العنف ضد الانسان في الرواية العراقية قراءة في رواية حيدر كاظم المعموري (لا حياة في هذه المدينة )


 

العنف ضد الانسان في الرواية العراقية

قراءة في رواية حيدر كاظم  المعموري (لا حياة في هذه المدينة )

Violence against human beings in the Iraqi novel

Reading in Haydar Kazem Al-Mamouri’s novel (There is no life in this city   )

  أ . م . د. آلاء محسن حسن الحسني، العراق / جامعة المثنى / كلية التربية للعلوم الانسانية

Dr.. Alaa Mohsen Hassan Al-Hasani, Iraq / Al-Muthanna University / College of Education for Human Sciences

     مقال منشور في  مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 67 الصفحة 27.

 

 

 

ملخص:

  تهدف هذه الدراسة الى تسليط الضوء على ظاهرة خطيرة عرفها الانسان منذ الازل، فمارسها ومورست عليه، ولعل قصة قابيل وهابيل ابرز مثال على ذلك إذ كانت أول جريمة عرفها التاريخ الانساني . وإذا كان التاريخ الانساني يؤرخ للعنف، فإن الأعمال الأدبية تناولته كموضوع لنصوصها السردية ، إذ تناولت العنف بكل اشكاله وصوره، وتحاول هذه الدراسة الوقوف على هذه الظاهرة من خلال التطرق إلى تعريف العنف لغة واصطلاحاً والتمييز بين مفهوم العنف وبعض المفاهيم الاخرى التي تتداخل معه من قريب أو بعيد مثل مفهوم الارهاب والعدوانية والجريمة وغيرها ، ثم الوقوف على ابرز صور العنف في الرواية العراقية من خلال رواية ( لا حياة في هذه المدينة ) .

الكلمات المفتاحية : العنف ، الرواية العراقية ، حيدر كاظم المعموري ، لا حياة في هذه المدينة .

 

Abstract:

This study aims to shed light on a dangerous phenomenon that man has known since eternity, and he practiced it and practiced it. Perhaps the story of Cain and Abel is the most prominent example of that, as it was the first crime known in human history. If human history chronicles violence, then literary works have dealt with it as a subject of their narrative texts, as they dealt with violence in all its forms and manifestations, and this study tries to identify this phenomenon by addressing the definition of violence in language and conventionally and distinguishing between the concept of violence and some other concepts that overlap with it from near or Far like the concept of terrorism, aggression, crime, etc., then stand on the most prominent forms of violence in the Iraqi novel through the novel (There is no life in this cit) .

Key words: Violence, Iraqi novel, Haydar Kazem Al-Mamouri, No life in this city

 

مدخل :

         تعد ظاهرة العنف من الظواهر الاجتماعية المثيرة للقلق والمركبة في ذات الوقت ، كونها لا تأتي من سبب واحد بل من جملة اسباب، فهي ظاهرة فردية واجتماعية تعبر عن طبيعة الضعف والخلل والتناقض في سياق الشخصية الانسانية التي تصطنع هذا السلوك لاعتقادها أنه سيحقق لها كل ما تصبو اليه من اهداف في حين أنَّ الواقع خلاف ذلك ؛ لأنَّ استخدام القوة أو العنف في العلاقات الاجتماعية تحت أي مبرّر كان يعد خروجاً عن المألوف .  لقد حظي موضوع العنف في الآونة الأخيرة  باهتمام ٍكبيرٍ من قبل الباحثين والدارسين ، نتيجة لتزايد صور العنف ودخوله إلى دائرة الحياة اليومية للناس، لقد تحوّل العنف إلى ظاهرة عالمية ، ولم يعد قاصراً على العنف السياسي الموجه ضد النظم السياسية ، بل أنه اصبح جزءاً لا يتجزأ من تفاعلات الافراد في حياتهم اليومية(.[1] )

         من هنا تتناول الباحثة في هذا البحث دراسة ظاهرة العنف من خلال التعرّف على مفهوم العنف لغة ًواصطلاحاً ، ثم التمييز بين مفهوم العنف وبعض المفاهيم الأخرى كمفهوم الارهاب ، والعدوانية والجريمة .

         العنف لغةً : كلمة عنّف في اللغة العربية من الجذر (ع  ن  ف ) ، وهو الخرق بالأمر وقلة الرفق به. وهو عنيف إذا لم يكن رفيقاً في أمره . وفي الحديث الشريف : ” أنَّ الله تعالى يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف “. وعنّف به ، وعليه عنفاً، وعنافة : أخذه بشدة وقسوة ، ولامه وعيرّه. واعتنف الأمر: أخذه بعنف ، وأتاه ولم يكن على علم ودراية به. واعتنف الطعام والارض : كرههما . وطريق معتنف : غير قاصد . وقد اعتنف اعتنافاً إذا جار ولم يقصد . والتعنيف : التعبير واللوم والتوبيخ والتقريع(1)اذن يمكننا القول أنّ معظم علماء اللغة يتفقون على أنّ معنى مفهوم العنف لغةً هو كل سلوك يتضمن معاني الشدة والقسوة والتوبيخ واللوم والتقريع ، سواء كان العنف سلوكاً فعلياً أو قولياً .

     وفي المعجم الفلسفي يعرّف العنف على أنّه ” مضاد للرفق ، ومرادف للشدة والقسوة ، والعنيف هو المتصف بالعنف، فكل فعل شديد يخالف طبيعة الشيء ويكون مفروضاً عليه من الخارج فهو بمعنى ما فعل عنيف “)2)

     ويعرّف معجم العلوم الاجتماعية العنف على أنّه ” استخدام الضغط أو القوة استخداماً غير مشروع أو غير مطابق للقانون من شأنه التأثير على إرادة فرد ما “(3).

         العنف اصطلاحاً : يعرّف العنف اصطلاحاً على أنّه ” الاكراه المادي الواقع على شخص لإجباره على سلوك أو التزام ما “(4)، ويعرّف ايضاً على أنّه ” السلوك المشوب بالقسوة والعدوان والقهر والاكراه ، وهو عادة سلوك بعيد عن التحضّر والتمدّن تستثمر فيه الدوافع والطاقات العدوانية استثماراً صريحاً بدائياً ، كالضرب والتقتيل للأفراد والتكسير والتدمير للممتلكات ، واستخدام القوة لإكراه الطرف المقابل وقهره ، ويمكن أنْ يكون العنف فردياً كما يمكن أنْ يكون جماعياً ” (5) ، ويعرّفه طريف شوقي على أنّه ” أي سلوك يصدر من فرد أو جماعة تجاه فرد آخر أو الآخرين مادياً كان أم لفظياً، مباشراً أم غير مباشر نتيجة الشعور بالغضب أو الاحباط أو للدفاع عن النفس أو الممتلكات أو الرغبة في الانتقام من الآخرين ، أو الحصول على مكاسب معينة ويترتب عليه الحاق أذى بدني أو مادي أو نفسي بصورة متعمدة بالطرف الآخر”(6).

         مما تقدّم يتضح لنا أنَّ مفهوم العنف يقوم على وجود طرفين أحدهما يقوم بفعل العنف كالتعذيب والاهانة والضرب وغيرها من اشكال العنف الأخرى،  والآخر يقع عليه فعل العنف وما ينجم عنه من اضرار جسمية ونفسية .

         يتداخل مفهوم العنف مع العديد من المفاهيم الأخرى التي تأخذ منحىً واحداً وتؤدي وظيفة واحدة ، ومنها مفهوم (الارهاب) الذي يثير الكثير من الخلط واللبس عند التعامل معه ، وذلك بسبب شيوع استخدامه من قبل السياسيين والصحفيين ، وفي الغموض الفكري والسياسي الذي لازمه ، وفي تعريف الارهاب يمكن القول ” إنَّ الإرهاب عمل رمزي ، فهو لا يستهدف الضحية في ذاتها وحسب ولكن النظام أو الجماعة أو الدولة التي تنتمي اليها . بلغة أخرى ، يمكن القول أنَّ الفعل الارهابي يعد رسالة موجهة إلى الآخرين . والهدف الأساسي منه هو إحداث أثر نفسي سلبي يتمثل في حالة من الخوف والقلق والرعب والتوتر لدى المستهدفين ، حيث يمكن في إطار التأثير على توجهاتهم وسياساتهم . ولذلك فإذا كان العنف المادي يتجه إلى الضحية ، فإن الآثار النفسية السلبية تتولد لدى الجماعة التي تنتمي إليها الضحية . ويقوم الإرهاب السياسي على أساس الاستخدام المنظم للعنف أو التهديد باستخدامه . ويعد استخدام العنف من العناصر الأساسية للفعل الإرهابي . فهو لا يمثل عنصراً عابراً أو طارئاً فيه “(1)

         مما تقدّم يتضح أنَّ هناك قدر من التداخل بين آليات كل من العنف والإرهاب واهدافهما ، فاستخدام العنف أو احد المكونات الأساسية للفعل الإرهابي لإحداث الأثر النفسي المطلوب، ولكن ليس كل سلوك عنيف يعد عملاً إرهابياً . فمظاهر العنف تتعدد وتتنوع بشكل يتجاوز مفهوم الإرهاب .

         ومن المفاهيم الأخرى التي تتداخل مع مفهوم العنف مفهوم ( العدوانية ) ويقصد به ” ذلك المتصل الذي يحتل إحدى طرفيه سلوك هجومي أو فعل عدواني الذي يمكن أن يتخذ أية صورة من الهجوم الفيزيائي ، ويحتل طرفه الآخر النقد اللفظي المهذب ، وكل كائن ، يجد لنفسه موقعاً على هذا المتصل ، تبعاً للموقف الاجتماعي [2]الذي يحياه “(2). ولما كان العنف من الناحية السيكولوجية أو النفسية تعبير عن قوة داخلية تتجلىّ على شكل انفعالات تأخذ شكل سلوكٍ عدواني ، فإنَّ هناك قدر من التداخل بين مفهومي العنف والعدوانية ، فالعدوانية هي شكل من أشكال العنف ، وليس كل سلوك عنيف هو سلوك يتسم بالعدوانية ، فمظاهر العنف وانماطه وأساليبه تتجاوز مفهوم العدوانية .

           كما يتداخل مفهوم العنف مع مفهوم الجريمة بوصفها سلوكاً ينتهك القواعد العامة للمجتمع ، ومفهوم الغضب والتخريب والتدمير وغيرها من المفاهيم الأخرى التي ترتبط بمفهوم العنف بوصفه سلوكاً يلحق الضرر بالآخر سواء كان ضرراً مادياً أو نفسياً أو غيرها .

           إنَّ تفاقم ظاهرة العنف في المجتمع يدفعنا الى التساؤل عن اسبابها ، والدوافع التي تقف وراءها ، هل هي دوافع طبيعية أم مكتسبة ؟

         لقد تعددت الآراء والنظريات التي تقوم بتفسير العنف ، فمنهم من يرجع هذا السلوك إلى عوامل نفسية مثل نظرية التحليل النفسي ، التي تركز على الجوانب النفسية للعنف ، فعالم النفس (فرويد) مثلاً يرى ” أنَّ الانسان ليس هو ذلك الكائن الطيب السموح الظمآن الى الحب ، الذي يدّعي أنه لا يهاجم إلا دفاعاً عن نفسه . فهذه الصورة الجميلة عن الانسان لا توجد إلا في الكتب والاشعار والمثل والاحلام . أما في الواقع فالإنسان كائن يختزن قدراً كبيراً من العدوان والعنف في كوامنه الغريزية . فكل إنسان ميّال بطبعه الى استغلال قريبه والى استعماله وتسخيره لتلبية حاجة من حاجاته العضوية أو النفسية . فالإنسان لا يجد إشباعاً “لحاجته العدوانية” إلا في كائن آخر يستعمله أو يستغله أو يضطهده “(1).

      أما عن مفهوم العنف عند منظري علم الاجتماع ، فيعد ( زيمل) ” أبرز من تعامل مع ظاهرة العنف– بمستواه الاجتماعي- كما يتبدى على شكل تعبيرات عدائية تصدر عن الأفراد، إذ وجد أنَّ هذه التعبيرات تؤدي وظائف إيجابية للنظام الاجتماعي؛ إذ أنّها تعمل على استمرار العلاقات تحت ظروف التوتر والضغط، ومن ثم تحول دون انحلال المجموعة وتفككها بانسحاب المشاركين فيها، بمعنى آخر: إنَّ معارضة زميل أو شريك – كما يرى (زيمل)- تكون الوسيلة الوحيدة لجعل التعايش ممكناً مع أناس لا يمكن تحملهم، فهي تشبه صمامات الأمان، وفي حالة غياب هذه المعارضة فإنَّ عضواً من أعضاء الجماعة قد يتخذ خطوات انفصالية وينهي علاقته بالجماعة “(2) ، ويتعرّض ابن خلدون – بوصفه عالم اجتماع – للعنف في  نظريته عن الصراع عندما عرّف الأخير بأنَّه هجوم البدو على الحضر وتأسيس الدولة، أما أسبابه، فيردها إلى العصبية، وتعني عنده: “الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتى تقع المناصرة”(3) ، وأساس العصبية عند ابن خلدون هو الاستعداد الفطري الذي يدفع الفرد إلى نصرة قريبة بالدم والدفاع عنه.

        إنَّ راي ابن خلدون حول ارتباط العنف بالبداوة والعصبية القبلية ، يتعارض مع العصر الحاضر الذي اصبح العنف فيه، يلعب دوراً رئيسياً في الحياة المدنية ، فالحروب الدامية ، والحياة الارهابية شاهدة على ذلك ، كما أنَّ ” المجتمعات المصنعة قد بادرت الى عقلنة كل قطاعات انشطتها ، … ولكن العنف بدوره لم يفلت من هذه الحركة “(4).

   صور العنف في الرواية العراقية ( لا حياة في هذه المدينة ) :

           من المعروف إنَّ الرواية هي فن المدينة، ولما كان مجتمع المدينة بطبيعته أكثر أنواع المجتمعات تغيراً واستجابة للتجديد وتمثّلاً للتحولات، فكان من الطبيعي أنْ تعنى الرواية في استجابتها لمتغيرات المجتمع المدني وتحولاته بفعل التغير وما ينتج عنه، وفي ضوء ذلك صار ينظر للرواية بوصفها فن العصر ، اذ لم يعد للشعر تلك المكانة التي كان يتباهى بها في العصور الماضية وبداية القرن العشرين ، من هنا حلّت الرواية محل الشعر، فأصبحت أكثر الأجناس الأدبية قدرة على تشخيص الذات والواقع والكتابة الروائية خلقا وإبداعا ونقدا. وغدت هذه الرواية تقارب التاريخ وتفلسف المجتمع وتنقد الذات العربية من خلال منظورات خاصة ذاتية وموضوعية،  وصارت تطرح الأفكار الإيديولوجية على محك النقاش ، كما صارت الرواية ملتقى المعارف والفنون وخزان الأفكار، بعد تداخل الاجناس الادبية المختلفة فيها ، اذ لم تعد الرواية اليوم تكتفي بتشخيص الذات ، كما في الروايات الرومانسية ، او تصوير الواقع كما في الروايات الواقعية ، بل تعدت ذلك الى ما هو ابعد منه ، فالرواية السياسية على سبيل المثال غالبا ما تركز على القضايا السياسية المحلية والوطنية والقطرية والقومية لمعالجتها ضمن توجهات مختلفة ومحاور متعددة مستوعبة المراحل المتنوعة التي مرت بها القضية مع وقفات عند أحداث معينة لها خصوصيتها المتميزة. وتهتم هذه الرواية بمسألة السلطة والحكم ، مصورة الاستبداد الذي يمارسه الحاكم ومصادرة حقوق الإنسان والزج بالمعتقلين السياسيين في سجون الظلم والقهر، كل ذلك من اجل الحفاظ على كرسيه ، ومن ثم فالرواية هنا تؤشر الى الخطاب السياسي والعقيدة الإيديولوجية والرؤية السياسية إلى العالم وعلاقة الإنسان بالسلطة ومنظوره إلى واقعه الضيق أو الواسع ، وهكذا اصبحت السياسة محورا فكريا في الرواية المعاصرة ، مهما تنوعت مواضيعها، وتعددت أبعادها الاجتماعية والواقعية، وجنحت إلى الحداثة الشكلية والتنويع الفني، وبعبارة اخرى إنَّ الرواية تعبّر عن الأطروحة السياسية إما بطريقة مباشرة وإما بطريقة غير مباشرة، لذلك نقول: إنَّ السياسة حاضرة في كل الخطابات والفنون والأجناس الأدبية.

           وعند قراءة أي عمل روائي او قصصي من الاعمال الادبية التي انتجتها القرائح الانسانية ، سنجد إنَّ العنف يشكّل القاسم المشترك لهذه الاعمال ، ففي حكايات ( الف ليلة وليلة)  يكون (العنف) المحرّك الأساسي لعملية الحكي ، فبداية كل ليلة كانت تنتهي بالفعل العنيف -القتل- لكل عذراء تسوقها الأقدار إلى بلاط شهريار الأمير الواقع تحت هيمنة هاجس (الخيانة الزوجية) ، ولعل شهرزاد هي الوحيدة التي أرجأت فعل (العنف- القتل) من خلال فعل (الحكي- القص) ذلك أنَّ مبدأ شهريار في ألف ليلة وليلة، هو (احك حكاية وإلا قتلتك)‍ !.

          إنَّ الأعمال الأدبية التي تناولت (ظاهرة العنف) كثيرة ، فهذا الفعل هو امتياز إنساني صرف، يميزه عن كل مخلوقات الطبيعة، ذلك أنَّ الشراسة الحيوانية، إنْ شئت قلت (العنف عند الحيوانات) له دوافع بيولوجية، تتعلق بوجوده المحض، وتنطلق في أساسها من غريزة البقاء المحكوم بها، لكن الإنسان في أغلب أفعاله (العنيفة) محكوم بمنطق مزيف، منطق تبريري (ذرائعي)، وهو يغلف أفعاله العنيفة دوماً بقشرة من الفكر (الديماغوجي) التضليلي. فعندما نقرأ رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) للروائي السوداني الطيب صالح مثلاً، سنقف عند مسألة غاية في الأهمية، هي عجز الحضارة عن إقصاء المشاعر الإنسانية البدائية، عند شخص مثل (مصطفى سعيد) دكتور الاقتصاد، العبقري السوداني الذي في لحظة معينة من حالات شعوره بالامتهان والضعة، وحين تُحقّره (آن همند) الإنكليزية التي تأبى عليه، وفي الوقت نفسه، تطلب منه أنْ يغرز الخنجر بين (ثدييها)، نقول إنَّ هذا الشخص يتحوّل إلى إنسان بلا قلب، وبفعل هو من أغرب أفعال العنف في الأدب العالمي، يُغيّب الخنجر في صدرها؛ فكأنما بفعله العنيف هذا قد عاد بجدارة إلى عالم الغاب.

           إنَّ ظاهرة العنف من الظواهر المعقدة والمركبة التي اطنب الباحثون والدارسون في الحديث عنها ، من خلال البحث في اسبابها ودوافعها ، وغالباً ما تكون هذه الدراسات بعيدة عن الحقل الأدبي ذلك ” أنَّ العنف ظاهرة حقيقية، تخص الأفراد كما تخص الشعوب (…) وتظل أهم الدراسات في هذا الشأن تتصل بمجال علم النفس وعلم الاجتماع “(1) ، وهنا يحدث التداخل بين الأدب والواقع ، باعتباره الملهم الاساس للكتابة الأدبية والروائية على وجه الخصوص ، التي تعد وسيلة لنقل الواقع في تجربة ابداعية ، فالرواية العراقية تميزت بتناول العنف بكل اشكاله ( كالقتل ، والتهجير ، والاحتقان الطائفي وغيرها )، بسبب اضطراب الاوضاع السياسية في العراق .  لقد استغل الكاتب حيدر كاظم المعموري هذه القضية ، من اجل عكس الواقع العراقي بكل ما يحمله من مواقف وافعال وحشية عاشها الفرد العراقي بتعرّضه لأبشع انواع العنف أثناء الحرب الامريكية على العراق ، ولاسيما في مدينة السماوة ( مدينة الكاتب) .

          وسنحاول مقاربة نص الرواية ( لا حياة في هذه المدينة ) مبتدئين بالعنوان الذي لا يلبث ان يكشف عن العنف بمفهومه العام ( فقدان الحياة) ، إذ يعد العنوان أول عتبات الرواية وأول ما تقع عليه عين المتلقي ، وهو – عنوان الرواية – متعدد الوظائف ، فهو يعرّف الرواية ويشير إلى محتواها ، ويمارس تأثيره الاغرائي في المتلقي، بفضل ما يتضمنه من معانٍ يمتزج فيها الحزن بالألم والخوف ، والترقب بالتفاؤل . وللعنوان ( لا حياة في هذه المدينة) طبيعة مرجعية ، فهو يحيل الى النص ، كما أنَّ النص يحيل اليه ، خاصة حين يتقدم القارئ في القراءة حيث تطالعه تقارير سردية مثل (المدينة راحت تنكمش وتتقلص بينما يجري تطويقها بإحكام وهي مشلولة تستسلم لموت بطيء )(2) ، و( والهجوم النهائي على المدينة بمدافع الهاون والقاذفات والاسلحة الرشاشة مستترة بالمنازل والازقة والمحال المهجورة وبعض المواضع التي اعدت على عجل)(3).

        يشكل العنوان ( لا حياة في هذه المدينة) أفق التوقع لدى القارئ ، يحرّضه على ارتقاب النهاية ، كالتخلص من المحتل ، او التحرر من فساد النظام الحاكم، او الافراج عن المعتقلين أو السجناء، أو تحسّن الوضع الاقتصادي في البلاد ، الى غير ذلك من النهايات التي تغري باستمرار فعل القراءة ليكتشف القارئ عند عتبات الخروج من النص مدى صدق أو خيبة توقعاته .

          لقد عبرّ الكاتب ( حيدر كاظم المعموري) في هذا النص عن وجهة نظره التي ربما اوقعته في المباشرة والتقريرية في بعض المواضع من الرواية لاسيما من خلال ذكره لأسماء الشوارع الموجودة في مدينة السماوة ( شارع الفنادق ، وشارع السينما) ، أو من خلال حديثه عن أساليب التعذيب التي كان يستخدمها رجالات النظام الصدامي الحاكم ( حزب البعث) مع ابناء الشعب ،كما أن الواقع هو الأرضية التي يتحرّك عليها ( حيدر المعموري) في روايته ( لا حياة في هذه المدينة) ، والواقع يمد الكاتب ببذرة الأحداث والشخوص ثم يعيد بناؤها في إطار فني ،

        من هنا نستطيع القول أنَّ العنوان الخارجي للرواية (لا حياة في هذه المدينة) جاء بالفعل عاكساً للرواية وللأحداث التي تجري في مضمونها بصورة حية وواقعية ، لأنَّ لها صلة كبيرة بالواقع المعاش للشعب العراقي في فترة زمنية معينة ( فترة الاحتلال الأمريكي على العراق ، وفترة حكم النظام الصدامي للعراق) ، وقد جعل الكاتب من المدينة ( السماوة) مسرحاً لأحداث روايته بوصفها مدينة الكاتب أولاً ، واحدى المدن العراقية التي عانت ويلات الحرب ثانياً .

        لقد افرزت الحرب الأمريكية والنظام الصدامي القمعي جدلية بين القاهر والمقهور أو بين مَنْ يُعنِف ويُعنَف به، وهو ما زاد الأمر تعقيداً ، وقد عبّرت الرواية كجنس أدبي عن العنف بمختلف أشكاله والوانه الذي تعرّض له الانسان العراقي في الواقع ، فالعنف الممارس ضد الانسان بشكل عام من المشاكل التي تعاني منها المجتمعات البشرية على اختلاف مستوياتها.

        من هنا حاولنا مقاربة نص (حيدر كاظم المعموري) محددين أشكال العنف التي طالت الانسان العراقي، ومبرزين أهم أسبابها وانعكاساتها على الشخصيات التي تضافرت مع باقي البرامج السردية من اجل بناء متكامل لهذا النص ، وهذا كلّه من أجل ايصال رسالته للآخر ، وذلك عبر رؤية تمردية نابذة للعنف والقهر المسلط على الانسان العراقي ، وساخط في الوقت نفسه على النظام الصدامي الحاكم والمحتل الأمريكي .

         تعددت اسباب العنف في رواية ( لا حياة في هذه المدينة) ، فمنها ما يعود إلى الحرب الامريكية التي تعرّض لها العراق وما نجم عنها من تهجير وقتل وتفجير وحصار اقتصادي ، ومنها ما يعود إلى السلطة الحاكمة للعراق وما كانت تمارسه ازلامها من الرفاق الحزبيين من اساليب التعذيب والترهيب لأبناء الشعب العراقي .

    أشكال العنف :

          في ضوء الاسباب والدوافع المسببة للعنف حاولنا الوقوف على أشكاله المختلفة، التي شغلت حيزاً مهما في رواية حيدر المعموري ( لا حياة في هذه المدينة) وهي :

1- العنف السياسي :

       اختلفت التعاريف المتعلقة بظاهر العنف السياسي ، إلا أنَّ اغلب الباحثين يتفقون على أنَّ العنف يصبح سياسياً عندما تكون أهدافه أو دوافعه سياسية (1) ،يعرّفه حسنين توفيق إبراهيم على أنَّه ” السلوك الذي يقوم على استخدام القوة لإلحاق الضرر والأذى بالأشخاص والممتلكات وأنَّ الشكل السياسي له هو الذي تحرّكه دوافع وأهداف سياسية ، كما أنَّ العنف السياسي الاستخدام الفعلي للقوة والتهديد باستخدامها لتحقيق أهداف سياسية أو أهداف اجتماعية لها دلالات وأبعاد سياسية تتخذ شكل الاسلوب الفردي أو الجماعي السري أو العلني ، المنظم أو غير المنظم “(2).

      لقد تعددت صور العنف السياسي في رواية حيدر المعموري ( لا حياة في هذه المدينة) ، كالقتل ، والتهجير، والاعتقالات، والحرب، والأسر ، والتفجيرات …. وغيرها ، وقد عبر الكاتب في روايته عن فترة صعبة من الفترات التي عاشتها مدينة (السماوة) أثناء الحرب الأمريكية وفترة حكم النظام الصدامي للعراق ، الذي فقدت فيها كل ألوان الفرح ، وارتدت ثوب الحزن والدماء ، وقد عاد هذا على جسد المجتمع بالتفكك والانحلال ، فأصبح وطن السراب والخراب ، وطن تملؤه رائحة الموت وتعبره الجنائز كل يوم ، وهذا ما عبّر عنه السارد بنبرة حزن مستخدماً كل طاقته اللفظية للتعبير عن معاناة المجتمع ، يقول : ” لم تكن هنالك جثث تامة. أوصال فقط بلا هوية أو دليل استأثرت القطط بكميات منها خلسة “(3) .

             ما يشد في هذه الرواية ، هو حديث الروائي بصدقٍ وعفوية ٍحول قضية الاحتلال الامريكي للعراق ومعاناة الفرد العراقي منه ، إذ يرسم هذا المقطع صورة لوطن الجثث ، الذي أصبح فيه الموت مؤلماً ومخيفاً ، وأصبح الناس يأبون الحياة في ظل هذه الأجواء الخانقة .

            ويندرج الاعتقال ضمن خانة العنف السياسي المسلّط على الانسان العراقي ، وهو من اخطر اشكال العنف الموجّه ضده، وهذا العنف تجسده شخصية (حسين) ، بوصفها الشخصية التي قيل عنها الكثير نتيجة تواترها العالي في النص الروائي كونه شقيق بطل الرواية ( حميد) ، يقول: ” أما شقيقه الذي كاد أنْ يتخرج طبيباً فقد تخطّفه الغيب فجأة ثم قيل بأنَّ الأمن السري قام باعتقاله من الكلية “(1).

         يعمّق هذا المقطع الوضعية المتأزمة التي عاشتها شخصية (حسين) باكراه النفس الانسانية على ترك الدراسة والحرمان من الحياة ، فضلا عن الآثار التي نجمت عن هذا الاعتقال من تهديد لشخصية الاخ ( حميد) الذي تعرّض لأبشع انواع الاهانات من قبل رجال النظام الصدامي الحاكم ( الرفاق الحزبيين)

” – سمعت بأنَّه اعتقل سيدي

- لستَ حماراً اذن . اعتقل ! أتدري لماذا ! لأنَّه خائن ، كلب ، أناني، باع الوطن وباعكم ، لم يفكر إلا بنفسه عندما سمح لحثالة أنْ تسخر منه ليتورط في الجريمة . سياسة وأحزاب ودين وتفاهات وكأن البلد فوضى . لا قانون لا أمن لا نظام تمرد على أولياء نعمته الذين اطعموه وألبسوه وعالجوه وعلموه ليصبح طبيباً وكل ذلك بالمجان وفي المقابل يتآمر على اسياده النذل”(2)، ونلحظ في هذين المقطعين بعض الملامح التي اتصف بها رجالات النظام الصدامي الحاكم (الرفاق الحزبيين) إنَّها القسوة المفرغة من كل وازع انساني .

           ومن أشكال العنف السياسي الاغتيالات التي كان يتعرّض لها الجنود أثناء الحرب واحداً تلو الآخر، وأمام الجميع، الامر الذي يخلق حالة من الخوف والذعر في نفوس الجنود الآخرين الذين باتوا يستعجلون معرفة مصيرهم ” توالت الآهات الصادرة من الجنود . الذين كان يجري اغتيالهم واحداً تلو الآخر علانية . وجد احدهم في ذلك الأنين مخبئاً مثالياً مكّنه من المجاهرة بما يدور في خلده : – متى نتعرّف على حظنا ! “(3).

          إنَّ الألفاظ التي انتقاها الكاتب في تحليله لمشكلة الجنود ، عبّرت فعلاً عن العنف الذي لاقوه في الحرب من قبل رفاق حزب البعث كسلطة تعسفية قمعية ، اذ يعكس هذا المقطع القمع الذي عومل به الجنود ، إذ لم يبد الرفاق الحزبيين اية انسانية تجاههم ، بل مارسوا سلطتهم القمعية بالقوة والعنف وامام الجميع ، ليصبح هذا الفضاء فضاءاً  للسلطة والقهر ، ضد الجنود وهو ما جعل التحاق الجندي العراقي بالحرب يؤول الى الهروب .

2- العنف النفسي :

          وهو ” كل ما يحدث ضرراً على الوظائف السلوكية والوجدانية والذهنية والجسدية للمُؤذَى مثل :رفض وعدم قبول الفرد ، إهانة ، تخويف ، تهديد ، عزلة، استغلال ، برود عاطفي ، صراخ ، سلوكيات غير واضحة “)1 (.

          لقد تنوعت أشكال العنف النفسي في رواية ( لا حياة في هذه المدينة) بين الخوف ، والاهانة ، والقلق ، والعزلة ، وفي (الخوف)  عبّر الكاتب عن حالة الفزع والهلع التي اصابت الاطفال والنساء من جرّاء التفجيرات ، وهو ما حصل مع بطل الرواية ( حميد) الذي تعرضت عائلته للعنف النفسي (الخوف) بسبب التفجيرات ” رأى شقيقتيه تلتصقان ببعضهما محتضنتين الاطفال المذعورين بينما كانت امه تنطرح على السرير يقظة . سأل محاولاً مدّهم بالشجاعة متقصّداً اظهار شيء من التماسك لإكساب ما يجري نوعاً من الألفة :

- أين أيوب !

ردت ( زينب) بوجل:

- ما زال في حجرته … لماذا يطلقون النار!

- تمشيط .. ممارسة ليس إلا .

لم تعالج تلك الاجابة الخوف الطافح على الوجوه فلم يجد بداً من الانسحاب مستخلصاً عبارة تطمين متهرّئة :

- لا شيء يستدعي القلق ، ولكن لا توصدن الباب تماماً . “(2).

           يجسّد هذا الانموذج الخوف والهلع الذي أصاب النساء والاطفال من الواقع المتأزم ، نتيجة لما تعرّضوا له من الانفجارات أثناء الحرب الامريكية على العراق . لقد تعرضت عائلة (حميد) لضراوة صوت الانفجارات ، وخاضت غمار تجربة متأزّمة بكل أبعادها ، عاشت من خلالها الألم والخوف ، على الرغم من محاولة ( حميد) أنْ يمدّهم بالشجاعة وأنْ يخفّف عنهم ما يشعرون به من  الخوف الذي بدا واضحاً على وجوههم .

          كما يتمظهر العنف النفسي في شكل آخر هو (القلق) الذي تعرّضت له شخصية ( حميد) من قبل القوات الامريكية التي هيمنت بشاحناتها المسلحة بالقرب من المناطق السكنية ، الامر الذي خلق لدى هذه الشخصية شعورا بالخوف من المجهول ، إذ أنّ القلق ” حالة من الخوف الغامض الشديد الذي يتملّك الانسان ويسبب له الكثير من الكدر والضيق والالم “(1) ، ” نظر الى الشاحنات المسلحة التي توزّعت قبالة المنازل كأنّه يراها لأول مرة فاستعاد شعوره المنسي بالقلق والذي لم يترك له سوى أنْ يتقهقر الى الداخل في شبه لجوء اضطراري لتبديد المخاوف التي عاودته قوية عارمة “(2) ، فنقرأ حالة القلق هنا على أنَّها حالة نفسية تعمل كمؤشر على وجود خطر على وشك الوقوع في المستقبل .

3- العنف اللفظي

          وهذا النوع من العنف يكون باللفظ ، فوسيلة العنف هنا هي الكلام ، ويهدف إلى ” التعدي على حقوق الآخرين بإيذائهم من طريق الكلام والألفاظ الغليظة النابية ، وعادة ما يسبق العنف اللفظي العنف الفعلي أو الجسدي “(3)، وفي هذه الحالة تكون الغاية منه هي ” الكشف عن قدرات وإمكانات الآخرين ، قبل الاقدام على توجيه العنف الجسدي ضدهم ” (4).

         يتجلّى هذا النوع من العنف اللفظي في رواية ( لا حياة في هذه المدينة ) في صور مختلفة منها : النهر ، والصراخ ،  والشتم ، والتهديد ، ففي ( الصراخ ) الذي تعرّض له بطل الرواية (حميد) عبّر الروائي حيدر المعموري عن مدى العنف اللفظي الذي يتعرّض له الجندي العراقي في جبهات القتال من قبل بعض الضباط الذين يأخذون أوامرهم من قبل النظام الحاكم ( صدام ) ، الذي يمثل التعذيب بالنسبة اليه مبرّراً لوجوده وغاية له في الوقت ذاته ، فعندما نقرأ هذه السطور ” تمنّى سراً أنْ يلقى به إلى وحدة بعيدة طاعنة في العزلة لا يمكن أنْ يبلغها انسان لينفرد مرتشفاً البؤس والضياع والذكرى حتى الفناء. أفاق متألماً جرّاء لكمة قوية وجّهت الى كتفه . صرخ به العريف :

- هل تريد أنْ تنام ! ارفع راسك هي ! “(5). ندرك أنَّ الألفاظ التي انتقاها الكاتب في تحليله لمشكلة ( حميد) عبّرت فعلاً عن العنف الذي لاقاه في العسكرية من قبل الضباط كسلطة سياسية قمعية سواء كان هذا العنف عنفاً جسدياً ( اللكمة) أو لفظياً ( الصراخ) أو نفسياً ( تمني العزلة) .

         ويتجسّد العنف اللفظي أيضاً في صورة ( الشتم) التي كان يمارسها ضباط حزب البعث العربي الاشتراكي مع المواطنين المدنيين الذين يتم استدعائهم للتحقيق معهم في تهم غير شرعية او قانونية ، وهو ما حصل مع ( حميد) الذي تم استدعاءه للتحقيق معه حول اخيه ( حسين) الذي اختفى ولا يُعرف عنه شيء هل هو معتقل او تم اعدامه؟ ، ففي الحوار الذي دار بين ( حميد) وأحد الضباط الحزبيين نستطيع انْ نتعرّف على الشعور بالامتهان والضعة اللذان انتابا ( حميد) اثناء التحقيق ، وايضاً فقدان السمة الانسانية عند الضابط العراقي “

–  ما اسمك ؟

-  وحيد كاظم عبد الله

-  اين تسكن ؟

 – حي الفقراء

رفع عينيه وقد تشنجت ملامحه ثم قال بازدراء بالغ :

- اسمه حي البعث يا معتوه

- اعتذر سيدي . اعتذر . “(1).

        ويمثل ( التهديد) شكلاً آخر من أشكال العنف اللفظي الذي تصوّره الرواية من خلال وصف معاناة الجندي العراقي الذي يعاقب بالسجن (سجن الوحدة) خلال تأدية الخدمة العسكرية ، وقد انتقينا من هذا الشكل من العنف اللفظي المشهد الحواري التالي ، الذي يجسّد التهديد الذي يمارسه نائب الضابط تجاه احد الجنود وهو ( تايه عبد ماذي)

 ” هبّ ذو الجرح متحذلقاً :

   – السجن للرجال

- أي الرجال تقصد ! هل تريد أنْ تتعرف على انواع الحبوب المخدرة واللواط في السجن ! هذا إنْ لم يصبك الجرب ليجري عزلك في حبس منفرد كيلا تعدي الآخرين .

صمت نائب الضابط ثم قال بلهجة مختلفة كانَّه استذكر شيئاً :

- ما اسمك أنت !

- هبّ ذو الجرح مجيباً بحماس :

- تايه عبد ماذي سيدي !

- سأقطع لسانك إنْ تكلمت بعد الآن . مفهوم !  ” (1 ).

           هذا الانموذج يجسّد العنف اللفظي ( التهديد) الذي يتعرّض له الجندي العراقي ، ويعكس ايضاً الواقع المتردي الذي يعيشه في الوحدات العسكرية ، كما نلحظ في هذا المقطع الحواري بعض الملامح التي اتصف بها نائب الضابط أيام حكم النظام الصدامي إنَّها سوء المعاملة المفرغة من كل وازع انساني أو ديني .

4- العنف الجسدي ( البدني) :

           ويقصد به ” السلوك العنيف الموجه نحو الذات أو الآخرين لإحداث الالم أو الأذى أو المعاناة للشخص الآخر “(2) ، ويتجسد العنف الجسدي في صور مختلفة منها ” الضرب ، والدفع ، والركل ، وشد الشعر ، والعض ، وهذا النوع من العنف يرافقه غالباً نوبات من الغضب الشديد ويكون موجهاً ضد مصدر العنف والعدوان “(3) .

           ومن المشاهد التي تعمّق العنف الجسدي أكثر الموقف الذي يصوّره الكاتب ، والذي يدور الحوار فيه بين شخصية (حميد) بطل الرواية وأحد الضباط المدنيين ، بعد استدعائه للتحقيق معه حول اختفاء اخيه (حسين) الذي هو في نظر الحكومة خائن ، باع الوطن ، وتورّط في الجريمة ” كان (وحيد) يستمع إليه متماوتاً تلاحق عيناه بلا إرادة سبابة الضابط الطويلة وهي تمازج محتويات الهواء كطاحونة جبّارة راحت تستفرغ الضغط في تمهيد لإعصار مخيف . استمر يزمجر وشفتاه تنفرجان كفوهة اخطبوط بينما هو مستسلم يحملق كجثة بشكل أوهم الضابط بالتحدي فهبّ مغادراً كرسيه بنقمة متوقدة . انتفض (وحيد) غريزياً فجفل وتراجع لكن الضابط قبض على إذنه وشدّه منها بعنف :- تريد أنْ تتعبني يا وغد ، تريد أنْ تتعبني ! “(4).

            يعمّق هذا المشهد العنف الجسدي وتفاقم الشعور بالحزن والألم ليصبح الانسان مغترباً حتى داخل بلده الذي عوض أنْ يكون الرحم الذي يحتضن الأفراد أصبح حلبة للصراع بين أبناءه ، وسحق للكرامة والإنسانية التي يتمتع بها الفرد العراقي، كما إنَّ تفاقم الصور المأساوية في هذا المشهد والألفاظ البذيئة المليئة بالعنف ( وغد ، شد ، قبض ، بعنف ) تعمل على شد انتباه القارئ فيقف موقف المشفق لحال (حميد) والساخط الحاقد على الضابط .

  5- العنف الاقتصادي

           تلعب العوامل الاقتصادية دوراً مهماً في توجيه دوافع العنف والعدوان عند الناس والمجتمعات . فالحاجة الاقتصادية لا يشبعها أي بديل محتمل ، وكثرة المشكلات الاقتصادية تؤدي حتماً الى تدمير الحضارة واسس البناء الاجتماعي ، وتترك آثارها على عامة ابناء المجتمع ، فالبناء الاقتصادي يسبب نمو علاقات اجتماعية معينة (1)،فإنْ كانت مشبعة اقتصادياً أحدثت التماسك والترابط الاجتماعي ، وإنْ كانت عكس ذلك ولّدت السلوك العدواني والعنف . وأول تلك المشكلات التي تسبب العنف الاقتصادي، هي البطالة والفساد الاداري . حيث اتفقت الآراء على إنَّ البطالة هي السبب الرئيس للعنف (2).

           ومن اشكال العنف الاقتصادي في رواية ( لا حياة في هذه المدينة) الظروف الاقتصادية الصعبة المتمثلة بالحصار الاقتصادي الذي فُرض على العراق اثناء الحرب الامريكية والذي أدى الى غياب وسائل العيش من الماء، والطعام ، وفرص العمل، وانتشار البطالة ، كما دفع البعض منهم الى بيع بناته كزوجات لمن هم في خارج العراق ، وقد انتقينا المشهد الحواري الذي دار بين ( وحيد) وناجي ابن العم ( موتان) الذي عاد من الحرب وبدأ يستذكر مع وحيد ما وقع على العراقيين من اذى اثناء الحرب الامريكية.

” قال ( وحيد )  محدقاً الى الارض :

- نعم ، نعم ومن منّا لا يتذكر . المئات من الأبرياء تم اعدامهم بلا ذنب بناءاً على شبهات ووشايات وسخافات . علّق ( ناجي) مؤيداً :

- حتى الذين التحقوا الى وحداتهم مستغلين العفو الصادر منه هو نفسه تم اعتقالهم فيما بعد واعدموا .

تنهد ( وحيد) بحسرة كانَّه قد تذكر خذلانه :

- والذين فعلوا كل شيء غادروا الى الخارج ليتمتعوا بالدنيا بلا مسائلة او ملاحقة . اغنوا ذويهم بالدولارات والأملاك في زمن الجوع والحصار حتى صاروا بمنزلة يتوق اليها الكثيرون ممن اقدموا على الزج ببناتهم واخواتهم كزوجات بالبريد لمن هم في الدانمارك والولايات المتحدة وهولندا “(3) .

         يرسم هذا المقطع الحواري صورة لوطن الجوع والفقر الذي اصبح فيه الاب أو الاخ يبيع ابنته أو اخته مقابل المال ، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة .

الخاتمة :

  أهم النتائج التي خلصت إليها الدراسة هي :

1- إنَّ موضوعة العنف التي حاول الكاتب تفعيلها في التعامل مع الواقع الفج الذي يعيشه الانسان العراقي الذي يبدو أكثر مرارة من السابق ، من اجل البحث عن اسلوب وشكل لائق في التعامل مع الانسان العراقي ، وذلك بالتركيز على مأساة هذا الانسان الذي عانى ولا يزال يعاني من العنف بكل الوانه وأشكاله .

2- تتعرّض رواية (لا حياة في هذه المدينة) لظاهرة العنف ضد الانسان العراقي في فترة الحرب الامريكية على العراق وصولاً إلى سقوط النظام الصدامي الحاكم ، وتحاول تعرية جذورها الدفينة ، وتعقّد تركيبها من عوامل داخلية تتمثل في النظام الحاكم القمعي والفاسد، وعوامل خارجية يوجهها ويحكمها الاستعمار الامريكي .

3-  يظهر من خلال رواية ( لا حياة في هذه المدينة ) مشاهد مختلفة للعنف الذي يعد بؤرة مركزية ، اندمج فيها الواقع بالخيال، من خلال إعادة بناء هذا الواقع وتمثيله أحسن تمثيل انطلاقاً من الخارج  وصولاً إلى داخل النص لتضفي الطابع العدواني العنيف على الانسان العراقي .

4- إنَّ أشكال العنف التي رسمها الكاتب ( حيدر كاظم المعموري) تكشف عن حقيقة رؤية الكاتب للعنف بوصفه موضوعاً سياسياً يستحق الدراسة بفعل الوضع الراهن الذي تعيشه البلاد وما يتعرض له الانسان العراقي فيها من غياب للديمقراطية، وانعدام حقوق الانسان، وما يتعرض له السجين العراقي من نفي واقصاء وتصفية وقهر من السلطات الحاكمة او السلطات المستعمرة ، لكن الكاتب كغيره من كتّاب الرواية السياسية لا يلبث أنْ يقع في التقريرية والتوثيق التاريخي للأحداث، الامر الذي يبعد الرواية عن المتعة الجمالية وإثارة المتلقي إقناعاً وامتاعاً وتأثيراً .

المصادر والمراجع :

المصدر:

- رواية ( لا حياة في هذه المدينة ) ، حيدر كاظم المعموري .

أولا: المراجع العربية :

1- الإرهاب السياسي : بحث في أصول الظاهرة وأبعادها الإنسانية ، أدونيس العكرة ، دار الطليعة للطباعة والنشر ، بيروت ، 1983 .

2- الأساليب التربوية الحديثة في التعامل مع ظاهرة العنف الطلابي ، حسين محمد الطاهر ، وزارة التربية وإدارة التطوير والتنمية ، الكويت ، 1997.

3- الاضطرابات السلوكية والانفعالية ، خولة أحمد يحيى ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ، عمان ، ط1، 2000.

4- جرائم العنف عند الاحداث ، أحمد محمد الخريف ، مركز الدراسات العربية ، الرياض – السعودية ، 1993.

5- دراسات في الخطاب ، نور الهدى باديس ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ،دار فارس للنشر والتوزيع ، بيروت ، ط1، 2008 .

6- ظاهرة العنف السياسي في مصر (1952- 1987) دراسة كمية تحليلية مقارنة في المستقبل العربي ، حسنين توفيق إبراهيم ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 1988.

7- ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية ، إبراهيم حسنين توفيق ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، ط1، 1992.

8- علم النفس الاجتماعي ، طريف شوقي ، مركز النشر بجامعة القاهرة ، مصر ، ط1، 1994.

9- العنف الأسري أسبابه ومظاهره وآثاره وعلاجه ، د. خالد بن سعود الحليبي ، مدار الوطن للنشر ، الرياض – السعودية ، 2009 .

10- العنف في الحياة اليومية في المجتمع المصري ، أحمد زايد وآخرون ، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ،القاهرة 2002.

11- مدارات الحداثة ، د. محمد سبيلا ، الشبكة العربية للأبحاث والنشر ، بيروت ، ط1 ، 2009 .

12- مقدمة ابن خلدون ، عبد الرحمن بن محمد بن خلدون ، تحقيق : علي عبد الرحمن وافي ،  ج2، دار نهضة مصر ، القاهرة ، ط3، د. ت .

13- موسوعة علم النفس والتحليل النفسي ، فرج الله عبد القادر وآخرون ، الكويت ، 1993.

ثانياً : المراجع المترجمة

1- الكف والعرض والقلق ، سيجموند فرويد ، ، تر: محمود عثمان نجاتي ، دار الشروق ، القاهرة ، ط4، 1989.

2- النظرية المعاصرة في علم الاجتماع ، ارفنج زايتلن ، تر: محمد عودة وآخرون ، ذات السلاسل ، الكويت ، 1989.

ثالثاً : المعاجم

1- – تاج اللغة وصحاح العربية ، اسماعيل بن حماد الجوهري ، ج4 ، دار الكتاب العربي ، القاهرة ، 1956.

2- القاموس المحيط ، مجد الدين الفيروز آبادي ، ج3، المكتبة التجارية الكبرى ، القاهرة ، ط4 ، د. ت .

3- لسان العرب ، محمد بن مكرم بن منظور ، ج 15، دار المعارف ، القاهرة ، 1979.

4- المعجم الفلسفي ، جميل صليب ، ج2، دار الكتاب اللبناني ، بيروت ، 1982.

5- معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية ،أحمد زكي بدوي ، مكتبة لبنان ، بيروت ، 1978.

رابعاً : المجلات

1- ظاهرة العنف السياسي في الجزائر: دراسة تحليلية مقارنة 1976 – 1998 ، سرحان بن دبيل العتيبي ، مجلة العلوم الاجتماعية ، ع (4) ، مج (28) شتاء 2000.

2- المخدرات وواقع العالم الثالث، دراسة حالة لاحد المجتمعات العربية ، أحمد مجدي حجازي ، وشادية علي قناوي ، مجلة القاهرة للخدمة الاجتماعية ، ج1 ، ع1، القاهرة ، 1995.

3- مستويات الميل إلى العنف والسلوك العدواني لدى طلبة جامعة فيلادلفيا وعلاقتها الارتباطية بمتغيرات الجنس ، عصام فوزي ، مجلة العلوم التربوية ، ع 1، مج 28 ، عمان – الأردن ، 2001.

خامساً : الرسائل والأطاريح

- اتجاهات طلاب المرحلة الثانية نحو العنف ، دراسة ميدانية على طلاب المرحلة الثانوية بمدينة الرياض ، سعد محمد آل رشود ، رسالة ماجستير ، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية ،الرياض – السعودية ، 2000 .

1-  ينظر: العنف في الحياة اليومية في المجتمع المصري ، أحمد زايد وآخرون : 1- 2.

1– ينظر: لسان العرب ، ابن منظور ، ج 15 : 3133 ، وينظر: تاج اللغة وصحاح العربية ، الصحاح ، ج4 ، 140 . ، وينظر: القاموس المحيط ، مجد الدين الفيروز آبادي ، ج3: 178 .

2- المعجم الفلسفي ، جميل صليب ، ج2 : 112.

3- معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية ،أحمد زكي بدوي : 441.

4- المخدرات وواقع العالم الثالث، دراسة حالة لاحد المجتمعات العربية ، أحمد مجدي حجازي ، وشادية علي قناوي ، مجلة القاهرة للخدمة الاجتماعية ، ج1 ، ع1، القاهرة ، 1995: 15

5- موسوعة علم النفس والتحليل النفسي ، فرج الله عبد القادر وآخرون: 51

6- علم النفس الاجتماعي ، طريف شوقي : 122.

1- الارهاب السياسي : بحث في أصول الظاهرة وأبعادها الإنسانية ، أدونيس العكرة : 73 .

2-  مستويات الميل إلى العنف والسلوك العدواني لدى طلبة جامعة فيلادلفيا وعلاقتها الارتباطية بمتغيرات الجنس ، عصام فوزي ، مجلة العلوم التربوية ، ع 1، مج 28 ، عمان – الأردن ، 2001: 34.

1- مدارات الحداثة ، د. محمد سبيلا : 193- 194.

2- النظرية المعاصرة في علم الاجتماع ، ارفنج زايتلن ، تر: محمد عودة وآخرون : 180 – 181.

3- مقدمة ابن خلدون ، عبد الرحمن بن محمد بن خلدون ، ج2: 482.

4- دراسات في الخطاب ، نور الهدى باديس : 131.

1- دراسات في الخطاب ، نور الهدى باديس : 129 .

2- – لا حياة في هذه المدينة ، حيدر كاظم المعموري : 177.

3- المصدر نفسه : 239.

1-  ينظر: ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية ، إبراهيم حسنين توفيق : 42 .

2- ظاهرة العنف السياسي في مصر (1952- 1987) دراسة كمية تحليلية مقارنة في المستقبل العربي ، حسنين توفيق إبراهيم : 41.

3- لا حياة في هذه المدينة : 36 .

1- لا حياة في هذه المدينة : 26.

2- المصدر نفسه : 146.

3- المصدر نفسه : 51- 52.

1 – العنف الأسري أسبابه ومظاهره وآثاره وعلاجه ، د. خالد بن سعود الحليبي : 54 .

2- لا حياة في هذه المدينة : 31- 32.

1- الكف والعرض والقلق ، سيجموند فرويد ، ، تر: محمود عثمان نجاتي : 13.

2- لا حياة في هذه المدينة : 15.

3- الأساليب التربوية الحديثة في التعامل مع ظاهرة العنف الطلابي ، حسين محمد الطاهر : 2.

4- جرائم العنف ، أحمد محمد الخريف : 18.

5- لا حياة في هذه المدينة : 48.

1- لا حياة في هذه المدينة : 143.

1- – لا حياة في هذه المدينة : 75.

2- اتجاهات طلاب المرحلة الثانية نحو العنف ، دراسة ميدانية على طلاب المرحلة الثانوية بمدينة الرياض ، سعد محمد آل رشود ، رسالة ماجستير ، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية ،الرياض – السعودية ، 2000 : 38.

3- الاضطرابات السلوكية والانفعالية ، خولة أحمد يحيى : 181 .

4- لا حياة في هذه المدينة : 147.

1- ينظر: ظاهرة العنف السياسي في الجزائر: دراسة تحليلية مقارنة 1976 – 1998 ، سرحان بن دبيل العتيبي ، مجلة العلوم الاجتماعية ، ع (4) ، مج (28) شتاء 2000: 13 .

2- ينظر: اسباب العنف السياسي ودوافعه ، حسن بكر، مجلة الفكر العربي ، ع (93) ، 1998 : 8.

3- لا حياة في هذه المدينة : 220 – 221.


Updated: 2021-02-22 — 13:41
JiL Scientific Research Center © Frontier Theme