكشف في حقيقة الأمر عن تدّني مستوى إتقان اللّغات وإلى بروز لغة تقريبية ممّا يترتب عنه حتما في النهاية تدّني التكوين الذي يتلقّاه الطفل الجزائري، وبذلك يضعف الإنتاج الأدبي والعلمي.

 وتبقى اللّغة الفرنسية هي اللّغة المهيمنة على القطاعات الحيوية في المجتمع الجزائري فهي لغة الصناعة، والإدارة، ولغة المؤسسات الاقتصادية، كما أنّ فشل تعريب الجامعة الجزائرية واقتصارها على معاهد العلوم الإنسانية بمقابل بقاء اللّغة الفرنسية لغة التدريس في كثير من المعاهد، وسيطرتها في المجالات الإدارية والتنظيمية والتعليمية لخير دليل على وجود الازدواجية اللغوية “عربية، فرنسية” في الجزائر التي رسّخها التعليم وعزّزتها السياسة ونشرها في وسائل الإعلام على نطاق واسع بين مختلف الشرائح الاجتماعية[11] .

ومنه فإنّ قضية التعددية اللّغوية في الجزائر أصبحت اليوم معضلة عويصة، وداء خطيرا ينخر عظام لغة الضّاد، لذا يجب حث الخطى في اقتلاع هذا الداء من الجذور، وهذا لا يتأتى إلاّ بتظافر الجهود واتحاد القوى. فلا يستطيع ذلك اللّساني أو اللّغوي بمفرده، ولا السياسي وحده فعل شيء، بل يجب أن يجلس كلاهما على طاولة واحدة للنقاش الهادئ، والحوار البنّاء، والتشاور المثمر، لإخراج الجزائر من هذا المأزق الخطير الذي بدأ يتنامى ويكبر يوما بعد يوم، ولا يعني هذا أننّا ضد تعلم اللّغات الأجنبية، باعتبارها ضرورة يستدعيها الانفتاح على الثقافات الأخرى أخذا وعطاء، ولكن يا حبّذا لو تكون الإنجليزية في مقدمة اللّغات الأجنبية كونها لغة البحث العلمي والاقتصاد العالميين.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الأمازيغية تأخذ مكانة خاصة في الواقع السوسيولغوي الجزائري، كونها متنوعة حسب المناطق المنطوق بها “منطقة القبائل الصغرى أو الكبرى، الشاوية، الميزاب، طوارق الصحراء”، وكانت في الأساس ولفترة طويلة معتبرة كأداة اتّصال لنسبة قليلة من السكان[12] . إنّ التعايش بين اللّغات واللّهجات في الجزائر أدّى كما هو معروف إلى التأثر المتبادل هذا الأخير تجسده الاستعارات الآتية من اللّغة الفرنسية، التي تكون أمازيغية يغلب عليها الطابع الأمازيغي والأمثلة عديدة[13] ، إذ نجد في الخطاب الأمازيغي عبارات فرنسية منطوقة بالأمازيغية، فعلى سبيل المثال كلمتي: “أَجَدَرْمِي”، “أَبِدُون” مستعارتان من الفرنسية “Bidon , Gendarme”، يأخذان فونولوجيا أمازيغية، ولكن يبقيا مشخصين كتعبيرين فرنسيين، وهكذا تظهر الاستعارة من الأرصدة اللغوية، فكثير من المفردات الفرنسية مستعملة في الخطاب اللّغوي اليومي بفونولوجية أو مورفولوجية عربية، أو أمازيغية، وهكذا فالاتصال المتواصل بين الفرنسية والعربية من جهة، والفرنسية والأمازيغية من جهة أخرى، يظهر التداخلات والاستعارات من الفرنسية إليهما[14] ، ولأّن التداخل اللّغوي ظاهرة طبيعية، وهو سنة التأثير والتأثر وسلوك لغوي عادي، يمارس على مستوى احتكاك اللغات تعبيرا عن التفاعل الاجتماعي[15] ، فإنّنا وفي منظور آخر، نرى تأثير اللّغة العربية على مختلف اللهجات الأمازيغية، فمنذ قرون والعرب على اتصال دائم بالأمازيغ، وهذا الاتصال يظهر تأثير العربية على اللهجات البربرية في مختلف المناطق لا سيما المجال المفرداتي[16] . وعليه تأخذ الاستعارات العربية نسبة هامة، وتتجسد على مستوى المفردات اللغوية أيضا[17] .

-عوامل تكريس الازدواجية اللّغوية في الجزائر:

-1-خضوع الجزائر للاستعمار لأكثر من قرن من الزمن: وامتازت هاته الحقبة باستخدام الطرائق والأساليب الجهنّمية التي يتعامل بها أي احتلال، أينما وجد، وحيثما حل، إذ أوّل ما يقوم به المحتل هو ضرب لغة الدولة المُحْتَلَة، لأنه يعرف من أين تؤكل الكتف، يعرف جيدا أن اللّغة عامل توحيد وتفريق في آن واحد، لهذا نراه يركز بإتقان فرض لغته قولا وفعلا. فأمّا القول فيتجلى في تلك الدعوات التي تتعالى هنا وهناك، على ألسنة المستشرقين وأتباعهم الحاقدين على اللّغة العربية، كما هو الحال في مصر، وسورية ولبنان … والتي تحذر من مخاطر التعامل باللّغة العربية باعتبارها سبب تخلف الشعوب التي تتكلم بها .

 وأمّا الفعل،  فيتجسد في الميدان عن طريق فرض لغة المستعمر بالقوة على الأهالي والسكان الأصليين، وتضييق الخناق على لغتهم الأصلية، كما حدث في الجزائر و غيرها من الدول المغاربية المجاورة[18]، فالاستعمار يدرك إدراكا جيّدا أنّه :”ما ذلّت لغة شعبٍ إلاّ ذلّ، ولا انحطّت إلاّ كان أمره في ذهابٍ وإدبارٍ، ومن هذا يفرض الأجنبيّ المستعمر لغته فرضاً على الأمّة المستعمَرة، ويركبهم بها، ويُشعرهم عظمته فيها، ويستلحِقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكاماً ثلاثةً في عملٍ واحدٍ: أمّا الأول فحَبْس لغتهم في لغته سجناً مؤبّداً، وأمّا الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محواً ونسياناً، وأمّا الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها، فأمرُهم من بعدها لأمره تَبَعٌ”[19].

-2-غياب الإرادة السياسية الشاملة: فإذا كانت التعدّدية اللّغوية في السنوات الأولى لاستقلال الجزائر ضرورة حتمية، لا مفّر منها، لغياب الوسائل الضرورية، المادية منها والبشرية، ولوجود اتفاقيات تكفل لها حق الاستمرار في جزائر ما بعد الاستقلال لأجل مسمى، كما هو الحال مع “اتفاقيات إيفيان”[20] . فإنّ التعدّدية في جزائر اليوم، جزائر العزة والكرامة أصبحت اختيارا، ولكنه اختيار مفروض بطريقة وأخرى، يلجأ إليه الفرد الجزائري مرغما أخوك لا بطل و”إنّ الإزدواجية الخطرة هي التي نفرضها، لا حسب الإمكانيات التي تتوفر عليه من المدرسين أو الكتب،  بل التي نفرضها كمبدأ ، وننطلق إليها من مسلمة نفسية لا علمية”[21]  .

لقد تراوحت نظرة الدوائر الرسمية التي تداولت على السلطة في جزائر ما بعد الاستقلال تجاه هذه القضية الحسّاسة، وأعني بها ( التعدّدية اللغوية ) بين المرونة واللّين حينا، والتشدّد والتصلّب أحيانا أخرى. حسب مذاهب الحكام الذّين تداولوا على السلطة ومشاربهم الإيديولوجية. فرفعت الشعارات، وعينت الهيئات، وسنّت القوانين والمواثيق والدساتير، التي تمجد التعريب،  وتعطي اللغة العربية المكانة التي تليق بها، ولكّن كل هذا لا يحقق الهدف المنشود إذا لم تتوافر للسلطات السياسية الحاكمة، نية صادقة، وإرادة فولاذية، تسهر بجدّ وحزم، على جعل اللّغة العربية لغة رسمية يتعامل بها بين مختلف شرائح المجتمع الجزائري، وتوظيفها توظيفا سليما  في مختلف المؤتمرات والمحافل الوطنية والدولية المختلفة، وتجسيد ذلك في الميدان، تطبيقا وممارسة، لا قولا وتنظيرا.

إنّ البرامج النظرية مهما كانت سعتها ودقتها ومهما بلغت من الكمال والشمولية لا يمكن أن تتمخض عن نتائج إيجابية ما لم تكن هناك الوسائل البشرية والمادية الضرورية لإنجازها في جميع المراحل، ورغم كل المعوقات والعراقيل”[22] . ومن بين الدروس والعبر التي تلقاها بعض الجزائريين المشرفين على عقد المؤتمرات، و توقيع الاتفاقيات الدولية المختلفة، والتّي أوقعتهم في حيصَ بيصَ ، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: تلك الحادثة التي تناقلتها معظم الجرائد والصحف الوطنية والتّي مفادها: ” أنّ أحد المتدخلين الإيطاليين في مؤتمر دولي عقد في الجزائر، وأثناء إلقائه لمداخلته باللغة الإيطالية ـ لكونه يحب لغته ويقدسها ـ لاحظ أنّ المترجم يترجم مداخلته إلى اللّغة الفرنسية، حينئذ توقف عن إلقاء محاضرته وطالب المشرفين على تنظيم ذلك المؤتمر ترجمة مداخلته إلى اللّغة العربية باعتبارها اللّغة الرسمية في الجزائر المستقلّة” ممّا أحدث إحراجا للمشرفين على تنظيم هذا الملتقى[23] .

يقول الدكتور محمد العربي الزبيري موضحا أسباب الصراع بين المعربين والمفرنسين،  “… ومن جملة تلك الفقرات واحدة تأتي مباشرة بعد تحديد مفهوم الثقافة، وتشير إلى أنّ اللّغة العربية قد تأخرت باعتبارها وسيلة ثقافة علمية عصرية، وهي بذلك قد تتسبب في شل التعليم وتزيد في خطورة الجهل الموروث عن الهيمنة الاستعمارية”[24] . فهذه الفقرة وأمثالها من الفقرات التي تبدو صغيرة في حجمها وبسيطة من حيث معناها، إلا أنّها في حقيقة أمرها تمثل عائقا أساسيا في طريق البناء والتشييد. “فقد تحول موضوع تعريب التعليم إلى مصدر للصراع بين المعربين والمفرنسين بينما هو، حسب برنامج طرابلس وميثاق الجزائر وغيرها من الوثائق الرسمية، وسيلة ضرورية وحتمية لبناء الثقافة الوطنية”[25]  .

3- ضعف مناهج التدريس وقصورها في منهجية تعليم اللّغة العربية، والنظرة التربوية القاصرة عن إدراك أهمية تعليمية الأطفال في مراحل دراساتهم الأولى، ودورها الفعّال في بناء الكيان التربوي السليم للطفولة البريئة. إذ كثيرا ما نجد القائمين على هذا القطاع الحسّاس -عكس الدول المتقدمة- يعينون معلمين من ذوي المستويات الدنيا لتعليم هذه الشريحة الهامة، جاهلين أو متجاهلين أن فاقد الشيء لا يعطيه، إذ “إنّنا ما زلنا نظن أنّ تعليم الطفل أهون أنواع التعليم، وأدّى هذا إلى أنّنا أصبحنا نقيس مقدار المعلم بعمر الطفل الذي يتولى تربيته وتعليمه، صعودا وهبوطا، فمعلم الإعدادي أكثر احتراما من معلم الابتدائي، وأقل مركزا من مدرس المدارس الثانوية  … و هي فكرة ساذجة مدمرة لنفسية هذا المعلم، الذّي وضعنا بين يديه هذه العجينة الليّنة ـ طفل اليوم ورجل المستقبل، ليجعل منه مواطنا صالحا أو شيطانا ماردا”[26].

فيجب على الدولة أن تهتم اهتماما كبيرا وجدّيا في إعداد مدرس اللّغة العربية، ومعالجة التدريس المتدني بكل قوة وصراحة فمن المؤلم أن نجد معلم العربية سواء في المدرسة الابتدائية، أو الثانوية أو حتى الجامعة يتحدث بالعامية وهو يقوم بواجبه، ومن البديهي أنه لا يمكن والحال هذه أن يحاسب طلبته على أخطائهم اللغوية والنحوية والإملائية[27].

 4-تنامي سيطرة اللغات الأجنبية، وترويج فكرة أهمية اللّغة الأجنبية على حساب اللّغة العربية، خاصة في السنوات الأولى من التعليم، إذ “لتعجب، حين ترى بعض المتعلمين، ينطق اللّغة الأجنبية على وجهها الصحيح، حتى إذا رام الحديث بالعربية الفصحى، تلعثم و ارتبك، وأخطأ ولحن، وصحّف وحرّف، وخلطها بالرديء من الأساليب العامية، كمن يخلط عملا صالحا بآخر سيء. وما ذلك إلا لأنّه لا يسمع الفصحى إلاّ فيما ندر في حجرة الدراسة، حتى إذا خرج إلى الشارع، ملأت العامية سمعه وبصره في كل مكان، فخلطت عليه أمره، وردته الفصحى أيّما رد، وعاقته عن تملك زمامها، والسيطرة عليها”[28] .

 لقد أثبتت التجارب أنّ الطفل الذّي يقبل على تعلم لغة أجنبية ثانية قبل أن يتعلم بإتقان اللّغة الأولى (الأم) ينعكس ذلك سلبا على اكتساب وتعلم اللّغتين كلتيهما. ولذا فإنّ تعليم اللّغة الثانية بعد إتقان اللّغة الأولى في مصلحة اللغتين في آن واحد. فـ” إنّ ما يتّفق فيه علماء التربية أنّنا نطبع عقل الطفل بطابع اللّغة التي يتعلمها ويستعملها قبل غيرها من اللّغات الأخرى. فإذا علمناه لغة أجنبية قبل اللّغة الوطنية ستبقى دائما ثانوية في ذهنه  وتصوره وسلوكه العقلي والنفسي أيضا، وإذا تعلّم اللّغة الوطنية ثم الأجنبية ما شاء من السنين، فإنّ اللغة الوطنية ستبقى عنه مستحكمة، حتى ولو تعلم بعدها لغات عديدة أجنبية، لا لغة واحدة”[29] .

-واقع العربية في ظل التعدد اللغوي بالجزائر:

إنّ اللّغة العربية بالنسبة إلينا نحن الجزائريين، عنصر أساسي في هويتنا وشخصيتنا وطريقة تفكيرنا، ومن هنا نشأ ذلك التلازم المنطقي والتاريخي، بين العربية والوطنية، إذ من الخطأ الفادح إلغاء أو فصل الوطنية عن اللّغة العربية بالنسبة للمجتمع الجزائري، بل لا بدّ من تظافر الجهود لنخلق لدى الفئات الاجتماعية حب اللّغة الوطنية وننمّي لديهم الروح الوطنية والشخصية الجزائرية العربية، ونعمل على إعطاء هذه اللّغة مكانتها الطبيعية باعتبارها لغة وطنية رسمية.

فاللّغة تصاحب سلوكنا في كل لحظة وترافقها في أطوارنا التاريخية المتلاحقة، مما يجعلها أداة صادقة للتعبير عن حياة المجتمع الجزائري، ومعيارا صادقا لرقينا أو انحطاطنا في ميادين العلم والثقافة والحضارة، ولذلك فإنّ تطور المجتمع الجزائري من شأنه أن يؤدي إلى تطور اللّغة العربية “ولهذا لا يجوز أن نقبل أحكام بعض المثقفين على اللّسان العربي، وإن تكلموا بالعربية، إلا أنهم كانوا ضحايا لنظام الحماية الفرنسية، فأتقنوا لغة المستعمر، ولم يتعلموا إلا النزر اليسير من لسانهم القومي”[30] .

ويقول “بن عبد الله عبد العزيز”  في “ثورية التعريب”، “أفنعجز نحن عن وضع لغتنا في مكانها المرموق؟… أفنعجز عنها اليوم ونرميها بالعقم ونحن في عصر النور والكهرباء والذرة واللاسلكي والفضاء؟ إن أجدادنا لم يجبنوا أمام تيار الحضارة بل أخذوا وأعطوا وترجموا ونحتوا واشتقوا وعربوا وطاوعتهم اللّغة مطاوعة عجيبة”[31] .

ونجد الموقف ذاته عند “مازن المبارك” في كتابه “اللّغة العربية” إذ يقول: “إنّ الذّين يحاربون تعريب التعليم ويضعون العقبات في سبيله بحجة عجز اللغة العربية وتقصيرها، كمن ينادي بالتخلي عن الجنسية القومية، إذا اتّصف قومهم بالعجز والتقصير، وشتّان ما بين من يرى في نفسه عجزا وتقصيرا فيسعى إلى تغيير ذلك إخلاصا وهو قادر على التغيير مالكا لإمكاناته، ومن يؤثر السلامة والراحة ويرى أنّ أسهل السبل للتخلص من تهمة العجز والتقصير أن يغير اسمه ويتنكر لذاته”[32].

وإذا كان اللحاق بالركب الحضاري والتطور العلمي لا يكون إلاّ باستعمال اللّغات الأجنبية بوصفها وسيلة جاهزة، تسعى جميع المقومات الضرورية لذلك، كما يدعي أعداء العربية فإنّ هناك من عكس ذلك ورأى بأن التطور والتقدم لا يكون إلا باللغة الأم: “إنّ مواكبة حضارة العصر الحديث لن تكتمل بالنسبة إلينا معشر العرب إلاّ إذا توازت فيه ذاتيتنا العربية مع إنسانيتنا الحضارية، والمقوم الجوهري لهذه الذاتية هو اللّغة العربية، التّي بقيت كما يقول ماسنيون أداة خالصة لنقل بدائع الفكر في الحقل الدولي، عنصرا جوهريا للسلام في مستقبل الأمم والشعوب”[33] .

فللّغة العربية قيمة كبيرة لا تتمثل في أنّها وسيلة التعبير الوحيدة، لكنّها لغة القرآن والدّين، وسجل ماضينا وحاضرنا، ووعاء ثقافتنا “ولذلك فإنّ أي تقصير في خدمتها لا يعد تقصيرا في جانب الوسيلة وإنما في جانب الغاية كذلك”[34].

وما يثير في النفس ألما أن تحظى اللّغة العربية بهذه المكانة، ثم ترمى بشتى النعوت، ينظرون إليها بمنظار الشؤم والسخط ظانين أنّها السبب في تأخرهم، وأصبحت تشكو في وطنها، وتتعجب حيث ترى أشباه المثقفين يتحرون الدقة والصواب عندما يستخدمون اللّغة الأجنبية، ولا يعبأون حين يستخدمون اللّغة العربية.

وإذا كان حرص المجتمع الجزائري على لغته الوطنية يعد في نظر اللّغويين من الأمور الطبيعية الذي تحتمه ضرورة المحافظة عليها من كل تأثير أجنبي، فإنّ هذا الدفاع سيتضاعف حين يكون الخطر حقيقيا، فاللّغة العربية تواجه كل يوم أخطارا محدقة، نحس بها ونعايشها في شتى مرافق حياتنا سواء على مستوى المحيط العائلي والاجتماعي، أو في مؤسساتنا الرسمية وغير الرسمية وتبدو الأخطار في وجود ظواهر لغوية متفاوتة الخطورة كالازدواجية والثنائية[35] .

لئن كانت هذه اللّغة تعبر عن شخصيتنا وهويتنا الوطنية التي تتجلى من خلالها العقلية الجزائرية المميزة. لكونها مرآة صادقة لهذا المجتمع منذ القدم، وعبر مراحل تغيره وتطوره وما اعترضته من محن وعراقيل جعلتها تتأثر بها سلبا وإيجابا، فإنه من باب الموضوعية الإقرار  بأنّنا أسهمنا –خاصة ذوي الاختصاص- في انكماشها وتقهقرها عندما حاولنا أن نعوضها بوسيلة لغوية أخرى فرضت علينا في وقت من الأوقات، وتأثرنا بالطروحات القائلة بأنّ العربية لغة تجاوزها الزمن وأنّه لا سبيل إلى تقدمنا علميا وحضاريا إلا بالتخلّي كلية عن اللّغة ووضعها في المتاحف.

-دور المدرسة في النهوض باللّغة العربية

إنّ أهمية اللّغة في المجتمع هي في كونها عاملا للحفاظ على استمرارية التاريخ والحضارة، “وعاملا مؤثرا على ما يمكن تعلمه”[36] ، يعني أنّ أيّ تغيير للغة يؤدي إلى قطع هذه الاستمرارية والصلة بآثار الأجداد، ممّا يؤدي إلى ظهور شعب يجهل تاريخ ماضيه ولا يتعرف إلاّ على ما يترجم له إلى اللّغة الجديدة، وبالتاّلي يتّم “القضاء على إحدى مقومات شخصيته، ويسهل التأثير عليه[37] . ولتوضيح مسألة اللّغة العربية وهوية الطفل الجزائري أكثر، نلجأ إلى استعمال المثال الآتي: وهو أنّ طفلة نشأت في بيت أهل أمها الذي كان أصحابه يستعملون اللّغة القبائلية، فتعلمت تلك اللّغة ولم تكن تحسن سواها غير أن أباها كان يخاطبها باللّغة العربية لأنّه لا يحسن القبائلية هذا الوضع جعل الطفلة تسأل أمها: هل فلان –جار يتكلم العربية- أخو أبي[38] ؟

فنلاحظ أنّ المجتمع الذي تسود فيه عدة لغات أو لهجات هو مجتمع هش البنيان، ضعيف الركائز[39] ، وذلك في مواجهة التحديات التّي بدأت تواجه كثيرا من الدول الضعيفة، بل حتى القوية منها، من أجل الوصول إلى بناء مجتمع المعرفة، في خضّم هذه القرية الكونية الصغيرة، لذلك “يخشى الكثيرون من وحشية العولمة بأنّها تنقص الفعل الحقيقي للدولة الوطنية وللهوية وللخصوصية، وإنّ ما تحمله يمثل تهديدا لمقوّمات الإنسان في الشخصية وفي العقيدة وفي اللّغة وفي الثقافة وفي التاريخ وفي معاكسة للقيم والمفاهيم التي ترتكز عليها الهوية”[40] . فإذا أردنا إصلاح ما فسد في مجتمعنا، علينا أن نربط أجيالنا بتراثنا العربي الإسلامي الذي ارتبطنا به فكرا ولغة وعقيدة وثقافة وتاريخا، ويحتم علينا ذلك أن تكون لغة الثقافة التّي نتعلم بها هذا التراث، هي اللّغة التّي تبقى تحافظ عليه وتعمل على نشره وازدهاره بين أبنائنا ونعني بها اللّغة العربية كلغة جامعة  [41]

وتجدر الإشارة إلى أنّ المسؤول الأوّل على حفظ اللّغة العربية وتنميتها لدى الأجيال الصاعدة، هو المدرسة، أين يتعلم الطفل القراءة والكتابة ويتمكن من تكوين جملا ليصبح قادرا على التعبير السليم والمدرسة بوصفها تلقن فيها المعلومات أو يتم فيها التدريب على عادات ومهارات معينة وفق تنظيم خاص وتحت إشراف جهود مشتركة، ليست شيئا من ابتكارات العصر الحديث، فقد عرف قدماء المصريين المدرسة، كما عرفها المسلمون ولا سيما في عصور ازدهار الحضارة الإسلامية العربية، حيث عرف الناس في تلك العصور مدارس متطورة منظمة مثل: المدرسة المستنصرية التي أسسها الخليفة المستنصر بالله العباسي القائم بأمر الله “440ه/1048م” في بغداد أيضا وغير ذلك من المدارس[42]. فالطفل بطبعه وفي مراحل تعليمه الأولى،  مقلد ماهر لأستاذه فهو يدخل المدرسة في سن الاكتساب والتكوين اللّغوي، والمثل يقول: “العلم في الصغر كالنقش على الحجر” .

وللمدرسة دور كبير في تثقيف الطفل وتربيته ويزداد هذا الدور أهمية في المجتمعات النامية، إذ أنّ المهمة التي تلقى على عاتق المدرسة تكون أشد حيوية، فهي مؤسسة نظامية تستطيع أن تسد العجز في ضآلة الثقافة، التّي قد تعاني منها الأسرة المعرفة المحدودة لديها في عصر تدفق المعلومات، أو في ضحالة ما تقدمه للطفل من معرفة وثقافة نتيجة انشغالها عنه لأسباب عدّة، ومن هنا يتضاعف الدور الذي يُلقى على عاتق المدرسة إذ عليها أن تسد هذا العجز بما تقدمه من معارف وخبرات منوعة ومنظمة كل ذلك يكون وفق فلسفة محدودة تتمشى مع فلسفة الدولة وأهدافها، ومع متطلبات العصر الحديث، وأن تلبي المناهج الدراسية حاجات الطفل المعرفية والثقافية.

وتكمن أيضا أهمية المدرسة في كونها الحلقة الوسط بين الطفولة المبكرة التّي يقضيها الطفل في منزله، وبين مرحلة اكتمال نموه التّي يتهيأ فيها الطفل للقيام بدوره داخل المجتمع، ولهذا يجب أن يكون هناك اتصال وثيق بين الحلقات الثلاث الأسرة، المدرسة، المجتمع.

خاتمة القول: سواء كان التعدد اللّغوي في الجزائر واقعا محتوما أو سياسة اختيارية فإنّه في نهاية المطاف واقعا معيشا؛ وهذا الواقع يؤثر سلبيا أكثر منه إيجابيا على اللّغة العربية، لذا يتحتّم على الجميع أن يظافروا جهودهم ويوحدوا صفوفهم لانتشال لغة القرآن الكريم من المأزق الواقعة فيه؛ وذلك بــالاهتمام بها أكثر داخل المدارس، وإقامة مؤتمرات وندوات وملتقيات للنهوض والسمو بها في القريب العاجل. وذلك بناء على النتائج التّي خلص إليها بحثنا والمتمثّلة في:

-1 إنّ ما عاشته الجزائر كغيرها من الدول العربية من حركة استعمارية، غيّر بها، أو بالأحرى، أفسد بها الكثير، ومن أهم ما فسد من رموز السيادة الوطنية نتيجة هذه الحركة الاستخرابية، هو اللّغة العربية، التّي أضحت غريبة في عقر دارها وبين أبنائها، تزاحمها لغة المستعمر تارة وابنتها المتمردة التي بدت هجينة تحوي العديد من مستقبح الألفاظ “العامية” تارة أخرى.

-2 إنّ ما يعرف بالتعليم مزدوج اللغة أضحى هاجس كل الجزائريين، فأثاره جلية واضحة، خصوصا على تلاميذ الابتدائي، فعدم قدرتهم على التحكم بلغتين في آن واحد يدفع بهم إلى خلطهما أثناء الحديث فيستعملوا الفرنسية لدقيقة ثم العربية لدقيقتين أو ثلاث وهكذا، فينتجوا جملا هجينة مستقبحة، لا تنتمي لأية لغة وهذا ما يعني فساد لغة الطفل الجزائري الذي لم يعد يملك فعلا ناصية لغة معينة، حتى لغته الأم لم تعد تعني له شيء.

-3لا يعني فساد لغة الطفل المتمدرس في الجزائر، أنّه مترتب عمّا يعرف بالتعليم ثنائي اللّغة وفقط، فقد تظافرت عدة أمور واتّفقت على هلاك اللّغة العربية في بلدنا منها: المنهاج الدراسي، طرق التعليم المستوردة، ضعف تأهيل معلم هاته اللّغة، إهمال الأسرة الجزائرية للغة أبنائها،……..

4- أمّا عن سبل تمكين اللّغة العربية في المجتمع الجزائري، فهو يتطلب أوّلا التخلي عن التعليم مزدوج اللّغة، وكذا إرجاء تعليم اللّغة الفرنسية إلى ما بعد المرحلة الابتدائية، وتوعية الأسرة الجزائرية بضرورة الاعتناء بلغة أبنائها وتحبيب العربية إلى قلوبهم، وذلك بتحفيظهم القرآن الكريم، واختيار القنوات الإعلامية المناسبة لهم والداعمة لنمّو لغتهم، أي قنوات ناطقة بالعربية الفصيحة، كما يجب مراجعة المناهج الدراسية وكذا طرق التعليم المعتمدة، حيث أن اختلاف اللغة العربية عن باقي اللغات الأجنبية، يوحي باختلاف طريقة تعليمها.

-قائمة المصادر والمراجع:

1- إبراهيم أنيس، في اللهجات العربية، مطبعة أبناء وهبة حسان، مكتبة الأنجلو المصرية،  القاهرة، 2003م.

2- العياشي العربي، الطفل العربي والمنظومة اللغوية في مجتمع المعرفة، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير، جامعة تيزي وزو، 2012م.

3- المعتوق أحمد محمد، الحصيلة اللغوية، أهميتها، مصادرها، وسائل تنميتها، سلسلة عالم المعرفة، العدد212، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت، 1996.

4- بوزيد ساسي هادف، الازدواجية اللغوية في الجزائر المستقلة، دراسة سوسيو-لسانية، جمعية اللسان العربي الدولية،

http://www.allessan.org/default.aspx?tabld=EUn2PLiMwrg  10-03-1435، 22:17،

5- بوفلجة غياث، التربية ومتطلباتها، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، دط، 1993.

6-  تركي رابح، أصول التربية والتعلم، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ط2، 1990.

7- حسين قادري، مكانة اللغات في الواقع السوسيو لغوي الجزائري، مجلة الصوتيات، العدد 6.

8- رمضان عبد التواب، بحوث ومقالات في اللغة، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط2، 1988م.

9-  صالح بلعيد، الأمازيغية والعربية تكامل لا تصادم، مجلة اللغة العربية، العدد19،المجلس الأعلى للغة العربية، الجزائر.

 10- صالح بعيد، العلاقة بين الفصحى والعامية،

www.csla.dz/mjls/index.php?option=com_remository&ltemid  24 -12-2011، 21:37

11- صالح بلعيد، في النهوض باللغة العربية،دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، دط، 2008.

12- عبد العزيز بن عبد الله، تطور الفكر العلمي ولغة التقنيات في المغرب منذ العصور الوسطى، مجلة اللسان العربي، المجلد10، ج1، المنظمة العربية للثقافة والفنون، مكتب تنسيق التعريب، الرباط، 1973.

13- عبد العزيز بن عبد الله، ثورية التعريب، اللسان العربي، المجلد9، ج1، المنظمة العربية للثقافة والفنون، مكتب تنسيق التعريب، الرباط، 1972.

14- عبد الله شريط، نظرية حول سياسة التعليم والتعريب، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984م.

15- محمد العربي الزبيري، الغزو الثقافي في الجزائر (62 ـ 82)، مجلة الرِؤيا، اتحاد الكتاب الجزائريين، العدد 3، 1983م.

16- محمد عزيز الحباني، تأملات في اللغو واللغة، دار الكتاب العربي، ليبيا، تونس، 1980.

17- محمد الهاشمي، المحيط اللغوي وأثره في اكتساب الطفل اللغة العربية الفصحى، دراسة وصفية تحليلية للواقع اللّغوي بمنطقة البويرة، مذكرة ماجستير، جامعة الجزائر، 2005-2006.

18- محمود فوزي حمد، اتخاذ العربية لغة لتدريس العلوم في التعليم العالي، مطبعة القاهرة،1984.

19- مختار أحمد عمر، العربية الصحيحة، دليل الباحث إلى الصواب اللغوي، عالم الكتب، القاهرة، 1988.

20- مصطفى صادق الرافعي ، وحي القلم، مطبعة الهلال، مصر، دط، 1941.

21- نصيرة لعموري، العوامل المؤثرة في تحكم الطالب الجامعي في اللّغة الفرنسية،دراسة ميدانية بجامعة سعد دحلب، البليدة، مذكرة مقدمة لنيل درجة الماجستير، جامعة البليدة، 2007.

22- هادي نهر، الأساس في فقه اللغة العربية و أرومتها، دار الفكر ناشرون ومفكرون، مكتبة المدينة، الأردن، ط1، 2013.

 -23 وليد كاصد الزيدي، الفرانكوفونية في المنطقة العربية، الواقع والآفاق المستقبلية، دراسات استراتجية، العدد 113، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتجية،ط1، 2006.

-24 يوهان فك، العربية، دراسات في اللغة واللهجات، تر: عبد الحليم النجار، الدار المصرية السعودية للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2006.

[1]يوهان فك، العربية، دراسات في اللغة واللهجات، تر: عبد الحليم النجار، الدار المصرية السعودية للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2006، ص239.

2ابراهيم أنيس، في اللهجات العربية، مطبعة أبناء وهبة حسان، مكتبة الأنجلو المصرية،  القاهرة، 2003م. ص17

[3] وليد كاصد الزيدي، الفرانكوفونية في المنطقة العربية، الواقع والآفاق المستقبلية، دراسات استراتجية، العدد 113، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتجية،ط1، 2006، ص16.

حسين قادري، مكانة اللغات في الواقع السوسيو لغوي الجزائري، مجلة الصوتيات، العدد 6، ص214[4]

[5]صالح بلعيد، الأمازيغية والعربية تكامل لا تصادم، مجلة اللغة العربية، العدد19،المجلس الأعلى للغة العربية، الجزائر، 2007، ص221.

[6]نصيرة لعموري، العوامل المؤثرة في تحكم الطالب الجامعي في اللّغة الفرنسية، دراسة ميدانية بجامعة سعد دحلب، البليدة، مذكرة مقدمة لنيل درجة الماجستير، جامعة البليدة، 2007، ص66.

حسين قادري، مكانة اللّغات في الواقع السوسيولغوي الجزائري، ص215.[7]

نصيرة العموري، المرجع نفسه، ص66.[8]

نصيرة العموري، المرجع نفسه، ص67.[9]

المرجع نفسه، ص68.[10]

[11] العربي العياشي، الطفل العربي والمنظومة اللغوية في مجتمع المعرفة، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير، جامعة تيزي وزو، 2012م.، ص27.

حسين قادري، مكانة اللغات في الوقع السوسيولغوي الجزائري، ص213. [12]

المرجع نفسه، ص214.[13]

المرجع نفسه،ص215.[14]

صالح بعيد، العلاقة بين الفصحى والعامية، [15]

www.csla.dz/mjls/index.php?option=com_remository&ltemid=55&func=startdown   24 -12-2011، 21:37

حسين قادري، المرجع السابق، ص215.[16]

المرجع نفسه، ص215.[17]

[18]بوزيد ساسي هادف، الازدواجية اللغوية في الجزائر المستقلة، دراسة سوسيو-لسانية، جمعية اللسان العربي الدولية،

http://www.allessan.org/default.aspx?tabld=EUn2PLiMwrg 10-03-1435، 22:17،.

مصطفى صادق الرافعي ، وحي القلم، مطبعة الهلال، مصر، دط، 1941،ص 3/33-34.[19]

[20] هذه الاتفاقية تكرس الإبقاء على مجموعة كبيرة من مدراء المدارس كانوا فرنسيي الجنسية أو المتمتعين بازدواجيتها، ومن ثمة ، فإنهم كانوا لا يدخرون جهدا في عرقلة كل المساعي الرامية من قريب أو بعيد إلى زحزحة اللغة الفرنسية.

[21] عبد الله شريط، نظرية حول سياسة التعليم والتعريب، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984م، ص 62.

[22]محمد العربي الزبيري، الغزو الثقافي في الجزائر ( 62 ـ 82)، مجلة الرِؤيا، اتحاد الكتاب الجزائريين، العدد 3، 1983م، ص18.

ساسي الهادف، المرجع نفسه.[23]

محمد العربي الزبيري، المرجع نفسه، ص 18.  [24]

المرجع نفسه، ص19.[25]

رمضان عبد التواب، بحوث ومقالات في اللغة، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط2، 1988م. ص 228، 229.[26]

[27]هادي نهر، الأساس في فقه اللغة العربية و أرومتها، دار الفكر ناشرون ومفكرون، مكتبة المدينة، الأردن، ط1، 2013،  ص 317.

رمضان عبد التواب ، بحوث ومقالات في اللغة ، ص 237.[28]

عبد الله شريط ، نظرية حول سياسة التعليم و التعريب ، ص 42.[29]

محمد عزيز الحباني، تأملات في اللغو واللغة، دار الكتاب العربي، ليبيا، تونس، 1980، ص140.[30]

[31]عبد العزيز بن عبد الله، ثورية التعريب، اللسان العربي، المجلد9، ج1، المنظمة العربية للثقافة والفنون، مكتب تنسيق التعريب، الرباط، 1972، ص72.

محمود فوزي حمد، اتخاذ العربية لغة لتدريس العلوم في التعليم العالي، مطبعة القاهرة،1984، ص72.[32]

[33]عبد العزيز بن عبد الله، تطور الفكر العلمي ولغة التقنيات في المغرب منذ العصور الوسطى، مجلة اللسان العربي، المجلد10، ج1، المنظمة العربية للثقافة والفنون، مكتب تنسيق التعريب، الرباط، 1973، ص45.

أحمد مختار عمر، العربية الصحيحة، دليل الباحث إلى الصواب اللغوي، عالم الكتب، القاهرة، 1988، ص5.[34]

عز الدين صحراوي، نفسه ص20.[35]

بوفلجة غياث، التربية ومتطلباتها، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، دط، 1993، ص20.[36]

المرجع نفسه، ص21.[37]

[38] محمد الهاشمي، المحيط اللغوي وأثره في اكتساب الطفل اللغة العربية الفصحى، دراسة وصفية تحليلية للواقع اللّغوي بمنطقة البويرة، مذكرة ماجستير، جامعة الجزائر، 2005-2006، ص9.

رابح تركي، أصول التربية والتعلم، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ط2، 1990، ص333.[39]

صالح بلعيد، في النهوض باللغة العربية، دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، دط، 2008، ص183. [40]

العربي العياشي، المرجع نفسه، ص23. [41]

[42]أحمد محمد المعتوق، الحصيلة اللغوية، أهميتها، مصادرها، وسائل تنميتها، سلسلة عالم المعرفة، العدد212، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت، 1996، ص133.

 


Updated: 2019-11-17 — 20:11

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme