اللسان البشري والعقل الإنساني Human tongue and Reason


 

اللسان البشري والعقل الإنساني

Human tongue and Reason

د. بن محمد يونس ـ جامعة المسيلة ـ الجزائر

Benmahammed Younes ـ Msila university (Algeria)

 مقال نشر في  مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 57 الصفحة 63.

 

    ملخص :

لا ريب أن ما يميز الإنسان كإنسان ماهية وجوهرا هو اللغة والبيان من جانب والعقل والفكر الفنان المبدع من جانب آخر، لذلك كان حريا باللغوي واللساني والفيلسوف على السواء الاعتناء بوصف اللغة البشرية وتعليل ظواهرها الإنسانية بكل تجلياتها ما أمكن، مع رعاية علاقتها –وذلك لب الأمر وزمام العمق- بالفكر الإنساني الخلاق بتوضيح مظاهر الاختلاف بينها –اللغة- وبين التواصل الحيواني بوصل ذلك التحليل وجوبا بتفاضل العقل السديد عند بني آدم المجيد. هذا، والاهتمام أيضا بخصائص اللسان البشري يوضح معالم تعيين أخصية الإنسان باللغة والبيان كآلة اتصال بين الناس في محيطهم وهو كذلك سلم للعروج إلى البحث عن جوهر اللغة سليلة العقل وتحديد ماهيتهما على ما في ذلك من عنت وصعوبة لعمق الموضوع لا استحالته البتة، مما يوصل رويدا رويدا إلى إبراز أهمية اللغات كلها كحالة إنسانية عالمية تختص بكل جنس وقوم ومجموعة بشرية لها عبقريتها وخصوصياتها الذاتية غير النافية للقاسم المشترك بين الألسن قاطبة.

الكلمات المفتاحية : اللغة، اللسان، الفكر، الإبداع، الخلق، التواصل، الجوهر.  

Abstract :

For sure, what characterizes Human being is language on one hand, and creative reason on the other. Thus, both linguist and philosopher are intrested in describing and analyzing language as a tool of communication and an essence of reflexion in its relationship with innovative Reason. Also, one must pay attention to the difference between complex Human tongue with its solid ties with reasoning and the simple animal communication in the animal group.

Keywords : Reason, tongue, creation, reflexion

   
  1. مقدمة :

نود في ورقتنا البحثية هاته طرح العلاقة بين اللغة الإنسانية باختلافها عن التواصل الحيواني والفكر البشري تركيزا على شأن اللغة ودورها في الفرد والمجتمع كجوهر وتعبير ورباط للوحدة كي يتسنى للإنسان البحاث التعرف على طريقة الفكر باللسان بما أن هذا الأخير مظهر من إعمال العقل الفريد متميز عن التواصل الحيواني البسيط والمحدود. ومنه كانت اللغة تقنية ووسيلة تواصلية من جهة، وفصلا فلسفيا مهما من جهة أخرى. ذلك لأن منهج العمل دوما يكتسي خطورة بالغة في الخلق الإبداعي لا جمع المعلومات التي لا تعدو كونها المادة الخامة للتفكير والتنقيب لا غير.

  1. لغة وعقل فإبداع :

اللغة فصل فلسفي عظيم بغض النظر عن مهمتها التواصلية التعارفية المستقاة من تعريفها الأولي أو قل من أحد تعريفاتها الأساسية كأداة تعرف على الكون ووسيلة تعامل مع المحيط وطريقة تخاطب مع البشر بعضهم مع بعض في مجتمع الإنسان المنظم (ولا عبرة بالفوضى) رغم تواجد بعضها وتحادثهم على مستواهم العادي كما وصلت إليه معارفهم البدائية بلا شك وإلا فما كانت التشققات الجاهلية مادة وأدبا لتتسرب إلى كيانهم البشري المقدس، وهذا يقال كذلك في الثقافات والعادات على احترامها ما قدست الإنسان ورفعته فوق الكل والوجود ولم تستهن بقدراته ولم تحد أشواقه الكبيرة، من جهة، وما استماتت في تبيين قيمة العقل المنير واللب القويم لرفع الهمم وشحذ القوى لبناء الحضارات المستديمة وتخليدها بالعقل النور والبشر الوقور، من جهة أخرى.

وكثيرا ما يتحدث عن التفكير باللغة لا التحدث بها كغاية مثلى وبغية قصوى ينمي عن التمكن منها وملك زمام تفاصيلها ودقائقها الخفيفة الرقيقة الخفية اللطيفة، وهو صحيح جدا لما للسان من ارتباط بالروح إذن بالعقل الطيب الذكي إذن بالفكر والذهن والخلق والإبداع بلا انتهاء بتاتا ؛ ولا يتأتى ذلك إلا بعد إدخال “برنامج اللغة التشغيلي” وهضم قواعدها أولا تلقيا ذكيا (دون غياب التساؤل والنقد) قبل نقد وتحليل الجمع والتصنيف والتأليف والفصل في القضايا كلها لغة وقواعد من أسها وأصلها أي إيبستيمولوجيا عميقا وهو عنوان الفلسفة بطبيعة الحال في كل مقام، لينتقل بعده إلى الحس اللساني الوصفي و/أو التحليلي التعليلي لأسباب الاختيار الأولي وغيره، مما يسكب بعد جميع هذا الجهد التلقني والتدرج التعليمي والنقد الفصاحي والتحليل البلاغي والوصف والتفسير والتبيين اللساني المطلع على القواعد النحوية والصرفية كمعلم ونقاط توجيه تحيل المادة للعقل البين للخلق، إذن بعد هذا كله تنضج القريحة للتفكير باللغة الملقنة وباللسان المنقود المحلل، وهذا هو عين قولهم ‘نفكر باللغة قصد الإبداع بها’.

بالإضافة إلى أن اللغة وليدة مكان وزمان ومحيط فضائي ووقتي يعطي نبذة عن بنائها ويعين على سبر أغوارها في الترجمة الدقيقة الصحيحة قدر الإمكان والنحت التجديدي المواكب للمكان والزمان والعصر والأوان، وهو ما دعانا لاعتبار الثقافة بمعناها الواسع بكل ما تحمله من عادات بدائية في المجالات الحياتية جميعها بلا استثناء، بسبب تدخل اللغة فيها من قريب لا من بعيد فقط تواصلا وتناقلا للعلوم وللفنون مهما صغرت أو على الأقل تلقينا لما عرف من تعاملات واعتقادات وحكايات وقصص وأساطير مروية ابنا عن أب وكابرا عن كابر ؛ وهكذا، تنتج تلك الثقافة هوية معينة لشعب معين توحده اللغة ويجمعه اللسان دون غيره ممن يغايره من شعوب على حتمية ونور وفضل التعارف بين الشعوب والأمم وكونه المقصد من الاكتشاف للغير وللكون الفسيح بلا حدود، ليعود هذا بدوره صابا بالثقافة والهوية في الفكر وصوغ الأفكار وقولبة المسائل حلا وتفكيكا بعد العقد والإشكال، متوجة بالطبع بنقد الفلسفة على محك الإيبستيمولوجيا المشرق المضيء فرزا للغث من السمين وتمييزا للخطأ من الصواب بدوام الروح والبيان.

فالقواعد نحوا وصرفا في خدمة اللسانيات بأنواعها الوصفية وأشكالها التحليلية لمصلحة التفكير العقلي المحلل البحاث عن العلل الأولى والمبادئ الأصيلة المؤصلة جمعا للمادة العلمية وهنا في هذا المقام اللغوية بمعنى الكلمات ومعانيها والمفردات ودلالاتها مع ضمها للقواعد التركيبة في الجملة والتصريفية في الكلمة ليحال الكل على العقل الفهمي لا انطلاقا من معاني المفردة عموما فالجملة تركيبا وضما ونظما، بل بتتويج المجاز اللغوي والعقلي لا الاصطلاحيين كذلك بل الفلسفيين العميقين للظفر بما وراء السطح المقبول المعلوم لأولي العقول الرشيدة والقرائح النفاذة بوسع الاطلاع اللسني، نعم، والعلمي والفني ضرورة إذا ابتغي الفضل الأسمى والتحليل الأوفي  وسعا في وسع وتوسعيا على توسيع مما يؤازر التجديد اللغوي العصري مع الفقه اللغوي للقديم من جاهليه (كالعربية مثلا) ومولده وحديثه ومعاصره، فاللغة كائن حي لا مولود ميت أو جامد عقيم. فما القواعد سوى منارات تقعيدية تحلل وتناقش كما تكلم بها أهلها الأوائل بالشواهد النحوية والكتابية عموما منقودة بالعقل المنير مما يعطيها سلاسة أكثر ويضفي على اللغة مرونة أوسع في ظل العصرنة والتواصل اللسني الاجتماعي البشري والتفاهم الإنساني باللغة والبيان، وبعبارة أخرى إننا لا نسلم البتة وأبدا بقواعد نحوية وصرفية عقيمة خشنة ميتة في إطار شكل قاتل بلا روح ولا معنى بل ما بد من فتحها بالفهم والفقه العمقي العقلي الفكري الذهني استنادا للشواهد، نعم، وهذا كلاسيكي معلوم بالإضافة خاصة إلى استخراج نظام عام رحب يحوي اللغة كلها ويؤطر مجراها جميعه وينير درب المجددين الساعين لإحياء اللغة إن ماتت وتطويرها وتنميتها إن كتبت لها الحياة على أيدي العقلاء الفلاسفة اللسانيين الحكماء. وبهذا تكون القواعد نحوا وصرفا وغيرها (بلاغة مثلا) مركزا ومبدأ معينا للنقد والتحليل والتجديد المبدع الخلاق باستمرار باللسانيات الجميلة الحية.

  1. أهمية اللغة واللغات تنوعا في كل الحالات لا ضرورة فقط ؟ فكرا وثقافة وعلما ونفسية

إن الفكر الفلسفي العظيم والذهن المتفتح على العالمين إنسانا بالخصوص ووجودا على العموم لا ينفك عن الحياة السعيدة والسلوك الرشيد والإنتاج الغزير في المجالات كلها استقلالا بشريا وخلقا فهميا ونفعيا والجا إلى أعماق الأسباب الأولى وما بعدها بالعقل المبين والتفكير المنير، وما اللغة إلا من ذلك بالتمام اتصالا بالإنسان وأحد خاصياته الجليلة المميزة إلى جانب العقل الحكيم بل التي لا تنقطع عنه لارتباطها به بوثاقة وتعلقها به بمتانة، لترجمتها لما في الوجدان والفؤاد والعقل واللب والجنان من مشاعر وأفكار وبرهان ولتبيينها لما في الكون والحياة من موجودات مادية وأدبية، من جهة، ولتيسيرها ضرورة للتواصل الاجتماعي والمجتمعي المعيشي، من جهة أخرى. فاللغة تعريفا ماهيا هي لصاق الروح ودليل الإنسان المكتشف بحجة وبيان (تعمق لاحقا)، من جانب، وهي تعريفا هدفيا غائيا وسيلة الاتصال بين أفراد أو عناصر المهمة أو الوظيفة التواصلية الرسالية، من جانب آخر.

ولنأت الآن إلى أهمية اللغة لا فلسفيا فقط بل ضرورة نفعية وإفادة واقعية في عصر العولمة بما في طياته من أنوار علمية وإشراقات ثقافية واختصارات فنية وتكنولوجية بالرغم من سلبيتها (العولمة) غلوا في النفعية و إجحافا في الاستغلال المادي المتوحش الملغي للإنسان وكشفه الذي يفتح عليه آفاق المادة والأدب والشكل والمعنى والجسم والروح بلا نقصان بل بزيادة وعرفان. هذا، ودراسة اللغات علم بشري نبيل لا لشيء إلا لنفسه كسائر العلوم المبتغاة لذاتها كون البشر يعشقون فطرة وعقلا منيرين التعلم والبحث والجديد، واللغة منها، لإسعاد النفس وإفهام العقل والترويح على النفس بالعلم والفن معا، إلى جانب حقيقة علاقة المبادئ النظرية بالميدان والتطبيقات الواقعية علما وفنا أي أن الإنسان كلما فقه الأشياء وعرف كنهها متوغلا في علياء وخصوصيات أعماقها كلما سعد نفسا وقلبا ووجدانا ووسع عقلا ورشداوسلوكا وخلقا بلا حد في الخير وإسدائه والنور وبثه والاكتشاف وتسهيل سبله، منتقلا بعد ذلك إلى المعاش وتنفيذ الفكر وتجسيد القواعد باطلاع العارفين واستشراف الحكام الفلاسفة الحذق النافذين، لينضم العمل للنظر ويتبع الفعل الفكر باستمرار.

لذا فاكتساب كل لغة جديدة هو كسب لهوية أخرى دون الانسلاخ من الذات وانتفاع بثقافة إنسانية أخرى بتمييز العقلاء وحيازة على طريقة تفكير وتحليل أيضا بتفصيل الحكماء، وحتى عند انعدام الحقيقة فقد علمت الأوهام وقد اطلع على اللبس والخلط والزلل رحابة في الفكر وسعة في الاطلاع، ثم الدخول في اختيار الألسن حسب عالميتها ثقافة (علما وفنا) كما اهتم بها وطورها متكلموها وانتفاعا سياسة واقتصادا وغيرها تبعا لما عمل من أجله إيجابا أهلوها علماء وسياسيين مخلصين كالفرنسية والإنجليزية (و بدرجة أقل الصينية والإسبانية بفضل عدد الناطقين بهما). وهو دور الترجمة إن تعذر طلب الأصل وتيسيرا للغير بوصله بالعلوم والفنون والأقوام الأخرى تعارفا لا تناكرا وتحابا لا تدابرا، للسلم والسلام والأمان والوئام لجميع بلا إقصاء في كنف العقل البشري المبدع الجبار بالشمول والشرح والتبيان والتفصيل والبرهان. إذ تعلم اللغات الأجنبية مربوط مباشرة بحركة الترجمة بكل أوجهها وفي جميع ميادينها بلا إقصاء بطبيعة الحال تحت مبدأ الفضول والبحث والفقه والعطش الفكري والحرية الفردية والجماعية تساؤلا وحلا بلا نهاية للنفع والتنوير؛ وقد كانت (الحركة الترجمية) فعالة منذ القديم رومانا ثم عربا إسلاما ثم لاتينية أوربية ثم خاصة الإنجليزية في عهدنا المنير إلى لغات أخرى، وبها يكبر الاطلاع وتشحذ القريحة بالمقارنة والنقد وتتوسع الآفاق بالتحليل البناء والسبر إلى السماء لكل صغير وكبير انتقالا من لغة إلى أخرى ومن ثقافة إلى أختها ومن منهج تفكير، مهما صغرت قيمته، إلى آخر رقيا في الكم وارتقاء في الكيف معا. لأن تعدد اللغات وسع فكر وتحليل لغوي وفلسفي ونفسي وثقافي …بما للغة من مبدأ ومآل هوي ثقافي تفكيري فكري مبدع إبداعي …

ولهذا السبب بالذات وتحديدا نضيق ذرعا بالأحادية اللغوية على غرار الأحادية الفكرية ولو معللة أي بتعليل الجمود دون عمق ولا توغل في الأفكار والتدليل والبرهان، مما يولد آلاما ذهنية ونفسية وحسية حتى لدى العليم الفيلسوف الحصيف متقن روح العلوم كلها والمطلع على ما استطاع من لغات وألسن ما أمكن له ذلك في كل وقت وحين موصيا ومنظرا ومطبقا بلا هوادة وبفرح وسداد وسلامة … كما أننا نلاحظ بعض الخلفيات عند الحديث عن بعض اللغات والتذمر من الحديث عن بعضها حينا بعد حين تبعا للاشعور المرتبط بها كالبداوة وضيق الأفق وغيرها من السلبيات الفكرية، أو بسبب الشعور الحقيقي لدى البعض مما ألصق بها من بوار ‘شبه-تحليلي’ أو قل بالأحرى من عقم نقدي وموت طرحي وتضييق نظري وعملي للبشر الباحثين عن تحرير حر وحرية تحريرية قصد السعادة الاستقلالية على الدوام بلانهاية.

فلا عقدة في تعلم اللغات كلها تفاديا للغلوين مركب الاستعلاء الفارغ ومركب النقص المميت المذهب للهوية تماما وكلاهما شر ووبال، فلا الانغلاق بادعاء امتلاك كل شيء لغة وحضارة وعلما وفنا وغيرها، بمفيد بل هو باطل وقاتل، من جهة، ولا الانفتاح المفرط أو بالأحرى شبهه المنبني على فقد الثقة بالنفس و التقليد القردي للغير بلا تمحيص ولا تحليل ولا فرز علمي فلسفي بل بانهزام روحي هالك للقدرات لا مسوغ له، من جهة أخرى. فالإنسان جميعه مبدع في أمريكا أو أوروبا على تقدمهما العمراني والأدبي أيضا حريات واعتبارا للبشر، وفي باماكو وأدغال الأمازون، إلا أن المحيط يميز ويرجح الكفة لمن تسنت له الظروف الخلاقة الميسرة والمحفزة للإبداع والمضي قدما، غير أن الطاقات البشرية واحدة كملكات خام لكنها متنوعة بالطبيعة نوعا  وكما. لذا نرى الأوروبيين كل يدافع عن لغته في دائرة أوربيتها وانتمائه القاري، ونشاهد فرنسا الاستعمارية سابقا الإنسانية في شعبها دون مسؤوليها على تفاوت يمينا وشمالا تنافح عن الفرنسية والفرنكوفونية إلى حد فقد العقل والموضوعية أحيانا، كما نشاهد الأمريكان لا يخرجون من قوقعة إنجليزيتهم –وهي في الحقيقة ملك الجميع لأن كل اللغات عالمية عالية المقام- وهذا عجز ونقض وخور علمي ونفسي يرفضه الحس الحضاري المنفتح على العالمين ويأباه العقل القويم التواق للمعالي في الوسع والحرية والتحرير. والوضع في الجزائر مثلا مخز خاصة على مستوى الدولة الحكام والمديرين المتكونين ولمعقدين بالحرف الفرنسي ولا ضرر، بل لا بد منها في عصر العولمة خصوصا- إن كان للتعلم والتلقن والتكوين مع الاحتفاظ بالحرف العربي كلغة فكر عريقة كتابا وشفهيا مع الاعتناء باللهجات الجهوية الأمازيغية وغيرها لمن أراد في إطار عربي بالأولى للحفاظ على الوحدة الوطنية اللسانية وهي هامة مع عدم إقصاء جميع اللغات والأفكار بالطبع، لا من علو المتكبرين ولا من حضيض المنهزمين المذلولين وهيهات للحر أن يستعبد أو للفيلسوف أن يتقيد لا فكرا ولا عملا ولا لسانا البتة. ولكل شعب التغني بلغته وهويته بلا استكبار ولا ذل في ظل التنوع الوطني القومي الضام للكل وللجميع مع ضميمة الانفتاح الفكري العلمي الفني واللغوي ليستعمل بلا عقد في إطاره ونطاقه المناسبين.

ذلكـ،أن الإنسان كوني له هوية وانتماء وطني يحمي به كيانه في عالم الناس ويحفظ به راعيا الآخرين ممن شاؤوا واختاروا ضيافة البلد الإنساني المتكفل والمحترم لحقوق الإنسان بحرية الدين والسياسة واللغة بسعة دستور لا عنوان له سوى الإنسانية والمثالية الواقعية المحررة المطلقة لعنان الإبداع والكمال على الدوام.

  1. اللسان كفصل بل ككل الفلسفة … البحث عن عمقه في الروح والعقل البشريين العميقين …

الفكر واللغة :la pensée et la langue

بين تواصل الحيوان العادي la communication animale  واللغة البشرية la langue/le langage humain بون عظيم وفجوة شاسعة لما في الثاني من نور الفكر ورونق الروح والنفس البشرية الإبداعية جوهرا وماهية، وإن أردت فقل الطبيعية السامية المعبرة عن الوجود المادي والأفكار المعنوية أو المجسدة كلاما إنسانيا للوجود بنوعيه الحقيقي الملموس والمجرد المعنوي، من جهة، ولما في الأول من سمات الجمود والنمطية الآلية رغم بعض تنوع الطرق على قلتها كتواصل النحل مثلا في دائرة أو على شكل رقم ثمانية لدلالتين تواصليتين مختلفتين حسب الغريزة أي كما تمليه الغريزة الحيوانية والعادة التفاهمية بين أفراد المجموعة التواصلية la communication dans la communauté هي هنا الحيوان والحشرات والنحل خاصة، من جهة أخرى. فاللغة البشرية مصدرها الإبداع ولو بقواعد تحدد إطار عملها الواسع الرحب بلا حد، فالمعجم اللغوي لكل لغة محدود مهما اتسعت الكلمات وكبر عددها الهائل إلا أن تركيب الجمل المفيدة وإيصال الرسائل للغير أي من الباعث/المرسل إلى المستقبل تأخذ أساليب متعددة وأنماطا متنوعة وطرقا مختلفة بعدا إذن عن الحجر على الروح والعقل والفكر واللغة بحرية التكلم حسب الملكات والقدرات الخلقية (المبدعة) والتحكم في المفردات والنحو ليس فحسب بل وإرادة الإبداع والخلق والابتكار الأدبي الأسلوبي  la création littéraire et stylistiqueوبه الروحي والعقلي النفسيla création rationnelle et spirituelle/psychologique ، على عكس الجبلة الحيوانية وحيدة الطريق وسالكة الجادة بلا تجديد ولا فن ولا إبداع. هذا، واللغة تجسد الأفكار رغم وضوحها في العقل البشري المنير وبالتالي فسبق الفكر والعقل والذهن للغة المترجمة لها واضح بعد النقد والتمحيص فالصحيح المعافي  مالك قدرة التكلمle langage والأبكم فاقدها سيان في الملكة مختلفان في تحقيقها واقعا وهذا دليل تقدم الفكر واستقلاله عن اللغة والكلام، ولا يعترض بذكر الاختلاف الحقيقي بين الملكة le langageواللغة la langueكخزان معجمي والكلام la paroleالمجسد للقدرة وللمفردات واقعا وإنتاجا تواصليا، لأن العقل المبين سابق للمكلة اللغوية وحب الإعراب عما في جنب الإنسان وكمون خلده. كما أنه ما بد من الإشارة المهمة إلى أن ملكة اللغة تكاد تتزامن من حيث الاستطاعة مع القدرة العقلية البشرية الفكرية أو هي بالأحرى تابع مطيع ولازم أكيد طبيعي  un corollaire naturelإذا توفرت آلات ووسائل الكلام من فم ولسان، من جهة، وهي الأهم من طرف الباعث/المرسل بالإضافة إلى آلة السمع الأذن من طرف السامع والمتلقي والمستقبل، من جهة أخرى.

La pensée précède le langage et en est totalement indépendante, d’un côté, et la faculté du langage existe bel et bien avec la pensée (interne), et joue le rôle primordiale de sa (pensée) verbalisation, externalisation et extériorisation, pour l’ancrer bien dans l’explication, de l’autre.

  1. الفكر واللغة في خطية اللغة والعرض الذهني :

عندما نعرض لقضية خطية اللغة البشرية la linéarité de la langue humaine لا بد من التعريج حتما وطبيعة بتكوين الكلم من الحرف والجملة من المفردات لتفيد معنى على خلاف العبارة المشكلة من كلمات بلا إفادة رسالة معينة بل للتعبير فقط على شذرة من فكرة أو مسألة ما محددة تدخل في إطار عام ينطوي في الجملة المفيدة الشاملة. وتركيب la structure الكلم الأصغر هو بنية المفردة الداخلية la morphologie الذي يقابل التركيب الأكبر على مستوى الجملة la syntaxe واختلاف المبنى كلمة أو جملة morphologie ou la syntaxelaيدل دوما على اختلاف المعنى le sens/la sémantique وكل زيادة مفيدة لا لاغية البتة، كما أن الصوت la phonétique بطبيعة الحال يتبع تغير وتغيير المبنى ضرورة وبالتالي فتنظيم الصوت le son  والحرف  la lettreفي الكلمة le mot أو المفردة le terme ثم ترتيب وإتباع الكلمات والمفردات في الجملة la phrase على قواعد النحو la grammaire لإيصال رسالة معينة  le messageتنفع الأفراد المتواصين في المجموعة اللغوية وتسهل تبادلهم المعيشي والفكري وتيسر تفاعلهم الفكري والمادي l’échange idéel/intellectuel et matériel مع الواقع وموجوداته وعلى رأسها الأفكار بصفتها منتجة الحضارة ومبقية الأمن ومحققة السلام والهناء والسعادة بالفهم والتفسير وسبر الأغوار وتناقل المعارف جيلا بعد جيلا محوا للحدود الجغرافية والأوهام العقدية وإزالة لسوء الفهم بين الشعوب والبلدان باللغة والبيان والحوار والاستعلام من أجل آفاق أوسع وساحات أرحب. فالخطية إذن تبدأ من الكلمة ذاتها لتحيط بالجملة كلها لكن لما للفكر من سبق، من جهة، وما له من ارتباط كذلك باللغة والرمز اللغوي، من جهة أخرى، فإنتتابع الحروف والكلمات في الخط اللغوي وفي الذهن المفكر السابق والمتزامن في آن واحد (غير المنفك عن الفكر رغم سبق هذا الأخير وكلاها فطريان l’innéité de la Raison/de l’intellect et de la pensée & du langage ) مع الملكة أو بالملكة الناطقة باللغة، محكومة بمبدأ ذهني آخر ألا وهو الانتقال الذهني الفكري العقلي في السمات المعنوية للكلمة الواحدة وداخلها sèmes (les traits sémantiques)lesوفي الجملة أيضا ربطا للسابق وللاحق في حركة التفكير والعقل الدؤوبة ومن خلالهما يتضح التحكم في اللغة عبر دقائق معاني الكلمات (الكلمي) et sémantiquesles subtilités terminologiques، من طرف، وخفايا وأسرار البلاغة التركيبية وبدائع النظمbeauté rhétorique et stylistique la على مستوى الجملة (الجملي)، من طرف آخر.

Ainsi, le mouvement intellectuel est-il régi par la linéarité du signe au niveau du mot et de la phrase et par la simultanéité du langage comme faculté, capacité et outil en puissance qui se réalise en acte dans la parole par l’instrument second qui est le matériau de la langue (le dictionnaire), dans une successivité de signes, d’expressions et de phrases, le tout s’inscrivant dans une perception & une évocation mentales, cette fois, dynamique effectuant des allers et retours permanents pour l’interactivité de la langue grâce à la Raison pensante et parlante pour le but social, sociétal et le dessein politique au sens d’association, de groupement et d’organisation créatrice (Homme = Raison pensante + sens social + ordre et organisation politique dynamique et créative).

واللغة أيضا فكرة ولو كانت بدائية تبدي شعورا (أو خوفا) أو تريد ظهورا من عالم الفكر الذي يمثل محادثة أولية من الفرد إلى نفسه وذاته، إلى عالم التواصل اللساني والاجتماعي والسياسي إنسانيا شموليا وهي كذلك (اللغة) ترجمة للفكرة كونية عالمية (حقيقة)

idée/vérité objective

 كانت أو ذاتية subjective والهدف الأحق هو الأول (الحقائق الخالدة الثابتة) بلا إقصاء الثاني (الذاتية العابرة أو المتغيرة على ما قد تأخذه من تأثير حسب روح وخلق وموهبة وقلم المبدع وصاحبها). كما أننا مبدئيا نفصل في عدم الفرق بين الإحساس والفكرة حيث أن الشعور بشيء هو صنف من الفكرة عموما لكنه في حقيقة الأمر وتخصيصا رغبة إعراب عما في خلد الإنسان وتعبير عما بين جنبيه، أما الفكرة فهي الحاملة لا لشيء ما فقط بل لقضية ولمسألة ولحقيقة معينة تفيد الوجود يقينا، ومع هذا يمكن اعتبار الكل شعورا وإحساسا وفكرة أمرا واحدا من زاوية الفكرة العامة والخط العريض لحركة الذهن والخيال الذي يريد رؤية النور في لباس اللغة واللسان.

ونضيف إلى ما سبق قائلين أن البيان الإنساني le langage humain واللغة البشرية la langue humaine الناتجين عن التفكير بالعقل البشري يعطيان الذاكرةmémoirela، تذكر الأفكار الأخرى وربطها بها بخطية اللغة وتفاعل الفكر الحركي في كل الجهات، من جانب، وهما أيضا تمام التنزيل المناسب على الواقع bonne adaptationla من حيث التعامل مع الموجودات وضرورة التفاعل معها، من جانب آخر.

  1. الاتصال والتواصل الإنساني :

إن أبسط وأصح تعريف للغة البشرية هو ربطها أولا بمصدرها الروحي النفسي الفكري الإنساني بلا منازع في أعلى قمة الهرم القيمي، ثم إرجاعها لهدفها كوسيلة للتواصل والتفاهم بين البشر فطرة نقلا للأفكار العالية وتواضعا واتفاقا على الموجودات المادية وفق قواعد نحوية معينة ونظام لسني خاص بكل قوم ولغة ولسان. ففطرية اللغة في الحقائق المعنوية والاتفاق والتواضع والتعارف على الموجودات الواقعية المعيشية المادية لتسهيل المعايش وإيصال الرسائل المتغيرة زمانا ومكانا حسب الاتفاق الاجتماعي اللغوي الذي لا يعني إلا عفوية الاستعمال والتبني سوى ما يدخل في إطار المعاجم المعتمدة الأكاديمية كما نسميها في عصرنا، بخلاف الحقائق الخالدة والشعور في علم المعاني السرمدية حاملة فحاوى جمة عميقة في أطر وأشكال ما كانت لتكون إلا كذلك لتعلقها بأمور سامية ومحتويات خالدة.

L’innéité de la langue dans les Idées et les Vérités Eternelles & la convention de la langue dans la vie courante concernant les choses concrètes.

فأقل القليل في التواصل اللغوي هو وجود شخصين اثنين يتبادلان الحديث والأفكار والرسائل اللسنية والفكرية أو بالأحرى يتواصلان باللغة لإيصال فكرة ما وتناقل معارف محددة، ونشير إلى أن هناك حديثا آخر يسبق هذا الخارجي وهو الحوار النفسي الداخلي للأفكار والتحليل والنقد فكما أن حكيمه وعاليه هو نتيجة العلم وسبب الفهم والإبداع فكذلك سفيهه وسافله هو عين الوسواس والتفاهات والترهات والأفكار السوداء الهدامة. هذا، واللسان تفاعل نفسي شعوري إحساسي وفكري عقلا وقلبا جميلين، يحيطان بالفكر ويؤطرانه داخليا ليرى النور خارجيا في النفع المادي من ضرورات الحياة وحاجات المعاش وخاصة قصد الإشباع الفكري والنفسي المعنوي. من أجل ذلك، فأهمية العنصر البشري في عملية التواصل من ناحية الجسد الحاضر “الحضور الجسمي” ومن ناحية الروح “الحضور الذهني والنفسي” واجبة متطلبة لتتمة عملية التواصل وتحقيق الفائدة منها تجسيدا للتناسق والانسجام بين المتواصلين communicantslesأو المتحادثين/المحادثين les interlocuteurs، وهذا الاتصال الثنائي و/أو الجماعي مولد الفوائد المعرفية ومنتش الضبط العلمي وموصل الفكر بالحوار البناء والنقاش الهادئ تحت قاعدة أدب الخطاب والحوار والنقاش اعتبارا للآراء كلها ونقدا لها بحرية في آن واحد بغية الانتفاع من الحق وتقويم الخطأ والابتعاد عن الباطل بالموضوعية العلمية والتجرد النزيه عنوان الكمال وقمة الرقي بلا انتهاء.

وقد أسلفنا أن الغرض من التواصل هو المعاش العادي وفوقه تناقل العلوم والمعارف وتلقين القدماء للمحدثين والسلف للخلف لتجاربهم وما حققوه من إنجازات حضارية ليزيد التراكم في نعيم النقد والحرية والتحليل الزاخر بالإبداع والتطوير والتصحيح بلا انقطاع. ومن هذا المنطلق يظهر عوار الديماغوجية والنفعية السلبية والسفسطائية المضللة باستعمال الفصاحة و واستغلال البلاغة لأهداف فارغة وضارة في السياسة خاصة لما هي عليه من أهمية في التأثير بشقيه الإيجابي والسلبي وطرفيه النافع والضار على عكس الإقناع الحقيقي في الحياة كلها مبدأ عالميا مقيما لمراقي الحضارة وصرح التطور بإصدار الحقيقة والبوح بالحق في الفكر والتعامل والحكم على سواء، ليستقيم الفرد مع نفسه ومع غيره في الجماعة اللسانية والاجتماعية ومع وفي الدولة الإنسانية أو دولة الإنسان.

  1. مقارنة التواصل الحيواني مع اللغة والخطاب التخاطبي البشري :

لتأكيد الفرق البائن بين لغة البشر وتواصل الحيوان نعقد مقارنة سريعة توضيحية للقسمين المتباينين كما يلي :

  1. 1. اللغة البشرية la langue humaine/langage humain
  2. 1. 1. قابلية التكلم والاكتساب:& l’acquisition)faculté de parler et de s’exprimer (Innéela

كما ذكرنا به آنفا، إن قابلية التكلم والتخاطب البشريين فطرة في الإنسان العقلي الروحي أي المزود طبيعة بهاتين الملكتين الباهرتين أو بالأحرى بالثانية (الروح) الحاوية للأول (العقل) المميزين للبشر عن غيره من المخلوقات وبخاصة الحيوان الأكثر شبها به من حيث وظائفه أو بعض وظائفه الجسدية الحيوية عموما –فلكل منهما على التشابه نظامه الفيزيولوجي الخاص به-، لتصقل أو لتتم وتجسد هاته القدرة الكلامية المكنونة أو الكامنة en puissance في حركة الكلام والتكلم بالفعلen acte المستعملة للمادة والمعجم اللغوي غبر التعلم الكسبي والتلقين/التلقن الاكتسابي  l’apprentissage & l’enseignement acquisلا من أجل التواصل فقط فطريا وهو طبيعي بل قصد الاتصال والتحادث البشريين للمعيشة وللحضارة contact & communication pragmatiques et civilisationnels للمادة وللروح الخالدة المخلدة، وهذا خصوص البشر الخلاق لا الحيوان الأعجم باتفاق.

فالتعبير اللساني عن فكرة محددةdéterminée  l’expression d’une idéeبوسائل الحديث والكلام خاصة بلا حصر، استعمالا لكلمات معينة تزيد وتنقص حسب الأزمان والأمكنة والمتطلبات كما أن لها ارتباطا بنفسية المتكلمين بها وحالهم السياسي والاقتصادي أو قل الحضاري بمفردة واحدة شاملة، غير أن الأسلوب، مع توحد ووحدة المادة اللغوية الخام والوسائل اللسنية المفرداتية والقواعد النحوية والقوانين الصرفية، مختلف ومتنوع يسوغه العقل المبدع وتصقله التجربة التحريرية ويوجهه أدب وفن كتابة مسبوغة بروح الكاتب وشخصه، وليس كل ذلك بأجمعه للحيوان الأبكم، على خلاف الصم البكم البشر المالكين للفكر المبدع أو على الأقل المحلل ثم الناقد، وذلك ما يميز الإنسان على العجماوات واتصالاتهم البسيطة المعيشية لا غير. وجدير بالتنويه بأمر خطير، وهو مساير لسيرورة الحضارة و تقدم العمران ووسع الفكر والبيان، ألا وهو تطور اللغة عبر الزمان والمكان بناء على القديم المجدد أي لا المتقوقع على غرار الأفكار على صحتها وهو عنوان الخلق البشري الإبداع الفني بالكمال العام فكرا وحضارة وعلما ولسانا، ونحن نعنى الآن بالتجديد اللساني l’innovation linguistique أو التوليد اللغوي le néologisme linguistique/langagier المقولب في نظام اللغة المعنية نحوا وخاصة صرفا بالتحديد اتقاء إهمال مصادر اللغة القديمة العتيقة وهو جيد ومطلوب بحمد ما صحبه التجديد والتحسين ومواكبة العصر بذكاء النقد والفن والإبداع وتجنبا لموات اللغة وركودها في قوقعة الببغاوات ولو ترديدا لغويا يقتضي، أكثر من غيره من العلوم، البدء به ثم التحول إلى التخليق المسعد الموسع شكلا ومعنى  وروحا حضارية. وللاستعمال l’usage المتبني لتوليد ما وحتى لما مضى من كلمات أثره الأبلغ في إحياء كلمة أو إبقاء أو إذهاب أخرى أو أخريات.

  1. 2. الانتقال زمانا ماضي/حاضر/مستقبل : la liberté de déplacement dans le temps

فكر البشر خاص بهم معطيا إياهم قدرة إنتاج الأفكار بسيطة ومعقدة وما اللغة والبيان اللساني إلا توضيح عما في الذات الداخلية والوجدان القلبي بشعوره ولا شعوره غير أن اللغة أساسا هي ترجمان الفكرة المحضر لها المتمخضة في رحم الفؤاد العقلي والقلبي معا (والقلب مسير بالعقل الرشيد)، لذا نجد حركة وعمل القريحة ديناميكيا لا راكدا فحسب بل ولا خطيا أيضا بانتقاله في الزمان الحاضر اتصالا بالماضي وبناء للمستقبل في إطار وفيما يخص اللسان طبعا، حيث أن عملية الكلام تهتم بالحاضر الموضعي الآني مستحضرة ماضي السياق الخطي ومستقبله كذلك ونستطيع القول عنه أنه خطي بالوسع بالنظر لسفر الفكر والملكة اللغوية في خطية الجملة سبقا وحاضرا ولحقا في الجملة ذاتها ومنها إلى الفقرة والنص ككل. وهذه خاصية التفكر والتفكير على عكس الحيوان …

  1. 1. 3. وسع اللغة الإنسانية : la largeur et l’étendue de la langue humaine

إن الإنسان بما يملكه من طاقات خلاقة يعبر عما يجول في فكره كما رددناه بأسلوب كلامي بشري قواعد وصرفا وأصواتا بكلماتها عاكسة للواقع وزيادة مماشية الزمان والمكان وتطورهما، فهو بذلك ينسلخ من عدم تقييدها بتجارب معينة –مضت- فحسب كتذكر ونقل للموروثات بل يحولها إلى عملية إبداعية وخلقية créativitéla، فهي مظنة التجديد والزيادة لا بنمطية وآلية بل بنظام محكم في المجموعة التواصلية –وهو بدوره عرضة ومدعاة للنقد والتحليل حسب معايير معينة خاصة بكل لغة-، وبهذا تكون اللغة مرنة سلسة بسلاسة نظامها أولا وبتطرية أهلها لها ثانيا بالتقنية والفلسفة والعلوم نحتا وتوليدا لمفردات وعبارات جديدة متنوعة تحمل في طياتها معاني عميقة فلسفة عميقة وإيحاء شاعريا في الأدب نثرا وشعرا بالإضافة إلى صياغات مفرداتية عصرية في الميدان العلمي التقني الذي لا يخلو من الجديد اليوم تلو الآخر.

  1. 1. 4. الحوار ورد الفعل اللغوي والنقد : le dialogue, la réaction linguistique et la critique

ما يسم لغة بني البشر هو التفاعل بينهم بالحوار وتبادل الأفكار وتلاقحها وتناقل المعارف ومقارنتها باللغة والبيان للتواصل اليومي والتخاطب النقاشي بالنقد والتحليل للبسيط والمعقد من القضايا بلا استثناء بتاتا، مما يوحي ويبين بوضوح وجلاء ثراء النظام اللسني الإنساني بما فيه من قوة السرعة الخطابية وتنوعها بين المتخاطبين، وما الحيوان إلا طرف في عملية تواصلية محددة ضيقة في إزار من المادية والواقعية المميتة في خضم معركة الحياة والصراع نحو زمن أجل البقاء كما تمليه غريزته الطبيعية.

  1. 2. التواصل الحيوانيla communication animale
  2. 2. 1. الغريزة والفطرة : l’instinct et l’innéisme

لا جرم أن للحيوان في اتصاله اليومي مع بني جنسه رد فعل غريزي وفطري خال من أي لغة بنظام معين بل هو في أقصى حدود كماله وفي أسمى صوره طريقة تفاهم بالحركات والأصوات على نسق ما لا ينفك عنه وهو مجرد من الفكر متعلق بالواقع المعيش من وجود خطر ونفعية وغيرها من المواضع والوضعيات والمواقف، فكأنه وسيلة أساسية مختصرة للوقت والجهد لكل أفراد المجموعة الاتصالية الحيوانية، وهو قريب من أعمال بافلوف المبينة لموقف ورد فعل الحيوان المتعود على سلوك القائم بالتجربة أو الإنسان وغيره عموما، تجاه هذا الاعتياد الآلي ونتيجته : سيلان اللعاب لدى سماع الجرس المعلن عن الأكل والجائزة والمكافأة، وهو كذلك في حال الهرب، الجمود، الحراب والمواجهة.

Il y a réaction/réflexe machinal(e)-mécanique sans âme rationnelle/rationaliste donc sans pensée ni idée chez l’animal, mais seulement instinct inné guidant le comportement animalier et produisant, selon un pragmatisme inné naturel, un mode communicationnel animal.

إذن، هناك إشارة شرطية signal conditionnel unيؤدي إلى تحفيز على العمل un stimulus ورد الفعل une réaction متعلق بعادة ما وتجربة مرت فقط على الحيوان فأثار تذكرها في روحه الحيوانية غريزة الانفعال والتفاعل معها لتحقيق غرض معين في حياته ومعاشه اليومي.

  1. 2. 2. عدم التموضع الزماني : l’inexistence de placement temporel

فالحيوان في تواصله مع أمثاله لا يعتبر سوى لحظة الحاضر لإتمام وظيفته و لأداء دوره بتوظيف واستعمال غريزته فحركته التواصلية بأسلوبه ونمطه الخاص به ليس حركيا في الزمان بل متوقف على زمن الحاضر لا الماضي ولا المستقبل.

  1. 2. 3. الاكتفاء أو بالأحرى التقيد بالتجارب الماضية : la satisfaction des expériences passées

في نوع التواصل الحيواني يكتفي هذا الأخير ويتقيد ما عاش وما مر عليه من تجارب ووضعيات متلقاة طبيعة وغريزة بلا خلق ولا تكيف بمعنى جلب الجديد أما التأقلم العادي فموجود في إطار المعهود المعاشي، وبعبارة أخرى، لا اكتشاف ولا تجديد ولا إبداع لا في التواصل العادي ناهيك عن الخلق الأدبيLa création littéraire وهيهات بل دونه خرق القتاد، لا لسبب إلا لغياب عنصر مهم وجوهر أساسي وهو العقل الفعال والروح البشرية السامية la haute âme humaine في أصلها ومعدنها وفي نتاجها وفنها العلمي واللغوي الإبداعي

la production scientifique et linguistique créative/créatrice.

  1. 2. 4. انعدام الحوار والتفاعل اللساني :dialogue et la non réaction linguistique le non

من المعلوم، ونحن نذكر به بأسلوبنا وزيادة في التحليل والتوضيح عرضا وطرحا، أن الحيوان لا يتحاور بمفهومنا الإنساني اللغوي أي بواسطة لسان منظم مقنن بحرية الإبداع وطرح الأفكار وتبادل الآراء بفضل العقل عند الإنسان المنشيء  لها قبولا مبدئيا وتخزينا ذاكريا وتحليلا نقديا للخلق وفرز الغث من السمين والصحيح من الخطأ، مما يطرح الحوار جانبا، لدى الحيوان، ويعرض عن التفاعل اللغوي تماما بلا نقد من أجل وبسبب السلوك العملي النفعي المنتهج فطرة وغريزة من قبل العجماوات الحيوانات. وهذا، يؤكد “آلية التخاطب” أو قل التواصل الحيواني وسلوكه لطريق واحدة بلا تجديد ولا تغيير لا في الشكل ولا في الفحوى خلافا للبشر مالكي التبديل والتطوير نمطا وروحا، شكلا ومعنى، إطارا ومحتوى.

  1. الخاتمة :

كان مقالنا ربطا للعقل باللغة في مسيرة الاكتشاف البشري عملا على التعرف على سبيل التفكير باللسان خصوصا ودونه عموما مع توضيح للفرق بين اللسان البشري الخلاق المعقد والواسع وبين التواصل الحيواني. فمن من دواعي التقدم الإنساني الاهتمام باللغة كوسيلة تواصلية بشرية وكارتباط وثيق بالعقل منتج الأفكار ومفتق الإبداعات بأنواعها والخلق بأشكاله، وما تبيين تميزه عن طرق الاتصالات الأخرى في الحيوان سوى تحفيز على الاعتناء به والاحتفاء بالبحوث اللغوية والفلسفية المتعلقة بالوصف اللساني والعمق التحليلي لماهية وجوهر اللسانالبشري،بغية الولوج إلى معارف أغوار الإنسان روحا وفكرا وعقلا ونفسا عن طريق منهج اللغة خصوصية البشر في تواصلهم وفي تفكيرهم المبدع الخلاق بوسع الفلسفة ونور العقل البناء البحاث عن المبادئ الأولى قصد الغايات الأخيرة.

  1. المراجع :

الدواخلي عبد الحميد و القصاص محمد، ترجمة :اللغة( للمؤلف جوزيف فندريسJoseph Vendryes )، مكتبة الأنجلو المصرية، 1950.

ضيف شوقي، المدارس النحوية، دار المعارف، 1968.

مختار عمر أحمد، ترجمة : “أسس علم اللغة (للمؤلف ماريوباري)، عالم الكتب، 1998.

مصطفي  زكي حسن التوني، ترجمة: اللغة وعلم اللغة (للمؤلف جون ليونز)، دار النهضة العربية، 1987.

AUROUX S. & WEIL Y., Dictionnaire des auteurs et des thèmes de la philosophie, Hachette, 1991.

BENVENISTE Emile, Problèmes de linguistique générale II, Gallimard, 1974.

COWIE A. P. & R. MAKKAI, Oxford Dictionary of current idiomatic English, vol. I, Oxford University Press, London, 1975.

GROSS Gaston, Etude syntaxique de construction converses, Thèse Doctorat d’Etat –Micrifiche-, Lille III, 1987.

GROSS Maurice, Grammaire transformationnelle du français : Syntaxe de l’adverbe, Vol. III, M. Gross et Asstril, Paris, 1990.  

GARY-PRIEUR Marie-Noelle Les termes clés de la linguistique, Seuil

(Mémo), octobre 1999.

HAGEGE Claude, La grammaire générative : Réflexions critiques, PUF,

LERAT Pierre, “Des dictionnaires juridiques bilingues systématiques”, in La

traduction : diversité linguistique et pratiques courantes : Actes du colloque

international “Traduction humaine, Traduction automatique, interprétation”,

 Série linguistique n° 11, ORBIS Impression, Tunis : 28-29-30 septembre

2000, pp. 87-92.

LEROT Jacques, Précis de linguistique générale, Editions de Minuit, 1993.

LIMAME Dalila, “Au de-là du mot”, in La traduction : diversité linguistique

et pratiques courantes : Actes du colloque international “Traduction humaine,

 Traduction automatique, interprétation”, Série linguistique n° 11, ORBIS

Impression, Tunis : 28-29-30 septembre 2000, pp. 93-99.

LYONS John, Linguistique générale : Introduction à la linguistique

 théorique, traduction de F. Dubois-Charlier et D. Robinson, Larousse, Paris, 1970.

MARTINET André, Eléments de linguistique générale, 47ème édition,

Armand Colin/Masson, Paris, 1967.

 

 


Updated: 2019-12-29 — 21:52

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme