العنف ضد المرأة -تعدد صور التجريم وصعوبة الإثبات – كاتية قرماش


العنف ضد المرأة  -تعدد صور التجريم وصعوبة الإثبات -

كاتية قرماش، أستاذة مساعدة صنف(أ)،كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد لمين دباغين  سطيف2، الجزائر.

مقال نشر في مجلة جيل حقوق الإنسان العدد 28 الصفحة 147.

          ملخص    

   تُعد المرأة عصب المجتمع، فهي التي ولدت ربَّت وسهرت، كانت ولازالت دوما سندا لأخيها الرجل، هي التي يُلحق بها دوما مآل المجتمع، فبصلاحها يصلح المجتمع؛ فهي المدرسة التي إن أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق، ويكفي في الدلالة على مركز المرأة قوله صلى الله عليه وسلم:”الجنة تحت أقدام الأمهات”، وقوله أيضا:”رفقا بالقوارير”.  إن هذه المرأة قبل أن تصبح أُمًا، وهي أُمٌ، بل وحتى بعيدا عن دور الأُمِ، إنسان في غاية الرقة والحساسية، لذا سميت جنسا لطيفا، تحتاج للإبقاء على هذه الصفات الربانية إلى حماية تكفل لها هذا الحنان المتجدد، والعطاء الذي لا ينفذ، فكان لزاما على المشرع،أمام تنامي ظاهرة العنف ضد المرأة، إقرار نصوص جزائية عقابية تجرم هذه الظاهرة، كيفما وحيثما كانت،خاصة وأنها لا تمت لدين الدولة بصلة،فهل أن هذه النصوص كافية لصيانة كرامة المرأة وتمكينها من آداء دورها في المجتمع على أكمل وجه، أم أنه ينبغي إعادة النظر فيها؟.  تلكم هي الأشكالية التي سنعالجها بهذه الورقة البحثية من خلال التطرق لصور تجريم العنف ضد المرأة، العقوبات المقررة له، آليات تحريك الدعوى العمومية والعقبات التي تواجه الضحية في ظل المنظومة القانونية القائمة.

الكلمات المفتاحية: المرأة، المرأة العاملة، العنف الأسري، العنف اللفظي، العنف المادي، التحرش الجنسي الدعوى العمومية،الإثبات، العقوبة.

Résumé :

La femme est l’épine dorsale de la société, elle a élevé, veillé à l’éducation de ses enfants, elle a été toujours à coté de l’homme, et elle l’est, c’est la première école de la vie, Dieu Tout-Puissant dit: “Le paradis est sous les pieds des mères”, et notre prophète que la paix  de Dieu soit sur lui a dit: “Rafka Balquarir”.  La femme avant d’être une mère, en étant une mère, et même en dehors du rôle d’une mère, est un être humain plein de tendresse et de sensibilité dont on doit garder les qualités divines ; c’est pour cette raison, que le législateur Algérien, face au phénomène croissant de la violence contre les femmes, a adopté des dispositions  tendant à  criminaliser ce phénomène, qui est loin de notre religion ; Notre étude se basera sur l’efficacité de ces textes à préserver la dignité et le rôle de la femme dans la société.

 Mots clés: les femmes, les femmes qui travaillent, la violence domestique, la violence verbale, violence physique, harcèlement sexuel, l’action publique, la preuve, la sanction.

مقدمة

إن ظاهرة العنف ضد المرأة، ظاهرة عالمية، دفعت الأمين العام السابق للأمم المتحدة السيد بان كيمون للتصريح سنة 2008، بأن :” هناك حقيقة كونية واحدة، تنطبق على جميع البلدان والثقافات والمجتمعات: أن العنف الموجه نحو المرأة غير مقبول، ولا يمكن التماس أي عذر مقبول له، ولا يمكن تحمله”.

إن استنكار هذه الظاهرة راجع للآثار السلبية التي يخلفها العنف ضد المرأة على المرأة ذاتها، نفسيا وبدنيا؛ إذ بينت تقارير منظمة الصحة العالمية، أن الدراسات التي أجريت في بلدان مختلفة أوضحت أن نسبة النساء اللاتي تتراوح أعمارهن ما بين 15 و49 عاما واللاتي تتعرضن للعنف البدني و/أو العنف الجنسي من جانب العشير في أثناء حياتهن تتراوح ما بين 15% و71%، بحيث تتعرض واحدة من كل ثلاث نساء للعنف البدني و/أو العنف الجنسي من جانب العشير في وقت ما في أثناء حياتها، وأن أكثر من 35 %من النساء تعانين إما من عنف الشريك الحميم أو عنف الغير، بحيث يشكل العنف المادي والجنسي أشد صوره؛ فتقدر جرائم قتل النساء من قبل الشريك الحميم بنسبة تصل إلى 38 %، كما أن احتمال ولادهتن لطفل ناقص الوزن يصل إلى 16 % واحتمال الإجهاض لديهن يصل إلى أكثر من الضعف، واحتمال إصابتهن بالاكتئاب يصل إلى الضعف، وفي بعض الأقاليم يصل احتمال إصابتهن بعدوى فيروس الإيدز إلى 1.5 بالمقارنة مع النساء اللاتي لم يعانين من عنف الشريك، وتقدر نسبة العنف الجنسي الممارس على المرأة من قبل الغير بـ 7% في أنحاء العالم، بحيث ينجم عنه معاقرة النساء للكحول وحالات من الاكتئاب والإجهاض، نضيف إلى ذلك في مجتمعاتنا العربية المسلمة، انتشار حالات الأبناء غير الشرعيين، وقتل الفتيات والنساء ضحايا هذه الظاهرة خوفا من العار.

 إن الجزائر وكغيرها من بلدان العالم، عرفت في الآونة الأخيرة انتشارا خطيرا لهذه الظاهرة، في الأسرة، في مكان العمل وفي الشارع، مما دفع المشرع إلى إعادة النظر في منظومته القانونية العقابية، من خلال تعديل قانون العقوبات، فبالإضافة للجرائم العامة الماسة بسلامة الأفراد، أضاف المشرع ومنذ سنة 2004 نصوصا خاصة تتعلق بالعنف ضد المرأة منها المادة 266 مكرر، 266 مكرر 1، 333مكرر2 و3، 341 مكرر، مبينا سبل متابعة الجاني في قانون الإجراءات الجزائية، فهل أن هذه النصوص القانونية كافية لحماية المرأة من ظاهرة العنف؟ .

إن الإجابة عن هذه الأشكالية تقتضي منا أولا تحديد مفهوم العنف وصوره، ثم الجزاءات المقررة له وسُبل متابعة الجاني، لنتمكن في نقطة ثالثة من تقدير فعالية هذه النصوص من حيث مدى شموليتها لكل أنواع العنف، مدى إمكانية إثبات هذه الجرائم ومدى ملائمة العقوبات المقررة للحد من هذه الجريمة، وذلك وفق منهج وصفي تحليلي.

الفرع الأول: مفهوم العنف ضد المرأة وصوره.

أولا) مفهوم العنف:

 عرّفت الأمم المتحدة العنف الممارس ضد المرأة بأنّه “أيّ فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس ويترتب عليه، أو يرجح أن يترتب عليه، أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة”.[1]

 إذن يظهر من هذا التعريف أن العنف ضد المرأة هو كل اعتداء مادي أو معنوي على المرأة، يقع في العادة من قبل الذكر، مستغلا ما له من قوة بدنية أو سلطة على المرأة،و يندرج تحت هذا المسمى كل كلمة جارحة وتهديد وتوعيد وضغط وتدخل في شؤون المرأة، وكذلك سلبها حقوقها في الحياة والعمل والزواج وتقلد المناصب والتعبير عن الرأي وغيرها، وينطبق ذلك على كافة الأطر الحياتية سواء العامة أو الخاصة.

ثانيا)صور العنف ضد المرأة:

يبدو حسب التعريف السابق أن للعنف صورا عدة منها:

*العنف الجسدي: ويمثل بالاعتداء بالضرب على جسد المرأة، سواء كان ذلك باستخدام القوة الجسدية، أو أدوات صلبة وحادة؛ كالسكين، والعصا وغيرها من الوسائل.

*العنف الجنسي: ويشمل نوعان؛ العنف الجنس الجسدي وذلك بمحاولة الاعتداء على جسد المرأة، ومحاولة لمس جسدها، ويقع من ضمن هذا النوع الاغتصاب وإجبار المرأة على القيام بأفعال جنسية دون رغبتها من قبل الزوج، والتحرش اللفظي الذي يتم عن طريق التلفظ بالألفاظ البذيئة في الشوارع، وأماكن العمل.

*العنف الاجتماعي: وذلك بتقييد حرية المرأة وحركتها، وتقييد علاقتها الاجتماعية، وحرمانها من المشاركة، والزيارات الاجتماعية وتكوين علاقات الصداقة، وكذلك الحبس المنزلي، والنظرة الدونية إلى المرأة المطلقة.

*العنف النفسي: وذلك بالتوجه إلى المرأة بالسب والشتائم، واستخدام الألفاظ البذيئة، ونعت المرأة بأسماء وصفات لا تليق بها، فذلك يترك آثاراً نفسية سلبية على المرأة، ويقلل من ثقتها بذاتها.

*العنف السياسي: هو تعرض المرأة للعنف من قبل السلطة الحاكمة والاحتلال، سواء كان ذلك في وقت السلم أم الحرب، وذلك بعمليات القتل والسجن والتعذيب، وحرمان المرأة من حقها في حرية السفر والتنقل، ومن أمثلة ذلك ما تعرضن له النساء من عمليات اغتصاب داخل السجون الأمريكية في العراق.

الفرع الثاني:الإطار القانوني لجرائم العنف ضد المرأة في التشريع الجزائري.

جرّم المشرع الجزائري صورا عدة للعنف ضد المرأة، في قانون العقوبات، وبيّن سبل متابعة الجاني في قانون الإجراءات الجزائية، على النحو التالي:

أولا) جرائم العنف ضد المرأة في قانون العقوبات:

   يتضمن قانون العقوبات الجزائري،بابا خاصا بالجنايات والجنح ضد الأفراد(الباب الثاني)، يشمل ثلاث فصول؛يتعلق أولاها بالجنايات والجنح ضد الأشخاص، وثانيها بالجنايات والجنح ضد الأسرة والآداب العامة، وثالثها بالجنايات والجنح ضد الأموال،كل ذلك ضمن الكتاب الثالث المتعلق بالجنايات والجنح وعقوباتها، وتضمن الكتاب الرابع المتعلق بالمخالفات وعقوباتها، في فصوله الثلاثة قسما يتعلق بالمخالفات ضد الأشخاص. الملاحظ عند استقراء هذه النصوص، أن هناك نصوص عامة تتعلق بموضوع العنف، سواء كانت الضحية امرأة   أو رجلا، فيما أن هناك نصوصا خاصة ذات صلة بالعنف ضد المرأة، خاصة في التعديلات المتتالية لقانون العقوبات منذ سنة 2004؛ إذ اتجه المشرع نحو إقرار نصوص خاصة لحماية فئة النساء في الأسرة، في مكان العمل وفي الأماكن العمومية، وعليه يمكن تصنيف جرائم العنف ضد المرأة لطائفتين رئيسيتين:

أ)-جرائم العنف الأسري: يقصد بالعنف الأسري، العنف الذي تتعرض له المرأة من زوجها، أصولها أو فروعها، وفيما يلي الأحكام المتعلقة بكل فئة منها:

*العنف الممارس من قبل الزوج: الملاحظ أن المشرع الجزائري في تعديله لقانون العقوبات سنة 2015 بموجب القانون 15-19[2]، قد أضاف نصوصا خاصة تتعلق بالعنف الذي تتعرض له الزوجة من زوجها حال قيام العلاقة الزوجية أو بعد فكها، وهو ما تضمنته المادتين 266 مكرر و266 مكر1؛ إذ جرمت المادة 266 مكرر الضرب والجرح العمدي الممارس من قبل الزوج ضد زوجته، أثناء أو بعد فك الرابطة الزوجية؛ بحيث تعد جنحة في حالة ما إذا كان الضرب لم يحدث أي ضرر أو ضررا يقل أو يزيد عن 15 يوما عجزا عن العمل، وجناية إذا أدى الضرب والجرح العمدي إلى عاهة مستديمة أو بتر أحد الأعضاء أو فقد البصر أو الوفاة دون نية إحداثها، ولا يستفيد الزوج الجاني من ظروف التخفيف إن كانت الزوجة حاملا أو معاقة أو تم ذلك بحضور الأبناء القصر أو تحت التهديد بالسلاح[3].

أما المادة 266 مكرر 1 فقد جرمت التعدي والعنف اللفظي أو النفسي المتكرر للزوج ضد زوجته، بما يمس كرامتها، سلامتها البدنية والنفسية، وعلى هذا يشترط لقيام هذه الجريمة، التي تعد جنحة، أن يكون العنف اللفظي متكررا، وأن يمس بكرامة المرأة وسلامتها البدنية والنفسية، كأن يلقب الزوج زوجته بالحيوان(عادة بالحمار) أو أن يعيرها بإعاقتها إن كانت معاقة أو بالبنات إن كانت لم ترزق بذكر، وهي من الألفاظ المحقرة الشائعة في المجتمع الجزائري، كما قد يتم العنف اللفظي من زوج سابق عن طريق مكالمات هاتفية يعيّر فيها طليقته.

ولكون هذه الجريمة من الجرائم التي لا تخلف في العادة أثرا ماديا يمكن معاينته بشهادة طبيب، ما عدا حالة الانهيار العصبي، فإن المشرع قد رخص إثباتها بكل الطرق[4].

كما تعرف العلاقة الزوجية صورة أخرى من صور العنف الممارس ضد الزوجة، جرمته المادة 330مكرر، يتعلق بجنحة ممارسة الإكراه والتخويف على الزوجة للتصرف في ممتلكاتها ومواردها المالية، ويتم ذلك مثلا بتهديدها بالطلاق إن لم تسلم أجرتها لزوجها أو تمنحه وكالة للتصرف في ممتلكاتها، لأن ذلك يتنافى مع استقلالية الذمة المالية للزوجة.

إن الجرائم السابقة تمثل صور العنف بسلوك مادي، لفظي أو رمزي، بيد أن العنف قد يتجسد في سلوك سلبي كهجر مسكن الزوجية دون سبب جدي، وما يُلحِقُه من أذى نفسي بالزوجة المتخلى عنها، لذا نجد أن المشرع الجزائري، وبعد أن كان يشترط لقيام جريمة ترك الأسرة في المادة 330 تخلي الزوج عن زوجته الحامل لمدة شهرين عدل هذا النص سنة 2015، بالاستغناء عن الحمل كشرط لقيام الجريمة؛إذ يكفي الآن إثبات هجر الزوج لبيت الزوجية لمدة تجاوز الشهرين لقيام الجريمة والتي تعد جنحة[5].

كما عدل المشرع المادتين 368 و369 بحيث جرّم السرقة بين الأزواج؛ بإخراجها من دائرة موانع العقاب في المادة 368، وإدراجها ضمن المادة 369 عند اشتراط تقديم شكوى من الشخص المضرور لمتابعة الجاني، ووضع حد

 للمتابعة بعد صفحه[6].

*العنف الممارس من قبل الأصول ضد الفروع:  إن العنف الممارس من قبل الأصول ضد الفروع لم يحو نصوصا خاصة تتعلق بالعنف الممارس ضد المرأة خصيصا، وعلى هذا فهي جرائم يخضع لها الجنسين، من قبيل هذه النصوص مثلا المادة 261 المتعلقة بجناية القتل العمدي أو التسميم وعقوبتها الإعدام( قتل الأب لابنته، الأخ لأخته)،المادة 272 المتعلقة بتشديد العقوبة ضد الوالدين الشرعيين أو الأصول في حالة الضرب والجرح العمدي ضد قاصر (ضرب وجرح عمدي لفتاة قاصرة من قبل وليها الشرعي)، كما يعد عنفا ممارسا من قبل الأصول تقديم سم أو أداة للانتحار؛ وعادة ما يتم ذلك في مجتمعاتنا للتخلص من العار الذي يلحق العائلة نتيجة اغتصاب البنت أو وقوعها في الخطيئة، وقد اعتبر المشرع ذلك جنحة معاقب عليها بالمادة 273 إذا ما تمت عملية الانتحار.

كما اعتبر المشرع تقديم الأصول أو الزوج مواد مضرة بالصحة للفروع أو للزوجة، دون نية إحداث الوفاة، ظرفا مشددا للعقاب طبقا للمادتين 275 و276، كما يعد كون الجاني من أصول من وقع عليه الفعل المخل بالحياء هتك العرض أو الاغتصاب ظرفا مشددا للعقاب طبقا للمواد 335، 336 و337،كما شدد المشرع العقاب في حالة الفواحش بين المحارم طبقا للمادة 337 مكرر، وشدد العقاب أيضا في الجرائم المرتبطة بالدعارة إن كان الجاني زوجا أو أبا أو أما طبقا للمادتين 343 و344، وشدد العقاب في جريمة التحرش الجنسي إن كان الجاني من أصول المجني عليه طبقا للفقرة 3 من المادة 341 مكرر.

*العنف الممارس من قبل الفروع ضد الأصول: إن العنف الذي تخضع له المرأة من فروعها مجرم هو الآخر بنصوص عامة، كنص المادتين 258 و261؛ إذ فيما عرفت الأولى جريمة قتل الأصول على أنها:” قتل الأصول هو إزهاق روح الأب أو الأم أو أي من الأصول الشرعيين”، حددت الثانية عقوبة هذه الجريمة بالإعدام.

يضاف إلى ذلك تشديد المشرع لعقوبة الضرب والجرح العمدي إن كانت الضحية من أصول الجاني، كأن تكون والدته، وذلك بنص المادة 267، وتشديده لعقوبة جريمة تقديم مواد مضرة بالصحة، إن كان الجاني من فروع المجني عليه، طبقا للمادتين 275 و276.

ب)-جرائم عنف خارج إطار الأسرة:

كفل المشرع الجزائري للمرأة الحماية من العنف في إطار الأسرة، بتجريم أعمال العنف المادي، اللفظي والرمزي الصادرة عن الزوج سواء أثناء أو بعد فك الرابطة الزوجية، كما جرّم أعمال العنف ضد الأصول والفروع، ونتيجة لانتشار ظاهرة العنف خارج إطار الأسرة، فقد جرّم أيضا بعض صوره في أماكن العمل وفي الأماكن العمومية،على النحو التالي:

*جريمة التحرش الجنسي:

 انتشرت في المجتمع الجزائري، خلال الآونة الأخيرة ظاهرة التحرش الجنسي بالمرأة في مكان العمل، بحيث أضحت تخضع للمساومات للحصول على منصب عمل أو الترقية، أو حتى لمجرد نزوات عابرة لرئيسها في العمل، وهو ما يتنافى مع قيم ومبادئ المجتمع المسلم، فكان لزاما على المشرع توفير الحماية اللازمة للمرأة في مكان عملها، الذي يعد في الأصل مكان يفترض أن تتأمن فيه على نفسها، فجاء نص المادة 341 مكرر بموجب تعديل قانون العقوبات سنة 2004 ( القانون 04/15)[7]، ثم عدل هذا النص بموجب القانون 15/19 المعدل والمتمم لقانون العقوبات،متضمنا ما يلي:”يــعـد مرتكبا لجريمــة التحرش الجنسي ويعاقب بالحبس من سنة (1) إلى ثلاث (3) سنوات وبغرامة من 100.000إلى 300.000دج كل شخص يــســتــغـل سـلطة وظـيفته أو مهنته عـن طريق إصدار الأوامر للغير أو بالــتهديد أو الإكراه أو ممــارسـة ضــغـوط علـيه قصد إجـباره عــلى الاســتــجـابة لرغباته الجنسية.

يـعد كـذلـك مـرتـكـبا لــلـجــريمة المنـصـوص عـلـيـهـا في الـفقرة الـسـابـقة ويـعـاقب بـنفـس العـقـوبـة كل من تحرش بالـغير بكل فعل أو لــفظ أو تـصرف يحمل طـابـعا أو إيحاء جنسيا.

إذا كان الـفاعل مـن المحارم أو كانـت الضـحيـة قاصرا لم تـكمل الـــســادسـة عـشـرة أو إذا سـهل ارتكاب الـفعل ضـعف الضـحيـة أو مرضـها أو إعـاقتـها أو عـجزها البدني أو الذهني أو بسبب حالة الحمل سـواء كـانت هـذه الـظروف ظاهرة أو كـان الــفاعل على علم بها تكون العقوبة الحــبس مـن ســنــتين(2)إلى خــمس (5) سنوات وبغرامة من 200.000دج إلى 500.000دج.

في حالة العود تضاعف العقوبة.”[8]

يظهر أن هذا النص فيما كان في صياغته القديمة يجرم فعل التحرش الجنسي في أماكن العمل فقط، أضحى في تعديله الحالي نصا عاما يضم التحرش في أماكن العمل وفي غير أماكن العمل، ويشترط لقيام الجريمة في صورتها الأولى أن يستغل الجاني سلطة وظيفته أو مهنته لجبر الغير( عادة المرأة) على الاستجابة لرغباته الجنسية، وذلك عن طريق الإكراه، الضغط أو توجيه الأوامر، وعلى هذا تنتفي الجريمة، حسب ظاهر النص، إن تمت هذه الأفعال من غير الرئيس، كما تنتفي إن كانت لأغراض جنسية لمصلحة الغير. وتقوم الجريمة في غير مكان العمل بكل فعل    أو لــفظ أو تـصرف يحمل طـابـعا أو إيحاء جنسيا، والملاحظ هنا أن النص لم يشترط أن يكون اللفظ أو الإيحاء الجنسي لفائدة الجاني، على خلاف الفقرة الأولى.

وفي كل الحالات فإن المشرع شدد العقوبة إذا ما كانت الضحية من الفروع أو قاصرا أو حاملا أو مصابة بضعف بسبب المرض أو الإعاقة أو العجز البدني أو الذهني، كما ضاعف العقوبة في حالة العود.

 *جرائم العنف الواقعة في الأماكن العمومية:

أضاف المشرع الجزائري بموجب القانون 15/19 نص المادة 333 مـكرر2، المتعلقة بجرائم العنف الواقعة ضد المرأة في أماكن عمومية؛فنصت المادة 333 مكرر2 على:”يعاقب بالحبس من شهرين (2) إلى ستة (6)أشـهر وبغرامة من 20.000دج إلى100.000دج أو بإحدى هاتين العقوبتين كل مـن ضـايق امرأة في مكان عمومي بكل فعل   أو قـول أو إشـارة تخدش حياءها.

تضـاعف الـعــقوبة إذا كانت الضحيــة قـاصرا لم تكمل السادسة عشرة”.

وعلى هذا يظهر أن جريمة المضايقة في مكان عمومي، تقوم في حالة قيام الجاني بأفعال وأقوال وإشارات تخدش حياء المرأة، وشرطها الأساسي أن يتم ذلك في مكان عمومي،كالتلفظ بعبارات غير لائقة، أو القيام بإشارات تخدش حياءها كالغمز مثلا، أو تحديق النظر، والفرق بين هذه الجريمة وسابقتها(التحرش الجنسي)، أن جريمة المضايقة يشترط أن تتم في مكان عمومي ولم تبلغ درجة الإجبار على الاستجابة لرغبات جنسية.

 غير أنه يصعب التمييز بين جريمة التحرش الجنسي المنصوص عنها في الفقرة الثانية من المادة 341 مكرر والتي جاء نصها كالتالي:”يـعد كـذلـك مـرتـكـبا لــلـجــريمة المنـصـوص عـلـيـهـا في الـفقرة الـسـابـقة ويـعـاقب بـنفـس العـقـوبـة كل من تحرش بالـغير بكل فعل أو لــفظ أو تـصرف يحمل طـابـعا أو إيحاء جنسيا.”ونص المادة 333مكرر3 الذي ينص على:”ما لم يشكل الفعل جريمـة أخطر يـعاقب بالحبس من سنـة (1) إلى ثلاث (3) سـنوات وبغرامة من 100.000دج إلى500.000دج كل اعــتـداء يرتكب خـلــسـة أو بـالـعنف أو الإكـراه أو الـتـهـديـد ويمس بالحرمة الجنسية للضحيةـ

وتكـون الـعـقوبة الحـبـس من سـنـتين (2) إلى خـمس(5)سـنـوات إذا كان الـفـاعل من المحـارم أو كانـت الضـحـية قـاصرا لم تكمل الـــسـادســة عـــشرة أو إذا سهل ارتكـاب الـفـعـل ضـعف الضـحـيـة أو مرضـهـا أو إعـاقـتـهـا أو عـجـزهـا البدني أو الذهني أو بسبب حالة الحمل سواء كانت هذه الظروف ظاهرة أو كان الفاعل على علم بها.”

 فإن كان النصان يتفقان حول تجريم كل الأفعال والألفاظ ذات الإيحاء الجنسي أو التي تمس بالحرمة الجنسية للضحية،إلا أنه يصعب وضع حد فاصل بين تلك التي تدخل في إطار المادة 341مكرر/2 وتلك التي تدخل في إطار المادة 333مكرر3.

*جرائـــم أخرى:جرّم المشرع الجزائري ضمن نصوص عامة، جرائم أخرى تشكل صورة من صور العنف ضد المرأة، كجريمة الاختطاف بنصوص المواد291، 293 مكرر و293 مكرر1،الاختطاف مع التعذيب بموجب المادة 293، جريمة التهديد بموجب المواد 284-287، جريمة التمييز على أساس الجنس طبقا للمادة 295 مكرر1 جريمة الإجهاض طبقا للمادة 304، جريمة القتل طبقا للمواد 261،288-290، …الخ.

 ثانيـا)سبل المتابعة الجزائية:

 الملاحظ أن المشرع الجزائري، فيما عدد صور العنف الممارس ضد المرأة، إلا أنه، وتبعا لاعتبارات اجتماعية، أسرية، لم يخضع هذه الجرائم لذات آليات المتابعة، باشتراطه في بعضها ضرورة تقديم شكوى من الضحية،أو وضع حد للمتابعة في حالة صفحها، وعلى هذا، ومن هذا الباب يمكن تقسيم جرائم العنف إلى جرائم تتوقف فيها المتابعة على شكوى وأخرى تخضع للقواعد العامة للمتابعة، على النحو التالي:

أ)-جرائم يرتبط فيها حق المتابعة بتقديم شكوى:

  من بين جرائم العنف المذكورة سابقا، فإن متابعة الجاني لا تتم إلا إذا قدمت شكوى من الضحية بالنسبة لجريمتي السرقة بين الأزواج طبقا للمادة 369 وجريمة ترك الأسرة طبقا للمادة 330/4 من قانون العقوبات.

وصفح الضحية في الحالتين يضع حدا للمتابعة الجزائية.

وتقدم الشكوى في الحالتين إما في صورة:

  • شكوى تتقدم بها الضحية أمام رجال الضبطية القضائية أو وكيل الجمهورية،طبقا للمواد17، 18، 32 و36 من قانون الإجراءات الجزائية.
  • إدعاء مدني تتقدم به الضحية أمام قاضي التحقيق،الذي يحدد مبلغ كفالة يتعين على الضحية دفعه، طبقا للمادتين 72 و75 من قانون الإجراءات الجزائية؛ بحيث في حال إدانة الجاني يرد مبلغ الكفالة للضحية وفي حال صدور حكم ببراءته يصادر المبلغ.
  • تكليف مباشر بالحضور، طبقا للمادة 337 مكرر من قانون الإجراءات الجزائية، في حالة جريمة ترك الأسرة، مع اشتراط الحصول على إذن مسبق من وكيل الجمهورية في حالة السرقة بين الأزواج، لعدم ورودها صراحة ضمن حالات المادة 337 مكرر،ويتعين على الضحية في الحالتين دفع مبلغ كفالة يحدده وكيل الجمهورية،ما لم مستفيدة من المساعدة القضائية.
  • ويتميز طريقا الإدعاء المدني والتكليف المباشر بالحضور بكون الضحية هي من تحرك الدعوى العمومية، لقاء دفع الكفالة المحددة من قبل قاضي التحقيق أو وكيل الجمهورية، ويضمن التكليف بالحضور امتثال الجاني المحدد عنوانه بدقة، أمام محكمة الجنح في أقصر الآجال ما لم يلذ بالفرار.

ب)-جرائم لا تتقيد فيها المتابعة بضرورة تقديم شكوى:

     يمكن لوكيل الجمهورية، طبقا للمادة 36 من قانون الإجراءات الجزائية، أن يحرك الدعوى العمومية ولو في غياب شكوى من المضرور، وينطبق ذلك على أغلب جرائم العنف الممارس ضد المرأة كجريمة القتل، التسميم، التحرش الجنسي، التهديد، التعذيب، الاختطاف،الفواحش بين المحارم، الضرب والجرح العمدي، الضرب والجرح الخطأ، الإجهاض، تقديم مواد مضرة بالصحة، الاغتصاب، الفعل المخل بالحياء، المضايقة في أماكن عمومية       والمساس بالحرمة الجنسية(المادتين 333مكرر2و3)، غير أنه بالنسبة للجرائم المتعلقة بالضرب والجرح العمدي من قبل الزوج الذي لا يفضي لعاهة مستديمة أو بتر أحد الأعضاء أو فقد البصر، وكذا لجريمة العنف اللفظي والنفسي المتكرر من قبل الزوج، وجريمة الإكراه التي يمارسها الزوج للتصرف في ممتلكات وأموال زوجته،فإن صفح الضحية يضع حدا للمتابعة الجزائية، طبقا للمواد 266 مكرر، 266 مكرر1، 330مكرر.

الفرع الثالث: عقبات تفعيل النصوص القانونية ذات الصلة بالعنف ضد المرأة ومقترحات حلول.

رغم تعدد صور تجريم العنف ضد المرأة واعتبارها من قبيل الجنح والجنايات، وسواء تم هذا العنف في كنف الأسرة أو خارجها، إلا أن هناك عقبات تحول دون تفعيل هذه النصوص، نوردها فيما يلي، مع اقتراح بعض الحلول، رفعا للجور.

أولا) عقبات تفعيل النصوص القانونية المرتبطة بالعنف ضد المرأة:

يمكن على سبيل المثال لا الحصر ذكر ما يلي:

  • صعوبة التبليغ عن جرائم العنف الأسري، لما يقتضيه التبليغ من ضرورة مثول الضحية أمام رجال الضبطية لمرات عدة، وهو ما قد يستحيل بسبب القيود الواردة على حرية المرأة الضحية في الخروج، كما أن عدم استقلالية الزوجة/ الأم /البنت/ الأخت ماديا قد يمنعها من اللجوء للإدعاء المدني أو التكليف المباشر بالحضور تجنبا لطول وتعقيد إجراءات التبليغ عن طريق شكوى عادية، بل وقد لا تتمكن من الاستفادة من المساعدة القضائية، بحكم أن الرجل زوجا كان أو أبا أو أخا هو من يحوز في العادة الوثائق الخاصة بها، يضاف إلى كل ذلك خوفها من مصيرها المجهول في حالة ما إذا تجرأت على التبليغ، فكثيرات هن الزوجات المعنفات والفتيات المغتصبات من أقرب الناس إليهن اللواتي يلتزمن الصمت خوفا من العار الذي سيلحقهن من جهة، ومن مصيرهن المجهول في حالة التبليغ.
  • صعوبة إثبات بعض الجرائم كجريمة التحرش الجنسي في مكان العمل أو خارجه، جريمة الإكراه للتصرف في أموال وممتلكات الزوجة، فهذه الجرائم تحدث في العادة بعيدا عن أعين الناس، كما أن المشرع لم يجز إثباتها صراحة بكل الطرق، كما هو الحال بالنسبة لجريمة العنف اللفظي والنفسي.
  • إن صياغة بعض النصوص توحي بنوع من الغموض فالمادة 266 مكرر 1 مثلا تشير إلى أعمال التعدي أو العنف اللفظي الذي يمس بالسلامة البدنية للزوجة، مما يجعلها من حيث مضمونها قريبة المعنى مع نص المادة 266 مكرر المتعلقة بالضرب والجرح العمدي الممارس من قبل الزوج، كما أن نص المادة 333مكرر3 المتعلق بكل اعــتـداء يرتكب خـلــسـة أو بـالـعنف أو الإكـراه أو الـتـهـديـد ويمس بالحرمة الجنسية للضحية، قريب من نص المادة 341مكرر/2 المتعلق باعتبار كل فعل أو لــفظ أو تـصرف يحمل طـابـعا     أو إيحاء جنسيا تحرشا بالـغير.
  • إن صياغة بعض النصوص تدفع الجاني للتحايل والإفلات من العقاب، كما هو الحال بالنسبة لجريمة التحرش الجنسي؛ فاشتراط أن يكون المستفيد من التحرش هو الجاني ذاته لقيام الجريمة، قد يدفع الرؤساء والمستخدمين للتحرش بموظفاتهم ومستخدميهم لفائدة الغير، لقاء قيام هذا الغير بذات الشيء بالنسبة للجاني، وهو ما يجعلنا بحق أمام جريمة منظمة، كما أن اشتراط استغلال السلطة يوحي بقيام التحرش في العلاقة العمودية لا الأفقية، رغم أن الكثير من زملاء العمل، من هم في نفس مرتبة المتحرش بها أو أدنى منها درجة لا يتوانون في التحرش بزميلاتهن في المهنة أيا كانت درجاتهن، وهو ما جعل المشرع الفرنسي سنة 2002 يحذف العبارات الدالة على السلطة من نص جريمة التحرش الجنسي.

ثانيا) الحلول المقترحة:

قصد تفعيل النصوص القانونية ذات الصلة بمحاربة وتجريم العنف ضد المرأة، نقترح ما يلي:

  • فتح خط أخضر خاص بالإبلاغ عن جرائم العنف ضد المرأة مع توجيه الضحية وتقديم الإرشادات الضرورية لها نفسيا وقانونيا[9].
  • تفعيل دور مندوبي الوسط المفتوح من حيث تلقي الشكاوى والبلاغات المرتبطة بهذه الجرائم، ومنحهم سلطة التدخل كوسيط،خاصة في جرائم العنف الأسري، لنصح الجاني وتوعيته بخطورة تصرفاته.
  • ضرورة تحقيق الانسجام بين النصوص القانونية، لا سيما المادتين 266 مكرر و266 مكرر1، والمادتين 333مكرر3 و341مكرر/2.
  • ضرورة إعادة صياغة نص المادة 341 مكرر، بتجريم التحرش الجنسي كقاعدة عامة، حيثما وأينما تم، مع اعتبار التحرش الجنسي في مكان العمل ظرفا مشددا للعقوبة، دون اشتراط أن يكون للجاني سلطة على المجني عليها، ودون تقييد قيام هذه الجريمة بالرغبات الجنسية للجاني وحسب، مع إضافة فقرة تتعلق بجواز إثبات الجريمة بكل الوسائل؛ فتصاغ بذلك المادة 341 مكرر على النحو التالي:” يعد مرتكبا لجــريمـة الــتــحـرش الجنـسـي ويعاقب بـــالحبس من ســـنـــة (1)إلى ثلاث (3)ســــنــــوات وبــــغــــرامــــة من100.000 إلى 300.000دج كل من يتحرش بـــالــغـــيــر بـــكل فـــعل أو لــفـظ أو تــصـــرف يــحـــمل طــابـــعـا أو إيحاء جنسيا.

إذا تم التحرش في مكان العمل أو بمناسبته، أو إذا كان الـفاعل مـن المحارم أو كانـت الضـحيـة قاصرا لم تـــكـــمـل الـــســـادســـة عـــشـــرة أو إذا ســـهل ارتـــكـــاب الـــفـــعل ضـعف الضـحيـة أو مرضـها أو إعـاقتـها       أو عـجزها الـبدني أو الــــذهــــني أو بــــســــبب حــــالــــة الحــــمل ســــواء كــــانـت هـــذه الـــظـــــــروف ظـــاهـــــرة        أو كـــــان الــــفـــاعــل عـــلـــى عـــلــم بـــهـــــا فتــكـــون الـــعــقــوبـــة الحــبس مـن ســنــتين (2) إلى خــمس (5) سنوات وبغرامة من 200.000 دج إلى 500.000دج.

تثبت جريمة التحرش الجنسي بكل الوسائل وفي حالة العود تضاعف العقوبة”.

  • فتح مراكز حماية للنساء المعنفات، مع ضرورة توعية المجتمع بخطورة هذه الظاهرة وأنها لا تمت لشيم المسلمين وقيمهم بصلة، والعمل على محاربة النظرة الاحتقارية والاستهجانية للمرأة المبلغة، فالتبليغ واجب والساكت عن الظلم شيطان أخرس.
  • إنشاء مراكز الإرشاد والتكفل النفسي للحدمن ظاهرة العنف، وذلك بالتكفل بالأطفال ضحايا العنف، حتى لا ينعكس ذلك على علاقاتهم الأسرية والمجتمعاتية[10]، تحضير الشباب المقبل على الزواج نفسيا بتوعيتهم بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، وذلك بتنظيم دورات ولقاءات مع متزوجين وغير متزوجين، ممن كانوا نموذجا ناجحا للعلاقات الزوجية، ومن دمرت علاقتهم الزوجية بسبب العنف، لأشخاص كانوا بسبب العنف، جناة تسببوا في قتل أصولهم أو فروعهم، أو في إعاقتهم، أو أشخاص كانوا ضحايا هذا العنف، كما ينبغي على رجال الدين أيضا أن يلعبوا دورهم في المساجد والمدارس القرآنية بتوعية النشأ بأن الإسلام دين رحمة.
  • نشر الوعي القانوني في المدارس، الجامعات، أماكن العمل، في الأسرة، بخطورة هذه الجرائم، وضرورة الإبلاغ عنها، وبأن المرأة شقيقة الرجل، وليست أقل قيمة منه[11].

الخاتمـــة

  في ختام هذه الدراسة، يمكن القول بأن جرائم العنف ضد المرأة، تعرف ارتفاعا مخيفا في العالم، وأنها ظاهرة، يندى لها الجبين في المجتمعات المسلمة.إنها ظاهرة فرضت نفسها وانتقلت من مجال الطابوهات المسكوت عنها والمخجل الحديث عنها، إلى طاولة الحقيقة التي ينبغي مواجهتها والتصدي لها، لذلك كان لزاما على المشرع الجزائري سن نصوص قانونية رادعة للحد من هذه الجريمة؛ فتباينت النصوص من حيث تجريم العنف الأسري، العنف الواقع في الأماكن العمومية، العنف اللفظي، العنف المادي، التحرش الجنسي، كما تعدد صور التجريم من حيث كونها نصوصا خاصة أو عامة، غير أن هذا التعدد يواجه في الواقع عدة معوقات تحول دون تفعيل هذه النصوص أهمها صعوبة إثبات بعض الجرائم كالتحرش الجنسي، العنف اللفظي، الإكراه والتخويف قصد التصرف في مال الزوجة وممتلكاتها، عدم انسجام بعض النصوص من حيث الصياغة كالمادتين 266 مكرر و266 مكرر1، المادتين 333مكرر3 و341مكرر/2، وجود فجوات قانونية تسمح للجاني بالتهرب من العقاب كمثلا اشتراط أن يكون التحرش الجنسي قد تم لجبر الضحية على الاستجابة لرغبات الجاني شخصيا، كما يضاف إلى كل ذلك خوف الضحية من الإبلاغ.

لذا نقترح قصد تفعيل هذه النصوص مراجعة صياغة أحكامها، بتحقيق الانسجام بينها، وجواز إثبات بعض الجرائم بكل وسائل الإثبات، فتح خط أخضر للتبليغ عن هذه الجرائم، تفعيل دور مندوبي الوسط المفتوح، المدارس، الجامعات، المساجد ووسائل الإعلام في التوعية القانونية، النفسية والدينية بحقوق المرأة، الحقوق  والواجبات الأسرية، فتح مراكز للتكفل بالنساء المعنفات.

قائمة المصادر والمراجع

أ)-المصادر:

1-الأمر رقم 66-156 المؤرخ في مؤرخ في 18 صفر عام 1386 الموافق 8 يونيو سنة 1966،المتضمن قانون العقوبات.

2- القانون رقم 04/15 المؤرخ في 10 نوفمبر 2004، المعدل والمتمم لقانون العقوبات، الجريدة الرسمية رقم71.

3- القانون رقم 15-19 المؤرخ في 18 ربــــيـع الأول عام 1437 الموافق 30 ديـسـمـبـر سـنة 2015 يعـدل ويـتـمم الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 18 صـفر عام 1386 الموافق 8 يونيو سنة 1966 والمتضمن قـانـون العقوبـات، جريدة رسمية العدد 71.

4-الأمر رقم 66/155 المؤرخ في 18 صفر عام 1386، الموافق 8 يونيو 1966 المتضمن قانون الاجراءات الجزائية المعدل والمتمم.

ب)-المراجع:

1- أسماء جميل رشيد، الصورة الاجتماعية وصورة الذات للمرأة في المجتمع العراقي، أطروحة مقدمة إلى كلية الآداب، جامعة بغداد، لنيل درجة الدكتوراه فلسفة في علم الاجتماع، 2006.

2- العنف ضد المرأة…الأسباب والعلاج، مجلة بشرى، العدد77، آذار2003، على الموقع:

(http://bushra.annabaa.org/b77/alonfthadalmara.htm)

3- تقرير الأمين العام بشأن دراسة متعمقة بشأن جميع أشكال العنف ضد المرأة، الدورة الحادية والستون، البند 60(أ)من جدول الأعمال المؤقت، 06 جويلية 2006.

  • تقرير المنظمة العالمية للصحة، على الموقع:

         http://www.who.int/mediacentre/factsheets/fs239/ar/

[1] -أنظر بشأن تقرير منظمة الصحة الموقع:

http://www.who.int/mediacentre/factsheets/fs239/ar/

[2] -القانون رقم 15-19 المؤرخ في 18 ربــــيـع الأول عام 1437 الموافق 30 ديـسـمـبـر سـنة 2015 يعـدل ويـتـمم الأمر رقم 66-156 المؤرخ في 18 صـفر عام 1386 الموافق 8 يونيو سنة 1966 والمتضمن قـانـون العقوبـات، جريدة رسمية العدد 71، ص.3-5.

[3] – تنص المادة 266مكرر على ما يلي:”كـل من أحدث عمدا جرحا أو ضربا بزوجه يعاقب كما يأتي:1- بـالحــبس من سـنـة (1)إلى ثلاث (3 ) سـنـوات إذا لم يـنـشأ عن الجـرح والــضـرب أي مـرض أو عــجـز كـلي عن العمل يفوق خمسة عشر (15)يوما.

2-بـالحبس من سـنـتين (2) إلى خـمس (5)سـنـوات إذا نــشـأ عـجـز كـلي عـن الـعـمل لمدة تـزيــد عن خـمـسـة عـشـر يوما (15).

3-بالسجن المؤقت من عشـر (10) سـنوات إلى عـشـرين (20)ســنــة إذا نـشــأ عن الجــرح أو الضرب فـقد أو بتر أحد الأعضاء أو الحرمان من استعماله أو فـقد البصر أو فقد بـصر إحدى العينين أو أيـة عاهة مستديمة أخرى.

4-بالسجن المؤبد إذا أدى الضرب أو الجـرح المرتكب عمدا إلى الوفاة بدون قصد إحداثها.

وتقوم الجريمة سواء كان الفاعل يقيم أو لا يقيم في نفس المسكن مع الضحية. كـمـا تـقوم الجـريمـة أيضا إذا ارتـكـبت أعـمـال الـعنف من قبل الـــزوج السابق وتبين أن الأفعال ذات صلة بالعلاقة الزوجية السابقة…

= لا يستفيد الفاعل من ظروف التخفيف إذا كانت الضحية حـاملا أو معـاقة أو إذا ارتكـبت الجريمة بـحضور الأبناء القصر أو تحت التهديد بالسلاح. يـضـع صـفح الــضــحــيـة حــدا لــلـمــتــابـعــة الجــزائــيـة في الحالتين (1) و.(2)

تكون الـعقوبـة السجن من خمس (5) إلى عـشر (10) سنوات في الحالة الثالثة (3)في حالة صفح الضحية.”

[4] – تنص المادة 266 مكرر 1 على ما يلي:”يعاقب بالحــبس مـن سـنة (1) إلى ثلاث (3)سـنـوات كل من ارتـكب ضـد زوجه أي شكل من أشكال التعـدي       أو العنف اللـفظي أو النفـسي المتكرر الـذي يـجـعل الـضـحـيـة في حـالـة تـمس بـكـرامـتـهـا أو تـؤثر على سلامتها البدنية أو النفسية.

يمكن إثبات حالة العنف الزوجي بكافة الوسائل.

وتقوم الجريمة سواء كان الفاعل يقيم أو لا يقيم في نفس المسكن مع الضحية،كـمـا تـقوم الجـريمـة أيضا إذا ارتكـبت أعـمال الـعنف من قـبل الزوج السابق، وتبين أن الأفعال ذات صلة بالعلاقة الزوجية السابقة.

 لا يـسـتـفـيد الـفـاعل من ظــروف الـتـخـفـيف إذا كـانت الضـحية حـاملا أو معـاقة أو إذا ارتكـبت الجريمة بـحضور الأبناء القصر أو تحت التهديد بالسلاح. يضع صفح الضحية حدا للمتابعة الجزائية”.

[5] – تنص الفقرة 2 من المادة 330 على ما يلي:”يـعـاقب بالحـبس من سـتة (6) أشـهر إلى سنتين(2 (وبغرامة من 50.000 دج إلى200.000 دج  الزوج الذي يتـخلى عمدا ولمدة تـتجاوز شهرين(2) عن زوجته وذلك لغير سبب جدي.” وكانت محررة من قبل بصيغة:”الزوج الذي يتخلى عمدا ولمدة تتجاوز شهرين (2)عن زوجته مع علمه بأنها حامل وذلك لغير سبب جدي.”

[6] -عدلت المادة 368 في ظل القانون 15/19 على النحو التالي:”لا يعاقب على الســرقات التي ترتكب من الأشــخـــــاص المبينين فيما بعد، ولا تخـــوّل إلا الحق فــي التعويض المدني:1)-الأصول إضرارا بأولادهم أو غيرهم من الفروع.

                              2)-الفروع إضرارا بأصولهم”.

فيما كانت صياغتها من قبل كالآتي:”لا يعاقب على السرقات التي ترتكب من الأشخاص المبينين فيما بعـد ولا تخول إلا الحق في التعويض المدني:    1(-الأصول إضرارا بأولادهم أو غيرهم من الفروع.

2)-الفروع إضرارا بأصولهم.

3)-أحد الزوجين إضرارا بالزوج الآخر.”

أما المادة 369/1 فقد عدلت بموجب القانون 15/19 كما يلي:”لا يجوز اتخاذ إجراءات المــتـابـعـة الجـزائـيـة بـالــنـــسـبـة للــسـرقات التي تقع بين الأزواج والأقـارب والحواشي والأصـهار لـغـاية الـدرجـة الـرابـعة إلا بناء على شكـوى الشخص المضرور. والتنازل عن الشكوى يضع حدا لهذه الإجراءات.”

وقد صيغت هذه المادة من قبل على النحو التالي:” لا يجوز اتخاذ الإجراءات الجزائية بالنسبة للسرقات التي تقع بيـن الأقارب والحواشي والأصهار لغاية الدرجة الرابعة إلا بناء على شكوى الشخص المضرور والتنازل عن الشكوى يضع حدا لهذه الإجراءات”.

[7] -القانون رقم 04/15 المؤرخ في 10 نوفمبر 2004، المعدل والمتمم لقانون العقوبات، الجريدة الرسمية رقم71، ص.10

[8] -كان نص هذه المادة في ظل القانون 04/15 محررا كالآتي :” يعد مرتكبا لجريمة التحرش الجنسي ويعاقب بالحبس من شهرين (2) إلى سنة (1 ( وبغرامة من 50.000 دج إلى 100.000 دج، كل شخص يستغل سلطة وظيفته أو مهنته عن طريق إصدار الأوامر للغير أو بالتهديد أو الإكراه أو بممارسة ضغوط عليه قصد إجباره على الاستجابة لرغباته الجنسية. في حالة العود تضاعف العقوبة.”

[9] -لقد أقرت الأمم المتحدة أن أهم عقبة تواجهها للقضاء على العنف ضد المرأة هو قلة البيانات سواء المتعلقة برصد عدد النساء المعنفات فعلا         أو بشأن التدابير المتخذة من قبل الحكومات في إطار محاربة هذه الجرائم، راجع في ذلك:

تقرير الأمين العام بشأن دراسة متعمقة بشأن جميع أشكال العنف ضد المرأة، الدورة الحادية والستون، البند 60(أ)من جدول الأعمال المؤقت، 06 جويلية 2006، ص.32.

[10] – ذلك أن العنف لا يولد إلا عنفا، كما أن التنشئة الاجتماعية القائمة على الفوارق بين الذكور والإناث تلعب دورا هاما في تعزيز ثقافة العنف ضد المرأة، راجع في ذلك: العنف ضد المرأة…الأسباب والعلاج، مجلة بشرى، العدد77، آذار2003، على الموقع: (http://bushra.annabaa.org/b77/alonfthadalmara.htm)

[11] -إن من أهم أسباب العنف ضد المرأة وجود أفكار وتقاليد متجذرة في ثقافات الكثيرين تحمل في طياتها الرؤية الجاهلية لتمييز الذكر على الأنثى مما يؤدي إلى تصغير وتضئيل الأنثى ودورها، وفي المقابل تكبير دور الذكر حيث يعطى الحق دائما للمجتمع ألذكوري للهيمنة والسلطنة وممارسة العنف على الأنثى منذ الصغر وتعويد الأنثى على تقبل ذلك وتحمله والرضوخ إليه إذ أنها لا تحمل ذنبا سوى أنها ولدت أنثى. راجع في ذلك:

أسماء جميل رشيد، الصورة الاجتماعية وصورة الذات للمرأة في المجتمع العراقي، أطروحة مقدمة إلى كلية الآداب، جامعة بغداد، لنيل درجة الدكتوراه فلسفة في علم الاجتماع، 2006، ص 31.


Updated: 2018-04-13 — 20:19

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme