الله و العالم في المجموعة القصصيّة ( كلمة الله ) لعماد الدّين خليل God and the world in the Story Collection ( Word of God ) by Imad al-Din Khalil


 

الله و العالم في المجموعة القصصيّة ( كلمة الله ) لعماد الدّين خليل

God and the world in the Story Collection ( Word of God )  by Imad al-Din Khalil

د. نصر الدين دلاوي - جامعة معسكر ، الجزائر     ـ Mascara university    –            Nasreddine dellaoui  

       مقال نشر في  مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية العدد 53 الصفحة 27.

    الملخّص

عنوان هذا البحث هو: « الله و العالم في المجموعة القصصيّة ( كلمة الله ) لعماد الدّين خليل ».اللّه: لفظ الجلالة و هو أشهر المعارف و العالم هو كلّ ما سوى الله تعالى من الموجودات.و موضوع الذّات العليّة و العالم قد كثُر تناوله في الآداب الحديثة ذات النّزوع الفلسفيّ الضّخم و الموقف الكبير من الكون و الحياة.و تناول هذا الموضوع في الآداب و الفنون قد يهيِّئ للكاتب أو الفنّان مناسبة مواتية لتلخيص موقفه من الكون و نظرته إلى الحياة.و بالتّبعيّة و المآل فإنه يهيِّئ للباحث،حين يبحثه، فرصة الاطّلاع على تفاصيل هذا الموقف و تمحيصه و ابتلائه.و لم يَخلُ هذا البحث من عقد مقارنات و إقامة موازنات بين ما هو قائم عند عماد الدّين خليل و ما هو موجود في نماذج من الأدب الحديث.

الكلمات المفتاحيّة: الله – العالم – الإنسان – الطّبيعة – الحياة – الموت  

Summary :

The title of this research is: « God and the world in the Story Collection  ( Word of God )  by Imad al-Din Khalil». God: the word of Majesty and is the most famous knowledge. the world is all creatures except God. The theme of God and the world has been widely discussed in modern literature with a great philosophical tendency and great location of the universe and life. This research conducted comparisons between what exists in Imad al-Din Khalil and what is found in modern literature models.

Keywords: God – the world – human – nature – life – death

    مقدّمة                                                                                        

إنّ الآداب الحديثة ذات الرؤيا الضخمة و النّزوع[1] الفلسفيّ الكبير قد استطاعت التّأثير و كسب التّأييد وتحقيق الذّيوع  و الانتشار لأنها خاطبت الإنسانَ صميمَه و دخلت عليه من أبواب متفرّقة و تناولت القضايا الكبرى الملحّة في حياة هذا الكائن البشريّ: قضايا الألوهيّة، الوجود[2] الإنسانيّ و غايته، الإنسان كمشروع لم يَنْته، العلاقة مع الآخر و هي علاقات متنوّعة ذات أبعاد وأطوال و ألوان، السّعي و العمل، السّأم و الملل، الكآبة و اليأس، القلق و الإهمال، المادّة و الرّوح، الشّجاعة و الجبن، الجنس و الأخلاق، الزّمان والمكان، قيم الحرّية و العدالة و المسؤوليّة و الإنسانيّة و التّدين و الالتزام…

و هذا البحث المتواضع مهمّتُه الوقوف عند مثل هذه القضايا و القيم[3] أو يحوم حولها.و سيتصدَّى،ابتداءً، لموضوع الذّات الإلهيّة في قصص عماد الدّين خليل: كيف تناولها القاصّ و كيف نقلها إلى عالم الفنّ و الأدب ؟ و هل يمكن للفنّ و الأدب أنْ يحدِّثنا عن الله و أوصافه و أسمائه و قدرته…دون أنْ يخسر شيئًا من طبيعته الأدبيّة ؟ هذه الأسئلة،أو بعضها، هي التي سيتكفّل هذا البحث بالتّلميح إليها مع عقد مقارنات و موازنات بمثيلها في الآداب الأجنبية الحديثة.

و إذا كان الإنسان الحديث،بسبب طبيعة[4] العصر و طبيعة طفرته العلميّة، يحيا مع العالم[5] في نسيج معقَّد من العلاقات تزداد تعقيدًا مع الأيّام و هي الصّدام و الوئام و الأُلفة و النّفور و المحبّة و البغضاء و الحذر و الاطمئنان و التّفرق و الاجتماع         و الأمن و الخوف و الحرب و السّلام…و إذا كان مجموع هذه العلاقات،و شبيهها، قد يصل مستوًى معيَّنًا من القوّة و الحدّة أو الكثافة و التّركيز تتلوَّن، على إثره، إرادات الكائن البشريّ و مواقفه و عواطفه و أفكاره…و إذا كان هذا الأخير يحيا،في لقاء دائب مستمرّ، مع مظاهر الكون[6] والمخلوقات من حوله…إذا كان كلّ أولئك واقعًا و هو حاصل فإلى أيِّ مدًى من التّوفيق و النّجاح استطاع عماد الدّين خليل أنْ يحدّثنا عن هذا المزيج و النّسيج من العلاقات و النِّسب و المقادير في صورة فنّية موحية ؟ و هل كان فنّه القصصيّ كِفاءً للتّصور[7] الإسلاميّ الذي يَصدر عنه و يَستهديه ؟ و ما الذي يُضيفه مثلُ هذا التّصور في عالم الآداب و الفنون ؟ هذه الأسئلة،أو بعضها، هي التي سيتكفّل هذا البحث بالتّلميح إليها،أيضًا، مع عقد مقارنات و موازنات بمثيلها في الآداب الأجنبية.

صفحات المجموعة القصصيّة « كلمة الله » زَيْد على ثمانين و عدد قصصها ستّ.و قصّة ( الاستقبال ) هي أوّل ما قرأتُ في هذه المجموعة إذْ هي فاتحتها.و لا أكتم أنيّ شعرت بشيء ما بعد إتمامها و نازعني شعور مختلط بل أحاسيس متباينة أجد أصداءها في نفسي و يتردّد وَقعها بين جوانحي.و لكنّي لم أكُن،حينئذ، مستطيعًا أنْ أستبين طبيعة ما غشيني من هذا الشّعور أو حقيقة ما ملأ نفسي و تردّد في جَنباتها من مجموع وَقعها و إيقاعها.ثمّ إني عُدت إلى هذه القصّة ثانية و إلى المجموعة كلّها ثالثة أخرى مسلَّحًا بيقظة قد زايَلتني مِن قبلُ ملبِّيًا نداءً مُلحًّا و مدفوعًا برغبة جامحة في اكتناهها و استبطانها.و قد كان من نتائج هذا الجهد و ما تضمّنه من ملازمة للقصّة و ابتلاء لقيمها و أفكارها و تذوّق لمعانيها و لطائفها أنْ أثمر هذه الخطوط الممتدّة   و أنتج هذه الصّفحات ذوات العدد.

1- الله في قصص عماد الدّين خليل

إنّ الذّات الإلهيّة العليّة حاضرة حضورًا قويًّا عند عماد الدّين خليل في مجموعته القصصيّة ( كلمة الله ) بصيغ مختلفة و أساليب بديعة.و هذا الحضور المهيمن تُعاينه البصيرة فلا تخطئه و تتحسّسه النّفس فتدركه و تَهفُو إليه الرّوح فتستنيم له.و يمكن تناول موضوع الذّات الإلهيّة في قصص عماد الدّين خليل و بيانُ حضورها المهيمن و تتبّع مظاهره و تجلّيه في مستوَيين اثنين: حضور الذّات الإلهيّة لا غيابها ثمّ استقلال الذّات الإلهيّة عن العالم.و في ما يلي عرض لهذين المستوَيين و إيراد لبعض الشّواهد على هذا الحضور المتعدِّد الأوصاف.

أ- حضور الذّات الإلهيّة لا غيابها

إنّ الذّات الإلهيّة،في قصص عماد الدّين خليل، حاضرة في كلّ شأن و حين و في كلّ خطوة و خاطر و أمر.فهي مشهودة حين البَيع و الشّراء و في السّعي و العمل و أثناء عَقد الصّفقات كلّها و حين إبرامها و في الخلوة و الجَلوة و في الفرحة و الحزن و في كلّ هاجس و نفَس و هي لا تغيب،كذلك، في العناوين و كلّ المعاملات:[8]

- « يا الله ها نحن ذا نقترب..»، « بخير و الحمد لله..»، « و متى ستعود إنْ شاء الله..؟ »، «..و لكنّ البيئة المتعفِّفة التي نشأت فيها و التزامها الملحوظ بقيم الدّين و الخلق و ضوابطهما جعلتني أنفُر بطبعي من العفَن و الفساد..؟ »، « فلنتوكّل على الله يا عدنان فإنّ خير البرّ عاجله..»، « الأرزاق بيد الله..»، « و سمعتهم يردّدون:لا حول و لا قوة إلاّ بالله…»، « إنّا لله و إنّا إليه راجعون..»، « زنقة جابر.حيّ الرّجاء بالله.الرّباط »

ب- استقلال الذّات الإلهيّة عن العالم

إنّ الحضور المهيمن للذّات الإلهيّة في المجموعة القصصيّة ( كلمة الله ) لا يزحزح صاحبَها عن الجادّة و لا يأفكه عن الصّواب فيُملي عليه أفكارًا و اعتقادات أو يزيِّن له أوهامًا و شطحات من قَبيل وحدة الوجود[9] أو غيرها.إنّ عماد الدّين خليل مستوعب لموضوعه و هو واعٍ بفكرته محيط بها و مستبطن لها.و بسبب هذا الوعي المتحقَّق لدَيه فهو يتبنَّى الأسلوب المناسب و يحتضن الوسيلة النّاجعة التي تجعل تناوله للذّات الإلهيّة،في قصصه، تناولاً سليمًا فيه من التّوازن و الصّحة و الصّواب ما ليس يَخفى موافقًا للتّصور الذي يصدر عنه متساوقًا مع قيمه و إيحاءاته.

في قصّة ( الاستقبال ) يصف عماد الدّين خليل شعور الفرحة و الأُنس و الارتياح الذي ينتاب الفتى العائد إلى أهله في الموصل،على متن القطار، بعد غياب طويل قضاه في كلّية التّربية في جامعة بغداد: « يا الله ها نحن ذا نقترب..و ها هو ذا الزّمن يتصالح مع المكان..»[10]

ففي هذا المقطع تتعاظم الذّات الإلهيّة في حسّ الفتى و يزداد الشّعور بها فيصبح القُرب،هنا، قُربين: قرب من الله تدلّ عليه أداة ( يا ) لنداء القريب.ثمّ يجاوره قرب آخر و هو القرب من مكان الأهل أو الاقتراب من منزلهم و إقامتهم.و هذا القرب المزدوج يتحقّق به تصالح الزّمان مع المكان و كلاهما شعور و عواطف و أحاسيس.

فإذا اسْتأنسْنا بالرّأي القائل بأنّ الزّمان هو المطلق و أنّ المكان هو المحدود تبيّن لنا نسبة التّوفيق الذي صاحب القاصّ  و تمثّل أمامنا مقدار النّجاح الذي حالفه حين طَفق يعبّر عن فرحه الغامر و شعوره المؤمن بقرب الوصول.فكأنّ الوصول إلى الأهل و لقاءهم و الاجتماع بهم هو وصول إلى الله أو كأنّ جملة المعاني و العواطف المستفادة من الوصول الأوّل هي المعاني و العواطف عَينها المتحقَّقة من الوصول إلى الله و تحقيق القرب منه و الزُّلفَى.و في هذه الحال قد يحدث أنْ يختلط الشّعور بالذّات الإلهيّة بالشّعور بالعالم فتختفي المعالم بينهما و تذوب الفروق فيتوحّدان.و لكنّ اختلاط هذين الشُّعورَين و احتمال تداخلهما لا يعني،البتَّة، امتزاج الذّات الإلهيّة بالعالم و لا يعني خَفاء الأمارات بينهما أو زوال الحدود بل يظلّ لكلّ جهة وجودها المستقلّ الواضح في حسّ الفتى أو في حسّ القاصّ.

و للـتّأكيد على هذا الفصل الحاصل بين الجهتَين و قيام التّباعد بينهما،في حسّ الفتى، و وضوح الرّؤيا و صفائها يلجأ عماد الدّين خليل إلى استعمال بعض الأدوات و العلامات.مثال ذلك أداة النّداء: « يا الله ها نحن ذا نقترب…»: فالنّداء خطاب بلا شبهة،كما يقول الجرجانيّ[11] ، فإذا قلت: يا زيد كان المعنى: يا إيّاك و أدعوك لأنّ أصل المنادَى المفعوليّة على تقدير أدعو و أريد إلاّ أنهم تجنّبوا إظهار هذا الفعل وجعلوا ( يا ) عوضًا منه لدلالته عليه.و في ذلك اختصار و رَفع لَبس إذْ لو قِيل:أدعو زيدًا و أريد زيدًا لظُنَّ بالمتكلّم أنه قصد الإخبار بدعائه زيدًا في ما يُستقبل من الزّمان و ليس في الحال لأنّ أَفْعَلَ يكون مشتركًا بينه و بين الاستقبال.و كذلك يلجأ القاصّ إلى وضع نقطتين متتاليتَين بعد لفظ الجلالة لفصله عمّا يَليه و الإيحاء بتفرّده كما في الأمثلة التّالية:« الحمد لله..ها أنت تجد أخيرًا من يشاركك الانتظار..».و قد تجيء الألفاظ و العبارات الدّالة على الذّات الإلهيّة مفصولة عن كلّ كلام سابق أو لاحق بما يوحي باستقلال وجودها عن باقي الموجودات كما في الأمثلة السّابقة: « و سمعتهم يردّدون:لا حول و لا قوة إلاّ بالله..» ، « إنّا لله و إنّا إليه راجعون..» أو كما في قوله[12]: « الحمد لله..»، « إنْ شاء الله..».

ثمّ إنّ هناك،بعدُ، وعيًا عامًّا يغشَى المجموعة القصصيّة و يتلبّسها و لا يكاد ينفكّ عنها أو يُزايلها و هو وعي القاصّ بعالمه     و موضوعه مضافًا إليه معاناة تُستشفّ و لا تحتجب و هي معاناة القاصّ للتّصور الإسلاميّ و قيمه و إيحاءاته.و الذي يَغلب على الظّن أنّ هذين الأمرَين كليهما أيْ الوعيُ و المعاناة مضمومًا إليهما ما سبق بيانه من لجوء القاصّ إلى استعمال بعض العلامات و الأدوات كلّ أولئك قد قاد خطوات القاصّ و أضاء له الطّريق فجنّبه المزالق حين تناوله للذّات الإلهيّة،في قصصه،   و عصمه من الوقوع في متاهاتٍ و أحابيل.

ج- ظاهرة الغيب في قصص عماد الدّين خليل

يمكن القول باطمئنان،بعد الذي تقدّم، بأنّ هناك ظاهرة في المجموعة القصصيّة ( كلمة الله ) تَلفت انتباه القارئ المتأمّل فيسايرها و لا تُفلت من يقظة الباحث و عنايته و هي ظاهرة الغَيب.و يتبدّى هذا الأمر في لجوء القاصّ المستمرّ إلى الله و ذكره له و استعانته به.ثمّ إنّ موضوع الموت،فكرةً و أمرًا قائمًا في حياة النّاس، و الجنازة و المقابر كلّ أولئك يكثر وروده في مجموعة    ( كلمة الله ) و هو حاضر في أربع قصص من أصل ستّ: في  قصّة ( الاستقبال ) و ( اللّغز المغربيّ ) و ( التّحدي ) و في    ( مهمّة صعبة ).و الأحلام و الرّؤى و هي جزء من ستٍّ و أربعين جزءًا من النّبوة، حاضرة،كذلك، في هذه المجموعة: في  قصّة ( السّاطور ) و في ( مهمّة صعبة ).[13]

و تجيء ظاهرة الغَيب بهذه المظاهر المختلفة و الأشكال في هذه المجموعة،بالإضافة إلى حضور الذّات الإلهيّة الذي سَبق بيانه، لتتظافر جميعُها على جَعل عالم الغَيب عالَمًا حاضرًا يسكن حياة النّاس فيتعايشون معه و يقود خطاهم و بُعدًا مُهمًّا مشهودًا يَشغل اهتماماتهم و يصاحبهم في كلّ حِين و شأن و في كلّ خَطْو و سلوك.إنّ الذي يَستنبطه الباحث،مِن دراسته لهذه المجموعة القصصيّة و تتبّعها، أنّ عماد الدّين خليل مسكُون بالغَيب شديد الحفاوة به عميق الشّعور به بالغ التّعظيم له قويّ التّأثر به.و هو،أبدًا، مُتمَلمل متوفِّز لا يهدأ له حال و لا يَسكن له بال إلاّ إذا كان في حضرة هذا الغَيب يلازمه فيؤانسه       و يخاطبه و يناجيه.إنّ عماد الدّين خليل لا يجد رَوْحه و راحته إلاّ حين يكون واقفًا أمام عَتبات الغَيب مستمسكًا بأهدابه مستعصمًا متضرّعًا أو مبهوتًا مأخوذًا بقهره و عظمته و عُلاه.و هذه العناية الفائقة بالغَيب و هذا الإجلال الكبير له إنّما يصوّره القاصّ تصويرًا جميلاً تَهفو إليه الرّوح و تَسعد به النّفس و تطمئنّ بذكره القلوب.و يمكن الإشارة إلى بعض معاني الغَيب الواردة في قصص عماد الدّين خليل في النّقاط التّالية:

- إنّ الغَيب،في قصص عماد الدّين خليل، ليس غَيبًا متوحِّشًا حَشوه الأَذِيّة و الانتقام حاقدًا على البشر و الأحياء يطاردهم،كالغول، في منامهم و يقظتهم كما يُسوّقه الأدب اليونانيّ القديم.و هو ليس غَيبًا كَنَسيًّا غامضًا مُغرقًا في التّعمية      و الغموض كئيبًا مترهّلاً صورته و مادّته هي الفِرية و الأوهام و التّناقضات.

- إنّ الغَيب،في قصص عماد الدّين خليل، هو هذا الملَكوت[14] الذي تشتاق إليه الرّوح أبدًا و تَحنّ إلى جواره سَرمَدًا بل إنها لتستعجل،أحيانًا، قُربه و لقاءه لأنّ بينها و بينه صِلة و أيُّ صِلة! و هي تستمدّ منه وجودها و إكسيرها[15] كما يستمدّ النّبات    و سائر الأحياء أسباب وجودهم و بقائهم من عناصر الطبيعة المختلفة كالماء و الهواء و التّراب.و مجموع هذه المعاني و الدّلالات هي التي تَنضح بها قصّة ( اللّغز المغربيّ ) حين ينتقل عبد العزيز لغزاوي من الرّباط إلى بغداد،للقاء شريكه، ليس لتحقيق الرّبح المادّي و عَقد الصّفقات التّجارية،كما قد يُتوهّم، و لكنّما لشراء بضعة أمتار في مقبرة و عَقد صفقة هي،عنده، أكبر و أجلّ و أربح: « صفقتي الكبرى هي هذه!! إنّي أحلم أنْ أُدفن هنا يا عدنان..»[16].

- إنّ الغَيب،في قصص عماد الدّين خليل، هو هذا العالم الآخر الحيويّ الذي تستمدّ منه الذّات حياتها و وجودها و تستكمل نضجها فيقوّي عزمها و يضاعف سَعيها فيزداد غُنمها و يَهبها القدرة على مغالبة السّأم و الملل و مقاومة عداوة الأوضاع و الملابسات و التّكبر على الخوف و الضّعف و معاندة الأهواء و ترويض الصّعاب.و كلّ هذه المعاني و القيم تطفح  بها ( كلمة الله ) و تتوزّعها قصصُها بنِسب مختلفة و مقادير و هي تجيء في ظاهرها و ثناياها و في خفاياها و منحنياتها.

- إنّ الغَيب،في مجموعة ( كلمة الله )، هو هذا العالم القاهر للبشر و لجميع الأحياء.لا يُقاوم قَهرَه أحد و لا يُجاري عَظمته مخلوق ولا يتحدَّى سلطانَه بشر و لا يحيط بجوهره[17] الثَّقلان و لو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.إنه عالم يَنِدّ عن الإحاطة و الوصف و يتأبَّى على الكمّية و الحساب.إنه عالم الجَلال و الكمال و العظمة و السّلطان و القَهر و الأسرار و القدرة و المحال.إنه عالم الرّهبة و الملكوت وهو عالم يجيء مِن وراء كلّ المعالم و الأمارات و الرّسوم و الإرادات.و لعلّ هذه المعاني و الأوصاف هي التي شاء عماد الدّين خليل أنْ يبلّغها في قصّة ( التّحدي ) أيْ محاولة تحدّي الغَيب و مغالبته.و قد انتهى هذا التّحدي بصاحبه إلى سوء الحال و المآل.و هي المعاني نفسها و الدّلالات التي تُستفاد من قصّة ( السّاطور ) ذات الغموض و الطّلاسم و الخفاء: « لم أشأ أنْ أسأله. كأنّ دافعًا ما..لا يُقاوم كفّني عن السّؤال رغم رغبتي الجارفة في أنْ أعرف أين هو ؟ و لماذا لم يأتِ ؟ شكَمتُ نفسي بأنْ قلت: فيما بعد..فيما بعد..قد أعرف كلّ شيء ».[18]

- إنّ الغَيب،في قصص عماد الدّين خليل، هو هذه النّافدة المطلّة بل هذه المشكاة المضيئة التي تقود خُطى البشر في ظلمات الحَيرة وزحمة الكَرب و تنازع الشّكوك و توزّع الأفكار.و تُنير جادّتهم حين تغيب المعالم و تختفي الأمارات و يَستعصي الحلّ    و يستحيل الوصول:« و أتساءل و أنا أستيقظ متحرّرًا من ضغط الحلم فأحسّ بارتياح شديد و سعادة غامرة و كأنّني أزحتُ عن كاهلي جبالاً من الهموم: أثمَّة علاقة أو صِلة بين هذا الذي رأيته (..) و بين طلب صديقي بيع ساعته المطعَّمة بالماس في عمّان و رغبتي ألاّ أردّ رجاءه و توجّسي المكبوت،في الوقت نفسه، من أنْ يسبِّب لي ذلك أذًى أو شرًّا ؟! ».[19]

و إذا قارنّا موضوع الألوهيّة عند عماد الدّين خليل بمثيله عند سارتر ألفَينا الفرق بين الرّجلين كبيرًا بل التّباعد بين الأدبَين أكبر.وتوضيح هذا الأمر أنّ سارتر[20] قد أكّد في كتاباته أنّ الوجوديّة ليست فلسفة للتّدليل على وجود الله بل تستهدف إثبات أنه حتّى لو كان الله موجودًا لما تغيّر شيء و لما استطاع وجوده أنْ يُحدث أيّ تغيير.و قد أعلن صراحة بأنّ الوجوديّة ليست إلاّ جهدًا لاعتماد الإلحاد مبدأ ننطلق منه لتحقيق كلّ النّتائج الممكنة.ثمّ يختم قائلاً إنّ الوجوديّة لا تدفع الإنسان إلى غياهب اليأس القاتل أبدًا إلاّ إذا اعتبرنا أنّ عدم الإيمان بالله يأس و حينئذٍ يمكن القول بأنّ الوجوديّة تستقي من يأس مرير.و قد ظلّ سارتر،في عموم فنّه، وفيًّا لموقفه من الكون و العالم لصيقًا بنظرته للحياة و ما فَتئ يتغنَّى بقيم التّمرد[21] و الإلحاد.و يمكن استبانة هذا الأمر على لسان بطله،في مسرحيّة ( الذّباب )[22] ، في هذا الحوار التّالي بين جوبيتر إله السّماء و الصّاعقة و الرّعد و بين أوريست الذي قتل أمّه و عشيقها انتقامًا لموت أبيه:

جوبيتر:ألستُ مَلِكك (…) من خلقك إذنْ ؟

أوريست: أنت و لكن ما كان ينبغي أنْ تخلقني حرًّا

جوبيتر: لقد وهبتك حرّيتك لتخدمني

أوريست: ممكن.و لكنّها انقلبت ضدّك و كلانا لا يستطيع فعل شيء

جوبيتر:حقًّا ؟ ألا تعلم أنّها بمثابة عُذر هذه الحرّية التي أنت مُستعبَد لها ؟

أوريست: أنا لست سيّدًا و لست عبدًا يا جوبيتر.أنا حرّيتي.و ما أنْ خلقتني حتّى قرّرت أنْ لا أكون مِلكك.

فما الذي نحصل عليه بعد هذه الموازنة بين أدب الرّجلين ؟ و ما الذي يحصل في أيدينا بعد ابتلاء الموقفين ؟

إنّ خلاصة ما تنتهي إليه هذه المقارنة هو التّأكيد على وجود تباعد كبير بل فراغ موحش بين الوَجد و الفَقد و الصَّفو و الكَدَر و الرَّيّ و الظّمأ و الخصوبة و الجَدب.و هذا الفرق المهُول ليس فرقًا بين شخصيَّتين تنتميان إلى أدَبين مختلفين و إنما هو فرق بين تصوّرَين مختلفَين للإنسان و الحياة و غاية الوجود الإنسانيّ و هو بَون شاسع بين موقفَين من الكون و العالم متناقضَين.

2- العالم في قصص عماد الدّين خليل

العالم،كما سبق بيانه، هو كلّ ما سوى الله تعالى من الموجودات.و الموجود نوعان:الأوّل و هو الموجود الخارجيّ و هو كَون الشّيء في الأعيان أيْ أنه متّصف بالوجود خارج الذّهن و هو في هذه الحال متمتّع بوجود أصيل.الثّاني و هو الموجود الذّهني    و هو ما كان متّصفًا بالوجود في الذّهن أيْ أنه متّصف بوجود ظلِّيّ و ذلك الاتِّصاف لا يكون إلاّ في الذّهن[23].و هذا الجزء من البحث يتناول الشّق الثّاني من العنوان و هو العالم في المجموعة القصصيّة ( كلمة الله ).و الحديث عن صورة العالم عند أيّ كاتب أو فنّان قد يُنْبئنا برؤيا العالم عنده و يُطلعنا،كذلك، على موقفه من الإنسان و الحياة.

أ-الإنسان: الإنسان في مجموعة ( كلمة الله ) ليس لونًا واحدًا بل هو ألوان و مراتب و مستويات.و هذا التّعدد ينشأ عنه علاقات مع العالم تقوم على أسس مختلفة دوافعها شتَّى و هي تنتهي إلى اتّخاذ مواقف مختلفة.و قد بَدا لي بَداء،بعد جمع للمادّة و تهذيبها، فجعلت هذه العلاقات قسمين اثنين: العلاقة مع الأهل و الأقارب ثمّ العلاقة مع النّاس.و في ما يَلي عرض لبعض هذه العلاقات و بيان لها.

-العلاقة مع الأهل و الأقارب: تقوم العلاقة مع الأهل في قصّة ( الاستقبال ) على الحبّ و الشّوق و الحنين.فالفتى الغائب عن أهله شهورًا طوالاً،في بغداد، يعود،اليوم، على مَتن القطار إلى الموصل مسقط رأسه.و لكنّ هذه العودة بما يكتنفها من طول مسافة و منغِّصات شتَّى و توتّر و أفكار و أحوال هي أشدّ عليه و أثقل مضافًا إليها شوقُه المقلق الذي يكاد يخطفه و يطير به.و أمام هذه الحال لا يَفْتأ الفتى يُمنّي نفسه و يسلّيها و يزيّن لها تحمّل الصّعاب و مداراة المنغّصات لأنّ ما تجده يوم اللّقاء و تحظى به عند الاستقبال أكبر من آلام الوحدة و البعد و المسافات: « و تذكّرت و قلبي يخفق كيف سأعوّض عن هذا الإحساس بالإهمال استقبال الأهل لحظة وصولي الدّار… »[24].إنّ موضوع الأهل و العائلة إنما يحيطه عماد الدّين خليل في هذه القصّة بعناية فائقة فيجعله مصدرًا من مصادر القوّة و المقاومة تأوي إليه الذّات دائمًا حين تَدهمها المتاعب و تحاصرها الآلام:« لا بأس..قلت في نفسي..فهناك ستجد الدّفء و الحنان..»[25].و العلاقة مع الأهل في قصص عماد الدّين خليل تقوم،كذلك، على أسس التّقارب و المشاركة و الحوار و ليس على أوهام التّباعد و الاستبداد و الانفراد: « غادرت إلى الموصل لزيارة زوجتي و أولادي و تحدّثت معهم عن التّفاصيل الجديدة و عرضت عليهم فكرة الانتقال إلى بغداد لكي أكون قريبًا منهم و من عملي في الوقت نفسه..»[26].و كذلك تقوم هذه العلاقة على تحقيق قيم التّمازج و الثّقة المتبادلة : « اتّصلت هاتفيًّا بزوجتي و أعلمتها أنّي سأضطرّ إلى المبيت في بغداد..»[27].و مزيّة هذه العلاقات و ما تقوم عليه أنها تُزيل الشّكوك و ترفع اللَّبس و تطارد الوساوس و الهواجس و تسدّ الفجوات الطّارئة و تقوّي الصِّلات داخل العائلة و تؤكّد وحدتها و تجعل كلّ عضو فيها مسؤولاً عن حالها و راحتها في اليوم و الغد.

-العلاقة مع النّاس: العلاقة مع العالم و خصوصًا العلاقة مع النّاس لا تقوم،في قصص عماد الدّين خليل، على الصّراع أو العداوة  و الشّنآن.و لا يوجد في المجموعة القصصيّة ( كلمة الله ) ما يدلّ على احتمال وجود هذه العلاقة و ما يضاهيها أو يُدانيها.و لا شكّ أنّ غياب مثل هذه العلاقة في الفنّ القصصيّ مدعاة للتّساؤل و التّفكير و ليس هذا الحيّز مكانه و أوانه.

في قصّة ( اللّغز المغربيّ )[28]،و هي أكبر قصص المجموعة حجمًا، تقوم علاقة عبد العزيز لغزاوي المغربيّ مع عدنان العراقيّ على قيم الثّقة و التّفاهم و السّهولة و الوضوح.فقد كان كافيًا أنْ يقرأ عدنان إعلانًا في الصّحف يطلب فيه رجل أعمال مغربيّ شريكًا عراقيًّا ليجمع القَدر بين رجُلين متباعدَين في المسافة و الأرض و في الثّقافة و السّنين فتَتأسّس بينهما علاقة إنسانيّة عادت بالغُنم و النّفع على كليهما:«..دَهشت للسّرعة التي رحلت فيها رسالتي إلى الرّباط و عادت بالجواب..فَضَضت الغلاف على عجل..الرّجل المدعوّ عبد العزيز لغزاوي (…) سيطير إلى بغداد خلال أسبوع أو أسبوعين و سيتّصل بي في الموصل فَور وصوله لترتيب موعد اللّقاء و الاتّفاق على التّفاصيل..».و بعد كلّ خطوة و اتّصال كان التّردد يَنزوي و كانت الشّكوك تَنجاب:      « أقفلت السّماعة و أنا أسْحب نفَسًا عميقًا وقلت في نفسي: إنّ الرّجل جادّ تمامًا..و ها هو يَصدق معي للمرّة الثّانية ».

 و حين تتجاوز هذه العلاقة مرحلة التّردد و الشّك و الظّنون تنتقل إلى مرحلة أخرى فيها من الحميميّة و القُرب و التّعارف      والتّعاطف[29] و الحديث عن الأذواق المشتركة و الأطعمة و الألوان و المشاركة و التّقاسم و البَوح و التّناجي و السّؤال عن الأهل و الأولاد و تبادل الدّعوات و الزّيارات…

إنّ هذه العلاقة القائمة بين عبد العزيز لغزاوي و عدنان قائمة على السّهولة و التّفاهم و الصّراحة و الوضوح و من ثَمّ فإنّ كلّ خطوة فيها تُسلم إلى التي تَليها حتّى تبلغ تمامها و منتهاها.إنّ الذي يَلفت الانتباه عند عماد الدّين خليل،و كأنه في هذه القصّة يتبنّاه و يومئ إليه، أنّ العلاقات الإنسانيّة بناءَها و دوامَها و ما ينشأ عنها من تعاون و اتّفاق و ما تُثمره من تبادل و نفع كلّ أولئك لا يتأثّر أبدًا بالانتماء الجغرافيّ و بُعد الشّقة و لا يُعرقله اختلاف الثّقافة و فارق العمر.و لكنّ الذي يبني هذه العلاقات و يوثّقها و يَصونها و يحميها إنّما هو إحاطتها بسياج سميك من الثّقة المتبادلة و الصّراحة و الوضوح و إعمال القيم الإنسانيّة الأصيلة التي تجعل للوجود الإنسانيّ هدفًا و غاية و تعطي لسَعيه و عمله دلالات و معنى.

و بعد هذا العرض الذي تقدّم يقفنا هذا السّؤال: أليس من المبالغة و الشّطط أنْ يرسم القاصّ هذه الملامح لعلاقة إنسانيّة نادرة الوجود ؟ ألا يُسوّق عماد الدّين خليل لنموذج من العلاقات،في حياة النّاس، عزيز التّحقيق ؟ ثمّ..ألا يخشى القاصّ أنْ يحكم على فنّه بالبَوار و الكساد أو أنْ يوصف هو بالمثاليّ أو الواهم حين يحدّث النّاس عن علاقة تكاد تكون مفقودة في حياتهم ؟ و كيف يجوز التّـرويج لمثل هذه العلاقة و تسويقها ؟

إنّ الإجابة على هذه الأسئلة و ما ينشأ عنها من مواقف و أفكار قد يطول و لكنْ اختصارًا للطّريق و انسجامًا مع طبيعة هذا البحث و مساحته يمكن الإجابة من زاويَتين.أمّا الزّاوية الأولى فإنّ هذه العلاقات الإنسانيّة التي يَعزّ وجودها في حياة النّاس حين يتحقّق تصويرها في عالم الفنّ فإنها تنتعش و تحيا بعد غُربة أو ذبول و تكتسب مكانة أخرى تجعلها موضوع عناية و اهتمام.أمّا الزّاوية الثّانية فإنّ الفنّان،حين ممارسته لفنّه، لا يلتفت أبدًا إلى الأفكار الخاطئة و لا يتساءل عن النّماذج الغائبة و لا يَأبه بالأساليب المغلوطة…فكلّ أولئك لا يزعجه و لا يَعنيه لأنّ الفنّ،و هذه إحدى وجوه تباعده عن العلم، هو عصارة معاناة الفنّان الشّخصية،في المقام الأوّل،وهو،أبدًا، إبداع و ارتياد و خلق جديد.[30]

و في قصّة « الوهم »[31] تقوم العلاقة مع النّاس على أساس مختلف مادّته هي الصّرامة و المراقبة و الشّدة و الضّبط حين يَقفنا عماد الدّين خليل أمام شخصيّة ذي النّون عبد الحميد مراقب الامتحانات الذي «لم تُفلت منه محاولة غشّ واحدة عبر خدمته الطّويلة بل لم يحْدث،و بمرور الوقت، أنْ سوّلت لطالب ما نفسُه بأنْ يغشّ في قاعة يراقب فيها ذو النّون!! أو يتولّى الإشراف عليها..».ذو النّون عبد الحميد لا يؤمن إلاّ بشعار واحد يردّده في بيته مع زوجه و أولاده و في عمله مع مسؤوليه و زملائه و هو لا يسأم من نشره و ترديده: ( الوقاية خير من العلاج ) و أفضل خدمة تقدّمها إلى النّاس،كما يعتقد، «..أنْ تقطع عليهم سُبل الإغواء..ترغمهم عل سلوك الطّريق المستقيم (..) حتّى لو كان أحدهم لا يؤمن بأيّ قيمة جادّة فإنه سيجد نفسه بسلطة الرّقابة الصّارمة مرغمًا على سلوك المحجّة…».ذو النون عبد الحميد شديد الاعتزاز بما حقّقه طوال نصف قرن من الخدمة و إيمانه ثابت كالجبال بأنّ رأيه هو الصّحيح و منهجه هو الصّواب و من ثَمَّ فهو لا يَسمح لأحد،يَغار منه أو يحسده، أنْ يناقشه في هذا الأمر أو يشكّكه فيه.و قد تغشاه مَوجة من النّشوة و الغرور فيحدّث نفسه مستعيدًا لحظات سعيدة تزيده ثقة بنفسه و اعتزازًا.و كيف لا : « و أنا أتذكّر البضعة و الأربعين عامًا التي لم تشهد حالة غشّ واحدة في قاعة أقف فيها و قد تمركزت في عيني كلّ قدراتي الحسّية و الذّهنية..و لم يعد يخترقني ثَمّة شيء في العالم عبر ساعات الامتحان…».

ذو النّون عبد الحميد يعاني،هذه الأيّام، القلق الشّديد لأنّ همًّا واحدً كبيرًا يَسكنه و يُرهقه فينشط له و لا يَأبه لغيره و هو     « أنْ أُكمل نصفَ قرن من الخدمة و ألاّ تكون صحيفتي عبر نصف القرن هذا قد عَلقت بها ذرّة واحدة من غبار..».و أكبر ما يخشاه ذو النّون هو البَغتة التي تُفلت من رقابته أو اللَّدغة التي تَفجؤه و تهدم حلمه الكبير: « كنت أحسّ أنّ عليَّ بذل جهد استثنائيّ لأنّ لدغة الأفعى قد تأتي في اللّحظة الأخيرة و من حيث لا يتوقّع إنسان…». هذا هو الأمر الكُبّار الذي يأكل أعصابه و هو لا يقدر أنْ يحتمل عاقبته: «..تُرى لو حدث و أنْ وقع المحذور أيكون بمقدوري أنْ أُزيل مرارته عبر سِني العمر المتبقّية ؟ ».و هذا هو الأمر الجَلَل الذي يهتمّ به ذو النّون و يَغتمّ و هذه هي المعاناة التي يَصْلى بنارها.و كلّما اقترب موعد امتحان الرّياضيات و الإنجليزية ازدادت مخاوفه وتعاظم توتّره: «..و عاد الهاجس المقلق لكي ينشب أظافره الحادّة في جملتي العصبيّة التي بَدا عليها التّوتر و الإعياء لأوّل مرّة منذ خمسين عامًا…».و لتحقيق هذا الأمل الكبير و تجنّب هذا المحذور الأكبر لا يَهدأ ذو النّون عبد الحميد و لا يَفتأ من ترديد شعاراته المألوفة أو المملولة و توزيع أوامره هنا و هناك و حضِّ زملائه على اليقظة و تذكيرهم بنصائحه أو صمّامات الأمان كما يسمّيها: « هناك في الحقيقة منظومة من الأفعال و ردودها لدَى الطّلاب و إذا أحطتم بأبعادها النّفسية و المادّية قضيتم على الفتنة في مهدها..».

إنّ مجموع هذه العلاقات التي تنضح بها قصّة « الوهم » و هي المراقبة و المتابعة و الشّدة الصّرامة و اليقظة و الضّبط  و ما ينشأ عنها من استفزاز للخلايا و انتباه للأعصاب و استحضار للمواهب و بعث للطّاقات و مضاعفة للبذل و استفراغ للجهد و مداولة للعطاء…كلّ أولئك لم يشفع لذي النّون عبد الحميد مراقب الامتحانات الصّارم صرامةً و صاحب شعار: ( الوقاية خير من العلاج ) الشّديدِ مع نفسه و مع النّاس و الذي لم يُلطَّخ سجلّه النّظيف بنقطة غشّ واحدة سوداء مدّة خمسين عامًا.و إنّ القدر قد شاء،و مشيئتُه أكبر، أنْ يكتشف ذو النّون أنّ الاختراق،كما يسمّيه، الذي كان يتوجّسه و يخشاه قد حدث فعلاً و أنّ الغشّ الذي كان يطارده و يَأباه قد حلّ قريبًا من داره بل نزل بساحته و أنّ وَهمه  كان أكبر من فَهمه و أنّ القدر كان أنفذ من مراقبته و أسرع من يقظته و أنّه قد أُتِي من الوهم الذي قاده و ما هداه: « لقد كنت واهمًا..».

إنّ عماد الدّين خليل في هذه القصّة،كما يبدو، لا يستهين بقيم الصّرامة و الجدّية و المراقبة و المتابعة و اليقظة و الضّبط و فاعليّتها و جدواها.و لكنه أراد تبليغ أمر آخر خلاصته أنّ النّظرة الثّاقبة للحياة و الفهم العميق للطّبيعة الإنسانيّة يقتضيان إعمال قيم أخرى إلى جانب هذه القيم التي يَنشط لها ذو النّون و يتبنّاها و تشغيل أفكار أخرى تَحوط العلاقات الإنسانيّة و تصونها و يكون من ثمارها ضمان السَّير الحسن لهذه العلاقات و تحقيق نفعها و دوام سهولتها و سلاستها.و ينبغي الإشارة،قبل الانتقال عن هذا الجزء، إلى أنّ قصّة « الوهم » لها علاقة بأمر آخر سبقت الإشارة إليه و هو ظاهرة الغَيب في قصص عماد الدّين خليل.و لعلّ مناسبة أخرى تجيء،في قابل، تتولّى إيضاح هذا الأمر إضاءة وافية و بيانَه.

و في « مهمّة صعبة »[32] لا نكاد نبتعد كثيرًا عن أجواء القصّة السّابقة إذْ ينقلنا عماد الدّين خليل إلى علاقات أُخَرَ قوامها التّوجس والخوف و اليقظة و الحذر.في « مهمّة صعبة » يكون القاصّ في موقف صعب و بين خَيارين صَعبين:أحدهما أنْ يستجيب طلبَ أحد أصدقائه فيأخذ معه إلى عمّان ساعة مطعَّمة بحجارة الماس يبيعها هنالك.أمّا الآخر فهو أنْ يرفض هذا الطّلب،لأسباب وجيهة، بعد أنْ أبدَى موافقة عليه من قبل.و الذي يجعل هذا الموقف صعبًا ما ينشأ عنه من عواقب و نتائج: فالخيار الأوّل قد يسبِّب له المتاعب: « و قد يُلحق بسمعتي ضررًا و يَدينني بأنّي من تجّار السّوق السّوداء(…) و سيكون فرصة لتدمير سمعتي في بلدي..فها هو ذا المفكّر الفلانيّ يتحوّل إلى سمسار!! ».أمّا الخيار الثّاني فنتيجته أنْ لا يفي بوعده الذي وعده و يتنكّر لكلمته فيخسَر صديقه.إنّ هذا الموقف الصّعب الذي يعانيه القاصّ كما لا يعانيه أحد سواه يجد حلّه في عالم الغيب  و تحديدًا في رؤيا يراها يستأنس بها فتخلّصه من عِبئه و شدّته و تؤيّده في خياره و موقفه.إنّ هذه القصّة،رغم بساطة حَدثها، تجعلنا نستحضر مواقف صعبة،عشناها أو سمعنا عنها، شبيهة بهذا الموقف يمكن تلخيص صعوبتها في هذه الجملة: كيف يمكن للإنسان أنْ يحافظ على نفسه و سمعته و مجموع القيم التي يتبنّاها و أصبح يُعرف بها و أنْ يحافظ،في الوقت نفسه، على وُدّ أصدقائه و وجوب مساعدتهم ؟ و بصورة أخرى: كيف يمكن للذّات أنْ تذهب بعيدًا في تعاملها مع العالم و تواطئها معه مع المحافظة،في الوقت عينه، على سمعتها و قيمها و أفكارها ؟ و بأسلوب مركّز أوضح: كيف تتعامل الذّات مع العالم حين تشعر بالتّهديد و الخطر قادم مِن قِبله ؟

إنّ خلاصة « مهمّة صعبة » يمكن صياغتها في هذه المعادلة الصّعبة: كيف يمكن المحافظة على الذّات و إ ثبات الوجود في وسط هذا العالم المائج و في خضمّ الزّعازع و حين العواصف و التّحديات ؟ و هذه مهمّة صعبة كذلك.و لئن كان عماد الدّين خليل قد وجد حلاًّ لمشكلته في الاستغاثة بعالم الغيب و التّحصن به،كما هو حاله في عموم قصصه، فإنّ كثيرين غيره قد يخبطون خَبط عشواء و لا يجدون هذا الحلّ أو شبيهه.

و بعد هذا العرض الخفيف لنماذج من القيم و العلاقات مع العالم يُدركنا هذا السّؤال: ما هي طبيعة هذه العلاقات ؟ و ما هي طبيعة الشّخصيّات القصصيّة الفاعلة داخل هذه الشّبكة من العلاقات ؟

إنّ شخصيّات عماد الدّين خليل تنتمي إلى العالم انتماءً حقيقيًّا و هي شخصيّات تتمتّع،في عمومها، بالإرادة و الوعي و التّصميم و الحضور[33].و قد أهّلتها مجموع هذه الأوصاف لأنْ تثبت ذاتها و تحقّق وجودها و تتعامل مع العالم تعاملاً سهلاً واضحًا يقوم على التّواصل و الحوار و تبادل المصالح و الأفكار و حبّ السّعي و إتقان العمل و حبّ المغامرة و الاكتشاف    و التّشارك في الطّعوم و الميول و التّلاقي في الألوان و الأذواق و التّفاؤل و الأضواء و استقبال الحياة كما هي بحلوها و مرّها    و التّكيف[34] مع أوضاعها الصّعبة و ظروفها القاهرة…

و إنّنا حين نقارن عالم عماد الدّين خليل و شخصيّاته ذات الفاعليّة و الحضور بشخصيّات سارتر في ( الغثيان ) يُذهلنا الفرق العظيم بين تصوّرَين للحياة متناقضين.فعالم سارتر،في هذه الرّواية، هو العُطلة و الرّكود و الظّلمة و الانقطاع و غياب الأمل و الأضواء و فَجاجة الذّوق و شُحوب الألوان و اليأس في الغد المغلَّف بالتّشاؤم.و الغثيان هو الشّعور بالقيء و لكنّ له معانيَ أُخَر لصيقة بمعناه الأوّل،أو هي تابعة له، و هي الضِّيق و الضَّجر و النّفور و الاشمئزاز.و سارتر باختياره لهذا العنوان لم يَكُن بعيدًا عن مجموع هذه المعاني.

و توضيح هذا الأمر أنّ الغثيان إذا كان هو الشّعور الحادّ بالقَيء الذي يُعْجل صاحبَه و يدفعه إلى الاستفراغ و إبعاد كلّ الأجسام الغريبة و طرح الموادّ الضّارة عن الجسم و تخليصه منها لإراحته و شفائه فإنّ روكنتان و هو بطل رواية ( الغثيان ) الذي يَمقت وجوده و يراه فارغًا من أيِّ معنًى يسلك السّلوك نفسه فيلجأ إلى النَّأي بجانبه و الابتعاد عن هذا العالم الذي يكرهه و لا يَقبله بل يَمقته و يزدريه محاولاً الانقطاع عنه فكريًّا و روحيًّا و جسديًّا.و في ( الغثيان )[35] نصوص كثيرة يعبّر بها روكنتان عن انقطاعه عن العالم بقوله: « أنا أعيش وحيدًا تمامًا.لا أكلّم أحدًا أبدًا.لا آخذ شيئًا و لا أعطي شيئًا ».و يصوّر روكنتان شعوره بالغثيان بقوله: « لم يكن الغثيان بداخلي:إنني أحسّه هناك على الجدار و على حِمالات السِّروال و في كلّ مكان مِن حولي.إنه يشكّل شيئًا واحدًا مع القهوة.أنا من كان بداخله ».و حين يشتدّ الأمر و يذوب هذا الغثيان في صاحبه فيصبح حالته الطّبيعية أو حين يذوب الإنسان الوجوديّ في هذا الغثيان فتَغيب المسافات بين الذّات و الموضوع و تختفي المعالم و الحدود و تتلاشى الأبعاد و الأمارات-حينئذ يصبح الإنسان الوجوديّ هو المرض نفسه: « لم يفارقني الغثيان و لا أعتقد أنه سيفارقني قريبًا.و لكنّي لم أَعُد أُكابده أو أُعانيه.إنه ليس مرضًا و لا أزمة عابرة.إنه أنا ».

ب-الطّبيعة: الطّبيعة في المجموعة القصصيّة ( كلمة الله )[36] هي إحدى الموجودات الجميلة التي لا يمكن للبصيرة و الأبصار أنْ تَعشُوَ عنها أو أنْ تتنكّر لجمالها.و الذي يزيدها جاذبيّة و جمالاً و يضاعف من شأنها ارتباطُها بالدّيار و مَرتع الطّفولة و مسقط الرّأس: «..ثمّ ما يَلبث ضوء النّهار أنْ يكشف لي في المدَى مُنحنيات الموصل و روابيها التي بدأت تتلقَّى،و لا رَيب، الكلمات الأولى من غزل الرّبيع فتتنفّس بالخضرة و الجمال و العطاء…».و حينئذ تصبح الطّبيعة مكانًا ذا دلالة و شأن تنتمي إليه الذّات و تتباهى به و تعتزّ بانتمائها إليه فتتقاسم مع النّاس خصوصيّته و جماله: « سأعود إليكما إنْ شاء الله بعد يومين أو ثلاثة لأصطحبكما إلى الموصل و أُريكما ربيعها الجميل..».

و كذلك تقوم العلاقة مع الطّبيعة على التّعارف و التّعاطف:«..و قلت في نفسي:لو كانت الرّحلة في النّهار لكان لي شأن آخر مع الملل و الانتظار.فعبر النّافدة يمكن أنْ أُنشئ،كعادتي، علاقة ما مع الطّبيعة و الأشياء و الموجودات و حينذاك قد تمضي السّاعات دون أنْ أشعر بها ».و في هذه الحال تصبح الطّبيعة كائنًا حيًّا شبيهًا بالأقارب و الأصدقاء الذين تطمئنّ إليهم النّفس و ترتاح في معيَّتهم فتجالسهم و تحاورهم و تتبادل معهم المصالح و المعاني و العواطف و الأفكار.

إنّ الطّبيعة عند عماد الدّين خليل هي غِبطة النّفس و مُتنزَّه الرّوح و مَسرح العيون.و هي،أيضًا، مصدر من مصادر القوّة ترتدّ إليه الذّات لمغالبة ما أَلمّ بها من ضيق و شدّة و احتقان أو ما غَشيها من سأم و مَلل و طول طريق و انتظار.و ليس بخافٍ أنّ هذه العلاقة الجميلة التي يرسمها عماد الدّين خليل للطّبيعة،في قصصه، إنّما استقى معناها و استمدّ مغزاها من التّصور الإسلامي الذي يجعل الكون و العالم،بما فيه الطّبيعة و مكوّناتها، كائنات حيّة تَلهج بذكر الله و تسبّح بحمده و لا تَملُّ،عَوضُ، من الإمداد و العطاء والفَيض و الإشراق.

ج-الحياة الدّنيا: الحياة الدّنيا ليست ممجوجة في ( كلمة الله ) و ليست مُزدراة بل إنّ إكسيرها ليَسري في عروقها بقوّة و في أعضائها.و إنّ أوّل ما يَلفت انتباه القارئ في هذه المجموعة أنّ قصصها تضِجّ بالحركة و السّعي و الجهد و العمل.

ففي قصّة ( اللّغز المغربيّ )[37] تسير الأمور بسرعة كبيرة بين صدور الإعلان،في الصّحف، و لقاء عدنان لعبد العزيز لغزاوي:    « كتبت رسالة موجزة و وضعتها في البريد » « بعد أقلّ من شهر جاءني الجواب » « بعد أيّام قلائل دقّ الجرس » « سأسافر إليه ظُهر اليوم نفسه » « تلقّيته بالأحضان و تبادلنا القبلات و كلمات التّرحيب ».ثمّ يتّفق الرّجلان على مباشرة العمل في الحين: « فلنتوكّل على الله يا عدنان فإنّ خير البرّ عاجله ».إنّ التّباعد بين الرّجلين في الزّمان و المكان إنّما اختصرته الحركة و جعل اللّقاءَ متحقَّقًا بينهما هذا النّزوعُ الكبير إلى السّعي و الجدّ و العمل.

و كذلك تَفيض شخصيّات عماد الدّين خليل بحبّها الكبير للحياة و المغامرة و الاكتشاف و هي لا تُفوّت فرصة تُخرجها من سجن الكآبة و حصار السّأم و وَطأة الملل «..جاء هذا الإعلان فرصة لكسر الحصار و محاولة الاكتشاف من جديد ».و ليس تقدّم السّن مانعًا لسَعيها أو معطّلاً لحركتها « ما أثار دهشتي أنّ الرجل مُوغل في العمر إلى حدّ ما و أنه يستقبل العقد السّابع لكنه يملك حيويّة ملحوظة..».و من مظاهر الحياة الدّنيا و ممارستها أنّ الزّواج،و هو رباط ذو مسؤوليّة و تكاليف، لا يقف دون تحقيقه تقدّم السّن:« سأتزوّج عمّا قريب..».و لا يَصدّ عنه فارق العمر ما دامت اندفاعة الحياة[38] حاضرة و آثارها سارية: «..أنتم أيّها الجيل المخضرم أشدّ تشبّثًا بفرص الحياة منّا نحن الشّباب المساكين..».

هذه هي صورة الحياة الدّنيا في مجموعة ( كلمة الله ) و هذه هي مظاهرها: الحركة الدّائبة و حبّ السّعي و العمل و مطاردة اليأس و الملل و حبّ المغامرة و الاكتشاف و التّنقل و الأسفار و التّفنن و الجمال و القيام على الأهل و الأولاد و التّمتع بالطّعام و الشّراب و سائر المتَع و اللّذات…

ليس في قصص عماد الدّين خليل،إذنْ، ما يدلّ على ازدراء القاصّ،أو ازدراء شخصيّاته، للحياة الدّنيا أو تبرّمهم منها لأنّ جميع هذه الشّخصيّات تؤمن بأنّ هذه الحياة هي هِبة الله الكبرى التي لا تُردّ و نعمته التي لا تُضاهَى و هي تشعر بوجوب عَيشها و ممارستها و الامتلاء بها و الاحتكاك بأوضاعها و معاناة أحوالها لأنها فرصتها الوحيدة لصناعة حاضرها و بناء مستقبلها و إثبات ذاتها و تحقيق وجودها.

فإذا ذهبنا نقارن صورة الحياة عند عماد الدّين خليل بصورتها الأخرى في فنّ العبث[39] و خصوصًا عند صامويل بيكيت فاجأنا التّباين بين الصّورتَين بل صَدمنا التّباعد بين التّصورين.و توضيح ذلك أنّ صامويل بيكيت مَسكون،في فنّه، بهاجس ثقيل و مَعنيّ بجهد واحد و هو تصويره للحياة على أنها سجن كئيب وعذاب لا ينتهي أو عقوبة لا تُطاق و كأنه مرسَل ليقنع العالم بأنّ هذه الحياة لا تستحقّ اهتمامنا و لا تستحق أنْ تُعاش.و هذا التّصوير فيه من التّطرف ما لا يَخفَى و من الانحراف ما هو جَليّ بل هو من خداع الذّات  « فالكاتب يجلس في مقعده المريح و يكتب عن رؤياه للعالم كما لو كان يَنطق بإنجيل ثمّ إنه يصدّق نفسه كالفيلسوف.و هو يميل إلى تقديم ردود الفعل الطّبيعية المزاجيّة التي تتولّد لدَيه نحو الحياة و كأنما هي نتيجة بحث و تمحيص دقيقَين للكون ».[40]

د-السّأم و الملل: السّأم و الملل،في قصّة ( الاستقبال )[41] شعور إنسانيّ محض و هو يتوزّع صفحاتها بنِسب متفاوتة و أنصبة ومقادير.وقد يَندسّ هذا الشّعور في الزّوايا و يَقبع في المنحنيات أو قد يتسلّل إلى النّفس في غفلة من صاحبها أو على كُره منه و رغمًا عن إرادته.و هذا الشّعور بالسّأم و الملل قد يكون لحظة عابرة: «..و قلت في نفسي: لو كانت الرّحلة في النّهار لكان لي شأن آخر مع الملل و الانتظار…» كما قد يكون لحظة لا مناص منها: «..فليس ثَمّة شيء إذنْ..ليس ثَمّة ملاذ من الملل و الانتظار..».و قد يكون لحظات جاثمة ثقيلة على النّفس تَقتلها و لا تُحييها: «..و كان الملل و الفراغ قد بدآ يتسرّبان إلى عظامي و لم يَعد ثَمّة ما يمنحني الفرح اليوميّ والتّشبّث بالأشياء كما كنت في بدايات شبابي..».

و لكنّ الحياة قد تَهب الإنسان فرصًا سانحة تخرجه من سجن الملل الكئيب و وطأته الشّديدة: « تذكّرت الملل و الفراغ و فقدان طعم الأشياء..و الممرّ الضّيق بين الشّباب و الكهولة و قلت في نفسي:لكَم أنت محظوظ يا عدنان..ها هي ذي الفرصة تجيئك دون أنْ تبذل جهدًا للبحث عنها..».و في كلّ الأحوال فإنّ هذا السّأم و هذا الملل ليس كابوسًا يأكل الذّات و هو ليس عذابًا مُقيمًا يخنق الأنفاس ويمزّق الأعصاب.و لكنّما هو ملل و انتظار ناشئ مِن بطء حركة القطار و تطاول المسافات أو هو ناجم مِن شَوق مُقلق يكاد يخطف صاحبه فيطير به إلى أهله و ذويه الذين غاب عنهم أشهرًا معدودات.و هذا السّأم و الملل قد يكون ناشئًا،أيضًا، مِن دُلوف المرء إلى مرحلة من العمر يودّع فيها حيويّته أو يكاد و تَخفُت فيها حركته و تَذوي جلَبته و تتخافت فرحتُه و تَنزوي دهشتُه و يفقد فيها طعم الأشياء الأوّل و بنَّتها الأصليّة.

و الانتظار،في قصص عماد الدّين خليل، ليس بعيدًا عن الشّعور بالسّأم و الملل: « الحمد لله..ها أنت تجد أخيرًا من يشاركك الانتظار و لن تبقى وحيدًا منعزلاً بعد الآن..».ففي هذا المقطع نجد أنّ الانتظار و هو عبء على النّفس و ضغط على أعصابها و هو،في الوقت نفسه، انقطاع عن الحركة و الحياة بصورة ما- هذا الانتظار يمكن للذّات أنْ تتحمّله و تتجاوز آثاره أو تتجنّب ما ينشأ عنه من عِلل و أعطاب بوجود الله تعالى و بالاستئناس بمعيَّته.فالانتظار إنما يكون،هنا، في معيّة الله تعالى خالق الزّمان  و المكان و مع العالم لا خارجه.و حين تتحقّق الذّات الإنسانيّة بالحضور الإلهيّ و تطمئنّ إلى معيّته مضافًا إليه حضور العالم الذي تتقاسم معه المصالح و الحياة و تستوعب حقيقته و مقتضياته فإنّ الانتظار يكون،حينئذٍ، وضعًا طبيعيًّا أو مرحلة عاديّة تُسلم إلى ما بعدها و لا يكون أبدًا سيفًا مُصلتًا على الذّات أو سجنًا ضيّقًا يعوِّق حركتها و انطلاقها أو مرضًا يدمّر طاقاتها   و يُتلف أعصابها.

و بهذه الإيحاءات القويّة استطاع عماد الدّين خليل أنْ يتجاوز مجموع القيم الكالحة التي سوّق لها صامويل بيكيت في مسرحيّته ( في انتظار غودو ) و في مجموع فنّه أيضًا.و قد بلغت كتاباته حدًّا من التّشاؤم لا يُضاهَى و درجة من العبث و اللاّمعقول غير مسبوق إذْ هو مَعْنِيّ،في أغلب أعماله، بإقناعنا بأنّ شخوصه « يشعرون بأنّهم كمرضى الأسنان الذين نَسِيَ طبيب الأسنان أمرهم فظلّوا ينتظرون في قاعة الانتظار »[42].ففي مسرحيّة ( في انتظار غودو ) يصوّر صامويل بيكيت الانتظار لَعنةً ملازمة لشخصيّة فلاديمير و استراجون اللّذين يعيشان الآلام تحت وطأة السّأم و الملل و اللاّجدوى و الفراغ و يتطلّعان إلى مجيء غودو ليُنقذهما من هذا البأس الشّديد.و تنتهي المسرحيّة و لا يجيء غودو و لا نحصل منها إلاَّ على شيء واحد:الانتظار.

الانتظار الذي لا جدوى منه و لا أمل من ورائه و لا نفعَ.فغودو لم يَأْتِ أمسِ.و لم يأتِ اليومَ.و أغلب الظنّ أنّه لن يأتيَ غدًا.و حينئذٍيستحيل الانتظار وضعًا طبيعيًّا لصيقًا بالشّخصيتين.و ليس بخافٍ أنّ غودو الذي ينتظره البَطلان هو هذه النّجدة التي لا تصل و الإسعاف الذي أبطأ أو هو هذا الخلاص بَعيد الحدوث الذي ينتظره الإنسان من الخارج أو من عالم الغيب[43]

إنّ الانتظار و السّأم و الملل،في قصص عماد الدّين خليل، ليس شبيهًا بذلك السّأم و الانتظار الذي تَنضح به مسرحيّة  بيكيت و ليس هو مشتقًّا منه و لا هو قريبًا من معانيه.و سبب الفرق بين اللّونَين أنّ صامويل بيكيت يعاني انقطاعًا[44] عن الكون و انقطاعًا عن العالم و الحياة في حين نجد أنّ عماد الدّين خليل قد عصمه تصوّره الإسلاميّ من الوقوع في هذه الدّياجير و وهبه القدرة على التّعايش مع الكون و العالم و التّعامل مع الأوضاع الخاصّة و التّكيف مع الحالات الطّارئة التي تَثقل على الإنسان،أحيانًا، حين تحيط به من كلّ جانب فتشوِّش فكره و تُعوّق حركته و تَهَق انطلاقه.و إنّ هذا التّصور،بهذه الأوصاف التي سبقت و بأُخَرَ صِنْوانٍ قد يُؤتي أصحابه،أيضًا، القدرة على مصاحبة هذه المواقف الصّعبة و الأوضاع المزمنة و الحالات الحادّة بل ترويضها و التّحكم فيها وتجاوزها.و هذا الأمر لا تستطيع أنْ تحقّق بعضَه أو مَثيله كلّ التّصورات الأرضيّة و لو كان بعضها لبعض ظهيرًا.

إنّ خلاصة ما ينتهي إليه الفِكر بل زبدة ما يُسرع إليه الخاطر هو الجزم و التّأكيد أنّ مجموع أحاسيس السّأم و الملل حين تكون في إطارها الطبيعيّ فإنها لا تدلّ،البتّة، على تمزّق أصاب الشّخصية الإنسانيّة و لا تكون،أبدًا، تعبيرًا عن شذوذ أَعْطبها أو دليلاً على حالة من ضياع الإنسان و انقطاعه عن الكون و العالم.إنّ الشّعور بالسّأم و الملل أحاسيس إنسانيّة محضة: فمَنْ مِنَّا لم تَأسره هذه الأحاسيس مرّة واحدة في حياته أو مّرات ؟ و مَن مِنَّا لم يتلبَّسه السّأمُ و يسكنه الملل و يَحتوِه الفراغ لحظة واحدة،في عمره، أو لحظات ؟ و مَن مِنَّا لم يكن ضائقًا بوجوده أو بوضعه و ضَجرًا بعالمه في حالة معيّنة أو في حالات ؟ إنّنا جميعًا،نحن البشرَ، قد وقفنا موقفًا عبثيًّا ما في حياتنا و إننا جميعًا لا نَسْلم من مطاردة أحاسيس السّأم و الملل و اللاّجدوى و الفراغ.و قد تكون هذه الأحاسيس حالاً طبيعيًّا و وضعًا مفهومًا حين تكون حافزًا إلى سلوك نوعيّ أو دافعًا إلى وعي جديد فتكون،حينئذ، سببًا فعليًّا و وسيلة ناجعة لإخراج الإنسان من تفاهة مرتبته و إنقاذه من ضياع ذاته.و لكنّ هذه الأحاسيس لا تكون أبدًا « حالة طبيعيّة » أو « وضعًا مفهومًا » إذا هي أخذت حجمًا زائدًا في اهتمامات الحياة الإنسانية.و كذلك لا تكون موقفًا مفهومًا حين تصبح هي غاية الوجود الإنسانيّ و غاية جهده المتواصل و غاية هذا الكون و العالم.

ه- الموت: الموت ظاهرة كبرى ملازمة للأحياء و الموجودات يتساوى أمام حكمه البشرُ جميعًا و لكنهم يظلّون مختلفين في موقفهم منه و في طبيعة شعورهم به.و موضوع الموت،في الآداب و الفنون، قد يهيِّئ للباحث مناسبة للوقوف على رؤيا العالم عند الفنّان أو الأديب و استبانة موقفه من الحياة و الكون.

و إنّ الموت في المجموعة القصصيّة ( كلمة الله )[45] لعماد الدين خليل ظاهرة عاديّة و أمر واقع يتعامل معه النّاس تعاملاً مختلفًا لعظمه و شدّة وطأته و لكنهم يظلّون،أثناء نزوله و بعد وقوعه، متّصلين بالحياة و بحركتها مرتبطين بصخبها و ضجيجها و مؤمنين بسعيها و كدّها.فقد يجيء الموت موعظة و ذكرى أو قد تُعيد المرءَ إليه أوضاع يحياها و أحوال تتغشّاه: « و حاصرني إحساس  قاس بالاختناق (..) و لست أدري لمَ تذكّرت لحظة تغييب الجسد في التّراب..عقب الموت..دسّه فيه و إهالة الرّكام عليه ».و في قصّة ( الاستقبال ) يكون موت حسن البزّاز عميد الشّرطة مصيبة نزلت على أهل الفتى.و قد بلغ هَول هذه الفاجعة و وَقعها الشّديد حدًّا صَرف العائلة و أنساها استقبال ابنها بل أذهلها عن كلّ أمر ذي أهمّية و بال.

فالموت و حضوره في هذه القصّة،كما يصوّره عماد الدّين خليل، تتصاغر أمامه كلّ الاهتمامات الكبرى و تتضاءل حين نزوله و في زحمة مقتضياته كلّ عناية أخرى و لو عظُمت و يتراجع أمام وطأته كلُّ فرح أو بهجة أو استقبال.و لكنّ اتّصاف الموت بهذه الشّدة و الوطأة و تحلّيه بهذه الهَيبة و الجلال و بَغتَته و فُجاءته كلّ أولئك لا يُخرج النّاسَ عن شعورهم السّويّ و لا يَأفكهم عن موقفهم المتّزن و لا يَتشوّش الأمرُ عليهم فتسوء رؤيتهم للحياة و ينقطع انتماؤهم إلى العالم فتُظْلم أفكارهم و تَدْلهمّ معانيها.

فما الذي جعلهم يقفون من الموت هذا الموقف البديع ؟ و ما الذي خفّف،إذنْ، من هَول هذه الفاجعة عندهم ؟ و ما الذي لطّف من آثارها في نفوسهم ؟

إنه الحضور الإلهيّ الذي يَكلؤهم باللّيل و النّهار فيستشعرون لطفه و يُحسّون رعايته و يصاحبون آثارها: « و سمعتهم يردّدون: لا حول و لا قوّة إلاّ بالله…»، « إنّا لله و إنّا إليه راجعون..».فأمّا العبارة الأولى فهي اعتراف بالضّعف أمام شدّة الفاجعة و عدم القدرة و الاحتمال و رضًى بقضاء الله و استمداد للقوّة منه و الصّبر و المصابرة لتجاوز آثار النّازلة.و أمّا الثّانية فهي تذكير بوحدة المصير و المآل و حتميّة الرّجوع إلى الله.

و قد رسم عماد الدّين خليل،في قصصه، صورة أخرى للموت جديرة بالعرض،في هذا المقام، و لا يمكن طيّها أو تجاوزها لنُدرتها و جمالها و عمق دلالتها.في قصّة ( اللّغز المغربيّ ) و في زحمة السّعي الجادّ للفوز بأفضل الصّفقات و تحقيق الأرباح يفاجئ الرّجل المغربيّ شريكه عدنان العراقيّ بنيّته في زيارة مقبرة الشيخ معروف و هنالك يشير إلى بقعة خالية فيها طالبًا منه أنْ يشتريها له و بأيِّ ثمن! إنّ عبد العزيز لغزاوي المغربيّ حين نزل بغداد لم يَكن هدفه التّجارة و تحصيل الأموال و عقد الصّفقات و لكنّما غايته صفقة واحدة كبرى هي عنده أجلّ و أكبر: « صفقتي الكبرى هي هذه!! إنني أحلم بأنْ أُدفن هنا يا عدنان..».

إنّ عبد العزيز لغزاوي ذا السَّبعين و ذا الثّروة و الوَفرة و البَنين مِلؤه الحيويّة و الأمل يَفيض حركةً و نشاطًا يحبّ الأسفار و التّنقل و الاكتشاف و هو مقبل على الزّواج و الارتباط و مستمتع بالحياة الدّنيا و ملاذّها…إنّ هذا الرّجل السَّبعينيّ بهذه الملامح و هذه الجاذبيّة و الأوصاف يَرنو إلى الدّار الأخرى و يتأهّب لها تأهّب العريس لليلة عُرسه و هو مستعدّ للقاء الموت و يتطلّع إليه مستعجلاً خاتمته كأنّه يُسابق أجله!

فأيُّ صورة للموت يرسمها عماد الدّين خليل في هذه القصّة ؟ و كيف اصطنعها و من أين استوحاها ؟ ثمّ..أيُّ لفظ مهما سَما يملك رسم هذه الصّورة ؟ و أيُّ تعبير مهما عَلا قد يدّعي الدّنوّ من معناها أو ملامسة مغزاها ؟ إنّ هذه الحال تصويرَها و اكتناهَها لا تستطيعه كلّ القوالب و الألفاظ و تعجز عن إدراك بعضه أو نصفه كلُّ المعاني الجاهزة و الكلمات لأنّ الرّؤيا،هنا، أكبر و أوسع وأجلّ و إذا اتّسعت الرّؤيا ضاقت العبارة: « دهشتُ لطلبه و وجدتني للحظات قبالة المفارقة الحادّة بين الحياة و الموت…بين الكدح البشريّ..و التّكاثر بالأموال و الأشياء…و بين الانسحاب المفاجئ إلى التّجرد و التّلاشي..و هممتُ بأنْ أقول شيئًا…».إنّ الموت في ( كلمة الله ) لا يَسلب الحياة الدّنيا زينتها و لا يَنْضو عنها خُضرتها و هو ليس كابوسًا يُنغّص على النّاس لذّتهم و يحرمهم مُتعهم فيصنع العبث و اللاّمعقول في حياتهم.ففي أيِّ تصوّر يبلغ النّاس هذا المستوى السّامق من الاختلاط بالحياة الدّنيا و زينتها و التّملؤ منها و التّعامل مع مقتضياتها و الاستمتاع بلذّاتها و المحافظة في الوقت نفسه على مستويات عُليا من الشّفافيّة و الرّوحانيّة و التّجرد و الانطلاق ؟

إنّ الذي حقّقه عماد الدّين خليل في قصصه،و قد نجح فيه، هو إرادته أنْ يُقاسمنا نظرته للحياة و تصوّره للموت و أنْ يهيِّئ لشخصيّاته القصصيّة مناسبة جميلة و هي الجمع بين الدّنيا و الآخرة و الحياة في العالَمين معًا و القيام بمقتضياتهما في سهولة و يُسر.و كأنّ هذين العالَمين اللّذين يشعر كثير من النّاس بتباعدهما بل بتنافرهما يسيران جنبًا إلى جنب و كأنّهما قد عقدا العزم على المصالحة و الوئام.و هذا الأمر ظاهرة أخرى في فنّ عماد الدّين خليل محوجة إلى إضاءة و بحث و استقصاء.

فإذ أردنا أنْ نقارن هذا الموقف الفريد من الموت و هذه النّظرة المثلى للحياة،في قصص عماد الدّين خليل، بنظيرها في الأدب الحديث فماذا نحن واجدون ؟ ليس من المبالغة القول بأنّنا،بعد عقد هذه المقارنة، لا نجد إلاّ شيئًا واحد يتجهَّمنا و لا نصادف إلاّ معانيَ كالحة تُفزعنا: الجَدب ثمّ الجدب ثمّ الكَدر و الانقطاع.و لْنستمعْ إلى أوجين يونيسكو،و هو أحد كتّاب العبث و اللاّمعقول، حين يقول: « لقـد خُلِقنا لكي نكـون خالدين و مع ذلك نموت.الأمر مُخيف و لا يمكن أنْ يُحمَل محمل الجدّ ».[46] و كذلك يَتبع خَطوه أو يَقتفي خَبطه ألبير كامو[47] حين يقول: « ما دُمْنا سنموت فليس لأيِّ شيء معنًى ».

إنّ خلاصة ما يمكن أنْ يُقال في موضوع الموت و الحياة، كما تناولهما عماد الدّين خليل، إنه ليس هناك فوق الأرض إلاّ تصوّر واحد يملك أنْ يهيِّئ للنّاس مناسبة الجمع بين الحياة الدّنيا و الآخرة في زواج جميل بديع و يُقدّم لهم فرصة نادرة للقيام بتكاليف الحياة ومقتضيات الموت بهذه الرّوعة و العظمة و الجمال.ليس هناك إلاّ تصوّر واحد يحقّق به البشر هذه الصّورة الإنسانيّة المثلى و يَبلغون به هذه المستويات العُلى.ليس هناك إلاّ تصوّر واحد كفيل بهذا المشروع زعيمٌ بهذا الأمر و هو قادر عليه يحقّقه و لا يدّعيه يملكه و لا يَستجديه ألا و هو التّصور الإسلاميّ للكون و العالم و الإنسان و الحياة.

خاتمة:

و بعدُ: فهل استطاع هذا البحث و صفحاته ذوات العدد أنْ تستبطن هذه المجموعة القصصيّة و تُحيط بها خبرًا ؟ و هل نجح هذا البحث في  إعطائنا صورة ما عن هذا العمل الفنّي و رسم ملامح صاحبه و اكتناه عالمه و أكوانه و ابتلاء مشاربه و هواجسه ؟ الحقّ أنّ القارئ لهذه المجموعة يخرج بانطباع واحد كبير و هو أنّه أمام لون من الأدب أصيل ذي إضافات نوعيّة لا تُدفع و لا تتقنّع و أنّ له طعمًا خاصًّا و بنّة متميّزة.فمن أين جاءه،إذنْ، هذا التّميز و هذه الخصوصيّة ؟ هل هي الأدوات الفنّية التي يتوسّل بها القاصّ ؟ هل هو التّصور الذي يَصدر عنه و يَستقي منه ؟

 أعتقد أنّ هذا التّميز منشؤه من هذين الجانبَين كليهما.و لكنّي أحبّ،في هذا المقام، أنْ أقف عند هذا التّصور الذي يَستقي منه عماد الدين خليل في قصصه و هو التّصور الإسلامي للكون و العالم و الإنسان و الحياة.و يقوَي الاعتقاد،عندي، أنّ التّصور الإسلاميّ،و هو تصوّر قاهر مهيمن، ذا الإيحاءات العميقة و القيم و الألوان الجميلة قادر إذا تهيّأت له الطّاقات الفنّية التي تستوعبه و المعاناة الكبيرة التي تستبطنه أنْ ينشئ أدبًا إنسانيًّا راقيًا تتفيّأ النّفوس المكدودة بظلاله و يصنع فنًّا إنسانيًّا هو نسيجُ وحدِه يحقّق المتعة و الفائدة كليهما و يضيف إلى أعمار هذه الإنسانيّة المتعبة أعمارًا أخرى تحظى فيها بفرصة سانحة فتذوق معاني جميلة و عواطف قويّة شتَّى و تفوز بالنّعمة الكبرى التي لا مثيل لها حين تعيش في تناغم و انسجام و وئام مع الكون و العالم.

قائمة المصادر و المراجع العربيّة

1- ابن سينا- منطق المشرقيِّين و القصيدة المزدوجة في المنطق.منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النّجفي.قم.إيران

2- الأصفهاني- المفردات في غريب القرآن.دار المعرفة.ط.السّابعة.بيروت لبنان.2015

3-أبو البقاء أيّوب بن موسى الحسيني الكفوي-الكلّيات.معجم في المصطلحات و الفروق اللّغوية.قابله على نسخة خطّية و وضع فهارسه عدنان درويش و محمد المصريّ.مؤسّسة الرّسالة.ط.الثّانية.بيروت.لبنان.1998

4- التّهانوي محمد عليّ-كشّاف اصطلاحات الفنون و العلوم.الجزء1،2.تقديم و إشراف و مراجعة رفيق العجم.مكتبة لبنان ناشرون.ط.الأولى.1996

5-الجرجاني عبد القاهر كتاب المقتصد في شرح الإيضاح.الجزء 1.تحقيق كاظم بجر المرجان.منشورات وزارة الثقافة و الإعلام.1982

6-الجرجاني عليّ بن محمد الشّريف-التّعريفات.طبعة جديدة.مكتبة لبنان.بيروت.1985

7- جميل صليبا-المعجم الفلسفيّ.الجزء 1،2.دار الكتاب اللّبناني.بيروت.1978

8- سارتر-الوجودية مذهب إنسانيّ.قدّم له كمال الحاج.دار مكتبة الحياة.بيروت

9- علي عزّت بيغوفيتش-الإسلام بين الشّرق و الغرب.تر محمد يوسف عدس.مؤسّسة النّور الكويتيّة.ط.الأولى.1994

10- عماد الدين خليل- مدخل إلى نظرية الأدب الإسلامي.مؤسسة الرسالة.ط.الأولى.بيروت.ط.الأولى.1987

     -المجموعة القصصية ( كلمة الله ).دار ابن كثير.دمشق.سوريا.2006

11-كامو- الإنسان المتمرّد.تر نهاد رضا.منشورات عويدات.ط.الأولى.بيروت.1963

12- كولون ولسن-المعقول و اللاّمعقول في الأدب الحديث.تر أنيس زكي حسن.دار الآداب.                                                                                                                                                                                                            بيروت.ط.الرابعة.1978

13-مجمع اللّغة العربية بمصر-المعجم الفلسفيّ.الهيئة العامّة لشؤون المطابع الأميرية.القاهرة.1983

14–مجمع اللّغة العربية بمصر-المعجم الوسيط.الجزء 1،2.دار الفكر.ط.الثّانية

15- مجموعة من المؤلّفين-مسرح العبث.ترجمة لأربع مسرحيّات لصامويل بيكيت،أوجين يونسكو،إدوار آلبي و جان جيني مع دراسة لمسرح العبث و اللاّمعقول.الهيئة المصرية العامّة للتّأليف و النشر.1970

قائمة المصادر و المراجع الأجنبيّة

1- Jean Paul Sartre-La nausée.éditions Gallimard.France.1938

- Les mouches. éditions Gallimard.France.1947

2- Larousse- La grande encyclopédie.Volume 1,8.Librairie Larousse.Paris. France.1971

3- Pierre Mélése- Beckett.Seghers.3eme édition.Paris.France.1969

1- النّزوع: عند الفيلسوف الهولندي سبينوزار ( 1646- 1716 ) هو الرّغبة الواعية التي تسوق الإنسان إلى العمل.انظر المجمع اللّغويّ- المعجم الفلسفي ص 200

2- الوجود: هو مقابل العدم و هو كَون الشّيء حاصلاً في نفسه دون أنْ يكون معلومًا لغيره إذْ إنّ وجوده بذاته مستقلّ عن كونه معلومًا.و إذا كانت الماهيّة هي الطّبيعة المعقولة للشّيء فإنّ الوجود هو التّحقق الفعليّ له.و من الفلاسفة مَن يرى أنّ وجود كلّ شيء عَين ماهيّته كوجود الإنسان فهو نفس كونه حيوانًا ناطقًا.و منهم مَن يرى أنّ هذا الوجود زائد على ماهيّته لأنه عرَض في الأشياء ذوات الماهيّات المختلفة محمول عليها و مستقلّ عن تقويم ماهيّتها.انظر جميل صليبا- المعجم الفلسفي   2 /559   و الكلّيات لأبي البقاء ص 923- 925 و ابن سينا- منطق المشرقيّين ص 22- 23

1- القيمة: كالحقّ و الخير و الجمال هي صفة عينيّة كامنة في طبيعة الأقوال ( في المعرفة ) أو الأفعال ( في الأخلاق ) أو الأشياء ( في الفنون ).و تطلق على ما يتميّز به الشّيء من صفات و خصائص تجعله مستحقًّا للتّقدير.و قد تكون القيمة صفة يخلعها العقل على الأقوال و الأفعال و الأشياء طِبقًا للأحوال و الملابسات.و هي،حينئذ،تختلف باختلاف من يصدر الحكم فتكون موضع اهتمام و استحسان و مَيل لأنها قد اكتسبت طابعًا شخصيًّا ذاتيًّا و هي في كلّ الأحوال وسيلة لتحقيق غاية.انظر مجمع اللغة العربية- المعجم الفلسفي ص 151 و جميل صليبا- المعجم الفلسفي 2/212- 214

2- الطّبيعة:بوجه عام هي مجموع الكائنات في نظمها المختلفة من أرض و سماء و تسمَّى  الكوسموس أو الكون و تقابل الإنسان.أمّا بوجه خاص فهي القوة السّارية في الجسم و بها يصل إلى كماله الطبيعيّ.و طبيعة الشّيء هي سرّ نموه و تغيره و حركاته المختلفة و انظر مجمع اللغة العربية- المعجم الفلسفي ص 112 و التعريفات للجرجاني ص 154 جميل صليبا- المعجم الفلسفي 2/13

 3- العالم: هو كلّ ما سوى الله تعالى من الموجودات.انظر التّعريفات ص 149 و مجمع اللّغة العربية- المعجم الفلسفي ص 115 و التّهانوي- كشّاف اصطلاحات الفنون 2/114

4- الكون: يطلقه المتكلّمون على الوجود العامّ المطلق.انظر التعريفات ص97 ومجمع اللّغة العربية- المعجم الفلسفي ص 156

5- التّصور:هو حصول صورة الشّيء في العقل أو هو المعنى الكلّي المجرّد.و تصوّر العالم weltanschaung هو مجموعة الأفكار التي يتصوّرها الإنسان حول الكون و الحياة.و المصطلح أصله ألمانيّ و هو مركّب من كلمتين welt بمعنى عالم و anschaung  أيْ تصوّر بمعنى نظرة شاملة.انظر الجرجاني- التّعريفات ص 61 و مجمع اللّغة العربية- المعجم الفلسفيّ ص 115

1- عماد الدين خليل- المجموعة القصصية ( كلمة الله  ) ص 11-14،17-19،21،26،76

2- وحدة الوجود:هو مذهب الذين يوحّدون الله و العالم زاعمين أنّ كلّ شيء هو الله و أنّ الله و العالم موجود واحد و أنّ العالم لا ينفصل عن الله. و هذا المذهب قديم أخذت به البراهمانيّة و الرّواقيّة و الأفلاطونيّة الجديدة و بعض المتصوّفة المسلمين. و لهذا المذهب صور مختلفة،في العصر الحديث، عند اسبينوزا و هيجل و غيرهما.انظر جميل صليبا- المعجم الفلسفيّ 2/569

3- المجموعة القصصية ( كلمة الله ) ص 12

1- انظر كتاب المقتصد في شرح الإيضاح 2/ 753،761

2- المجموعة القصصية ( كلمة الله ) ص 77

1- انظر المجموعة القصصية ( كلمة الله ) ص 17، 35، 42، 69، 76

2- الملكوت: مصدر مَلَكَ أُدخلت عليه التّاء كما في رحموت و رهبوت و هو مختصّ بملك الله تعالى.و في اصطلاح الصّوفيّة هو عالم الأرواح و عالم الغيب و عالم المعنى.انظر التّهانوي في الكشّاف 2/1649 و الرّاغب الأصفهاني في المفردات 2/611

3- الإكسير:مادّة مركَّبة كان القدماء يعتقدون أنها تحوّل المعدن الرّخيص إلى ذهب أو هو شراب يطيل الحياة في زعمهم.انظر مجمع اللّغة العربية- المعجم الوسيط 2/22

4- المجموعة القصصية ( كلمة الله )  ص 37

1- الجوهر: و له معانٍ مختلفة منها « الموجود القائم بنفسه حادثًا كان أو قديمًا و يقابله العَرَض بمعنى ما ليس كذلك.و منها الحقيقة و الذّات.و بهذا المعنى يُقال: أيّ شيء هو في جوهره أيْ ذاته و حقيقته و يقابله العَرَض بمعنى الخارج من الحقيقة..».أمّا عند ديكارت « فهو الشّيء الدّائم الثّابت الذي يَقبل توارد الصِّفات المتضادّة عليه من دون أنْ يتغيّر كاللّون و الرّائحة و البرودة و الحرارة التي تتوارد على قطعة الشّمع فهي أعراض متغيّرة أمّا جوهر الشّمعة فدائم لا يتغيّر ».انظر التّهانوي- الكشّاف 1/ 602 و جميل صليبا- المعجم الفلسفي 1/ 424

2- المجموعة القصصية ( كلمة الله ) ص 74.و انظر قصة ( التّحدي ) ص 41 و قصة ( السّاطور ) ص 68

3- المجموعة القصصية ( كلمة الله ) ص 82

4- انظر الوجودية مذهب إنسانيّ ص 89-90

5- التّمرد: و قد عرّفه ألبير كامو بأنّه الحركة التي بواسطتها يثور إنسان ما ضدّ وَضعه المخصَّص له كإنسان لأنه ينكر غاية الوجود الإنسانيّ كما ينكر الغاية من الخَلق.انظر الإنسان المتمرّد ص 37

1- انظر               p 234-235  Les mouches

2- انظر أبا البقاء- الكلّيات ص 925 و التّهانوي- الكشّاف 2/1767-1768 و جميل صليبا- المعجم الفلسفي 2/ 442

1- المجموعة القصصية ( كلمة الله ) ص 9

2- المصدر السّابق ص 9

3- المصدر السّابق ص 32

4- المصدر السّابق ص 22

5- المجموعة القصصية ( كلمة الله )  ص 19-20 ، 25

6- التّعاطف: هو ظاهرة نفسيّة تقوم على مشاركة الآخرين في ما يشعرون به و له صور مختلفة نفسيّة و جسديّة.و قد قيل هو« اشتراك كائنين أو شخصين في مشاعر و وجدانات عن طريق التّأثير أو المحاكاة.و يطلق،أيضًا، على جاذبيّة يحسّ بها شخص تجاه آخر حتىّ قبل أنْ يعرفه معرفة جيّدة ».و هذه الصّورة النّفسية للتّعاطف تكون مصحوبة بالوعي خلافًا للصّورة الجسديّة التي تقوم على مجرّد التّقليد.انظر جميل صليبا- المعجم الفلسفي1/296 و مجمع اللّغة العربية- المعجم الفلسفيّ ص 47

1- انظر في وجوه اختلاف العلم عن الدّين عليّ عزّت بيغوفيتش- الإسلام بين الشّرق و الغرب ص 139-167

2- المجموعة القصصية ( كلمة الله ) ص 54-59، 67- 68

1-المجموعة القصصيّة ( كلمة الله ) ص  75، 80

1- الحضور: هو نقيض الغَيبة و هو نوعان:حضور مادّي هو وجود الشّيء بالفعل في مكان معيّن و حضور معنويّ أو ذهنيّ و هو كَون صورة الشّيء موجودة في الذّهن يدركها إدراكًا مباشرًا أو نظريًّا.و عند الجرجانيّ،نقلاً عن محيي الدّين بن عربي، هو « حضور القلب بالحقّ عند غَيبة عن الخلق ».انظر جميل صليبا- المعجم الفلسفي 1/436،478 و التّعريفات ص 275

2- التّكيف: في البيولوجيا هو التّغيير الحاصل في بناء الكائن الحيّ و وظيفته يجعله قادرًا على المحافظة و الإبقاء على جنسه.و في علم النّفس الاجتماعيّ هو مجموع التّغير الحاصل على سلوك الفرد و آرائه و مواقفه و الذي يجعله أكثر انسجامًا مع محيطه و مجتمعه.انظر المجمع اللّغويّ- المعجم الفلسفي ص 54 و جميل صليبا- المعجم الفلسفي 1/362-363

1- انظر    , 36, 17819 La nausée  p   Sartre –

2- المجموعة القصصية ( كلمة الله ) ص 8- 11، 37

1- قصّة ( اللّغز المغربيّ ) في المجموعة القصصيّة ( كلمة الله ) ص 19- 40

2- اندفاعة الحياة:و يُقصد بها « قوّة الحياة الأصليّة التي تنتقل من جيل مِن البذور إلى آخر بواسطة كائنات عضويّة تامّة تؤلّف همزة الوَصل بين تلك البذور ».و هي علّة التّغيرات التي تتجمّع و تتراكم لإبداع الأنواع الجديدة.واندفاعة الحياة،عند برغسون، تَعني مصدر الحياة في تطوّرها و تشعّبها.انظر جميل صليبا- المعجم الفلسفي 1/154

3- العبث:وعي مأساويّ بلا معقولية العالم و لامعقوليّة المصير الإنساني.و يُعنى هذا الأدب بتصوير قيم السّأم و الملل و اللاّمعنى التي تلفّ الكون و العالم.و انظر:   La Grande Encyclopédie 1/49

4- كولون ولسن- المعقول و اللّامعقول في الأدب الحديث ص 127

1- المجموعة القصصية ( كلمة الله ) ص 10- 12، 19، 24

2- كولون ولسن- المعقول و اللّامعقول في الأدب الحديث ص 127

1- انظر كولون ولسن- المعقول و اللاّمعقول ص  122 حاشية 1 و مجموعة من المؤلفين- مسرح العبث ص 124 و Pierre mélèse – Beckett p  36

2- أمّا انقطاعه عن الكون فهو يعترف بأنّه لم يكن لديه،في يوم ما،عواطف دينيّة و هو لا يُخفي سخريّته اللاّذعة من الدِّين و المتديِّنين فكلّ ذلك،عنده،هو مَضْيَعة للوقت و مَلل.أمّا انقطاعه عن العالم فمن مظاهره صمته الطّويل و انطواؤه و حبّه للعزلة و الاختفاء.و قد كان عنوان منزله في باريس سرّاً محفوظًا.و انظرPierre mélèse – Beckett p  136 ,152

1- المجموعة القصصية ( كلمة الله ) ص 12-13، 15-18،34،37

1- انظر مجموعة من المؤلّفين- مسرح العبث ص 504-505

2- انظر عماد الدين خليل – مدخل إلى نظرية الأدب الإسلامي ص 159


Updated: 2019-07-03 — 17:48

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme