القواعد المنظمة للانسحاب من المعاهدات الدولية وأحكامه في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية


القواعد المنظمة للانسحاب من المعاهدات الدولية وأحكامه في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية

The Rules Governing Withdrawal from International Treaties and Their Provisions in Public International Law and Islamic law

الدكتور.عثمان يحيى أحمد أبو مسامح  أستاذ القانون الجنائي الدولي المساعد،  كلية الشريعة والقانون – قسم الشريعة والقانون الجامعة الإسلامية بغزة

Dr.Othman Y. A. Abu Musameh, Assistant Professor of International Criminal Law, Faculty of Sharia and Law, Department of Sharia and Law, Islamic University of Gaza

المحامي صبحي صلاح الدين جار الله الخزندار  ماجستير القانون العام، كلية الشريعة والقانون – قسم الشريعة والقانون، الجامعة الإسلامية بغزة

lawyer  Sobhi S. J. Al-Khazendar, Master of Public Law,  Department of Sharia and Law, Islamic University of Gaza

مقال نشر في مجلة جيل الدراسات المقارنة العدد 11 الصفحة 49.

   

 

Abstract

The research dealt with the topic of rules governing withdrawal from international treaties and its provisions in public international law and Islamic law, where the importance of the research lies in explaining the rules governing withdrawal from international treaties and its provisions in public international law and Islamic law.

The research problem was about the rules regulating the withdrawal from international treaties and its provisions in light of international law and Islamic law, while the aim of the research was to clarify the nature and legitimacy of withdrawal from international treaties, clarify its procedures, and show the legal implications of it in public international law and Islamic law.

The researchers used the descriptive analytical approach and the comparative approach to analyze legal texts related to withdrawal in public international law and compare them with Islamic law whenever possible.

The research included three topics and a conclusion, where they discussed in the first topic what is the withdrawal from international treaties and its legitimacy in public international law and Islamic law, then talked in the second topic about the procedures for withdrawal from international treaties in public international law and Islamic law, and they discussed in the third and final topic To the legal implications of withdrawing from international treaties in public international law and Islamic law.

In conclusion, the researchers concluded a set of findings and recommendations, where the most important results were: Withdrawal from bilateral treaties is an end to the treaty, because it exists between two parties unlike collective treaties, as withdrawal does not affect them; because it is multilateral, unless the treaty stipulates otherwise Whereas the most important recommendations were: the necessity of establishing controls and standards for withdrawal from international treaties, so that each treaty stipulates these controls, so that the treaties do not lose their content and their implications.

Key words: International treaties, Withdrawal, Public International Law, Islamic law.

 

ملخص

تناول البحث موضوع القواعد المنظمة للانسحاب من المعاهدات الدولية وأحكامه في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية، حيث تكمن أهمية البحث في بيان القواعد المنظمة للانسحاب من المعاهدات الدولية وأحكامه في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية.

وقد تمثلت مشكلة البحث حول القواعد المنظمة للانسحاب من المعاهدات الدولية وأحكامه في ضوء القانون الدولي والشريعة الإسلامية، في حين تمثل هدف البحث في بيان ماهية الانسحاب من المعاهدات الدولية ومشروعيته، وتوضيح الإجراءات الخاصة به، وإظهار الآثار القانونية المترتبة عليه في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية.

واستخدم الباحثان المنهج الوصفي التحليلي والمنهج المقارن من أجل تحليل النصوص القانونية المتعلقة بالانسحاب في القانون الدولي العام ومقارنتها بالشريعة الإسلامية ما أمكن.

وقد اشتمل البحث على ثلاثة مباحث وخاتمة، حيث تناولا في المبحث الأول ماهية الانسحاب من المعاهدات الدولية ومشروعيته في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية، ثم تحدثا في المبحث الثاني عن الإجراءات الخاصة بالانسحاب من المعاهدات الدولية في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية، وتطرقا في المبحث الثالث والأخير إلى الآثار القانونية المترتبة على الانسحاب من المعاهدات الدولية في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية.

وفي الخاتمة، خلص الباحثان إلى مجموعة من النتائج والتوصيات، حيث كان أهم النتائج: يعد الانسحاب من المعاهدات الثنائية إنهاء للمعاهدة؛ لأنها قائمة بين طرفين بعكس المعاهدات الجماعية، إذ إن الانسحاب لا يؤثر عليها؛ لأنها متعددة الأطراف، إلا إذا نصت المعاهدة على خلاف ذلك، في حين كانت أهم التوصيات: ضرورة وضع ضوابط ومعايير للانسحاب من المعاهدات الدولية؛ بحيث تنص كل معاهدة على هذه الضوابط، حتى لا تفقد المعاهدات مضمونها وآثارها المترتبة عليها.

الكلمات المفتاحية: المعاهدات الدولية، الانسحاب، القانون الدولي العام، الشريعة الإسلامية.

مقدمة

لعبت المعاهدات الدولية دورا مهما في خلق القواعد القانونية الدولية، وهي تعتبر المصدر الرئيس والأول من حيث الترتيب الوارد في المادة (38) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، وهي من أغزر المصادر في القانون الدولي الحديث وأكثرها وضوحا وأقلها مثارا للخلاف والأكثر تعبيرا عن إرادة الأطراف الحقيقية.

ولا تكتسب الدولة وصف الطرف في اتفاقية دولية إلا بالتصديق عليها بعد الاشتراك في صنعها، أو بالانضمام إليها بعد وجودها، والدولة حينذاك تلتزم بما يترتب على هذه الاتفاقية من التزامات وتكتسب ما ينتج عنها من حقوق، وقد يحدث أن تعبر الدولة لحظة التوقيع أو التصديق، أو الانضمام، أو القبول، عن اتجاه إرادتها إلى تحديد نطاق التزاماتها الناشئة بموجب الاتفاقية تحديدا يتميز عن نطاق التزامات سائر الأطراف الأخرى بأن تستبعد من هذا النطاق بعض نصوص الاتفاقية، أو أن تقوم بتفسير هذه النصوص تفسيرا خاصا يضيق من مجال إلزامها، وقد استقر العمل الدولي على إطلاق مصطلح التحفظ على مثل هذه الأعمال الإرادية الدولية المستهدفة الحد من آثار الاتفاقية.

وتمر المعاهدة الدولية بمراحل توقف عديدة تختلف مسبباتها وإجراءاتها ومآلاتها؛ فقد تتوقف فترة مؤقتة لحين زوال أسباب التوقف، وقد تتوقف نهائيا، وقد يعترض نفاذها بعض الإشكاليات الطارئة، ونكون بالتالي أمام إيقاف مؤقت (تعليق) أو إبطال وبطلان وصولا للانسحاب والنقد، وفي إطار شرح هذه الإشكاليات المثارة حول الانسحاب نستعرض ما يخص موضوع البحث من أحكام الانسحاب من المعاهدات الدولية في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية.

أهمية البحث:

تكمن أهمية البحث في بيان القواعد المنظمة للانسحاب من المعاهدات الدولية وأحكامه في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية؛ وعلى هذا فإن الأهمية النظرية تتمثل في أن موضوع الانسحاب من المعاهدات الدولية يعتبر من المواضيع المهمة في مجال القانون الدولي؛ حيث إن الانسحاب من المعاهدات الدولية يشكل أحد العقبات المانعة من تنفيذ جميع أحكام المعاهدة؛ لذلك فإنه يحتاج إلى دراسة وتعمق لبيان أهم قواعده وأحكامه وآثاره القانونية على مستوى المعاهدات الدولية والقوانين الداخلية، حيث يعتبر أحد طرق انقضاء المعاهدات الدولية بالإرادة المنفردة للدول الأطراف في المعاهدة الدولية، وما يترتب عليه من آثار  قانونية.

كما تتمثل الأهمية العملية لهذا البحث في حجم المنازعات الناتجة عن الانسحاب من المعاهدات الدولية، ودور القضاء الدولي والوطني (الداخلي) لحل هذه النزاعات استنادا إلى أحكام القانون الوطني والقانون الدولي العام واتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969 ومقارنة ذلك بالشريعة الإسلامية.

مشكلة البحث:

تتمثل مشكلة البحث -بشكل أساسي- في الآثار القانونية المترتبة على الانسحاب في علاقة الدولة المنسحبة بالدول الأطراف في المعاهدة التي قبلت الانسحاب أو التي رفضته، ومعرفة ما إذا كان الانسحاب مخالفا لغرض المعاهدة والهدف منها كون أن الانسحاب لا يعدو كونه إعلانا صادرا من جانب أحد أطراف المعاهدة عند التوقيع أو الموافقة أو القبول يستهدف استبعاد سريان أحكام المعاهدة على الطرف المنسحب منها كليا، وعليه يمكن صياغة مشكلة البحث في السؤال الرئيس: ما القواعد المنظمة للانسحاب من المعاهدات الدولية وأحكامه في ضوء القانون الدولي والشريعة الإسلامية؟ ويتفرع عنه بعض الأسئلة الآتية:

  1. ماهية الانسحاب من المعاهدات الدولية ومشروعيته في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية؟
  2. ما الإجراءات الخاصة بالانسحاب من المعاهدات الدولية في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية؟
  3. ما الآثار القانونية المترتبة على الانسحاب من المعاهدات الدولية في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية؟

أهداف البحث:

يهدف هذا البحث إلى:

  1. بيان ماهية الانسحاب من المعاهدات الدولية ومشروعيته في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية.
  2. توضيح الإجراءات الخاصة بالانسحاب من المعاهدات الدولية في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية.
  3. إظهار الآثار القانونية المترتبة على الانسحاب من المعاهدات الدولية في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية.

منهج البحث:

يعتمد البحث -بشكل كبير- على إتباع المنهج الوصفي التحليلي والمنهج المقارن، حيث اعتمد الباحثان على المنهج الوصفي التحليلي الذي يهدف إلى وصف وتحليل النصوص القانونية الوطنية (الداخلية)، ونصوص القانون الدولي العام (اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969) المتعلقة بموضوع البحث من مختلف جوانبه وكافة أبعاده؛ حتى يتسنى للباحثين فيما بعد القيام بتحليل تلك النصوص والعمل على تقييمها من خلال ذكر تلك النصوص في مضمون البحث.

كما سيعتمد الباحثان على المنهج المقارن بين القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية، من أجل مقارنة النصوص القانونية المتعلقة بالانسحاب من المعاهدات الدولية بما ورد في الشريعة الإسلامية حيثما أمكن ذلك، إذ سيتم إبراز بعض الجوانب القانونية المتعلقة بموضوع البحث؛ وذلك حتى يتم دراسة الموضوع بالشكل المطلوب.

خطة البحث:

حاولنا عرض جميع الأفكار المتعلقة بموضوع البحث بطريقة متناسقة ومتوازنة قدر الإمكان تكفل تغطية جميع جوانبها، وقد اقتضت طبيعة البحث أن يتم تقسيم موضوعه إلى ثلاثة مباحث وخاتمة، ووفق ذلك ستكون الهيكلية العامة للبحث على النحو الآتي:

المبحث الأول: ماهية الانسحاب من المعاهدات الدولية ومشروعيته في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية

المبحث الثاني: الإجراءات الخاصة بالانسحاب من المعاهدات الدولية في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية

المبحث الثالث: الآثار القانونية المترتبة على الانسحاب من المعاهدات الدولية في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية

الخاتمة:

أولا: نتائج البحث

ثانيا: توصيات البحث

 

المبحث الأول: ماهية الانسحاب من المعاهدات الدولية ومشروعيته في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية

ما من شك في أن العلاقات التي تربط الأمن الجماعي لاستمرارية المعاهدات تكمن في عدم انتهاكها، والالتزام ببنودها وعدم ربط دوامها بالمصالح الخاصة لكل دولة على حده، خاصة في المجالات الحيوية المتعلقة بحقوق الإنسان وحرياته أو حماية البيئة أو حماية الأفراد خلال المنازعات المسلحة وغيرها من المواضيع.

      إن الانسحاب هو بمثابة الفعل الإرادي، حيث يتمتع بالمرونة المطلقة خاصة فيما يتعلق بوجوب توافق الحدث غير العادي لتبرير الانسحاب، حيث يمكن لأي دولة أن تتذرع بهذه الذريعة التي لم توضع لها ضوابط واضحة لأجل التحرر من  الالتزامات  التعاقدية التي التزمت بها فيما سبق؛ وعليه يعد هذا بمثابة مساس بمبدأ العقد شريعة المتعاقدين ومساس بالقانون الدولي؛ لذلك فإن دراستنا للانسحاب من المعاهدات الدولية ستتمحور في مطلبين، حيث سنتناول مفهوم الانسحاب من المعاهدات الدولية في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية في المطلب الأول، بينما في المطلب الثاني سنتناول الحديث عن مشروعيته، وذلك على النحو الآتي:

المطلب الأول: مفهوم الانسحاب من المعاهدات الدولية في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية

يوجد للانسحاب في المعاهدات الدولية أشكال مختلفة، منها ما قد يضع حدا لوجود المعاهدة أو إنهائها أو بطلانها، وهو ما نوضحه من خلال هذا المطلب على النحو الآتي:

الفرع الأول: مفهوم الانسحاب من المعاهدات الدولية وتمييزه عن بعض المصطلحات في القانون الدولي العام

تعد هذه المصطلحات الثلاثة: (الإنهاء والبطلان والانسحاب) إجراءات متعددة عند الوصول إلى نهاية الاتفاقيات، حيث تؤدي جميعها إلى إنهاء نفاذ المعاهدة؛ لذلك وجب التفريق فيما بينها، وهو ما سنوضحه فيما يأتي:

أولا: المقصود بالإنهاء

يتمثل مفهوم الإنهاء بأنه: “وضع حد لوجود المعاهدة من الجانب القانوني”، أي الخروج من المعاهدة، وعدم سيران أحكامها على الدولة التي قامت بالإنهاء، إلا إذا قامت هذه الدولة بإعادة إبرام هذه المعاهدة فإنها بذلك تعود إلى التمتع بأحكامها مرة أخرى، ولكن لا يمكن العودة إلى الاتفاق نفسه مرة أخرى بنفس الاتفاق القديم، بل لابد له من اتفاق جديد، كما وتوجد مترادفات لهذا المصطلح منها: (الانقضاء، والانتهاء، والإنهاء)، ويأتي هذا الشرط مستنبطا من المادة (54) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات الدولية لعام 1969.[1]

حيث نصت المادة (54) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969على أن: “إنهاء المعاهدة أو انسحاب أحد أطرفها يجوز أن يتم: أ. وفقا لأحكام المعاهدة، ب. أو في أي وقت باتفاق جميع الأطراف بعد التشاور مع بقية الدول المتعاقدة”.[2]

ثانيا: المقصود بالإبطال أو البطلان

عرف الفقه الإبطال بقوله: “تجريد قواعده من كل قوة وكأنها لم تكن، وهذا لعدم توافر أحد الشروط الأساسية لصحة إبرام المعاهدات، كانعدام الرضا أو الأهلية أو مشروعية الموضوع”.[3]

وبعبارة أخرى يقصد به انسلاخ الأثر القانوني للمعاهدة، وعدم نفاذ أحكامها لإخلال إحدى الشروط الموضوعية لانعقادها، وتتمثل هذه الشروط في: (الرضا، والأهلية، ومشروعية الموضوع)، كما يوجد نوعان من البطلان.

  1. البطلان النسبي:

حيث تبطل المعاهدة بطلانا نسبيا في حال ما إذا كان أحد المتعاقدين ناقص الأهلية، أو إذا مس رضا أحد الطرفين عيب من عيوب الإرادة.[4]

  1. البطلان المطلق:

تبطل المعاهدة بطلانا مطلقا في حال انعدام الرضا أو عدم مشروعية الموضوع، كما يبطل في حالة التصرف المبني على الغش نحو القانون؛ أي: التحايل على تطبيق القانون للتهرب من حكم يتعلق بالنظام العام.[5]

ثالثا: الانسحاب

جاء في تعريف الانسحاب أنه: “تصرف من جانب واحد؛ تتخذه سلطات الدولة المعنية لإنهاء التزاماتها المترتبة على المعاهدة”.[6]

ومن الجدير بالذكر أن اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 لم تذكر كلمة الانسحاب إلا وقد جاء معها إحدى هذه الكلمات: (إلغاء، انسحاب، إيقاف عمل، انقضاء)؛ وعليه يمكن لنا أن نستنتج مما سبق أن مفهوم (الانسحاب، الإلغاء، الإيقاف والانقضاء) متقارب فيما بينهم، إذ إنهم يعبرون جميعا عن كلمة واحدة يقصد بها إنهاء المعاهدة؛ ولكن تختلف إجراءات الإنهاء والآثار المترتبة عليها فيما بينهم.

الفرع الثاني: مفهوم الانسحاب من المعاهدات الدولية في الشريعة الإسلامية

إن المتتبع لكتب فقهاء الشريعة الإسلامية يجد أن مصطلح الانسحاب لم يكن متداولا عندهم؛ غير أن هذا لا يعنى أنهم لم يعرفوا مضمونه ومدلوله.

حيث يتبين لنا أن التصرف من جانب واحد تتخذه سلطات الدولة الإسلامية لإنهاء التزاماتها المترتبة على المعاهدة، شريطة عدم نقضان العهد مع الدولة المعاهدة للدولة الإسلامية، ولا أدل على ذلك من قول الله تعالى: “إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين“.[7]وعليه فلا بأس به من منظور الشريعة الإسلامية طالما يندرج تحت تحقيق المصلحة لكلا الطرفين أو من طرف الدولة الإسلامية أو إذا نقضت الدولة المتعاهدة العهد مع المسلمين، حيث يقول الله تعالى: “وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون، ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة”.[8]

المطلب الثاني: مشروعية الانسحاب من المعاهدات الدولية في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية

يقصد بالانسحاب عدم نفاذ أحكام والتزامات المعاهدة بحق الدولة المنسحبة من المعاهدة، كما يعد الانسحاب من المعاهدات الثنائية إنهاء للمعاهدة؛ لأنها قائمة على طرفين بعكس المعاهدات الجماعية، إذ إن الانسحاب لا يؤثر عليها؛ لأنها متعددة الأطراف، إلا أننا قد نجد اختلافا في ذلك، ومنه معاهدة مونترو 1936.[9] التي تنظم حركة المرور عبر مضايق البحر الأسود، التي تنص على أن انسحاب طرف من المعاهدة يؤدي إنهاء العمل بها، فهذه حالة، وحالة أخرى فقد يؤدي الانسحاب المتتالي ونقص عدد أطرافها إلى إنهاء المعاهدة؛ لذلك قد تلجأ بعض المعاهدات إلى تحديد مدة معينة من نفاذ المعاهدة بعدم الانسحاب منها.[10]

الفرع الأول: إجراءات وأسباب الانسحاب من المعاهدات الدولية

تتنوع أسباب وإجراءات الانسحاب من المعاهدات الدولية، إذ لا بد من الالتزام بها لإتمام سلامة الإجراءات.

أولا: إجراءات الانسحاب من المعاهدات الدولية

  1. حق التمسك بالإنهاء ووقت الاحتجاج به

يحق للدولة المشاركة في المعاهدة الاحتجاج عليها بالإنهاء أو الانسحاب أو الإيقاف أو البطلان؛ وذلك بأن تقدم طلبا تقوم فيه بإخطار الأعضاء باحتجاجها، وهذا الطلب يأتي ببيان أسباب هذا الاحتجاج، وهذا ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة (67) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات.[11]وكذلك الفقرة الأولى من المادة (65) من ذات الاتفاقية، حيث جاء فيها: “على الطرف الذي يحتج بعيب في رضاه، الالتزام بالمعاهدة أو بسبب للطعن في صحة المعاهدة أو لانقضائها أو الانسحاب منها أو إيقاف العمل بها بموجب نصوص هذه الاتفاقية، أن يخطر الأطراف الأخرى ب ادعائه ، ويجب أن يبين الإجراء المقترح اتخاذه بالنسبة إلى المعاهدة وأسبابه”.[12]

وبعد تقديم الطلب السابق، توجد مدة زمنية حددتها الفقرة الثانية من المادة (65) من ذات الاتفاقية، والتي تنص على أنه: “إذا انقضت فترة لا تقل-إلا في حالات الضرورة الخاصة- عن ثلاثة أشهر بعد استلام الإخطار دون أن يصدر اعتراض عن أي طرف آخر يكون للطرف الذي أرسل الإخطار أن يقوم بالإجراء الذي اقترحه بالطريقة المنصوص عنها في المادة (67)”.[13]

ونستنتج مما سبق؛ أن المهلة الزمنية هي ثلاثة أشهر عدا ما كان طارئا؛ فيتم خلال الأشهر إخطار الأطراف الأخرى بهذا الاحتجاج، على أن يكون هذا الطلب موقعا من قبل رئيس الدولة أو رئيس الحكومة أو وزير الخارجية، كما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة (67) من ذات الاتفاقية، كما يحق للدولة مقدمة الطلب إلغاء هذا الإخطار ولا ينتج عنه أي آثار كما ورد في نصص المواد (65، 66، 67) من ذات الاتفاقية.

أما في حال كان الاعتراض من قبل أطراف أخرى؛ فإن على الأطراف أن يبحثوا عن بعض الطرق لإيجاد تسوية فيما بينهم، وهذا ما جاء في نص المادة (65) في الفقرة الثالثة من ذات الاتفاقية، حيث جاء فيها أنه: “أما إذا صدر اعتراض عن أي طرف آخر؛ فإن على الأطراف أن يسعوا لإيجاد تسوية عن طريق الوسائل المبينة في المادة(33)من ميثاق الأمم المتحدة”.[14]

إذ تعد المادة الأخيرة سالفة الذكر الملجأ لتسوية المنازعات المتعلقة بالانسحاب من المعاهدات الدولية، وهذا ما أجمع عليه مجمع القانون الدولي في دورته لعام 1969 بشأن تسوية المنازعات بحسب ما نصت عليه الفقرة الرابعة من المادة (65)، ومن الممكن أيضا اللجوء إلى مؤشر فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 الذي يقدم على تأييد نظام أكثر فاعلية لتسوية النزاعات المتعلقة بانقضاء المعاهدات الدولية.[15]

  • وسائل إعلان تبليغ الإنهاء وإلغائه

إن الوسيلة المتبعة لإعلان التبليغ أو إيصال الإخطار هي بالشكل المكتوب، حيث لا يمكن أن يكون شفويا، وإن كان شفويا لا ينتج عنه أي آثار قانونية، بحيث يكون التوقيع على هذا الإخطار صادرا من الجهة المخولة متمثلة في رئيس الحكومة أو وزير الخارجية، بحيث ما ورد في نص المادة (67) من ذات الاتفاقية.[16]

ومن الأمثلة على وجوب إفراغ التبليغ بالإنهاء في شكل رسمي: المادة(17)من الاتفاقية الموقعة بين الجزائر وجمهورية مصر العربية حول حماية النباتات والحجر الزراعي، حيث اشترطت أن يكون الإبلاغ بإنهاء المعاهدة كتابيا على هذا النحو: “… مالم يخطر أحد الطرفين الطرف الآخر كتابة برغبته في إنهاء المعاهدة قبل ستة أشهر من تاريخ انتهائها”، كما يجوز إلغاء الإخطار أو الوثيقة المنصوص عليها في المادتين(65)أو(67)في أي وقت قبل أن تنتجا آثارهما حسب نص المادة(68) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات.[17]

ثانيا: أسباب إنهاء العمل بالمعاهدات الدولية

تتنوع أسباب إنهاء العمل بالمعاهدات الدولية ما بين أسباب تتعلق بالمعاهدة ذاتها، أو لأسباب خارجية، وهو ما تم ذكره في المواد (54، 55، 56، 57) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات.

وفي كلا الحالتين يعد الانسحاب لاغيا لأحكام المعاهدة ووجودها بالنظام القانوني الدولي، وقد يترتب على إنهائها، آثار قانونية، وقد ورد ذكرها في المادة (70) من ذات الاتفاقية.

  1. طرق انقضاء المعاهدات الدولية بناء على الأسباب التي تتعلق بالمعاهدة ذاتها

كما أسلفنا سابق الذكر، أن طرق انقضاء المعاهدة تكون باتفاق أو غير اتفاق، وهذا ما نتحدث عنه في الآتي:

  • إنهاء المعاهدات الدولية بالتعبير الانفرادي أو الانسحاب منها:

حيث إن إنهاء المعاهدة الدولية لا يتم إلا بإحدى طريقتين، إما أن يكون بالفسخ، أو الانسحاب.

ويقصد بالفسخ هنا؛ فسخ المعاهدة من قبل أحد أطرافها؛ ولا يأتي هذا الإجراء إلا عندما يتنصل الطرف الآخر من الالتزام بالمعاهدة، مما يجبر الطرف الآخر على إعلان فسخ المعاهدة وإعلان عدم الالتزام بها، وقد ورد في هذا الصدد ما نصت عليه المادة (60) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 بالقول:

 “1. الإخلال الجوهري بالمعاهدة الثنائية من قبل أحد أطرفها يخول الطرف الآخر الاحتجاج به كسبب لانقضائها أو لإيقاف العمل بها كليا أوجزئيا.

  1. يخول الإخلال الجوهري بالمعاهدة الجماعية من قبل أحد أطرفها:

أ. الأطراف باتفاق جماعي فيما بينها إيقاف العمل بالمعاهدة كليا أو جزئيا أو إنهائها: – إما في العلاقات بينهم وبين الدولة المخلة؛-فيما بين جميع الأطراف.

ب. الطرف المتأثر من هذا الإخلال بصور خاصة الاحتجاج به كسبب لإيقاف العمل بالمعاهدة كليا أو جزئيا في العلاقات بينه وبين الدولة المخلة.

ج.أي طرف آخر عدا الدولة المخلة الاحتجاج بالإخلال كسبب لإيقاف العمل بالمعاهدة كليا أو جزئيا بالنسبة له إذا كان من مقتضى طبيعة المعاهدة أن يغير الإخلال الجوهري بنصوصها من قبل أحد أطرافها تغييرا جذريا في مركز كل طرف فيها فيما يتعلق بتنفيذ التزاماته في ظل المعاهدة.

  1. لأغراض هذه المادة يشتمل الإخلال الجوهري على ما يلي: أ. التنصل من المعاهدة بما لا تجيز هذه الاتفاقية،

ب. مخالفة نص أساسي لتحقيق موضوع المعاهدة والغرض منها.

  1. لا تخل الفقرات السابقة بأي نص في المعاهدة يسري عند الإخلال بأحكامها.

5.لا تنطبق أحكام الفقرات(1)إلى(3)على الأحكام المتعلقة بحماية الإنسان المنصوص عليها في المعاهدات ذات الطابع الإنساني وبخاصة الأحكام التي تحظر أي شكل من أشكال الانتقام من الأشخاص المحميين بموجب هذه المعاهدات”.[18]

نستنتج مما سبق؛ أن المعاهدة قائمة ما دامت الأطراف ملتزمة بها، فإذا اختل شرط من شروطها كانت قابلة للإنهاء والإيقاف؛ لأن الأساس الذي قامت عليه المعاهدة كان بالاتفاق بين المتعاقدين.

أما الانسحاب؛ فيعد بمثابة إخطار يتقدم للأطراف يعلن فيه الرغبة بالانسحاب من أحكام المعاهدة، فكلما قلنا يتم القضاء على المعاهدة الثنائية بمجرد انسحاب أحد طرفيها بينما لا تتأثر المعاهدات الجماعية بذلك لتعدد أطرافها؛ إلا إذا ما كانت قد نصت المعاهدة في حال ما تم انسحاب أحد الأعضاء؛ فإن ذلك يؤدي إلى انقضاء المعاهدة ككل.[19]

وقد نرى في حالة أخرى؛ بأنه لا يجوز الانسحاب من المعاهدة بالتعبير الانفرادي إلا بموافقة الأطراف الأخرى في حال إذا ما كانت المعاهدة قد تضمنت ذلك، وهذا ما ورد في المادة (56) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.[20]

  • إنهاء المعاهدات الدولية بالتعبير الصريح:

كما يمكن إنهاء المعاهدة الدولية ككل بنص صريح أو بإبداء الأطراف رغبتهم في إنهائها شرط أن يكون بعد تشاور ورضا من الأطراف، وهذا ما جاء في نص المادة (54)، حيث جاء فيها أنه: “أ. وفقا لنصوص المعاهدة؛

ب.في أي وقت برضا جميع أطرفها بعد التشاور مع الدول المتعاقدة الأخرى”.[21]

  • حلول أجل إنهاء المعاهدة:

ومن الطرق الطبيعية المؤدية إلى إنهاء المعاهدة استواء أجلها، أي: بمعنى انتهاء المدة المتفق عليها، وعادة المعاهدات تحدد زمنا لانقضاء المعاهدة؛ فإذا سار الأجل انتهى الالتزام بأحكامها، ومثال ذلك المادة(2)من معاهدة قناة بنما لعام 1977 والتي حددت أجل انقضاء المعاهدة بتاريخ: 31/12/1999، وكذلك اتفاقية التعاون الثقافي بين الجزائر وسيراليون الموقعة في: 22/04/1980، والتي حددت سريان الاتفاقية بثلاث سنوات قابلة للتجديد تلقائيا مالم يتفق الأطراف على إنهائها.[22] وقد نجد على غير العادة اتفاقيات لم يحدد لها أجل.[23]

أما بالنسبة للمعاهدات التي لا تحدد نصا بشأن إنهائها، فلا يجوز إلغاؤها أو الانسحاب منها إلا برغبة الأطراف.

  • التنفيذ التام للمعاهدة:

إذا تم إنشاء معاهدة بين دولتين، فيجب على الدولتين تنفيذ أحكامها تنفيذا كليا حتى تصبح منتهية بتمام تنفيذ أحكامها، ومثال ذلك: تلك المعاهدات التي يتم تنفيذها في مدة معينة كالمعاهدات التجارية والاقتصادية.

  • انتهاء المعاهدات وفقا لاتفاق لاحق:

إن المعاهدة عمل اتفاقي قائم على إرادة الأطراف، حيث يتفق فيها في وقت لاحق لإبرام المعاهدة طبقا لمبدأ سلطان الإرادة، ويتم إنهاء المعاهدة: إما بنص صريح بإلغاء المعاهدة السابقة وتحل محلها معاهدة لاحقة، أو بنص ضمني بعد عقد دولتين أو أكثر لمعاهدة تتناقض أحكامها مع المعاهدة السابقة مع الأطراف نفسها دون ذكر المعاهدة اللاحقة بالإنهاء.[24]

فالاتفاق الصريح: “طبقا لنص المادة (54)سالفة الذكر؛ فيجوز إنهاء المعاهدات برضا الأطراف، ومن الأمثلة على الاتفاق الصريح لإنهاء المعاهدة، نجد نص (اتفاقية هاي – بون سيفوت)1901 الخاصة بقناة بنما التي تنص على أن هذه الاتفاقية تحل محل الاتفاقية السابقة (اتفاقية كليتون-بول وار) المنعقدة بتاريخ: 19/04/1850،كما نصت معاهدة الطيران المدني الدولي المنعقدة في شيكاغو سنة 1944 في المادة (60) منها على إنهاء معاهدة تنظيم الملاحة الجوية المنعقدة في باريس بتاريخ: 13/10/1919″.[25]

والاتفاق الضمني: “طبقا لنص المادة (59/ 1)تتم حالة الاتفاق اللاحق الضمني لإنهاء المعاهدات الدولية من خلال الاتفاق الجماعي لكافة أطرف المعاهدة السابقة على إلغائها ضمنيا، وإبرام معاهدة جديدة بشرط الإجماع في إبرامها، مع توفر أحكام متعارضة لأحكام المعاهدة السابقة ومعالجتها لنفس الموضوع”.[26]

ولكن قد لا يجتمع كل الأطراف على إنهاء المعاهدة السابقة لعدة أسباب، قد تكون من أهمها: عدم وجود المصلحة في إبرامها أو ضرر جديد ينتج عنها؛ لذلك فإن الدول التي قامت بإنهاء المعاهدة القديمة تقوم بإبرام اتفاقية جديدة، وفي هذه الحالة تبقى المعاهدتان نافذتان على كل من بقي فيها.[27]

  1. إنهاء المعاهدات (لأسباب خارجية عنها) بسبب تعديل أو تغيير الظروف
  • إنهاء المعاهدة لانتهاك أحكامها:

حسبما ورد في الفقرة (1) من المادة (60)؛ فإنه يحق لأطراف المعاهدة إنهاءها نتيجة إخلال لأحد شروطها، ويترتب على هذا الإجراء إنهاء المعاهدة الثنائية؛ لأنها تتكون من طرفين، بينما تبقى في المعاهدات الجماعية ولا تنضب؛ بل يتم إيقاف العمل بها على الدول التي أخلت بالشرط.[28]

  • استحالة تنفيذ المعاهدات لسبب طارئ أو قوة قاهرة:

وقد ورد أيضا في نص المادة (61) سبب آخر يؤدي إلى إيقاف العمل بالمعاهدة بسبب طارئ، وقد يؤدي هذا السبب استحالة تنفيذها؛ مما يترتب عليه تقديم احتجاج يؤدي إلى إنقاضها أو الانسحاب منها أو إيقافها بشكل مؤقت.

فعلى سبيل المثال؛ لو كانت المعاهدة متعلقة بنهر صالح للملاحة ألم به كارثة طبيعية أدت إلى جفافه؛ ففي مثل هذه الحالة يحق للدول الأعضاء الموقعة على هذه المعاهدة إنهائها أو الانسحاب منها أو إيقافها بشكل مؤقت.

  • المعاهدات التي تنقضي بقيام الحرب:

في حال ما تمت حرب بين دولتين كانت بينهما معاهدة ثنائية؛ فإن هذه المعاهدة تصبح لاغية، -كمعاهدات حسن الجوار والمعاهدات التجارية والاقتصادية والمالية، والمعاهدات السياسية: كمعاهدات التحالف والتحكيم، والمعاهدات التي تنشئ حقوقا خاصة لرعايا الدول المتحاربة، مثل: حق الملكية وغيرها-، أما إذا كانت الحرب من عدة أطراف؛ فإن المعاهدة الجماعية لا تنتهي؛ بل يتم إيقاف العمل بها.[29]

  • قطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية:

إن قطع العلاقات الدولية فيما بين الدول الأطراف في المعاهدة لا يؤثر على العلاقات القانونية القائمة بينهم حسب ما نصت عليه المادة (63)من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، حيث جاء فيها ما نصه: “لا يؤثر قطع العلاقات الدبلوماسية أو القنصلية بين أطرف المعاهدة على العلاقات القانونية بينها بموجب المعاهدة إلا بالقدر الذي يكون به وجود العلاقات الدبلوماسية أو القنصلية ضروريا لسريان المعاهدة”؛ إلا إذا كانت العلاقات لا غنى عنها لتطبيق المعاهدة.[30]

 

 

الفرع الثاني: مفهوم وشروط إيقاف العمل بالمعاهدات الدولية

أولا: مفهوم إيقاف العمل بالمعاهدة

لقد ذهب جانب من الفقهاء إلى أنه يقصد من تعليق تنفيذ المعاهدات الدولية وقف العمل بها؛ فذهبوا إلى أنه: تبرم المعاهدة صحيحة ومنتجة لآثارها ثم يوقف العمل بأحكامها فترة من الزمن مع بقائها قائمة، بحيث يمكن لأطرافها العودة إلى تنفيذها بالاتفاق فيما بينهم على ذلك، وإن لم يقرروا إنهاءها صراحة أو أن تنتهي بإبرام معاهدة جديدة أو لاحقة بينهم على نفس الموضوع.[31]

كما عرف بعض الفقهاء إيقاف العمل بالمعاهدات الدولية بوقف سريان أحكام نصوص تلك المعاهدة ووضع حد لاستمرارها كما كان مقررا لها من قبل، لأسباب أو اعتبارات تطأ بعد تنفيذ المعاهدة فترة زمنية معينة، وذلك بالرغم من صحة المعاهدة شكلا وموضوعا وقت إبرامها.[32]

كما قد ينصرف الإيقاف للجهاز الدولي المنشئ للمنظمة أو المنظمة التي أنشأتها المعاهدة، ويكون باتفاق الأطراف المتعاقدة سواء أكانت معاهدة جماعية أم ثنائية وقف العمل بالجهاز، وليس توقف أحكام المعاهدة، كما لو كانت تلك المعاهدة منشئة لمنظمة إقليمية، واتفقت أطراف المعاهدة على وقف العمل بها، فينصرف الوقف إلى الجهاز وليس إلى المعاهدة؛ لأن العبرة بالمعاهدة هو عمل الجهاز.[33]

ومثال ذلك: ما حدث في صندوق النقد الدولي، حيث اتفق دول الأعضاء على وقف العمل بصندوق التنمية التي وردت أحكامه في معاهدة إنشاء المنظمة؛ فإن ذلك لا يعد وقف السريان مواد المعاهدة المتعلقة بالصندوق مادام لم يذكر فيها على وجوب عمل الصندوق بشكل دائم، وآثار الوقف تسري على العاملين في الصندوق مع بقاء الهيكل التنظيمي للصندوق ووظائفه الإدارية موجودة ولكنه شاغر.

ثانيا: شروط وقف العمل بالمعاهدات الدولية

إيقاف العمل بالمعاهدات الدولية يكون بتعليق سريان أحكامها لفترة من الزمن لظروف ما بحيث تمكن أطرافها العودة لتنفيذها، كما يمكن الاتفاق على إنهائها.

لكن قبل إيقاف المعاهدة الدولية لابد من توفر شروط، وهذا ما سنتناوله على النحو الآتي:

  1. وجوب دخول المعاهدة حيز النفاذ

على المعاهدة الدولية أن تكون سارية النفاذ حتى تطبق أحكام الوقف بالمعاهدة، فلا يمكن وقف العمل بالمعاهدة دون سريان أحكامها، ولا يجوز لدولة طرف في المعاهدة التمسك بإخلال جوهري على الطرف الآخر يوقف العمل بنصوص المعاهدة وهي لم تبدأ سريانها.

كما لا يخضع إجراء الإيقاف في حال خلو المعاهدة من الإجراءات التي يجب على الأطراف في المعاهدة اتخاذها إلا إذا كانت تلك الدول أطرافا في اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، أما إذا لم تكن هذه الدول أطرافا فيها، فلا تطبق المعاهدة حسب المادة (17) التي تنص على أنه: “1. مع عدم الإخلال بالمواد من 19 إلى 23، لا يكون رضا الدولة الالتزام بجزء من معاهدة نافذا إلا إذا سمحت بذلك المعاهدة أو وافقت على ذلك الدول المتعاقدة الأخرى.2. لا يكون رضا الدولة الالتزام بمعاهدة تسمح بالاختيار بين نصوص مختلفة ساريا إلا إذا تببن إلى أي من النصوص انصرفا رضاها”.

  1. وجوب اتفاق على إيقاف العمل بالمعاهدة الدولية

بالنسبة للمعاهدات الدولية سواء كانت جماعية أم ثنائية فيتم اتفاق العمل بها باتفاق الأطراف الراغبة بالاتفاق مع الأطراف الأخرى في المعاهدة، وأما بالنسبة للمعاهدات المنشئة للمنظمات الدولية فلابد على الدول الأعضاء بصدور قرار بالأغلبية أو بإجماع بينهم لإيقاف العمل بالمعاهدة.

فمثلا؛ إذا يتعلق الأمر بمنظمة الاتحاد الإفريقي، وقرر بعض الأعضاء باتفاق العمل بها، فهنا لابد من إيقاف الأطراف في المنظمة على هذا الإجراء حسب الأصول المتبعة في المعاهدة إذا نصت على ذلك، أما إذا لم تنص أحكام المعاهدة على الإجراءات الواجباتباعها؛ففيهذهالحالةلابدمناتباعإجراءاتالاتفاقالمنصوصعليهافياتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 إذا لم تنص المعاهدة المنشئة لمنظمة الاتحاد الإفريقي على هذا الإجراء.[34]

  1. وجوب أن يكون وقف العمل بالمعاهدة مؤقتا

في الأصل؛ تبرم المعاهدة صحيحة وتنتج آثارها، لكن لأسباب طارئة تقرر الدول وقف العمل بأحكام المعاهدة لفترة من الزمن، كما يمكنهم العودة لتنفيذها بالاتفاق فيما بينهم على ذلك.[35] ويفهم من هذا، أن الدول الأعضاء في المعاهدة لهم كامل الحرية والسلطة في إعادة العمل بالمعاهدة إذ إنها هي المختصة بتقدير زوال الأسباب التي أدت لوقف العمل بالمعاهدة من عدمه.

أما في حال اختلاف الأطراف في زوال أسباب الوقف من عدمه؛ فهنا كمن يكون مستعدا لإعادة تنفيذ المعاهدة، وهناك من له الرغبة في إنهائها،  وقد جاء الدكتور محمد خالد جمعة لفض الإشكالية بقوله: ينبغي إعادة العمل بالمعاهدة الموقوفة بعد زوال سبب الإيقاف تلقائيا؛ لأن الاتفاق جاء أمرا عرضيا لم يكن يريده أحد، ولا يتوقعه أي طرف في المعاهدة.[36]

  • وجوب ألا تتضمن المعاهدة أحكاماً ملزمة للدولة بمقتضى القانون الدولي

حيث جاء في نص المادة(43) من اتفاقية فيينا أنه: لا يؤثر بطلان المعاهدة، أو إنهاؤها أو إلغاؤها أو الانسحاب منها أو وقف العمل بها تطبيقا لهذه الاتفاقية، أو لأحكام المعاهدة، في واجب أي دولة في أداء التزاماتها المقررة في المعاهدة التي تكون ملتزمة بها بمقتضى القانون الدولي، بغض النظر عن المعاهدة.[37]

ويفهم من نص المادة؛ أن الدول الأعضاء في معاهدة لا تتضمن نصوصا تعد قواعد آمرة في القانون الدولي، تستطيع أن توقف العمل بأحكامها، ومثال ذلك: اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، والبروتوكولان الإضافيان لها لعام 1977،واتفاقيات حقوق الإنسان.

كما قررت محكمة العدل الدولية هذا المبدأ في قضية  نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة الأمريكية عندما أقرت أنه: “إذا خالفت دولة ما قاعدة آمرة من قواعد العرف الدولي؛ فهذا لا يبرر عدم قيام الطرف الآخر بتطبيق قاعدة أخرى من قواعد العرف الدولي كذلك”.

وتنص المادة(57) من نفس الاتفاقية على أنه: “يجوز إيقاف العمل بالمعاهدة بالنسبة لجميع أطرافها أو لطرف معين فيها: أ. وفقا لنصوص المعاهدة؛ أو.  ب. في أي وقت، برضاء جميع الأطراف وبعد التشاور مع الدول المتعاقدة الأخرى”.

المبحث الثاني: الإجراءات الخاصة بالانسحاب من المعاهدات الدولية في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية

إن سلامة الإرادة الملزمة من عيوب الرضا يعد شرطا جوهريا لصحة المعاهدات الدولية، وتتفاوت عيوب الرضا ما بين عيوب قد تؤدي لبطلان المعاهدة نهائيا، أو عيوب تجعلها قابلة للبطلان، حيث إن الإجراءين مختلفان من ناحية الشروط والآثار.[38] وهو ما سنبينه خلال دراسة هذا المبحث، وذلك في مطلبين متتاليين، حيث سنتناول في المطلب الأول الإجراءات الخاصة بالانسحاب من المعاهدات الدولية في القانون الدولي العام، وعلى غرارها في الشريعة الإسلامية وذلك في المطلب الثاني، على النحو الآتي.

المطلب الأول: الإجراءات الخاصة بالانسحاب من المعاهدات الدولية في القانون الدولي العام

تتعدد إجراءات الانسحاب من المعاهدة الدولية التي تؤدي إلى إنهاء المعاهدة أو بطلان العمل بها، وهو ما سنتحدث عنه على النحو الآتي:

الفرع الأول: بطلان المعاهدة الدولية بسبب عدم مشروعية موضوعها

تكون المعاهدة باطلة إذا كانت وقت عقدها تتعارض مع قاعدة آمرة من القواعد العامة للقانون الدولي، ويقصد بالقاعدة الآمرة من القواعد العامة للقانون الدولي القاعدة المقبولة والمعترف بها من قبل المجتمع الدولي ككل على أنها القاعدة التي يجوز الإخلال بها، والتي لايمكن تعديلها إلا بقاعدة لاحقة من القواعد العامة للقانون الدولي لها ذات الطابع.[39]

حيث يفهم من نص المادة السابقة؛ أن المعاهدة الدولية التي تتضمن قواعد مخالفة لقواعد القانون الدولي فهي باطلة، سواء أكانت هذه القاعدة سابقة على المعاهدة أم لاحقة عليها، وهذا ما نصت عليها لمادة(64) من الاتفاقية ذاتها: “إذا ظهرت قاعدة آمرة جديدة من القواعد العامة للقانون الدولي؛ فإن أية معاهدة نافذة تتعارض معها تصبح باطلة وتنقضي”.

ويتشكل النظام العام العالمي من مجموعة من القواعد الآمرة، ومن بينها:

  1. عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
  2. المساواة في السيادة.
  3. تحريم الاتجار بالرقيق.
  4. احترام حقا لشعوب في تقرير المصير.

إن بطلان المعاهدة لإخلاله القاعدة آمرة يبقى متصلا بالمعاهدة، وإثارته تكون إما بطلب من أي دولة طرف في المعاهدة أو أي دولة معنية بها، وأما بالنسبة للجهة التي تثار لها تكون إما محكمة تحكيم دولي أو محكمة العدل الدولية، أو منظمة دولية أو غيرها، إما تلقائيا أو بناء على طلب، كما إنه لا يمكن تصحيح البطلان بإجازته من طرف من أطراف المعاهدة.[40]

الفرع الثاني: بطلان المعاهدة الدولية بسبب إبرامها تحت إكراه

الإكراه: هو حمل شخص على إتيان عمل أو الامتناع عن إتيان عمل ما، والإكراه في مجال إبرام المعاهدات الدولية هو إجبار ممثل الدولة على الالتزام بمعاهدة دولية عادة ما تكون مجحفة في حق دولته، أو إجبار الدولة ذاتها على الالتزام بمعاهدة دولية نتيجة الضغوط الممارسة عليها من قبل دولة أو مجموعة دول الأخرى.

حيث جاءت اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969بموضوع الإكراه في المادتين (51، 52) بنوعيه حسب الطرف الذي انصب عليه الإكراه، فقد يكون منصبا على شخص ممثل الدولة، وقد يكون منصبا على الدولة ذاتها.

وقد نصت المادة (51) من الاتفاقية على أنه: “ليس لتعبير الدولة عن رضاها الالتزام بمعاهدة والذي تم التوصل إليه بإكراه ممثلها عن طريق أعمال أو تهديدات موجهة ضده أي أثر قانوني”، أي أن الموجه ضد ممثل الدولة لابد أن يصدر في شكل أعمال أو تهديدات ضده، تلك الدولة المطالبة ببطلان المعاهدة لابد لها أن تثبت واقعة الإكراه، وذلك بإثبات الأعمال أو التهديدات التي وجهت إلى ممثلها.

أما المادة (52) التي تتحدث عن الإكراه الموجه ضد الدولة ذاتها فقد أكدت على أنه: “تكون المعاهدة باطلة إذا تم التوصل إلى عقدها بطريق التهديد أو استخدام القوة بصورة مخالقة لمبادئ القانون الدولي المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة”.

إذن فالقاعدة الأساسية في مجال إبرام المعاهدات الدولية هي الرضا بالالتزام بهذه المعاهدات من جانب أطرافها؛ أي إن الدولة تعبر عن إرادتها بالالتزام بصورة واضحة لا لبس فيها انطلاقا من مبدأ المساواة في السيادة بين الدول.

وكذلك مبدأ حرية التعاقد، فلا يمكن إجبار دولة ما على الالتزام بمعاهدة لم تكن راغبة أصلا في إبرامها أو الانضمام إليها؛ لذلك كل معاهدة مبرمة تحت الإكراه سواء كان لممثل الدولة أم على الدولة فهي تقع باطلة بطلانا مطلقا، ولا يمكن أن تجاز لاحقا بتصحيح ذلك البطلان.[41]

المطلب الثاني: الإجراءات الخاصة بالانسحاب من المعاهدات الدولية في الشريعة الإسلامية

الكيفيات إن كانت مرتبطة بالطريقة كبيان لها، فلا يجوز تغييرها إلى كيفية أخرى، أو مخالفتها؛ لأنها أصبحت من أحكام الطريقة، فقتل القاتل مثلا: هو حكم شرعي ثبت شرعا كعقوبة للقاتل، حيث يقول الله تعالى: “ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا”.[42]

والكيفية التي يقتل بها القاتل هي قطع الرأس بأي وسيلة تحقق هذه الكيفية، ولا يجوز مخالفتها مثلا بإطلاق الرصاص، أو بالحقن أو غير ذلك، والرسول –صلى الله عليه وسلم- عندما طبق الكيفية، طبقها بطريقة ثابتة، وهي قتل القاتل بأي وسيلة تتحقق فيها سهولة القتل.[43]

أما إن كان الأمر من الأساليب؛ فيجوز تغييره حسبما تقضيه الحاجة، كالتعزير مثلا، لم يجعل الشرع له طريقة ثابتة، وإنما جعل للإمام تقديره حسب واقع الجريمة، وحسب حال الشخص وما يردعه؛ فقد يكون السجن، وقد يكون الضرب، وقد يكون غير ذلك.

وهناك كذلك في نبذ المعاهدات طريقة ثابتة، وأساليب، فأما (الطريقة) فهي وجوب النبذ، وإبلاغ القوم بذلك إذا لم تحدث عملية النبذ الفعلي من طرفهم، وذلك لقوله تعالى: “وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين”.[44]

وهذا الطلب يفيد الوجوب؛ لأنه ترتب عليه وصف اعتبر قرينة على الوجوب، وهي الخيانة والمعنى: أي إن من نبذ دون إبلاغ فإنما هو خائن، والخيانة محرمة.

وأما الأسلوب في البلاغ، فقد يتبع الخليفة أساليب شتى، حسبما يرى مقتضى الحال، مثل:

أولا: إرسال رسول إلى الطرف الآخر إما مشافهة، وإما كتابة: (أي بتحميله كتاب)، وهذا إذا لم يخش من الطرف الآخر الغدر.

وقد كان –صلى الله عليه وسلم- يستخدم الرسل في نقل المعلومات للأعداء، سواء أكان لحمل الدعوة أم كسفراء أثناء الحرب قبل المعركة وخلالها، وكان خلفاؤه كذلك يبعثون من يفاوض العدو أثناء المعارك.

ثانيا: وهناك طرائق متقدمة اليوم، مثل: استخدام وسائل الإعلام المسموعة، والمرئية، مثل: المرنان، والمذياع، فيمكن عن طريق بلاغ عسكري، إبلاغ الخصم بذلك، وخاصة إذا كانت الدولة محاربة فعلا.

ويمكن كذلك أن يكون عن طريق الإنترنت، أو التلغراف، أو أي وسيلة ناقلة تمكن العدو من سماع رأي المسلمين في نبذ العهد.

ثالثا: وقد يكون عن طريق اللجنة المحايدة، التي شهدت توقيع المعاهدة؛ فيمكن للدولة إبلاغ اللجنة بقرارها، وتكلف حمل هذه الرسالة إلى الطرف الآخر، وتكلف كذلك بعقد اجتماع مشترك، أو تنبيه الدولة في ذلك، وهذا يكون غالبا في الدول غير المحاربة فعلا ولا يخشى منها الغدر.

وهناك أساليب كثيرة ومتعددة، تنظر الدولة ما يناسبها منها، وما يحقق لها المصلحة، فتختار منها ما تشاء.

المبحث الثالث: الآثار القانونية المترتبة على الانسحاب من المعاهدات الدولية في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية

يتميز انقضاء المعاهدات الدولية وفق أحكام الشريعة الإسلامية بمجموعة من الضوابط تتشابه أحيانا، وتختلف أحيانا أخرى عما جاء في القانون الدولي العام، ويتم التمييز هنا بين حالتين من الانقضاء، الحالة الأولى بنقضها من الطرف الآخر، والحالة الثانية بنقضها من طرف المسلمين، وهو ما سيتم تناوله من خلال هذا المبحث في مطلبين متتاليين، حيث سنتناول في المطلب الأول الآثار القانونية المترتبة على الانسحاب من المعاهدات الدولية في القانون الدولي العام، وعلى غرارها في الشريعة الإسلامية وذلك في المطلب الثاني، على النحو الآتي.

المطلب الأول: الآثار القانونية المترتبة على الانسحاب من المعاهدات الدولية في القانون الدولي العام

تضم المعاهدات الدولية نصوصا قانونية لمعرفة الإجراءات التي يتبعها؛ لكن في بعض الحالات تخلو المعاهدات الدولية من النصوص الموضحة للإجراءات الواجبات باعها عندما تريد أحد الدول وقف العمل لأحكامها، وهو ما تناولته اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969فيالمادة(65) منها، – والتي سبقت الإشارة إليها-،حيث ألزمت الأطراف باتباع الإجراءات الآتية:

الإخطار؛ حيث تنص المادة(65) على إجراء الإخطار في حال

ما إذا أرادت إحدى الدول الأطراف المتعاقدة في المعاهدة إيقاف العمل بها نتيجة لتحقق سبب من أسباب الإيقاف؛ كإخلال أحد الأطراف بالتزاماته المقررة في المعاهدة؛ فلا بدمن إخطار الطرف الآخر قبل القيام بالإيقاف، والحل الذي يمكن أن تقترحه قبل أي إجراء لاحق.

أما بالنسبة للنتائج المترتبة على الإخطار؛ ففي حال عدم تقديم اعتراض على الإخطار من بقية الدول الأطراف؛ يكون إما موافقته ضمنيا، أو من خلال الموافقة الصريحة عند تقديم اعتراض على الإخطار، علما أن المهلة التي نصت عليها المادة في هذا الصدد يكون خلال ثلاثة أشهر بداية من تاريخ تبليغ الإخطار، واستلام وثيقة مكتوبة بذلك.[45]

 

المطلب الثاني: الآثار القانونية المترتبة على الانسحاب من المعاهدات الدولية في الشريعة الإسلامية

الفرع الأول: انقضاء المعاهدة السلمية بنقضها من الطرف الآخر

هنالك حالات أربع تنتقض خلالها المعاهدات الدولية بنقضها من الطرف الآخر؛ كأن يغلب على ظن المسلمين وفاء المعاهدين بالعهد، وأن يتوقع المسلمون من عدوهم نقض العهد، وأن تظهر لهم أمارات ودلائل على إرادتهم الخيانة، وأخيرا أن يظهر المعاهدون خيانتهم، وهذا ما سنتناوله بالتفصيل على النحو الآتي.

وتنتقض المعاهدة السلمية إذا نقضها المعاهدون نصا أو دلالة؛ فأما النص: بأن يعلن المعاهدون نقض المعاهدة، وعدم الالتزام بها، وأما الدلالة: بأن يظهر منهم ما يدل على نقضهم لها؛ وللمسلمين مع المعاهدين أربع حالات، نذكرها على النحو الآتي:

الحالة الأولى:

أن يغلب على ظن المسلمين وفاء المعاهدين بالعهد؛ فعلى المسلمين في هذه الحالة الوفاء بعهدهم، وعدم نقضه، وذلك للأدلة الشرعية العامة الموجبة لذلك؛ فالأصل الذي يجب أن يكون عليه المسلمون في عهودهم ومواثيقهم هو الوفاء بها وإتمامها، والاستقامة عليها، وأنه لا يجوز لهم نقض هذه العهود والمواثيق لغير سبب شرعي يفضي إلى ذلك.

الحالة الثانية:

أن يتوقع المسلمون من عدوهم نقض العهد، بدون أمارات تدل على ذلك، فلا يجوز لهم نقض العهد معهم؛ لأن مجرد الخوف بدون دليل، لا يعد مسوغا لنقض العهد؛ ويستدل لذلك بقوله تعالى: “إن الله لا يحب الخائنين”.[46]

وجه الدلالة: أن الخيانة؛ لا يحبها الله؛ حتى ولو في حق الكفار.[47] وهذا يعني أن أهل الحرب من المعاهدين إذا لم يظهروا نقض المعاهدة صراحة، وإنما هناك فقط مؤشرات مريبة تدل على عدم مصداقيتهم في الالتزام بتلك المعاهدة؛ ففي هذه الحال لا يجوز للمسلمين مباغتتهم بالحرب اعتمادا على تلك المؤشرات دون إنذار سابق لهم بأن المعاهدة أصبحت لاغية؛ لأن هذه المباغتة بالحرب بلا سبق إنذار تعد خيانة، والخيانة لا يحبها الله ولو في حق الكفار الذين قام الشك في محافظتهم على العهد مع المسلمين.

الحالة الثالثة:

أن تظهر لهم امارات ودلائل على إرادتهم الخيانة، ونقض العهد على غرة من المسلمين، وهذه الحالة هي التي يجب على المسلمين أن ينبذوا إليهم عهدهم على سواء، قال الله تعالى: “وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين”.[48]

وجه الدلالة: في هذه الآية أمر لرسول الله- صلى الله عليه وسلم-:إذا خفت غدر الذين عقدت معهم معاهدة سلمية، وخدعتهم وإيقاعهم بالمسلمين، وفعلوا ذلك خفيا، ولم يظهروا نقض المعاهدة السلمية؛ فألق إليهم فسخ ما بينك وبينهم من المعاهدة السلمية، حتى يستوي الجميع في معرفة ذلك، وهو معنى قوله تعالى: “على سواء”؛ لئلا يتوهموا أنك نقضت المعاهدة السلمية بإعلان كالحرب عليه بدون سبب.[49]

ولا يجوز أن يبدأهم ا لإمام بالحرب إن رأى مصلحة في ذلك قبل إعلامهم بنقض المعاهدة السلمية؛ لأنهم آمِنون منه بحكم هذه المعاهدة.[50]

وإن قيل: كيف يجوز نقض المعاهدة السلمية مع خوف الخيانة، والخوف ظن لايقين معه، فكيف يسقط يقين المعاهدة بظن الخيانة؟

فيجاب على ذلك من طريقين:

أحدهما: إن الخوف هاهنا بمعنى اليقين، كما يأتي الرجاء بمعنى العلم كقوله تعالى: “مالكم لا ترجون لله وقارا”.[51]

الثاني: إنه إذا ظهرت آثار الخيانة، وثبتت دلائلها وجب نبذ العهد؛ لئلا يوقع التمادي عليه في الهلكة؛ وجاز إسقاط اليقين هاهنا بالظن للضرورة.[52]

وفي واقفا المعاصر؛ نجد أن العدو يفعل ما يشاء من أفعال ليس فقط تُشعر المسلمين بأنه يقوم بأفعال توهم خيانته؛ بل يعلنها صراحة أنه لا يلتزم إلا بما يحقق مصالحه و أمنه وتثبيت وجوده في بلاد المسلمين، ويرتكب لأجل ذلك الفظائع من الأفعال فيحق المسلمين أصحاب الأرض الحقيقيين.

إلا إن حالة الضعف والهوان التي عاشتها الدول الإسلامية قيدتهم من القيام بما يجب تجاه إجرام هذا العدو، وبعد الثورات العربية المعاصرة التي أزاحت بعض الحكام الطغاة الذين عملوا لصالح العدو يأمل المسلمون خيرا في أن يتم معاملة العدو الصهيوني بما توجبه تعاليم ديننا الإسلامي 5العظيم.

الحالة الربعة:

أن يظهر المعاهدون خيانتهم، بحيث يعملون ما هو نقض صريح للعهد، كأن يعلن المعاهدون نقض المعاهدة السلمية، وعدم الالتزام بها، أو ظاهروا عدوا على قتال المسلمين، أو قاتلوا المسلمين، أو تعمدوا فعلا من الأفعال التي تضرب أمن الدولة: كالتجسس وقطع الطريق عليهم، ونحو ذلك، انتقض عهدهم؛ وفي هذه الحالة، يشرع المسلمون أن يغزوهم ويطبقوا عليهم أحكام الجهاد في سبيل الله، من دون إنذار لهم، ولا نبذ لعهدهم؛ لأنهم قد نقضوا العهد، فلم يعد لهم بقاء، وذلك لقوله تعالى: “وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون”.[53]

ومعنى الآية: إن نقض هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم من قريش، عهودهم من بعد ما عاقدوكم ألا يقاتلوكم ولا يظاهروا عليكم أحدا من أعدائكم، “وطعنوا في دينكم”، أي: وقدحوا في دينكم الإسلام، فثابوه، وعابوه، “فقاتلوا أئمة الكفر”؛ أي: فقاتلوا رؤساء الكفر بالله، “إنهم لا أيمان لهم” ؛أي:  لا عهد لهم”.[54]

وجه الدلالة: دلت الآية الكريمة على أن من أقدم على نكث العهد والطعن في الدين، يكون أصلا ورأسا في الكفر؛ فهو من أئمة الكفر على هذا.[55]

وعليه؛ إذا نقض المعاندون عهدهم مع المسلمين بفعلهم ما يدلل على خيانتهم للمعاهدة السلمية المنعقدة بينهم وبين المسلمين، أو كان مرتكب هذا الفعل بعض المعاندين، ولم ينكر باقي المعاندين هذا الفعل ولم يتبرؤوا من هذا الفعل؛ فإن المعاهدة السلمية في هذه الحالة تعد منتهية معهم جميعا، وتعود العلاقة بين المسلمين والمعاهدين لما كانت عليه من قبل عقد المعاهدة، وبجوز للمسلمين بدأهم بقتال إن رأوا مصلحة في ذلك.

وهكذا فعل رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ببني قريظة.[56] لما نقضوا العهد، فسار إليهم رسول الله-صلى الله عليه  وسلم – في عقر دارهم، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وغنم أموالهم.[57]

قال ابن قدامه- رحمه الله-: ولما نقضت قريش عهد النبي- صلى الله عليه وسلم- خرج إليهم فقاتلهم وفتح مكة.[58] وإن نقض بعضهم دون بعض، فسكت باقيهم عن الناقض، ولم يوجد منهم إنكار ولا مراسلة الإمام، ولا تبرؤ؛ فالكل ناقضون.[59]

ولا يحتاج الإمام أن يعلم المعاهدين في حال فعلوا ما يبين خيانتهم، وإنما يكون الإعلام إذا خاف منهم الخيانة، فإذا تحققها صاروا نابذين للمعاهدة السلمية التي بينهم.[60]

ومن أفعال المعاهدين التي تنتقض بها للمعاهدات السلمية:

أولا: العدول عن الموادعة في الظاهر

إن من موجبات عقد المعاهدات السلمية: الموادعة في الظاهر، وهي الكف عن القتال، وتوهم التعرض للنفوس والأموال، فيجب على المعاندين مثلما يجب لهم على المسلمين.

فإن عدل المعاهدون عن الموادعة إلى ضدها؛ فقاتلوا قوما من المسلمين، أو قتلوا قوما من المسلمين، أو أخذوا مال قوم من المسلمين؛انتقضت معاهدتهم بفعلهم، وليس بحاجة إلى حكم الإمام لنقضها،وجاز للإمام أن يبدأ بقتالهم من غير إنذار، ويشن عليهم الغارة ويهجم عليهم غرة وبياتا إنشاء، وجرى ذلك الفعل في نقض المعاهدة السلمية مجرى تصريحهم بالقول بأنهم قد نقضوها.[61]

وقد غزا النبي-صلى الله عليه وسلم- أهل مكة بعد المعاهدة السلمية من غير أن ينبذ إليهم؛ لأنهم كانوا قد نقضوا العهد بمعاونتهم بني كنانة على قتال خزاعة، وكانت حلفاء للنبي-صلى الله عليه وسلم-، ولذلك جاء أبو سفيان إلى المدينة يسأل النبي-صلى الله عليه وسلم- تجديد العهد بينه وبين قريش، فلم يجبه النبي-صلى الله عليه وسلم-إلى ذلك؛ فمن أجل ذلكلم يحتج إلى النبذ إليهم إذا كانوا قد أظهروا نقضا لعهد بنصب الحرب لحلفاء النبي-صلى الله عليه وسلم-.[62]

ثانيا: الخيانة من الباطن

ومن موجبات عقد المعاهدات السلمية كذلك، ترك الخيانة، بأن لا يستسر المعاهدون بفعل ما ينقض المعاهدة السلمية لو أظهروه، مثل أن يمايلوا في السر عدوا، أو يقتلوا في السر مسلما، أو يأخذوا لهم الا، أو يزنوا بمسلمة، وهذا ما صرح به الشافعية والحنابلة.[63]

وصرح الحنفية بأن المهادن لو تجسس أخبار المسلمين فبعث بها إلى عدو المسلمين، أو زنى بمسلمة أو ذمية، أو سرق لا ينتقض عهده.[64] وكأنهم يرون أن هذه الأفعال لا ترقى لنقض المعاهدة السلمية.

وإذا استشعر الإمام ممن عقد معهم معاهدة سلمية أمارة تدل على خيانتهم؛ فقد ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه جاز للإمام أن ينبذ إليهم عهدهم؛ بأن يعلمهم أن لا عهد بينه وبينهم لقوله تعالى: “وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين”.[65]يعني إذا خفت غدرهم وخدعتهم وإيقاعهم بالمسلمين، وفعلوا ذلك خفية، ولم يظهروا نقض العهد؛ فانبذ إليهم على سواء؛ أي: ألق إليهم فسخ ما بينك وبينهم من العهد والهدنة حتى يستوي الجميع في معرفة ذلك، وهو معنى قوله تعالى: “على سواء”؛ لئلا يتوهموا أنك نقضت العهد بنصب الحرب، ويرى المالكية أنه يجب على الإمام نبذ عهدهم وإنذارهم؛ فإن تحقق خيانتهم نبذه بلا إنذار.[66]

قال ابن العربي- رحمه الله-:”إذا ظهرت آثار الخيانة، وثبتت دلائلها وجب نبذ العهد؛ لئلا يوقع التمادي عليه في الهلكة، وجاز إسقاط اليقين ههنا بالظن للضرورة، وإذا كان العهد قد وقع؛ فهذا الشرط عادة وإن لم يصرح به لفظا؛ إذ لا يمكن أكثر من هذا”.[67]

ثالثا: العدول عن المجاملة في القول والفعل

ومن موجبات عقد المعاهدات السلمية:   المجاملة في الأقوال والأفعال، فهي في حقوق المسلمين أغلظ منها في حقوق الكفار المهادنين؛ فيلزمهم في حقوق المسلمين أن يكفوا عن القبيح من القول والفعل، ويبذلوا لهم الجميل في القول والفعل، ولهم على المسلمين أن يكفوا عن القبيح في القول والفعل؛ وليس عليهم أن يبذلوا لهم الجميل في القول والفعل، لقوله تعالى: “ليظهره على الدين كله”.[68]فإن عدل الكفار المهادنون عن الجميل في القول والفعل؛ فكانوا يكرمون المسلمين فصاروا يستهينون بهم، وكانوا يضيفون الرسل ويصلونهم فصاروا يقطعونهم، وكانوا يعظمون كتاب الإمام فصاروا يطرحونه، وكانوا يزيدونه في الخطاب فصاروا ينقصونه، فهذه ريبة ؛لوقوعها بين شكين؛ لأنها تحتمل أن يريدوا بها نقض المعاهدة السلمية، وتحتمل أن لا يريدون بها نقضها، فيسألهم الإمام عنه وعن السبب فيها؛ فإن ذكروا عذرا يجوز مثله قبله منهم، واستمر في معاهدتهم، وإن لم يذكروا عذرا، أمرهم بالرجوع إلى عادتهم من المجاملة في أقوالهم وأفعالهم؛ فان عادوا أقام على معاهدتهم، وإن لم يعودوا نقضها بعد إعلامهم بنقضها.[69]

رابعا: سبهم الله أو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-

واختلف الفقهاء في أثر هذا السبب على عقد المعاهدة السلمية على قولين:

القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من “المالكية والشافعية والحنابلة”  إلى أن مما ينقض العهد هو سبهم الله تعالى، أو ا لقرآن، أو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-،أو نبيا من الأنبياء-عليهم السلام-مجمع على نبوته عندنا.[70]

القول الثاني: ذهب الحنفية إلى عدم انتقاض عقد المعاهدة السلمية بسب النبي-صلى الله عليه وسلم-؛لأن سب النبي-صلى الله عليه وسلم-كفر من الكافر  77المهادن، والكفر المقارن لعقد المعاهدة السلمية لا يمنع عقدها في الابتداء، فالكفر الطارئ لا يرفعه في حال البقاء.[71]واستدلوا بحديث عروة عن عائشة-رضي الله عنها-قالت: دخل رهط من اليهود على الرسول-صلى الله عليه وسلم-فقالوا: السام عليكم فهمتها، فقلت: عليكم السام واللعنة، فقال: رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: مهلا يا عائشة؛ فإن الله يحب الرفق في الأمر كله، فقلت: يا رسول الله أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-فقد قلت: عليك.[72]

وجه الدلالة من الحديث: لا شك أن هذا سب منهم له- صلى الله عليه وسلم-، ولو كان نقضا للعهد لقتلهم لصيرورتهم حربيين.[73]

ومن الواضح اتفاق الفقهاء على أن نقض العهد بسب الكفار الله تعالى؛ ويرجح الباحث انما ذهب إليه الأحناف بعدما نتقاض عقد المعاهدة السلمية بسب النبي-صلى الله عليه وسلم-؛لوضوح دليلهم في ذلك.

وأما عن أحوال نقض المعاهدات السلمية من قبل الكفار المهادنين؛ فإما أن يكون من جميعهم أو من بعضهم، فإن كان النقض من جميعهم انتقض عهدهم جميعا، وليس لواحد منهم على نفس أو مال.[74]وإن كان النقض من بعضهم؛ فإما أن يظهر البعض الآخر الرضا بهذا النقض، أو يسكتوا عنه، أو يظهروا الكراهة له؛ فإن أظهر البعض الآخر الرضا في قول أو فعل؛ فينتقض عهدهم جميعا، الناقضون والراضون به، ويصيرون جميعهم حربيين، وكذا إن سكت البعض الآخر فلم يظهروا رضا بالنقض، ولا كراهية له في قول أو فعل، انتقض عهد الجميع، ويكون سكوتهم نقضا للعهد.[75]قال الله تعالى: “واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة”.[76]

وكذلك كانت سنة الله تعالى في عاقر ناقة صالح، باشر عقرها أحمير، وهو القداد بن سالف، وأمسك قومه عنه، فأخذ الله جميعهم بذنبه، فقال تعالى: “فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها”.[77]

وقد عقد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معاهدة مع يهود بني النضير، وهمّ بعضهم بقتله، فجعله نقضا منهم لعهده فغزاهم وأجلاهم.[78]

وعقد معاهدة مع يهود بني قريظة فأعان بعضهم أبا سفيان بن حرب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الخندق، وقيل: إن الذي أعانه منهم ثلاثة: حيي بن أخطب وأخوه وآخر، فنقض به عهدهم، وغزاهم حتى قتل رماتهم وسبى ذراريهم.[79]

وعقد معاهدة مع قريش في الحديبية، وكان بنو بكر في حلف قريش، وخزاعة في حلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نقضا لعهد جميهم؛ فسار إليهم محاربا، وأخفى عنهم أثره حتى نزل بهم وفتح مكة.[80]

فدل على أن الممسك يجري عليه في نقض العهد حكم المباشر؛ ولأنه لما كان عقد بعضهم للمعاهدة موجبا لأمان جميعهم وإن أمسكوا، كان نقض بعضهم موجبا لحرب جميعهم إذا أمسكوا.[81] وإن كان نقض من بعضهم وأظهر البعض الآخر الكراهة للنقض بقول أو فعل؛ انتقض العهد في حق الناقضين فقط.[82]

ونص الشافعية على أنه لو نقض السوقة العهد ولم يعلم الرئيس والأشراف بذلك؛ ففي انتقاض العهد في حق السوقة وجهان: وجه المنع: أنه لا اعتبار بعقدهم فكذا بنقضهم.

ولو نقض الرئيس وامتنع الأتباع وأنكروا؛ ففي الانتقاض في حقهم قولان: وجه النقض: أنه لم يبق العقد في حق المتبوع فكذا التابع.

قال النووي -رحمه الله-: “والصحيح أنهم إن أنكروا بقول أو فعل بأن اعتزلوه أو بعثوا إلى الإمام بأنا مقيمون على العهد لم ينتقض”.

وإذا انتقض في حق بعضهم؛ فإن تميزوا فذلك؛ وإلا فلا يبيتهم الإمام ولا يغار عليهم إلا بعد الإنذار، ويبعث إلى الذين لم ينقضوا يتميزوا أو يسلموهم، فإن لم يفعلوا مع القدرة صاروا ناقضين أيضا.

ومن أخذ منهم واعترف بأنه من الناقضين، أو قامت عليه بينة لم يخف حكمه، وإلا فيصدق بيمينه أنه لم ينقض.[83]

وفي واقعنا المعاصر؛ نجد أن العدو الصهيوني الذي عقد معه بعض حكام المسلمين معاهدات سلمية؛ ارتكب ويرتكب-فرادى وجماعات ودولة – كل يوم ما يدلل وبكل وضوح نقضه لهذه المعاهدات الكارثية على شعبنا الفلسطيني خاصة وعلى أمتنا الإسلامية عامة؛ ولكنه يحرس على بقائها لما لها من فوائد كبيرة على استقرار هو أمنه في خاصرة الأمة الإسلامية وفي قلب أراضيها.

وكان الأولى بمنعقد هذه المعاهدات أن يفهم هذا، وأن يعاملوا هذا المحتل بما تفرضه علينا شريعة إسلامنا العظيم، وألا يلهثوا خلف سراب.

قال عمر-رضي الله عنه-: “إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام؛ فلما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله”.[84]

الفرع الثاني: انقضاء المعاهدة السلمية بنقضها من طرف المسلمين

اتفق جمهور الفقهاء المسلمين على جواز نقض المعاهدة من طرف الإمام عند توافر أسباب معينة، وعلى أنه يجوز للإمام نقض المعاهدة السلمية المؤقتة قبل انتهاء وقته الخوف الخيانة، بأن تظهر أمارات تدل على نية المعاهدين الغدر، والخيانة، كالاستعداد وحشد الحشود لقتال المسلمين.[85] وذلك لقوله تعالى: “وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين”.[86]

وقال الشافعية والحنابلة:  يجوز للإمام نقض المعاهدة السلمية متى شاء؛ إذا كان قد عقدها مطلقة، وشرط في عقدها أن له نقضها متى شاء.[87]

وقال الأحناف: يجوز للإمام نقضها متى رأى المصلحة في نقضها؛ لأنها عنده معقد جائز غير لازم.[88]

قال ابن الهمام: النبذ لا يتقيد بخطورة الخوف؛ لأن المهادنة في الأول ما صحت، إلا لأنها أنفع، فلما تبدل الحال عاد إلى المنع.[89]

ومما سبق؛ يتبين أن نقض المسلمين للمعاهدة السلمية مرتبط بنظرهم لضوابط عقدها؛ فمن رأى أنها عقد جائز غير لازم كالحنفية؛ قالوا بأن للإمام نقضها متى رأى المصلحة في ذلك، ولا ينحصر النقض في خوف الخيانة من المعاندين، ومن رأى جواز أن يشترط المسلم ونفي نص المعاهدة أن له منقضها متى شاءوا، كالشافعية والحنابلة، وشرطوا ذلك الشرط؛ قالوا بجواز نقض هذه المعاهدة السلمية التي تضمنت هذا الشرط متى شاء المسلمون، وأما جواز نقض المعاهدة السلمية عند خوف الخيانة من المعاندين فلا خلاف عليه بين الفقهاء؛ بل ذهب بعضهم.[90]إلى وجوب نقضها لئلا يوقع التمادي عليها في هلكة المسلمين.

وفي واقعا المعاصر؛ نجد أن المعاهدات السلمية التي عقدها بعض حكام العرب، أدت إلى مفاسد عظيمة وكوارث كبيرة، ولم يصدر من العدو ما يفهم منه خيانة هذه المعاهدات السلمية فحسب؛ وإنما ينقض بفعل ما لا يتصور عقل، منحر بالتطهير؛ والقتل المنظم، وانتهاكا لحرمات والأعراض، ومصادرة الأرض وتدنيس المقدسات، وتعذيب الأسرى، والتنكيل بشعبنا المسلم ليل نهار؛ ومن ثم يجب على المسلمين أن يعملوا على نقض هذه المعاهدات الإجرامية الآثمة، وأن تعود الأمة إلى السيادة والصدارة والريادة في كل مناحي الحياة، وهذا يحتاج إلى وحدة القلوب تربية النفوس واستنهاض كل الطاقات؛ ويحتاج إلى عمل متواصل دؤوب، والله المستعان.

ويمكن للمسلمين التخلص من المعاهدات السلمية من خلال القانون الدولي؛ حيث أكدت أحكام القانون الدولي أنه ليس للدولة أن تحتج بأن التعبير عن رضاها الالتزام بالمعاهدة قد تم بالمخالفة لحكم في قانونها الداخلي كسبب لإبطال هذا الرضا إلا إذا كانت المخالفة بينة وتعلقت بقاعدة أساسية من قواعد القانون الداخلي.[91]

وبناء على ما سبق؛ يستطيع المسلمون التخلص من المعاهدات السلمية الدائمة التي أسستها الأنظمة من خلال القانون الدولي، وذلك من خلال:

  1. الإثبات لدى الأمم المتحدة أن هذه المعاهدات تخالف قواعد أساسية من قواعد القانون الداخلي، والتي منها.[92]
  • عدم جواز عقد معاهدة سلمية دائمة مع عدو يحتل جزءا من بلاد المسلمين.
  • عدم جواز عقد معاهدة سلمية دائمة أبدية مع العدو.
  1. الإثبات لدى الأمم المتحدة بأن العدو قام بجرائم الإبادة الجماعية والقرصنة والفصل العنصري والتعذيب وشن حروب تهدف إلى المس من الحريات الأساسية للأشخاص.

وهذا كله انتهاك لقاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام.[93]حيث يؤدي إلى بطلان المعاهدة السلمية حسب القانون الدولي، وتتحمل دولة العدو مسؤولية ذلك.

  1. بالاستناد إلى رفض الشعب الفلسطيني الذي رفض معاهدة السلام، وقام بانتفاضة عارمة ضد العدو الصهيوني؛ والاستدلال بالمادة (61) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات الدولية لعام 1969م التي نصت على أنه يجوز للطرف في المعاهدة الاحتجاج باستحالة تنفيذها كسبب لانقضائها أو الانسحاب منها.

وخلاصة القول: إن تغير الظروف والمصلحة القومية لا تبرر في الإسلام نقض العهد، كما لا يبرره أن يرى المسلمون أنفسهم في مركز القوة تجاه الطرف الثاني، وقد ورد النص الصريح في القرآن يؤكد ذلك، فقال تعالى: “وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون”.[94]مع الأخذ في الاعتبار بأن ذلك التشديد على المسلمين بالوفاء بالعهد كان في وقت وفي بيئة لم تكن القاعدة فيه ما الوفاء بالعهود.[95]

هذا هو حكم الإسلام في المعاهدات التي توقعها الدولة الإسلامية مع الدول الأخرى لحفظ السلام، فنحن مطالبون بالوفاء بها، والمحافظة عليها، وعدم نقضها، إلا إذا نقضها العدو، أما إذا لم ينقضها، ولم يظاهر على عداء المسلمين، فعلى المسلمين الوفاء لهم لقوله تعالى: “إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم”.[96]

يقول الشيخ محمود شلتوت:  “إن الوفاء بالمعاهدة واجب ديني، يُسأل عنه المسلم في ما بينه وبين الله، ويكون الإخلال بها غدرا وخيانة”.[97]

وبهذا يكون الإسلام قد سبق كل الأمم الأخرى بتشريعاتها في مجال تقنين المعاهدات الدولية؛ بل وتميز عنها في عدالته وسماحته مع أعدائه، والأهم أن ذلك السبق كان عمليا ولم يكن مجرد تنظير، ويدل على ذلك ما وقعه المسلمون من معاهدات مع أعدائهم بداية من عصر الرسول مرورا بعصر الخلفاء الراشدين، ثم من بعدهم من عصور إسلامية.

الخاتمة

بعد أن قام الباحثان بتسليط الضوء على موضوع القواعد المنظمة للتحفظ على المعاهدات الدولية وأحكامه في القانون الدولي العام والشريعة الإسلامية، توصلا إلى مجموعة من النتائج والتوصيات، على النحو الآتي:

أولا: نتائج البحث

  1. الانسحاب من المعاهدة الدولية هو تصرف من جانب واحد تتخذه سلطات الدولة المعنية لإنهاء التزاماتها المترتبة على المعاهدة، وبالتالي يختلف عن مفهوم الإبطال والإنهاء.
  2. لم تذكر اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 كلمة الانسحاب إلا وقد جاء معها إحدى هذه الكلمات: (إلغاء، انسحاب، إيقاف عمل، انقضاء)؛ وعليه فإن مفهومهم متقارب فيما بينهم، إذ إنهم يعبرون جميعا عن كلمة واحدة يقصد بها إنهاء المعاهدة؛ ولكن تختلف إجراءات الإنهاء والآثار المترتبة عليها فيما بينهم.
  3. المتتبع لكتب فقهاء الشريعة الإسلامية القدامى يجد أن مصطلح الانسحاب لم يكن متداولا عندهم؛إلا إنه لا يعنى أنهم لم يعرفوا مضمونه ومدلوله.
  4. الانسحاب هو تصرف من جانب واحد تتخذه سلطات الدولة الإسلامية لإنهاء التزاماتها المترتبة على المعاهدة، شريطة عدم نقضان العهد مع الدولة المعاهدة لها، ولا أدل على ذلك من قول الله تعالى: “إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين”.
  5. يعد الانسحاب من المعاهدات الثنائية إنهاء للمعاهدة؛ لأنها قائمة بين طرفين بعكس المعاهدات الجماعية، إذ إن الانسحاب لا يؤثر عليها؛ لأنها متعددة الأطراف، إلا إذا نصت المعاهدة على خلاف ذلك.
  6. إن الإجراءات الخاصة بالانسحاب من المعاهدات الدولية تؤدي إلى إنهاء المعاهدة أو بطلان العمل بها، كبطلان المعاهدة الدولية بسبب عدم مشروعية موضوعها، وكبطلان المعاهدة الدولية بسبب إبرامها تحت إكراه.
  7. إن الوسيلة المتبعة لإعلان التبليغ أو إيصال الإخطار بشأن الانسحاب من المعاهدة هي بالشكل المكتوب، حيث لا يمكن أن يكون شفويا، وإن كان شفويا لا ينتج عنه أي آثار قانونية، بحيث يجب أن يكون التوقيع على هذا الإخطار صادرا من الجهة المخولة بذلك.

ثانيا: توصيات البحث

انطلاقا مما سبق، توصي الدراسة بضرورة وضع ضوابط ومعايير للانسحاب من المعاهدات الدولية؛ بحيث تنص كل معاهدة على هذه الضوابط، حتى لا تفقد المعاهدات مضمونها وآثارها المترتبة عليها.

قائمة المصادر والمراجع

أولا: القرآن الكريم وعلومه:

ثانيا: كتب الحديث الشريف:

 ثالثا: كتب الفقه الإسلامي (المذاهب الفقهية الأربعة):

رابعا: المراجع العربية:

  1. إبراهيم محمد عناني، القانون الدولي العام، دار النهضة العربية للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة، 2005.
  2. أشرف عبدالعزيز عبدالقادر، الولايات المتحدة الأمريكية وأزمات الانتشار النووي: الحالة الإيرانية 2001 – 2009، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أبو ظبي، 2010.
  3. جمال عبد الناصر مانع، القانون الدولي العام، دار العلوم للنشر والتوزيع، عنابة، 2005.
  4. رشيدة العام، المجلس الدستوري الجزائري، دار الفجر للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006.
  5. عبد القادر القادري، القانون الدولي العام، مكتبة المعارف، الرباط، 1984.
  6. علي خليل إسماعيل الحديثي، القانون الدولي العام، الجزء الأول: المبادئ والأصول، دار النهضة العربية، القاهرة، 2010.
  7. علي صادق أبوهيف، القانون الدولي العام، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1975.
  8. محمد بلمديوني، إنهاء المعاهدات الدولية وإيقافها، رسالة ماجستير، جامعة حسيبة بن بوعلي، الشلف، 2008.

 

 

[1]محمد بلمديوني، إنهاء المعاهدات الدولية وإيقافها، رسالة ماجستير، جامعة حسيبة بن بوعلي، الشلف، 2008،ص 20.

[2]المادة (54) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.

[3]رشيدة العام، المجلس الدستوري الجزائري، دار الفجر للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006،ص113.

[4]حسام الدين محمد، الفرق بين البطلان النسبي والبطلان المطلق، موقع بيت كوم، على الموقع الإلكتروني الآتي:

https://specialties.bayt.com.

[5]مصطفى كمال، حالات بطلان العقد، موقع بيت كوم، على الموقع الإلكتروني الآتي:

https://specialties.bayt.com.

[6] أشرف عبد العزيز عبد القادر، الولايات المتحدة الأمريكية وأزمات الانتشار النووي: الحالة الإيرانية 2001 – 2009، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أبو ظبي، 2010،ص339.

[7]سورة التوبة، الآية: 4.

[8]سورة التوبة، الآية: 12، 13.

[9]المادة (28) من معاهدة مونترو لعام 1936، حيث تنص على: “إن انسحاب عضو من أعضاء المعاهدة يؤدي تحت شروط معينة إلى إنهاء تلك المعاهدة”.

[10]عبد القادر عبد العزيز، الولايات المتحدة الأمريكية وأزمات الانتشار النووي، مرجع سابق، ص339.

[11]المادة (67/ 1) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، حيث تنص على أن: “الإخطار المنصوص عليه في المادة 65 الفقرة (1) يجب أن يكون مكتوبا”.

[12]المادة (65/ 1) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.

[13]المادة (65/ 2) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.

[14]المادة (65/ 3) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.

[15]إبراهيم محمد عناني، القانون الدولي العام، دار النهضة العربية للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة، 2005،ص350.

[16]المادة (67) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، والمعنونة بـ: وثائق إعلان بطلان العاهدة أو انقضائها أو الانسحاب منها أو إيقاف العمل بها، حيث تنص على أنه: “1. الإخطار المنصوص عليه في المادة 65 الفقرة (1) يجب أن يكون مكتوبا. 2. أي إجراء بإعلان بطلان المعاهدة، أو انقضائها أو الانسحاب منها أو إيقاف العمل بها وفقا لنصوص المعاهدة أو للفقرات 2 أو 3 من المادة 65 يجب أن يتم بوثيقة ترسل إلى الأطراف الأخرى إذا لم تكن الوثيقة موقعة من قبل رئيس الدولة أو رئيس الحكومة أو وزير الخارجية؛ فإنه يجوز مطالبة ممثل الدولة التي أبلغها بإبراز وثيقة التفويض الكامل”.

[17]محمد بلمديوني، إنهاء المعاهدات الدولية وإيقافها، مرجع سابق،ص75.

[18]المادة (60) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.

[19]محمد بلمديوني، إنهاء المعاهدات الدولية وإيقافها، مرجع سابق، ص28.

[20]المادة (56) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، حيث تنص على أنه: “1.لا تكون المعاهدة التي لا تحتوي على نص بشأن انقضائها أو نقضها أو الانسحاب منها خاضعة للنقض أو الانسحاب إلا:

(أ) إذا ثبت أن نية الأطراف قد اتجهت نحو إقرار إمكانية النقض أو الانسحاب؛

أو(ب) إذا كان حق النقض أو الانسحاب مفهوما ضمنا من طبيعة المعاهدة.

  1. على الطرف الراغب في نقض المعاهدة أو الانسحاب منها عملا بالفقر (1) أن يفصح عن نيته هذه بإخطار مدته اثني عشر شهرا على الأقل”.

[21]المادة (54) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.

[22]محمد بلمديوني، إنهاء المعاهدات الدولية وإيقافها، مرجع سابق، ص26.

[23]جمال عبد الناصر مانع، القانون الدولي العام، دار العلوم للنشر والتوزيع، عنابة، 2005،ص199.

[24]برجيس عبد الحميد، مرجع سابق ،ص23.

[25]محمد بلمديوني، إنهاء المعاهدات الدولية وإيقافها، مرجع سابق، ص37.

[26]المادة (59/ 1) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، حيث تنص على أنه: “تعتبر المعاهدة منقضية إذا عقد جميع أطرافها معاهدة لاحقة تتعلق بذات الموضوع وتحقق أحد الشرطين الآتيين:

(أ) ظهر في المعاهدة اللاحقة أوثبت بطريقة أخرى أن الأطراف قد قصدت أن يكون الموضوع محكوما بهذه المعاهدة؛ أو

(ب) كانت نصوص المعاهدة اللاحقة غير متمشية مع نصوص المعاهدة الأسبق لدرجة لا يمكن معها تطبيق المعاهدتين في الوقت ذاته”.

[27]جمال عبد الناصر مانع، القانون الدولي العام، مرجع سابق،ص201.

[28]علي خليل إسماعيل الحديثي، القانون الدولي العام، الجزء الأول: المبادئ والأصول، دار النهضة العربية، القاهرة، 2010،ص74 وما بعدها.

[29]رشيدة العام، المجلس الدستوري الجزائري، مرجع سابق،ص122 وما بعدها.

[30]رشيدة العام، المجلس الدستوري الجزائري، مرجع سابق،ص123.

[31]جمال عبد الناصر مانع، القانون الدولي العام، مرجع سابق، ص194.

[32]كمال رغوم، القانون الدولي العام،ص160.

[33]محمد بلمديوني، القانون الدولي العام، مرجع سابق،ص83.

[34]محمد بلمديوني، القانون الدولي العام، مرجع سابق،ص56.

[35]جمال عبدالناصر مانع، القانون الدولي العام، مرجع سابق،ص194.

[36]محمد بلمديوني،  مرجع سابق،ص87.

[37]المادة (43) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، حيث تنص على أنه: “ليس من شأن بطلان المعاهدة، أو انقضائها أو إلغائها، أو انسحاب طرف منها، أو إيقاف العمل بها، كنتيجة لأعمال هذه الاتفاقية أو نصوص المعاهدة، المساس بواجب أية دولة في أن تنفذ أي التزام مقرر في المعاهدة تكون خاضعة له بموجب القانون الدولي بصورة مستقلة عن المعاهدة”.

[38]كمال رغوم، القانون الدولي العام، مرجع سابق،ص160.

[39]المادة (53) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969.

[40]عبد القادر القادري، القانون الدولي العام، مكتبة المعارف، الرباط، 1984،ص58 وما بعدها.

[41]علي صادق أبوهيف، القانون الدولي العام، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1975،ص463.

[42]سورة الإسراء، الآية:33.

[43]عبد الرحمن المالكي، نظام العقوبات، ص116.

[44]سورة الأنفال، الآية: 58.

[45]رشيدة العام، المجلس الدستوري الجزائري، مرجع سابق،ص125.

[46]سورة الأنفال، الآية: 58.

[47]ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار ابن حزم، بيروت، (79/4).

[48]سورة الأنفال، الآية: 58.

[49]أحمد بن علي الرازي الجصاص، أحكام القران، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ، (87/3).

[50]ابن قدامة المقدسي، المغني، مكتبة القاهرة، القاهرة، 1968، (519/10).

[51]سورة نوح، الآية:13.

[52]الجصاص، أحكام القران، مرجع سابق، (871/2).

[53]سورة التوبة، الآية: 12.

[54]محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري)، دار الحديث، القاهرة، (329/6).

[55]محمد بن أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي)، مؤسسة الرسالة، بيروت، (76/8).

[56]محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، دار طوق النجاة، بيروت،(كتاب: الجهاد والسير، باب: إذا نزل العدو على حكم رجل 67/4 ح3043).مسلم في صحيحه، (كتاب: الجهاد والسير، باب: جواز قتال من نقض العهد، 1389/3 ح1769).

[57]محمد بن إدريس الشافعي، الأم، دار المعرفة، بيروت، 1393هـ، (264/4).

[58]صحيح البخاري، (كتاب: المغاري، باب: غزوة الفتح في رضان 146/5 ح 4276).ومسلم، (كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها، 989/2 ح 1355).

[59]ابن قدامه، المغني، (522/10).

[60]ابن القيم، ردالمعاد، (370/3).

[61]السرخسي، المبسوط، (86/10).ابن نجيم، البحر الزنق (85/5).الجصاص، أحكام القران (67/3).الماوردي، الحاوي (443/18).

[62]أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (9/5) من حديث موسى بن عقبة مرسلا.

[63]الماوردي، الحاوي (443/18). النووي، روضة الطالبين، (337/10).الرحيباني، مطالب أولي النهى، (2/589).

[64]ابن عابدين، حاشية ابن عابدين، (249/3).

[65]سورة الأنفال، الآية:58.

[66]الجصاص، أحكام القرآن، (67/3).العيني، عمدة القاري، (100/15). الدسوقي، حاشية الدسوقي، (206/2). النووي، روضة الطالبين، (338/10). الرحيباني، مطالب أولي النهي، (590/2).

[67]الجصاص، أحكام القرآن، (860/2).

[68]سورة الصف، الآية: 9.

[69]الماوردي، الحاوي، (444/18).

[70]الزرقاني، شرح الزرقاني، (147/3). الهمي، تحفة المحتاج، (302/9).الشربيني، مغني المحتاج، (264/4).الرحيباني، مطالب أولي النهى، (622/2).

[71]ابن عابدين، حاشية ابن عابدين، (213/4).

[72]أخرجه البخاري في صحيحه، (41/11).ومسلم في صحيحه، (1706/4).

[73] الشوكاني، تفسير فتح القدير، (457/5).

[74]السرخسي، شرح السنرأمير، (1696/5).الماوردي، الحاوي، (440/18).ابن قدامة، المغني، (462/8).

[75]ابن قدامة، المغني، (462/8).

[76]سورة الأنفال، الآية: 25.

[77]سورة الشمس، الآية: 14، 15.

[78]ابن هشام، سيرة ابن هشام، (190/2).

[79]المرجع السابق، (172/3).

[80]ابن هشام، سيرة ابن هشام، (264/3).

[81]الماوردي، الحاوي، (440/18).

[82]ابن قدامة، المغني، (462/8).

[83]النووي، روضة الطايس، (338/10).

[84]أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، (كتاب: الإيمان، من حديث سمر بن جندب، 1/ 130 ح 207).

[85]الجصاص، أحكام القرآن، (3/67).ابن قدامة، المغني، (522/10).

[86]سورة الأنفال، الآية: 58.

[87]المري، مختصر المري، (386/8).البهوتي، كشاف القناع، (112/3).

[88]الكاساني، بدائع الصنائع، (109/7).السمر قندي، تحفةالفقهاء، (297/3).ابن الهمام، شرح فتح القدير، (5/457).

[89] الشوكاني، تفسير فتح القدير، (457/5).

[90]ابن السي، أحكام القرآن، (860/2).الدسوقي، حاشية الدسوقي، (206/2).

[91] ينظر : المادة (46) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، والمعنونة بـنصوص القانون الداخلي بشأن الاختصاص بعقد المعاهدات، والتي تنص على أنه: “1. ليس للدولة أن تحتج بأن التعبير عن رضاها الالتزام بالمعاهدة قد تم بالمخالفة لحكم في قانونها الداخلي يتعلق بالاختصاص بعقد المعاهدات كسبب لإبطال هذا الرضا إلا إذا كانت المخالفة بينة وتعلقت بقاعدة أساسية من قواعد القانون الداخلي. 2. تعتبر المخالفة بينة إذا كانت واضحة بصورة موضوعية لأية دولة تتصرف في هذا الشأن وفق التعامل المعتاد وبحسن نية”.

[92]على أن يتم إقرارها في القانون الداخلي من خلال ممثلي الشعب المنتخبين؛ إذا لم تكن مقررة.

[93]القواعد الآمرة في القانون الدولي العام: أقرت المجموعة الدولية عدد من المبادئ على أساس أنها شاملة، ويتعلق الأمر بالمعايير الإجبارية للقواعد الآمرة التي تمنع خاصة أفعال الاعتداء والعبودية والإبادة الجماعية، والقرصنة، والفصل العنصري وكذلك إعلانات الدخول في حروب أو المعاهدات التي تهدف إلى المس من الحريات الأساسية للأشخاص، حسب المادة (53) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، ويعتبر عقد المعاهدة باطلا إذا ما خالف قاعدة آمرة من القانون الدولي.

[94]سورة النحل، الآية:91.

[95]صالح بن عبد الرحمن الحصين، العلاقات الدولية بين منهج الإسلام والمنهج الحضاري المعاصر، ص51.

[96]سورة التوبة، الآية:4.

[97]محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، ص457.


Updated: 2020-11-09 — 12:25
JiL Scientific Research Center © Frontier Theme