السياسة الخارجية الروسية بعد الحرب الباردة:دراسة في المنطلقات الفكرية والنظرية / فهيم رملي – خولة بوناب


 

السياسة الخارجية الروسية بعد الحرب الباردة:دراسة في المنطلقات الفكرية والنظرية

أ.  فهيم رملي

أ. خولة بوناب

قسم العلوم السياسية – جامعة البليدة 2

قسم العلوم السياسية – جامعة باتنة1

الجزائر

 مقال نشر في   مجلة جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية العدد 12   الصفحة 87.  

    ملخص:

ظهرت روسيا الاتحادية كدولة جديدة في خضم الدول التي ظهرت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وأفوله، وتزامن ذلك وبروز جدل حول هوية الدولة الروسية على مستوى النخب والقيادة السياسية وتعددت الأطروحات الفكرية للسياسة الخارجية الروسية والخلافات بين مراكز القوى في داخل روسيا حول ذلك، وفي هذه المقالة بحثنا في الأولويات التي وضعها صناع القرار السياسي في روسيا والتي تمثل في مجملها المنطلقات الفكرية للسياسة الخارجية الروسية، وكذا الإلمام بالمقاربات النظرية التي حاولت دراسة هذه الأولويات وتقييمها.

Summary

Appeared Federal Russia as a new state in the midst of the States which have emerged after the collapse of the Soviet Union, that coincided the emergence of controversy on the identity of the Russian state at the level of the elites and the political leadership and a burgeoning number of theses intellectual property of  Russian foreign policy and the differences between the centers of power in the inside Russia on, in this article discussed the priorities established by the political decision makers in Russia which represent the whole intellectual perspectives of  Russian foreign policy, as well as knowledge of paradigms theory that tried to study these priorities and evaluation.

  مقدمة:

                تعد روسيا من أبرز القوى الدولية التي يشهدها النظام الدولي الحالي، ولقد سعت منذ انهيار الإتحاد السوفياتي بالعودة إلى مضمار الدول الفاعلة والمؤثرة في ديناميكية النظام الدولي، وذلك عبر مقومات ومحددات سياستها الخارجية، ومن أبرز المحددات الداخلية المؤثرة في سلوكها الخارجي هي القيادة والنخب السياسية، هذه الأخيرة التي واجهت معضلة تحديد هوية روسيا الما بعد سوفياتية، ولقد تعددت الطروحات الفكرية حول أولويات التوجه الروسي في بيئته الخارجية، وفي هذا الإطار سنتناول بالدراسة مختلف التيارات الفكرية التي برزت على الساحة السياسية الروسية والتي كانت المحدد لتوجهاتها على الصعيد الدولي، بالإضافة إلى أهم المقاربات النظرية التي تناولت بالدراسة والتحليل هذه المنطلقات ومدى تماشيها مع المصالح العليا لروسيا الاتحادية ، منطلقين من إشكالية رئيسية مفادها:

                إلى أي مدى ساهمت التيارات الفكرية الروسية في تحديد توجهات السياسة الخارجية الروسية تجاه بيئتها الإقليمية والدولية؟

   المحور الأول : المنطلقات الفكرية للسياسة الخارجية الروسية

 لقد أصبحت الهوية الجغرافية لروسيا كوحدة تراب إقليمية مثار جدل بين النخب والاتجاهات في السياسة الخارجية الروسية، لأن وعي هذه الهوية وتجسيد ذلك في سلوك يُعبر عنها يؤثر على حركة السياسة الخارجية ويؤدي بها للاعتماد على مجموعة من سياسات بناء القوة جيوبوليتيكيًا، وبالتأكيد على إعادة هيكلة الاقتصاد وتحديد دور الدولة فيه، فهل سيذهب إلى تبني اقتصاد السوق والانخراط في العولمة بكل أبعادها؟، أم سيبقى للدولة شأن في رسم السياسة الاقتصادية والإتيان بشكل من رأسمالية دولة ليس بالضرورة أن يكون على غرار ما كانت عليه من حيث درجة المركزية في عهد الاتحاد السوفييتي؟، ومن هنا يصبح الإقليم الترابي للدولة الروسية الجديدة عنصرا أساسيا في تكوين الهوية القومية ومدى استعداد القرار السياسي للتقيد بتعهدات ذات أبعاد مصالح مباشرة ومعنوية، التي لا يمكن الإيفاء بها من دون أن تكون روسيا مرة أخرى ذات دور في السياسة الإقليمية والدولية؛ فإدراك هذه التعهدات يفضي إلى تضحيات اقتصادية وسياسية وثقافية[1].

وفي أعقاب خروج روسيا الاتحادية من فلك الاتحاد السوفييتي الذي امتد كإمبراطورية عظمى لقرون، انفتحت الفرصة أمام جدل محتدم بين  فئات مختلفة من المفكرين من السياسيين والأكاديميين والدبلوماسيين والنقاد في محاولة لإعادة صياغة المفاهيم الاستراتيجية الدولية الروسية والمنطلقات الفكرية والمبادئ والأهداف والوسائل لسياسة خارجية روسية في بيئة انحدرت فيها روسيا إلى مرتبة دون القوة العظمى، وغرقت في مشاكل اقتصادية وسياسية واجتماعية داخلية لم يكن في أيدي القادة أو صناع القرار معالجات لها سوى الترويج لطروحات بديلة تعبر عن مواقف مصلحية أو فئوية أو حزبية، ولم تكن البيئة الدولية أكثر مواءمة لروسيا من أوضاعها الداخلية[2].

      وفي هذا الإطار يمكن تقسيم السياسة الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة إلى مرحلتين:

المرحلة الأولى:  تحددت في الأعوام الأولى من حكم الرئيس “يلتسن” وكان الجدل يثور في هذه المرحلة( بعد التفكك مباشرة) بين القوى الداخلية ( أمثال التيارات القومية والليبرالية وصانعي القرار في روسيا) حول السياسة الواجب إتباعها، وبرز في هذه المرحلة تيارين؛ التيار الأول يرى ضرورة الاهتمام بالمشكلات الداخلية وإيجاد الحلول لها قبل التوجه للشؤون الخارجية، ويجب من وجهة نظرهم تطبيق مبدأ العزلة في هذا المرحلة من أجل إعادة البناء في الداخل، أما التيار الثاني فيؤكد على ضرورة إتباع سياسة خارجية نشطة وفعالة تحافظ على مكانة روسيا كإحدى القوى الكبرى.

المرحلة الثانية: تبدأ هذه المرحلة في ما بعد 1993، حيث سعت روسيا إلى انتهاج سياسة أكثر إثباتًا للذات وذات صبغة روسية واضحة، وترتكز على التفسير القومي للمصالح الروسية[3].

ويظهر من خلال ذلك أنه في السنوات الأولى لم يشهد الفكر السياسي الخارجي الروسي نقلة، وإنما أصبحت المناقشات والجدل تأخذ طابع إطلاق العناوين والتسميات على التوجهات السياسية الليبرالية، والقومية، والدينية، والأوراسية، والأطلسية والدولة المركزية… وغيرها، ولقد انتشرت هذه التوجهات في السياسة الخارجية الروسية على أصعدة عديدة.

إن ظهور هذه الاتجاهات كان في أغلب الأحيان عبارة عن ردود فعل لتطورات داخلية ذات صلة بسياسات داخلية للتصدي لخلافات ومشاكل ونزاعات داخل الفيدرالية الروسية أو كومنولث الدول المستقلة، أي أنها استجابة سلبية أو ايجابية، هجومية أو دفاعية لتحديات خارجية مثل سياسات توسع الأطلسي وانخراط دول “حلف وارسو” ودول الاتحاد السوفيتي سابقا في الاتحاد الأوروبي، وأزمات في مناطق النفوذ الروسي مثل أحداث تفكك يوغسلافيا[4].

ولهذا سيتم التركيز على أبرز هذه التوجهات والتي تم نهجها على مستوى السياسة الخارجية الروسية منذ 1991 إلى غاية اليوم، وهي الأطلسيون وأولوية التوجه نحو الغرب، ثم الأوراسيون وأولوية التوجه نحو الشرق، وفي الأخير الواقعيون وسياسة البراغماتية.

   أولا : الأطلسيون وأولوية التوجه نحو الغرب:

 قاد هذا التوجه وزير الخارجية السابق في عهد الرئيس” بوريس يلتسن”  ” اندريه كوزرييف“، ولقد احتضن العديد من أتباع الرئيس السابق ” غورباتشوف” في إطار التفكير الجديد الذي دعى فيه إلى إدماج الاتحاد السوفييتي في “البيت الأوروبي المشترك”[5]، وأقامت المدرسة الفكرية الأطلسية حُججها على مقدمات تاريخية، وثقافية، ودينية وموضوعية؛ فروسيا ذات تاريخ أوروبي منذ قرون فقد شاركت في صياغة تاريخ أوروبا السياسي ولعبت دورها في حروب وتسويات أوروبا، بل كانت طرفا حاسما في محطات من تاريخ أوروبا، فنابليون فقد إمبراطوريته بعد هزيمته في غزو روسيا في 1810-1812، وأن النازية دُكّت معاقلها بالقوة الروسية في الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى ذلك روسيا قوة مسيحية، وهو جانب رئيسي في العقل والأخلاق والسلوك للحضارة الغربية، بعبارة أخرى روسيا لا يمكن أن تكون كثقافة وحضارة كبقية الأديان الأخرى غير المتوافقة مع الغرب المسيحي كالإسلام والبوذية، لأن أنصار هذا التوجه يرون فيها غربية من حيث الثقافة والتاريخ والديانة، أما على المستوى الموضوعي، فإن أصحاب التوجه الأطلسي اتخذوا خطوات الاقتراب من الغرب والولايات المتحدة الأمريكية في أكثر من مجال؛ فمن الناحية الأمنية، يعتبر الأطلسيون أن لروسيا مكانة في حلف الأطلسي بصورة أو بأخرى، حتى لم يستبعد البعض أن تكون عضوة فيه وأن تقيم معه شراكة أمنية[6]. ونجد “كوفادييف Kovedyayev* أحد أنصار هذا الفكر اليوم يقول:

” لتجنب الأسوأ، يجب أن تتجه روسيا غربا، وتستعد للانضمام إلى الهيكلين الرئيسيين في الغرب، منظمة حلف شمال الأطلسي والإتحاد الأوروبي، وسوف يشهد على نواياها الصادقة بانضمامها للإتحاد الأوروبي الذي سيكون عملية حتمية وحلف الناتو يبقى خيارها الوحيد على الأقل جناحها السياسي”[7]. وهذا يعد تأكيدا على رغبة النخبة السياسية الروسية وصناع القرار السياسي الخارجي في دمج روسيا في المؤسسات الغربية.

ويرى الأطلسيون أن الحلف الأطلسي هو المركز الجديد والهيكل البديل للأمن العالمي بعد هيكل القطبية الثنائية وتوازن القوى النووي، هذا الحلف من وجهة نظر أنصار هذا التوجه هو صلة ربط لطوق أمني تجسد بين أوروبا والأطلسي، أي من “فانكوفور” في كندا إلى “فلادي فوستك” في أقصى الشرق الآسيوي لروسيا[8].

لقد كانت روسيا تعيش في هذه الفترة (بداية التسعينات) أزمات داخلية خانقة لم يتمكن على إثرها القادة السياسيون من علاجها أو الحد من تفاقمها، حيث لم يتمكنوا من إيجاد حلول لكثير من المعضلات وأهمها الوضع الاقتصادي الذي أصبح يهدد بمجاعة فعلية العديد من العائلات الروسية، بعد أن تم تحرير الأسعار دون أن يكون للمواطن قدرة على شراء السلع الضرورية والمستوردة منها، نظرا لتدني دخله والتضخم الكبير الذي رافق تلك المرحلة، ولم تمض السنوات الأولى من قيام روسيا الاتحادية أي في 1992 إلا وكان الدولار الأمريكي يساوي 415 روبلا (العملة الوطنية) بعد أن كان يساوي روبلاً واحدًا في عهد الاتحاد السوفييتي (وأصبح في نهاية عهدة الرئيس يلتسن في 1999 يساوي 2800 روبلا)[9].

بتفاقم المشاكل الداخلية التي لم تتمكن الحكومة من معالجتها، فشل الأطلسيون في الوصول إلى ما كانوا ينادون به من التقرب إلى الغرب دون قيد أو شرط، وهنا برز تيار آخر مناقض لأفكار الأطلسيين وهو التوجه الأوراسي.

ثانيا :الأوراسيون وأولوية التوجه نحو الشرق:

برز هذا التيار للتصدي للفكر الأطلسي وتمحور حول فكرة “روسيا الأوراسية” والتي تدعو إلى أن ينظر صانع القرار السياسي الخارجي إلى “الداخل” إلى “العمق” الاستراتيجي الجيوبوليتيكي الفريد لروسيا، هذا من جهة[10]، وكذا حقيقة أن روسيا باعتبارها كيانًا جيوبوليتيكيًا هي أساس ما يدعى “آسيا-أوروبا”من جهة أخرى، والتي تعتبر من الناحية الجغرافية والطبيعية، واللغة والمناخ والثقافة والدين هي الرابط الإيديولوجي الذي يجمع بين الغرب والشرق، وهذه الخصائص هي تماما التي تحدد مكانة روسيا كحلقة وصل في الكتلة الجيوبوليتيكية الأورو-آسيوية[11].

حيث نجد في القرن 19م ” نيكولاي دانيلفسكي” ” NIKOLAI DANILEVSKY” هو أول من حدد “أوراسيا” ككيان جغرافي يتوسط أوروبا وآسيا، وعرفها على أنها:

” مساحة اليابسة غير منقطعة شاسعة تفصلها على أطرافها سلاسل الجبال العالية من جبال الهيمالايا، والقوقاز وجبال الألب، وكيانات واسعة تشكل منطقة القطب الشمالي والمحيط الهادي، والمحيط الأطلسي، والبحر الأسود، والبحر الأبيض المتوسط وبحر قزوين؛ ومصطلح الأوراسيا لا يعني الجمع بين أوروبا وآسيا، كما هو شائع، بل بالأحرى هو كيان مستقل، أوراسيا كما تصورها “سافيتسكي” و”ترويتسكري” وأقرانهم ليست أوروبا ولا آسيا، هي “عالم جغرافي” ككل مختلف تماما متميزة عن الأول والثاني”[12].

فأوراسيا تمثل مركزا جيوبوليتيكيا يحيط به مناطق أطراف، وروسيا ما بعد الشيوعية أصبحت تواجه حقيقة جيوبوليتيكية عملية، فحواها؛ أنها تقع بعيدا عن الجناح الغربي للغرب الأوروبي والأمن الأطلسي، إذ يفصلها دول خرجت من حلف وارسو والاتحاد السوفيتي وأسرعت في الانضمام إليهما، وقد أوجدت هذه الحقيقة مسألتين هامتين:

  • أن تحسن روسيا توزيع مواردها وقدراتها لمواجهة هذا الواقع الجيوبوليتيكي.
  • أن تحذر من إغفال مناطق جوارها وآسيا[13].

 من وجهة نظر أنصار هذا التوجه أن لروسيا مصالح لا تتوافق مع الغرب في جميع النواحي، ولقد أُهينت روسيا في هذا الجانب، فالغرب خرج كاسِبًا وروسيا هي الطرف الخاسر، ولذا فإن سياسة روسيا ينبغي أن تقوم ليس على قواعد المبادئ الفكرية والحضارية والدينية التي تجعلها قريبة من الغرب كما يرى الأطلسيون، بل على قواعد توازن القوى، وبما أنه ليس في وُسع السياسة الخارجية أن تقيم هيكل علاقات مع الغرب على أساس توازن القوى بطروحات مثالية، فمن هنا لابد أن تستعيد روسيا قوتها ذاتيا وليس مع الغرب، ثم إن الغرب عندما سيرى روسيا تستعيد عافيتها بمقوماتها سيثمنون قيمة هذا التحالف، وعندها فإن التعاون مع الغرب سيكون حاجة لروسيا مثلما هو للغرب والولايات المتحدة الأمريكية، تعاون على أساس عالم قائم على تعدد القوى وليس أحادي القطب وأن هذه التعددية تمليها الحقيقة الجيوبوليتيكية[14].

ولقد شدد الأوراسيون على المصالح الروسية وذلك من منطلق فكري سياسي مختلف يترتب عليه توجهات في السياسة الخارجية الروسية لا تساق في عربة واحدة وعلى سكة واحدة ولنقطة واحدة؛ فالمصلحة الروسية لا تكمن في أن روسيا هي من ركب الغرب، بل مصلحتها تتأتى من جغرافيتها وتاريخها وثقافتها وبنائها العرفي وتقاليدها السياسية، وعليه فإن السياسة الخارجية الروسية ينبغي أن تحرص على الحفاظ على الدولة الروسية، وفي خضم ذلك أعاب الأوراسيون على الأطلسيين إعطاء السياسة الخارجية الروسية وجهة صوب الولايات المتحدة الأمريكية والغرب الأوروبي دون تقييم موضوعي لواقع البيئة الروسية الجديدة عالميًا وفي الفضاءات المجاورة لها[15].

يرى الأوراسيون أن الأولوية ليست التوجه نحو الغرب، بل إنها ذات صلة بما يجري ميدانيا وتنتظره روسيا من تحديات قادمة من جبهتين هما الشرق والجنوب؛ فالجنوب برزت فيه مشاكل استدعت من روسيا اللجوء إلى القوة العسكرية*، دون إمكانية الحسم السريع والقضاء على جذور التحديات، والأكثر من هذا، إن التحدي الجديد في قوس الأزمات هو تحدٍّ إسلامي يتأثر بعوامل خارجية، وكونه في الرحم الديموغرافي الروسي، فالإسلام أكبر دين وثقافة وهوية بعد السلافية والارثدوكسية الروسية، أما الشرق فهناك الصين التي تكشفت مكامن قدراتها الذاتية، فقد أصبحت الصين هي القوة الإقليمية الآسيوية، في حين أن روسيا خسرت منزلة القوة العظمى العالمية، دون أن تستبدلها بقوة كبرى أوروبية أو إقليمية ذات صدقية، خاصة من حيث الاستقرار الداخلي والثقل الاقتصادي[16].

لقد راهن أنصار هذا التوجه على عودة روسيا في سياستها الخارجية إلى مجموعة دول الاتحاد السوفييتي سابقا، وتعزيز عرى رابطة كومنولث الدول المستقلة الذي فيه لروسيا خصائص لا نظير لغيرها؛ فهي القوة الكبرى في هذا الإطار، وأن لها فيه مصلحة أهمها وجود أعداد كبيرة من الروسيين ( ما يقارب 20 مليون روسي)، وهو ما يستدعي حماية مصالحهم، وفوق هذا وذاك، فإن مناعة روسيا لا تأتي من عافيتها الذاتية فحسب، بل من توطيد العلاقات الاقتصادية والتعاون الأمني مع الكومنولث للدول المستقلة أيضا، وبفضل هذين العاملين وليس واحد منهما فقط، أو بالانخراط مع الغرب، سيكون في وسع روسيا أن تصبح منخرطة إيجابيا في السياسة الدولية ومن موقع خيارات إيجابية وليس كمفاوض ضعيف يلوذ إلى سياسة دفاعية[17].

ثالثا :الواقعيون وسياسة البراغماتية:

بعد تعثر الالتحام بالغرب وخيبة الأمل عند الأطلسيين الذين أخفقوا في تنفيذ سياساتهم والإتيان بمردودها المادي، برز توجه ذو نظرة واقعية وحاجج أنصاره بأن المطلب المباشر والأولي هو عودة دور الدولة، وبما أن روسيا ليست لها العافية الاقتصادية ولا قدرة الإفادة من واقعها الجيوبوليتيكي الجديد، فإن عليها أن تخلق توازنا بين حركتها الخارجية والكفاءة الذاتية، فليس من صالح روسيا أن تجنح إلى الشرق أو الغرب أو تعطي الأولوية لأوراسيتها بل يجب أن تذهب حركتها بكل الاتجاهات بصورة متوازنة تتوافق مع حقيقة مصالحها.

انطلق أنصار هذا التيار من مفاهيم المصلحة الوطنية، والأمن، والتهديدات والأهداف، والوسائل، والقوة ومصادرها الوطنية، واعتبروا أن المصلحة الوطنية لها أوجه متعددة اقتصادية وسياسية وعسكرية واجتماعية وبيئية وإنسانية، كما أن بعضا من المصالح ذات مدى متباين منها المباشرة والمتوسطة والبعيدة المدى، وهناك مصالح ذات مغزى حيوي لدولة وأخرى قد تكون مهمة أو دون ذلك، هذا فضلا عن مصالح داخلية وأخرى خارجية، ولقد أكد أنصار هذا التوجه على وجود تهديدات من البيئتين الداخلية والخارجية للأمن الروسي، والسياسة الخارجية هي وسيلة وآلية لاحتواء تلك التهديدات أو منعها والقضاء عليها[18].

ومن بين التهديدات الداخلية التي كانت تتفاقم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا مما هدد استقرار الدولة؛ القلق على وحدة الفيدرالية الروسية التي تعرضت لأزمات عرقية من جهة، وكذلك إلى توترات في العلاقات على صعيد المركز والأقاليم، من جهة أخرى، ومن الناحية الاقتصادية فإن الانخفاض الحاد والسريع في مستوى المعيشة والتضخم والفساد والبطالة والتفاوت الاجتماعي بعد الخصخصة* وتدهور مستويات التعليم والصحة كانت كلها تحديات مباشرة للمجتمع الروسي[19].

أما التهديدات الخارجية فقد أدرجها الواقعيون انطلاقا من مناطق الجوار وكومنولث الدول المستقلة وجمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقا؛ إذ أن علاقات روسيا مع هذه الكيانات كانت تواجه تهديدات سياسية لتعطيل حركة السياسة الخارجية صوب الاندماج والتعاون، كما أن روسيا كانت مهددة بالتوترات السياسية والعرقية والدينية بين هذه الدول التي قد تتسبب في انعكاسات سلبية على روسيا كالهجرة إليها أو الإضرار بمصالح الأقليات الروسية الموزعة في هذه الدول، أما من الناحية الاقتصادية، فإن استقلال روسيا الاقتصادي كان هو هدف التهديدات الخارجية التي تسعى لجعل روسيا ذات اقتصاد أحادي المصدر يتمثل في النفط والموارد الطبيعية، وبذلك تضع عوائق أمامها في الانخراط في الاقتصاد العالمي من خلال السوق والمؤسسات المالية[20].

في خضم ثنائية المصالح- التهديدات التي تواجه السياسة الخارجية الروسية حدد أنصار التوجه الواقعي دوائر اهتمامات السياسة الخارجية الروسية حسب أولوية المصالح الروسية ووسائل الحفاظ عليها إلى دائرتين كالآتي:

أولا- الجوار القريب: يعد الدائرة الأولى من حيث الأولوية، فقد حرصت السياسة الخارجية الروسية على أن تكون الأنظمة السياسية صديقة ومتعاونة مع الكرملين، وأن تفلح في إنشاء فضاء اقتصادي وأمني مشترك تكون فيه روسيا القوة المحور بحكم قدراتها العسكرية، وكذلك في تحييد النزاعات الداخلية في هذه الدول التي دخلت في مرحلة عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي بسبب المنازعات العرقية والدينية، وفوق هذا وذاك أن هذه الدول فيها أقليات روسية يجب حمايتها والدفاع عن مصالحها، وقد رجح لتحقيق هذه الأهداف القادة الروسيين القوة الناعمة لأن القوة العسكرية تثير مخاوفهم بلجوء هذه الدول لطلب المساعدة من قوى خارجية أبدت استعدادا للاقتراب من حدود روسيا وتهديد مصالحها[21].  

ثانيا- أوروبا الشرقية والشرق الأوسط والشرق الأقصى : وفي كل واحد منها مصالح لروسيا وتواجه تحديات وتهديدات؛ ففي شرق أوروبا تعترض حركة السياسة الخارجية الروسية النزعة الأوروبية للابتعاد عن روسيا والاندماج السريع بأوروبا الغربية، وبذلك تصبح روسيا شبه معزولة في فضائها. ويرى الواقعيون في هذه الدول على أنها همزة وصل بين روسيا وأوروبا الغربية، وبعد أزمة الشيشان وانتعاش الظاهرة الدينية في الدول الإسلامية في وسط آسيا أصبح الشرق الأوسط مصدر محتمل لإثارة المصاعب لروسيا بسبب الأصولية الإسلامية، هذا فضلا على أن الشرق الأقصى هو الأكثر إثارة للجدل عند الواقعيين ذلك لأن روسيا تواجه في هذا الفضاء خيارات وأولويات غير متجانسة ينبغي أن تعيها سياستها الخارجية[22].

بعد التطرق للمنطلقات الفكرية  للسياسة الخارجية الروسية التي كانت بين شد وجذب في تحديد أي التوجه يخدم المصالح الوطنية الروسية وتمكينها من العودة كقوة كبرى واستعادة دورها كفاعل مؤثر على الساحة الدولية، يمكن طرح تساؤل مفاده؛ هل للمقاربات النظرية قدرة على تفسير هذه التوجهات والمنطلقات التي تحكم السياسة الخارجية الروسية؟ وهو ما سيوضحه المحور التالي.

المحور الثاني: النظريات المفسرة للسياسة الخارجية الروسية بعد الحرب الباردة

إذا كانت العلاقات الدولية بشكل عام تتناول ثلاث عناصر أساسية وهي؛ العلاقات ما بين الدول inter-state والعلاقات فوق القومية التي تتجاوز الحدود transnational، وتفاعلات النظام الدولي ككل، وهذه الثلاث تشمل حقول جانبية كثيرة، فإن النظرية الدولية تعنى بالتنظير لتلك العناصر الثلاث وما يدخل تحتها، ومن ضمنها الدراسات الإستراتيجية، دراسات الصراع والسلام، تحليل السياسة الخارجية والاقتصاد السياسي الدولي[23]، وغيرها.

في هذا المحور سنتناول النظرية الواقعية الجديدة والليبرالية وكذا البنائية بهدف دراسة قدرتها التفسيرية للسياسة الخارجية الروسية بعد الحرب الباردة، واختيار هذه النظريات من بين الأطر النظرية لم يأت من فراغ كونه مُؤَسَس؛ ذلك أن النظرية الواقعية ترتكز بالأساس على متغيري القوة والمصلحة، فالدولة القومية كفاعل وٌحدوي في النظام الدولي الذي يتسم بالفوضوية توظف قوتها من أجل تحصيل مصالحها الوطنية العليا وهذا ما آمنت به القيادة الروسية بعد انهيار الإتحاد السوفييتي، ووجدت نفسها في عالم مغاير لما كان عليه قبل نهاية الحرب الباردة. أما النظرية الليبرالية فهي عبارة عن تيارات فكرية لا تتوافق مع توجهات المدرسة الواقعية، وترتكز بالأساس على الاعتماد المتبادل والتعاون الدولي وأن هذين المتغيرين هما السمة البارزة في بنية النظام الدولي. أما النظرية البنائية فهي من النظريات الما- بعد وضعية، وترتكز بالأساس على مفهوم الهوية وقوة الأفكار في تفسير سلوك الدول وذلك بالرجوع إلى ما تؤمن به القيادة السياسة للدول.

ومما تقدم سنحاول معرفة ما يمكن أن تقدمه هذه النظريات انطلاقا من افتراضاتها لصانع السياسة الخارجية الروسي، وخاصة أن متغيرات هذه النظريات الثلاث تبرز بشكل واضح في سلوكات الدولة الروسية.

أولا : السياسة الخارجية الروسية من منظور الواقعية الجديدة:

تأسست الواقعية الجديدة على يد “كينيث وولتز”، وهي تقوم على الافتراضات الأساسية التالية:

  • الموضوع الأولي للدراسة هو وحدوية الفواعل الذي يتمثل في الدولة، والسعي لتحقيق الأهداف بما في ذلك البقاء والتواجد في ظل نظام فوضوي.
  • الأهداف التي تسعى لها هذه الوحدات السياسية(الدولة) من الطبيعي أن تكون في صراع مع الأهداف التي تسعى لها الوحدات الأخرى.
  • هذه الأهداف هي مادية بالأساس، ونتائج الصراع بين الوحدات مرتبط بالأساس بقدراتها المادية[24].

ومن هذا المنطلق فإن السياسات تميل إلى أن تكون صراعية إلا إذا توفرت بعض السلطات المركزية القادرة على فرض النظام، ونظرًا لغياب هذه السلطة يصبح بإمكان أي دولة اللجوء إلى القوة لتحقيق ما تصبو إليه، كما أن الدول لا تثق في بعضها البعض وليس هناك ضمانات حقيقية حول نية الأطراف الأخرى، وعليه تميل الدول إلى تطوير قدراتها العسكرية لمواجهة الظروف الطارئة، ويُرجع الواقعيون ذلك بالأساس إلى فوضوية النظام الدولي فهي المسؤولة عن طرح المعضلة الأمنية بين الدول وتعزيز احتمالات الصراع، وهي المفتاح لفهم الأسباب الكامنة وراء اندلاع الحروب[25].

ويرى “كينيث وولتز” أن النظام هو من يحدد سلوك الفواعل، وليس نشاطات وتحركات الفواعل نفسها، وأن السلام سيتحقق عندما يكون “ميزان القوة” المتوصل إليه من قبل القوى الكبرى في النظام، ويقول في هذا الصدد:

  • أن النظام الدولي بالنسبة للدولة هو نظام “الاعتماد–الذاتي” ولذلك لا توجد دولة تراعي أمن دولة أخرى قبل نفسها.
  • بالنسبة لـ “وولتز “عدد الدول التي تهدد بقاء الآخرين على قيد الحياة ” هو من يحدد ميزان القوى في العلاقات الدولية.
  • مفهوم القوة عند النيوواقعيين يتحدد بالقوة الصلبة وهي القوة العسكرية والقدرات الاقتصادية[26].

وبالرجوع للسياسة الخارجية الروسية نجد أن كل من “شاكليينا تاتياناshakleyina Tatyana ” و”ألاكسي بوغاتروف Aleksei Bogaturov” وهما من أنصار المدرسة الواقعية الروسية، يبرهنان منذ 1990 أن الواقعية اكتسبت وضعية قيادة الحركة الفكرية في روسيا، ووفقا لهما فالواقعية الروسية ارتكزت على خصائص النظام العالمي الجديد والمتطور خاصة مركزية القوة والأقطاب[27]، لأنه بالرجوع لطبيعة النظام الدولي وتحديد بنيته يمكن فهم سلوك الدولة وهذا ما نادى به الواقعيون الجدد وحجتهم في ذلك هي أنه إذا كانت طبيعة الإنسان هي من تفسر الحرب والصراع، ما الذي يفسر السلام والتعاون؟.

 لتجنب هذه المشكلة نادى الواقعيون الجدد بالتركيز على هيكل النظام الدولي والتخلي عن الطبيعة البشرية[28]؛ فعلى عكس كل من “شاكليينا” وزميلها نجد الباحث الأكاديمي المتخصص في السياسة الخارجية الروسيةNeil MacFarlane نيل ماك فالان” في المنتصف الأول من 1990 قال بأن السياسة الخارجية الروسية لا تدعم فكرة “توازن القوى” في العلاقات الدولية، وأن الواقعية ليست الدافع المهيمن لدى نخبة السياسة الخارجية لروسيا، لكن فيما بعد، في النصف الثاني من 1990 فكرة توازن القوى عادت للظهور في خطابات السياسة الخارجية الاستراتيجية، والدور الروسي تم تعريفه في فترة تدعيم تعددية ميزان القوى في العالم، وعلى عكس العديد من الواقعيين الأمريكيين نجد أن أغلبية الواقعيين الروسيون يرون أن الأحادية القطبية للنظام الدولي تعد إشكالية[29]. فضلا عن كل هذه النقاشات، روسيا تعتبر “التعددية القطبية” مفهوم مضاد(معاد) للممارسات الانفرادية للولايات المتحدة الأمريكية في النظام من أجل تحقيق توازن القوى وكسب مكانة القوى العظمى من جديد.

في أواخر 1999 عند مجيء بوتين للسلطة، قام بتطوير نهج جديد للسياسة الخارجية الذي يَجمَع بين التوجهات الروسية التقليدية نحو الواقع السياسي والاعتراف بالاعتماد المتبادل والتكامل الاقتصادي الدولي، فضلا عن ذلك يرى أن مشكلة النظام الدولي نابعة من هيكل خطابات السياسة الخارجية.

ترى القيادة البوتينية ضرورة اكتساب قدرات اقتصادية كبيرة، تمكنها من التعامل مع الصراعات الداخلية والاقتصادية والسياسية والتخفيف من حدتها، وأن الحل يكمن في محاولة الاندماج مع الدول المتقدمة للعالم الغربي، وفي ظل الاندماج في المجتمع العالمي وفي إطار الواقعية الجديدة، يسعى بوتين إلى صياغة سياسة تجسد المصلحة الوطنية الروسية، ووفقا لـ ” ريتشارد ساكوا sakwaوهو أحد المفكرين الواقعيين فإن جل المنظورات المختلفة على غرار الواقعية والمثالية والذرائعية تعكس ذلك التوتر في الواقعية البوتينية الجديدة؛ فبينما السياسة الخارجية الروسية لا تزال ضمن النطاق الواقعية الكلاسيكية الجديدة، فـ “بوتين” يؤكد على ضرورة انضمام روسيا للمجتمع الغربي، ولكن ينبغي عليها أيضا أن تواصل طريقها، ويؤكد على ذلك بقوله:

 ” الخيار الواقعي الوحيد لروسيا هو الخيار لتكون دولة قوية، قوية وواثقة في قوتها، قوية ليس على الرغم من المجتمع العالمي، وليس ضد الدول القوية الأخرى، ولكن إلى جانب منها[30].

   وكمثال على النيوواقعية البوتينية، يستشهد “ريتشارد ساكوا sakwa” بالمؤتمر الصحفي للرئيس”بوتين” في 18 جويلية 2000 قوله:

 “لا نعتبر حلف شمال الأطلسي على أنه منظمة عدو أو تواجده يشكل مأساة(خطر)، رغم أننا نرى أنه لا ضرورة له، لأنه أنشئ لاستبعاد حلف وارسو وليس الاتحاد السوفيتي، لكن الناتو متواجد وهو ينمو[31].

لقد تميز وضع الاتحاد الروسي بالصعوبة بعد سقوط الصيغة الاتحادية السوفيتية في فترة حكم إدارة “يلتسن” التي فشلت في مواجهة القضايا البارزة في تلك الفترة وخاصة التعايش مع مستجدات البيئة الدولية، وفي ظل تخوف القيادة الروسية في هذه الفترة من توسع الحلف شرقا، وقعت موسكو في 22/06/1994 استراتيجية الشراكة من أجل السلام، والتي يطلق عليها “مجلس روسيا-حلف الناتو” بغية تحقيق هدفين:

  • إقامة تعاون عسكري وثيق بين روسيا ودول الحلف.
  • توسيع التعاون السياسي بين الجانبين في مجال الأمن الأوروبي[32].

أما في فترة القيادة البوتينية  فقد قسّم”ريتشارد ساكوا sakwa” السياسية الخارجية إلى مرحلتين، في وقت مبكر قَبِلَت التعايش مع الأحادية الأمريكية مؤمنة بأن الاستخدام الطوعي لقوة الهيمنة لن يدوم طويلا، أما فيما بعد أدرك بوتين واستوعب أن احتلال العراق برهن ليس فقط على أن الأحادية لا تزال مستمرة، ولكن أكثر من ذلك أنه ازدادت حدتها أيضا[33]، ويشرح William D. jakson” منطق الوضع الروسي من منظور النيوواقعية كالتالي[34]:

  • تأييد سياسة التحالف الجماعي أو بطريقة أخرى استيعاب التفوق الغربي.
  • السعي لتشجيع قيام التحالفات المعادية للغرب أو تحويل بنية القوة من الأحادية القطبية إلى التعددية.
  • متابعة الاستراتيجية السابقة على المدى القصير وعلى المدى الطويل.

فضلا عن كل ما سبق يتضح أن البرادايم الواقعي الكلاسيكي الجديد هو الأنسب لشرح هدف توسع الشركات الطاقوية الروسية في وسط أوروبا، لأنه في الحقيقة ما يهم الشركات الطاقوية الروسية هو نموها وتوسعها في وسط أوروبا وقادة السياسة الخارجية الروسية تسود لديهم مفاهيم حول حالة توازن القوى وموارد ومقدرات الدولة الروسية، حيث يهدفون إلى أن تكون قوة اقتصادية في القرن21 من خلال تحقيق مبيعات هائلة من صادراتها، وأكثر من ذلك استخدام الطاقة كوسيلة في السياسة الخارجية الواقعية لروسيا[35].

ثانيا: السياسة الخارجية الروسية من المنظور الليبرالي:

    إن نقطة الانطلاق الرئيسية للمقاربة الليبرالية في العلاقات الدولية أن هذه الأخيرة تتسم بالتعاون لا الصراع، وذلك يرجع بالأساس للطبيعة الخيِّرة للإنسان، ولذلك تعطي  الليبرالية أهمية قصوى للتعاون الدولي في قانون دولي ومؤسسات أو منظمات دولية تلعب دور الضامن للأمن والسلام الدوليين، وبذلك يحد من فوضوية النظام الدولي، ويجد هذا الأخير أساسه في التجارة والاعتماد المتبادل والأمن الجماعي، مما يفضي إلى ثني الفاعلين عن استخدام العنف والقوة أو التهديد بهما[36].

    وبينما ينطلق الواقعيون من استقلالية الدول وتمركز وجودها على المصلحة الذاتية (الخاصة)، فإن أنصار التعددية أو الليبرالية يركزون على الاعتماد المتبادل المركب؛ حيث نجد عددًا مركبًا من العلاقات بين أنواع مختلفة من الفاعلين دون وجود هرمية معينة، وبذلك تتراجع وحدوية الفواعل-الدولة القومية- وأهمية القوة الصلبة لصالح التعددية في مراكز صنع القرار وتصاعد الدور الحاسم الذي تعلبه القوة الاقتصادية في تحديد قوة الدول[37]، وسبل التعاون فيما بينها.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ومع مطلع 1990 في فترة تحول الاقتصاد الروسي، لم تستطع روسيا أن تحقق مكانة لائقة في فترة الإصلاحات الإيديولوجية والاقتصادية، أكثر من ذلك؛ خسرت روسيا قدرتها التنافسية ضد التفوق الاقتصادي للاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى هذا، التطور الجديد الذي تعرفه أسواق منطقة شرق المحيط الهادي -خاصة الصين- والتي تدفع بروسيا إلى الاقتصاد العالمي، لكن  في ظل غياب ميكانيزمات اقتصادية حديثة دفعت الهيئات الرسمية الروسية لبناء سوق اقتصادية جديدة ودولة منتجة بآليات جديدة للاقتصاد الليبرالي كالخصخصة، خاصة الشركات الطاقوية مثل “غازبروم” و” لوك اويل” التي تم خصخصتهما[38]، لكن مع عودة بوتين للحكم في روسيا قام بإعادة تأميم هذه الشركات وكان قراره محط انتقاد من قبل الليبراليين، قائلين أن هذا يمنع المنافسة في الاقتصاد.

بخصوص المقاربات النظرية، نجد أن الليبراليين من المدعمين لفكرة قيم الحرية، التسامح والديمقراطية في العالم، أكثر من ذلك تقييم الليبرالية قد يختلف باختلاف السياقات الثقافية والمجتمعية، ولهذا الليبرالية الروسية تختلف عن الغرب أو عن أي مصادر أخرى للأيديولوجيات، وقد طرح الليبراليون الروسيون ثلاثة تساؤلات محورية:

  • أي نظام عالمي انبثق بعد الحرب الباردة، وأي منهم الأنسب لروسيا؟.
  • كيف تأثرت الدولة وسيادتها ومصالحها الوطنية بالعصر الجديد للعولمة؟.
  • ما نوع إستراتيجية السياسة الخارجية التي يجب على روسيا أن تتبناها للرد على تحديات العالم الجديدة؟[39].

النقاش القائم بين الليبراليين والواقعيين الروسيين تمحور بالأساس حول قضيتين؛ إتحاد كومنولث الدول المستقلة CIS والأمن الأوروبي؛ بالنسبة لليبراليين الروسيين المعضلة الحقيقية ليست تفكك في مقابل اتحاد كومنولث لكن إلى حد ما التحدي هو النجاح في تحقيق الديمقراطية وإصلاحات السوق في هذا الإقليم، أما بخصوص الأمن الأوروبي فالليبراليون يدعمون هذا فالمصلحة الروسية العليا في أوروبا يجب أن تعزز المؤسسات متعددة الأطراف من أجل ضمان عدم عودة “توازن القوى”، وعلى سبيل المثال يعتبر العديد من الليبراليين “الناتو” بمثابة الضامن الرئيسي للاستقرار في أوروبا كتحالف للديمقراطيات من أجل أهداف دفاعية وليست هجومية، والنتيجة التي توصل إليها الاتجاه الليبرالي، أن قادة روسيا الجديدة لهم نظرة تفاؤلية حول الانضمام للمنظمات الدولية الغربية، فهم قبلوا بالقروض والمساعدات من أجل إعادة هيكلة الديون والعمل على استقرار العملة وأيضا الاستثمارات الغربية، وأكثر من ذلك، فهم يؤكدون أن الغرب لا يسعى للضغط من أجل بدء بعض البرامج المشابهة لمشروع مارشال تجاه روسيا ما بعد الشيوعية، كما أن المبادرات الروسية بالانضمام إلى مجموعة الثمانية G-8 ومنظمة التجارة العالمية هي حجج تبناها التوجه الليبرالي كدليل على رغبة روسيا في أن تكون جزءا من النظام الغربي[40].

ولقد أكدت القيادة الروسية منذ تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة أن المشاكل الفردية في السياسة العالمية لا يمكن حلها بدون التوصل إلى رؤية مشتركة في المجتمع الدولي، خاصة القضايا المتعلقة بمسائل التنمية الشاملة والتي تتصل مباشرة ببلورة الإستراتيجية الروسية في علاقاتها الخارجية؛ ونجد في هذا الصدد الرئيس الروسي “ديمترى ميدفيديف” تحدث عن هذه المسألة بالتفصيل في برلين وفي المنتدى الاقتصادي -سانت بطرسبرغ-؛ حيث قال أن إصلاح المؤسسات الدولية سيكون من بين المواضيع التي ستناقش في قمة مجموعة الثماني في هوكايدو باليابان، وهي مسألة متفق عليها مما لا شك فيما بين أعضاء مجموعة الثماني، وأكد أن روسيا مستعدة للمشاركة البناءة في هذا العمل المشترك[41].

والواقع ثمة العديد من الليبراليين الروسيين الذين يعتقدون أنه يجب على روسيا أن ترفع سقف طموحها بأن تكون قوة عظمى وأن تقبل مكانتها الحالية بالموافقة على وضع بعض الحدود لاستقلالية سلوكها السياسي الخارجي، وعلى هذا الأساس نجد أن روسيا فضلّت الانضمام للنوادي العالمية إيمانا بها بدور وفاعلية الحكومات العالمية من أجل الاندماج في عالم متجه نحو العولمة، وتجلى ذلك واضحا في خطابات القيادة الروسية؛ حيث يجزمون أن القضية الأساسية هي تعريف المرحلة الحالية في التنمية العالمية، وهذا أمر مهم بالنسبة لأي بلد من أجل الربط بين إستراتيجية إنمائية وسياسة خارجية مع رؤية للعالم الذي نعيش فيه، وهذا ما أكده خطاب الرئيس “بوتين” في ميونيخ في فيفري 7200.[42]

ثالثا: المنظور البنائي وتفسيره للسياسة الخارجية الروسية

تركز النظرية البنائية في دراسة السياسة الدولية على الأسس والبنى غير المادية أو المعيارية التي تحكم العلاقات ما بين الوحدات الدولاتية، وتهتم بدراسة وتحليل دور الثقافة والقيم والأفكار في العلاقات الدولية، كما تتناول بالتحليل دور وأثر المتغيرات النفسية والثقافية والفهم الجماعي المشترك في تشكيل مصالح وأولويات الدول، دون تجاهل دور الاعتبارات والمتغيرات المادية، فوفقا للبنائية فإن السلوك الدولي والتفاعلات مابين الدول لا يمكن حصرها فقط في المصالح القومية[43].

وفقًا لهذه المقاربة فإن العلاقات الدولية تتميز بطبيعتها الاجتماعية، فهي في نهاية المطاف ليست سوى بنى اجتماعية تحددها الأفكار المشتركة، ومن افتراضاتها الأساسية؛ أن الهويات والمصالح تنتج عن الأفكار التي من شأن تغيراتها وتحولاتها المتواصلة التأثير في العلاقات الدولية، فالدولة كفاعل لا تمثل معطىً مسبقًا لا يهمها سوى بقائها، بل إن تفاعل المصلحة والهوية المتواصل هو الذي يُعرف الدولة ويحدد موقعها كفاعل مؤثر في السياسة العالمية[44].

كما تَعْتَبِر البنائية أن هوية الدولة هي متغير تابع يتحدد من قبل السياق التاريخي، والثقافي، والمجتمعي والسياسي؛ فالبنائية لا تركز على النخبة السياسية المُعرِّفة للدولة كفاعل، ولكن تركز أيضا على بناء الهوية الوطنية من قبل النخب، وكذلك البناء الذاتي للهويات السياسية الفردية، في حين أن الفكرة المركزية للبنائية حول السياسة الخارجية هي “الهوية” وبناءً على ذلك فالهوية الوطنية هي نظام من المعنى يعبر عن العواطف الذاتية، والإدراك والتوجهات القيميّة تجاه الآخرين[45].

بالنسبة لأنصار البنائية كنظرية من نظريات العلاقات الدولية، يرون أن كلاًّ من الواقعية الجديدة والليبرالية على وجه الخصوص تفتقران إلى القدرة على استكشاف المتغيرات الهيكلية المعاصرة في السياسات الدولية؛ فالواقعية الجديدة ترى أن السياسة الخارجية هي انعكاس لبنية النظام الدولي؛ بحيث ركزت على مركزية النظام الدولي، أما الليبرالية ركزت على تعدد مقترحات السياسة الخارجية بينما رفضت فرضية الفوضى التي تستند إلى منظور غير صحيح، كما أن الليبرالية قدمت رؤية للنظام الدولي على أنه مقيد، ووفقا لـِ ” أندريه سيانكوف Andrei Tsygankov ” وهو باحث وأكاديمي روسي متخصص في العلاقات الدولية، هناك مشكلتين في فهم الواقعية الجديدة والليبرالية للسياسة الخارجية الروسية:

  • أولا، كلا من النظريتين اتجهت للتأكيد على جانب واحد من النظام الدولي وأهملت البقية.
  • ثانيا، كُلاًّ من النظريتين لهما نظرة مركزية حيث نظرت للسياسة الخارجية الروسية من خلال المنظور الثقافة الغربية ولم تأخذ في حسبانها أن روسيا لها نظام تاريخ خاص وأصيل[46].

 لقد كانت التغيرات التي عرفتها الإستراتيجية الروسية الدولية على أساس أنها وريثة الإتحاد السوفيتي؛ من حيث العقيدة السياسية والفكر الأيديولوجي والمكانة الدولية، محط استغراب من طرف قوى النظام الدولي الجديد؛ فنهاية الأيديولوجية الشيوعية كانت نتيجة تغير منظومة الأفكار التي تؤمن بها القيادة السوفيتية آنذاك، فمع مجيء “غورباتشوف” للحكم قرر التخلص من قيود الفكر الشيوعي وانتهج سياسة الإصلاح والتغيير من المنظور الغربي ونظرا لتباين التوجهات الاشتراكية والليبرالية، أدت هذه الإصلاحات إلى الإسراع في انهيار الإتحاد السوفيتي، ومع وصول “بوريس يلتسن” للسلطة واصل نهج سابقه من خلال سعيه إلى الإسراع في إحداث تغييرات جذرية في المنظومة القيميّة وذلك بالتخلص من الأفكار الماركسية اللينينية، وجعل من روسيا دولة ليبرالية على النمط الغربي.

لذلك نجد العديد من المهتمين يقولون أن أول أزمة واجهت الدول الروسية الحديثة هي “أزمة الهوية”، ولنكون أكثر دقة، كيف كان ينظر إلى هوية روسيا من قبل العالم الخارجي؛ حيث بعد خروج روسيا من الفلك السوفييتي حدث تحول كبير في مراكز القوى والنخبة السياسية الحاكمة، والتي جعلت نخبتها السياسية تتجاذب بين فكرة كون روسيا دولة أوروبية يجب أن تمتد تطلعاتها غربا (توجه أورو-أطلنطي)، أو أنها دولة آسيوية يجب أن تضع محيطها الشرقي نصب عينيها (توجه أوراسي)، وهذه المعضلة الروسية شكلت محور التجاذب الرئيس الذي تتشكل حوله النخبة الحاكمة في روسيا، والتي تلعب دورا مُهمًّا في صياغة توجهات وسياسات روسيا الخارجية[47].

إن فهم طبيعة النخبة الحاكمة في روسيا يقود إلى فهم أعمق يفسر توجهات السياسة الروسية؛ ففي سبتمبر 1999، كشف استطلاع للرأي أجراه راديو موسكو أن 79 % من الروسيين يعتبرون أن روسيا دولة أوروبية، في حين أن 21 % يعتبرون أنها آسيوية[48].

ومن أبرز أنصار التيار الأورو-أطلنطي الرئيس السابق“يلتسن” ووزير خارجيته، ولقد انعكست توجهاتهم الغربية على السياسة الخارجية الروسية في مطلع التسعينات؛ حيث أكدوا أن مصالح روسيا تتوافق مع الغرب وعليها أن تتعاون معه من أجل العودة بمكانتها وهيبتها على الساحة الدولية، وأحدثت القيادة الروسية العديد من التنازلات من أجل قبولها في الفلك الغربي وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، مع ضرورة الأخذ بالنموذج الغربي من أجل إحداث إصلاحات داخلية سياسية واقتصادية، هذا فضلا على الاعتراف بأحادية النظام الدولي الجديد، وكان توقيع “يلتسن” لوثيقة التعاون الأميركي-الروسي عام 1992 بمثابة إعلاء للتوجه الأورو-أطلنطي في السياسة الخارجية الروسية.

    أما التيار الثاني هو “الأوراسيون” الذين يركزون بالأساس على العمق الإستراتيجي لروسيا في الأوراسيا وأهمية تفردها بمقومات جيواستراتيجة تمكنها من فرض قوتها على الساحة الإقليمية والدولية، ويرون أن لروسيا هوية مستقلة عن الغرب والشرق في آن واحد، وعليها أن تتبع إستراتجية تتوافق مع هويتها الأوراسية ومصالحها الوطنية المستقلة عن الفلك الغربي، وهو ما انعكس على سلوكها الخارجي وكذا علاقاتها الخارجية انطلاقًا من فكرة ” عالم متعدد الأقطاب” في النظام الدولي، وضمان القرب والمساواة مع جميع مراكز القوى الأخرى، وهو ما أطلق عليه “بمبدأ بريماكوف” ويتمحور أساسًا حول بناء نظام عالمي من الضوابط والتوازنات تحول دون تفرد الولايات المتحدة التي خرجت من الحرب الباردة على أنها أقوى دولة في النظام الدولي[49].

خاتمة:

من خلال ما تقدم من طرح حول المنطلقات الفكرية للسياسة الخارجية الروسية وكذا النظريات ومحاولة كل منها تفسير توجهات وأولويات السياسة الخارجية الروسية وفق منظوراتها وأهم افتراضاتها، تبقى لكل نظرية قراءة تفسيرية صحيحة لما يصبو إليه قادة وصناع القرار السياسي الروسي الخارجي؛ فكل مقاربة نظرية تغطي جانب معين أو فترة معينة من سيرورة السلوك السياسي الخارجي الروسي في البيئة الدولية، تكيفًا مع المتغيرات الحاصلة في بنية النظام الدولي المنبثق عن نهاية الحرب الباردة، ومن خلال ما تتوجبه دراستنا نجد أن النظرية الواقعية الجديدة الأقرب لتفسير سلوكات وتحركات روسيا الاتحادية في بيئتها الخارجية في ظل ديناميكية النظام الدولي وتعدد قضاياه ومشكلاته.

قائمة المراجع:

أولا باللغة العربية:

  1. الكتب:
  • الأمارة لمى مضر جرئ، الإستراتيجية الروسية بعد الحرب الباردة وانعكاساتها على المنطقة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، لبنان، 2009
  • جينكيانى يازا، ترجمة: سعيد على مرتضى، صراع القوى الدولية في ضوء النظام العالمي الجديد ودور السياسة النووية في رسم الخارطة السياسية للشرق الأوسط، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2011.
  • جندلي عبد الناصر، التنظير في العلاقات الدولية بين الإتجاهات التفسيرية والنظريات التكوينية، دار الخلدونية، الجزائر، 2007.
  • زيدان ناصر، دور روسيا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من بطرس الأكبر حتى فلاديمير بوتين، الدار العربية للعلوم ناشرون، لبنان، 2013.
  • كاظم هاشم نعمة كاظم، روسيا في السياسة الآسيوية بعد الحرب الباردة، دار آمنة للنشر و التوزيع، الأردن، 2013.
  • محمد الصواني يوسف، نظريات في العلاقات الدولية، منتدى المعارف، بيروت، 2013.
  • محمد فرج أنور، نظرية الواقعية في العلاقات الدولية: دراسة نقدية مقارنة في ضوء النظريات المعاصرة، مركز كردستان للدراسات الإستراتيجية، السليمانية، 2007.
  • مليتشين ليونيد، ترجمة: الولي طه، تاريخ روسيا الحديث من يلتسن إلى بوتين، دار علاء الدين للنشر والتوزيع، سوريا، 2001.
  • السيد حسين عدنان، قضايا دولية: التوسع الأطلسي، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، لبنان، 2009.
  • شمامة خير الدين، العلاقات الإستراتيجية بين قوى المستقبل في القرن 21، دار قرطبة للنشر والتوزيع، الجزائر، 2009.
  1. أطروحات ومذكرات غير منشورة:
  2. شاعة محمد، مستقبل السياسة الخارجية: دراسة تحليلية لتأثير ظاهرة العولمة على حقل السياسة الخارجية، أطروحة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة الجزائر”3″، كلية العلوم السياسية والإعلام، 2012.

ثانيا: باللغة الأجنبية:

  1. Books :
  2. Nosov Mikhail, Russia between Europe and Asia: Some Aspects of Russia’s Asian Policy, in: Gabriel Gorodetsky, RUSSIA BETWEEN EAST AND WEST: Russian Foreign Policy on the Threshold of the Twenty-first Century, frank cass publishers, London, 2003.
  3. Sakwa Richard, Putin: Russia’s choice, Routledge, New York, 2008, Second edition.
  4. Makarychev Andrey, Russia and Global Governance (G8–G20) , in: Tüür Karmo and Morozov Viacheslav, RUSSIAN FEDERATION 2014 : Short-term prognosis, Individual authors, Estonia,  2014, Available at :  http://www.ut.ee/ABVKeskus/sisu/prognoosid/2014/en/pdf/RF2014.pdf
  5. Trenin Dmitri, The End of EURASIA: Russia on the Border Between Geopolitics and Globalization , Carnegie Moscow Center, Washington, 2001.
  6. Varol Tugce, The Russian Foreign Energy Policy, European Scientific Institute,  Republic of Macedonia,  2013, Avalaible at : http://eujournal.org/files/journals/1/books/TugceVarol.pdf
  1. Periodicals and Reviews
  1. Russia in Global Affairs, Sergei Lavrov, Russia and the World in the 21st Century , Vol.6, No. 3, July-September 2008, Available at :

http://www.isn.ethz.ch/Digital-Library/Publications/Detail/?lng=en&id=13732,pdf.

  1. World Politics, Gideon Rose, Neoclassical Realism and Theories of Foreign Policy, 51, No. 1, October 1998, Cambridge University Press. Available at: https://www.google.dz/webhp?source=search_app&gws_rd=cr,ssl&ei=MQeyVfTEIYW1sQHzvofYCQ#q=NEOCLASSICAL+REALISM+AND+THEORIES+OF+FOREIGN+POUCY+By+GIDEON+ROSE
  • Site Enternet:
  1. Jackson William, Imagining Russia in Western International Relations Theory, Available at: http://www.miamioh.edu/cas/_files/documents/havighurst/2001/2001-jackson.pdf
  2. Ole R. Holsti, Theories of International Relations, Available at: https://www.google.dz/webhp?source=search_app&gws_rd=cr,ssl&ei=rPOxVfGENoe_ywPvj4vICQ#q=theories+of+international+relations,pdf.

[1] – هاشم نعمة كاظم، روسيا في السياسة الآسيوية بعد الحرب الباردة، دار آمنة للنشر و التوزيع، الأردن، 2013، ص ص 12- 13.

[2] – المرجع نفسه، ص 40.

[3] – الأمارة لمى مضر جرئ، الإستراتيجية الروسية بعد الحرب الباردة وانعكاساتها على المنطقة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، لبنان، 2009، ص ص 96- 100.

[4] – هاشم نعمة كاظم، مرجع سابق، ص ص 42، 43.

[5]-Varol Tugce, The Russian Foreign Energy Policy, European Scientific Institute, Republic of Macedonia, 2013, Avalaible at :

http://eujournal.org/files/journals/1/books/TugceVarol.pdf, p 32.

[6] – هاشم نعمة  كاظم، مرجع سابق، ص 44.

*Fyodor Shelov-Kovedyayev: هو أكاديمي روسي، ونائب أول لوزير الخارجية الروسي سابقًا.

[7]- Varol Tugce , Op.Cit, p 34.

[8] – هاشم نعمة كاظم ، مرجع سابق، ص 45.

[9] – زيدان ناصر، دور روسيا في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا من بطرس الأكبر حتى فلاديمير بوتين، الدار العربية للعلوم ناشرون، لبنان، 2013، ص164.

[10] – هاشم نعمة كاظم، مرجع سابق، ص 46.

[11] – جينكيانى يازا، ترجمة: سعيد على مرتضى، صراع القوى الدولية في ضوء النظام العالمي الجديد ودور السياسة االنووية في رسم الخارطة السياسية للشرق الأوسط، االمركز القومي للترجمة، القاهرة، 2011، ص 13.

[12]-  Varol Tugce, Op.Cit, p p, 38, 39.

[13] – هاشم نعمة كاظم، مرجع سابق، ص47.

[14] – المرجع السابق، ص ص 4- 47.

[15] – المرجع نفسه، ص 47.

*  الحرب الشيشانية-الروسية التي اندلعت في 1994، لمزيد من التفاصيل ينظر: مليتشين ليونيد، ترجمة: الولي طه، تاريخ روسيا الحديث من يلتسن إلى بوتين، دار علاء الدين للنشر والتوزيع، سوريا، 2001، ص ص 137- 163.

[16]- هاشم نعمة كاظم، المرجع السابق، ص 48.

[17] – المرجع نفسه، ص 48.

[18] – المرجع السابق، ص ص 53- 54.

*  الخصخصة: سياسة إتبعتها القيادة الروسية في ظل تبني نظام اقتصاد السوق في السنوات الأولى من قيام روسيا الاتحادية بهدف التسريع في عمليات الإصلاح الاقتصادي والتخلص من الأزمات الخانقة التي كانت تعيشها.

[19] – لمزيد من التفاصيل، انظر: شمامة خير الدين، العلاقات الإستراتيجية بين قوى المستقبل في القرن 21، دار قرطبة للنشر والتوزيع، الجزائر، 2009، ص ص 448-  472.

[20] -هاشم نعمة كاظم، مرجع سابق، ص ص54- 55.

[21] – المرجع السابق، ص 55.

[22] – المرجع نفسه، ص ص 55- 56.

[23] -محمد فرج أنور، نظرية الواقعية في العلاقات الدولية: دراسة نقدية مقارنة في ضوء النظريات المعاصرة، مركز كردستان للدراسات الإستراتيجية، السليمانية، 2007، ص 107.

[24]-D.Jackson, William, Imagining Russia in Western International Relations Theory, Available at: http://www.miamioh.edu/cas/_files/documents/havighurst/2001/2001-jackson.pdf, p 4.

[25] – شاعة محمد، مستقبل السياسة الخارجية: دراسة تحليلية لتأثير ظاهرة العولمة على حقل السياسة الخارجية، أطروحة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، جامعة الجزائر”3″، كلية العلوم السياسية والإعلام، 2012، ص 24.

[26]- D. Jackson William , Op.Cit. p 4.

للمزيد أنظر:

-World Politics, Gideon Rose, Neoclassical Realism and Theories of Foreign Policy, Vol. 51, No. 1, October 1998, Cambridge University Press. Available at:

https://www.google.dz/webhp?source=search_app&gws_rd=cr,ssl&ei=MQeyVfTEIYW1sQHzvofYCQ#q=NEOCLASSICAL+REALISM+AND+THEORIES+OF+FOREIGN+POUCY+By+GIDEON+ROSE

[27]- Varol Tugce, Op.Cit, p p 20,21.

[28]- Ole R. Holsti, Theories of International Relation”, Available at :

https://www.google.dz/webhp?source=search_app&gws_rd=cr,ssl&ei=rPOxVfGENoe_ywPvj4vICQ#q=theories+of+international+relations,pdf, p.6.

[29]- Varol Tugce, Op.Cit, p 20.

[30]- Sakwa Richard, Putin: Russia’s choice, Routledge, New York, 2008, Second edition, p 267.

[31]- Varol Tugce, Op.Cit, p p 22-23.

[32] – السيد حسين  عدنان، قضايا دولية: التوسع الأطلسي، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، لبنان، 2009، ص ص 25- 26.

[33]- Sakwa Richard, Op.Cit, p 271.

[34]- D. Jackson William, Op.Cit, p 4.

[35]- Varol Tugce, Op.Cit, p p 23- 24.

[36] – محمد الصواني يوسف، نظريات في العلاقات الدولية، منتدى المعارف، بيروت، 2013، ص 58.

[37] – المرجع نفسه، ص ص 59- 65.

[38]- Varol Tugce , Op.Cit, p 24.

[39]- Ibid, p p 24- 25.

[40]- Makarychev Andrey,  Russia and global governance (G8–G20), in: Tüür Karmo and Morozov Viacheslav, RUSSIAN FEDERATION 2014 : Short-term prognosis, : Individual authors,  Estonia,  2014,  Available at :   http://www.ut.ee/ABVKeskus/sisu/prognoosid/2014/en/pdf/RF2014.pdf ,p 88.

[41]- Russia in Global Affairs, Sergei Lavrov, Russia and the World in the 21st Century, Vol.6, No. 3, July-September 2008, Available at :

http://www.isn.ethz.ch/Digital-Library/Publications/Detail/?lng=en&id=13732,pdf, p p 8-18.

[42]-Ibid, p p 8-18.

[43] – محمد الصواني  يوسف، مرجع سابق، ص 102.

[44] – المرجع نفسه، ص. 103، وللمزيد ينظر: جندلي عبد الناصر، التنظير في العلاقات الدولية بين الإتجاهات التفسيرية والنظريات التكوينية، دار الخلدونية، الجزائر، 2007، ص ص 325-327.

[45]- Varol Tugce, Op.Cit, p 27.

[46]- Ibid, p 27- 28.

[47]- G.Nosov Mikhail, Russia between Europe and Asia: Some Aspects of Russia’s Asian Policy, in: Gorodetsky Gabriel, RUSSIA BETWEEN EAST AND WEST: Russian Foreign Policy on the Threshold of the Twenty-first Century, frank cass publishers, London, 2003, p p 163-165.

[48]- Ibid.

[49]- Trenin Dmitri, The End of EURASIA: Russia on the Border Between Geopolitics and Globalization, Carnegie Moscow Center, Washington, 2001, p p  283-284.


Updated: 2017-12-17 — 18:45

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme