السخريّة في شعر أحمد الصافي النجفي / حيدر زوين


 

السخريّة في شعر أحمد الصافي النجفي

المدرس الدكتور: حيدر زوين/ جامعة الكوفة-كلية الآداب-العراق

 مقال نشر في مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 44 الصفحة 105.

 

ملخص البحث :

مما لا شكّ فيه أنّ السُخرية تعد ظاهرة قديمة قدم الأرض، لذلك كانت رفيقة الإنسان في حياته فهناك من يجد في السُخرية التشفي بالآخرين وفي الوقت نفسه التنفيس عن النفس. إنّ هذا الترابط العميق بين الإنسان والسُخرية جعلني أتأمل فيه عبر الظواهر المضحكة والمتجلّية في دراسته وعبر المظاهر التي يعيشها شعراء السُخرية ولاسيما الشاعر أحمد الصافي النجفي.

اتضحت لفظة السُخرية قديما لتدل على معنى الإضحاك والتندر والفكاهة.؛ إلا أنّ النماذج الشعريّة التي عثر عليها الباحث في العصر الجاهلي لم تكن كافيّة ، لقد تطوّرت هذه اللفظة في العصر الحديث لتحمل بذلك دلالات متنوِّعة حتى أضحت تشتمل على الاستهزاء والسُخرية بالمثالب والأنساب وغيرها.

معنى السُخرية في العصور السّابقة كان مشابها لما سبقه فكان يدور حول الاستهزاء بالآخرين ونقد المجتمع والواقع السياسي والعيوب الخَلقية والخُلقية ولم تقتصر السُخرية على الأشياء الآنفة الذكر بل تجاوزته إلى السُخرية الشخصية.

وقد تبدو السُخريّة ظاهرة واضحة المعالم في حياة الشاعر وميادينها المختلفة التي تبلورت في أغلب أشعاره فكانت دواوينه تجارب نفسية حقيقية عبر عنها بسُخرية وانفعال فالصافي إنسان يحب السُخرية في كل شيء من مأكلهِ وملبسهِ ومسكنهِ.

 الكلمات المفتاحية : ( السخرية ، شعر ، أحمد، الصافي ، ديوان، مضامين)

   المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وبعد: مما لا شكّ فيه أنّ السُخرية تعد ظاهرة قديمة قدم الأرض، لذلك كانت رفيقة الإنسان في حياته فهناك من يجد في السُخرية التشفي بالآخرين وفي الوقت نفسه التنفيس عن النفس.

إنّ هذا الترابط العميق بين الإنسان والسُخرية جعلني أتأمل فيه عبر الظواهر المضحكة والمتجلّية في دراسته وعبر المظاهر التي يعيشها شعراء السُخرية ولاسيما الشاعر أحمد الصافي النجفي.

أما السبب في اختياري لهذا الموضوع وذلك لما وجدته أن السُخرية لدى الشاعر أحمد الصافي  لم يمنحها الباحثون الحظ الأوفر الذي تستحقه فتناولتها في هذا البحث المتواضع أما المصادر والمراجع التي أفدت منها كثيرا فكانت تشتمل على المصادر اللغوية و الأدبية فضلا عن مصادر التاريخ .

وعلى وفق هذا الاتجاه فقد قسم البحث على مقدمة  ومبحثين وخاتمة وثبت المصادر والمراجع. وقد اتجهت الدراسة في المبحث الأوّل الموسوم بوصف عناصر البحث الرئيسة إلى دراسة محورين إذ تصدى الأول منهما إلى: دراسة ظاهرة السُخرية في اللغة والاصطلاح وخصص المحور الثاني لدراسة :ومضات من حياة الشاعر أحمد الصافي النجفي. وتطرّق المبحث الثاني: إلى دراسة لمضامين السُخرية في شعر أحمد الصافي النجفي وشملت: ( المضمون الاجتماعي والمضمون السياسي ، والمضمون الأخلاقي ، والمضمون الخلقي ، والمضمون الكوني والمضمون الشخصي).

وعرضت الخاتمة لأهم النتائج التي توصّلت إليها هذه الدراسة المتواضعة وإذ اختم هذا التقديم الموجز لبحثي ، لا يسعني إلا  أن أتوجه بالشكر إلى الله تعالى الذي أنعم علي أن وفقني إلى أن أتم هذا العمل المتواضع بالصورة التي هو عليها الآن، وأرجو أن ينال الرضا والاستحسان وقد استعان الباحث بمجموعة من المصادر الأدبيّة واللغويّة والتاريخيّة والدينيّة من أجل إنجاز هذا البحث.

المبحث الأوّل : وصف عناصر البحث الرئيسة

     المحور الأول :السُخريَة لغةً واصطلاحاً

أوّلاً : السُخريّة لغة: سَخر منه وبه سخرا ومسخّرا وسُخرا ، بالضم ، سُخرة وسُخريا وسُخرية : هزئ به([1]). والسُخرية: مصدر في المعنيين معاً ، وهو السخري أيضاً ، ويكون نعتاً كقولك: هم لك سخري وسُخرية مذكر ومؤنث من ذكر قال : سخري ومن أنت قال: سُخرية([2])، ولا يزالون يقولون سخرت به ، وهذا المعنى لكلمة السُخرية نجده في مضمون الآية الكريمة : {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ }([3]). وقيل السُخري بالضم ، من التسخير، والسخري بالكسر، من الهزء وقد يقال في الهزء ، سُخري وسِخري([4]).

وأمّا السخرة فواحدة مضموم ، قوله تعالى: {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ }([5]). فهو سُخرياً وسِخرياً والضم أجود وسخَرة ، بفتح الخاء سخر من الناس([6])، وذلك في قوله تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }([7]).

ثانياً : السُخرية اصطلاحاً/ هي النقد الضاحك أو التجريح الهازئ([8]). والسُخرية قديمة قدم الإنسان ؛لأنها تكون ترويحاً عن النفس أو تسرية عن القلب، استنكارا لما يقع ، أو هزؤاً أو تندراً بالخصم([9]).

وقد تكون في بعض الأحيان سمة دالّة على قمّة اليأس وطريقة غير مباشرة في الهجوم ، فالمزاح يشمل النوعين : التفكه والسُخرية أي الإضحاك واللذع ويكون المزاج في أول أمره لإشاعة جو المرح الضّاحك بين الجالسين ولكنه كثيراً ما ينقلب في النهاية إلى سُخرية يتضرر منها بعض الأفراد وقد يعقبها الشجار([10]) ففي السُخرية لين أشبه بلين الأفاعي ، والساخر أفعى ليس له صوت حين يسير أو حين يسخر ولكنّه يقتل بسخريته([11])، وغرض الساخر هو النقد أولاً والإضحاك. ثانياً : وهو تصوير الإنسان تصويراً مضحكاً أما بوضعه في صورة مضحكة بوساطة التشويه أو تكبير العيوب الجسميّة أو العضويّة أو الحركيّة أو العقليّة أو ما فيه من عيوب في أثناء سلوكه مع المجتمع ، وكل ذلك بطريقة خاصة غير مباشرة([12]). وقد ترجع السُخريّة إلى عداوة بينه وبين الشخص الذي ينقده لسبب من الأسباب التي تنجم عن الاحتكاك الدائم بين الناس ؛ لغرض الانتقام ، وتعود أيضا إلى تعالي شخص ناقص لا يحس ما فيه من نقص فيضطر الأديب الساخر إلى أن يرده إلى صوابه أو إلى منطقه([13]) ، وقد تتولد عن تعالي الشخص الساخر نفسه ؛لشعوره بالغرور ، فهو لا يفتأ عن نقد ما في المجتمع من نقائض أو مفارقات .

 وقد تكون نابعة من حساسيّة الناقد نفسه([14])، وقد ترجع إلى الرغبة في السُخريّة من الآخرين إلى استعداد الفنان المزاجي الذي يكون ذهنه مهيّأ دائما إلى التعريض بالآخر والسُخرية من الناس ، مع انتفاء دافع شخصي معيّن ، يدفعه إلى ذلك ، ويمكن أن يصل حد هذا الدافع إلى أن يكون الشخص نفسه ميّالا إلى الشر بطبعه([15]).

المحور الثاني :ومضات من حياة الشاعر أحمد الصافي النجفي

هو أحمد بن السيد عليّ صافي بن قاسم بن محمّد بن محمود بن احمد بن عبد العزيز الصافي الموسوي ولد في النجف عام ( 1314هـ ـ 1897م)([16]).

يعد من أشهر مشاهير شعراء العرب ، شخصية فذة وأديب حساس وإنساني معروف وهو من أسرة نجفيّة عريقة اشتهرت بالعلم والوطنية والأدب من أبٍ عراقي وأمٍ عامليّة النسب في لبنان وجدهم الاعلى السيد عبد العزيز بن السيد احمد كان من أعلام عصره.

نشأ الصافي في النجف ولما بلغ الخامسة أرسله والده إلى الكتّاب ليحفظ القرآن الكريم وبعد سنتين  تعلم الخط يقول الصافي: (( كانت والدتي توقضني رحمها الله بعد صلاة الفجر وأنا في لذيذ النوم وتلزمني بمراجعة الدرس تحت إشرافها غير مكترثة بضعفي حيث كانت ووالدي يحرصان على إعدادي إعداداً يكفل أن انهج نهج جدي لأبي وامي في تحصيل علوم الدين وأن بلغ ما بلغاه من مراتب اجتهاديّة))([17]). وعندما بلغ العشرين من عمره سافر إلى ايران جرياً على إرادة نفسه فمكث في شيراز ما يقارب العام ثم رجع إلى النجف وهنا وجد الآراء قد اتجهت إلى العمل في السياسة نظرا للارتباك الذي أصاب الاتراك([18]).

أساتذته :درس الصافي على يد مشاهير العلماء منهم : السيد ابو الحسن الاصفهاني الموسوي المتوفى سنة 1365هـ ، والشيخ محمّد رضا المظفر المتوفى سنة 1375هـ والسيد حسن الحمامي المتوفى سنة 1379هـ ، والسيد عليّ زوين وغيرهم([19]).

نتاجاته الأدبية : مجموعة دواوينه المنشورة وعددها خمسة عشر ونشر معظمها في بيروت ودمشق ومن أبرزها([20]): ((الأمواج)) ، ((أشعة ملونة)) ، (( الأغوار )) ، (( التيار)) ، (( الحان اللهيب)) ، (( هواجس )) ، (( حصاد السجن)) ، (( شرر )) ، (( الشلال))، (( اللفحات )) ، ((ومضات )) ، ((المجموعة الكاملة لأشعار أحمد الصافي النجفي غير المنشورة))، ((القصائد الأخيرة))، وترجم شعرا قصائد عمر الخيام التي يطلق عليها بـ ((رباعيات الخيام )) وله كتاب نثري قيم عنوانه ((هزل وجد )) وهو فكري ـ اجتماعي ـ ساخر ومعبر عن شخصية وأفكار مؤلفه([21]).

وفاته : توفي الصافي وهو في الثمانين من عمره في بغداد يوم الاثنين التاسع من رجب 1397هـ المصادف يوم 27/6/1977م، ونقل إلى النجف ودفن في مقبرته الخاصة([22]).

     المبحث الثاني :مضامين السُخرية في شعر أحمد الصافي النجفي

أوّلاً : المضمون الاجتماعي: لكل مجتمع عيوبه وأمراضه وهي ليست جرائم يعاقب عليها القانون وأغلبها لا تصلحه سطوة القوى السياسية([23]).

 والشاعر بما يمتلكه من عاطفة جيّاشة وشعور عميق هو أول الناس احساساً بتلك العيوب والأمراض وبذلك الخطر الذي يهدد مجتمعه ؛لذا فقد كان لزاماً عليه بأن يسلّ سيفه ويشهره في وجوه المتمردين الخارجين عن العرف والمشوّهين للشكل العام مرتكنا في ذلك على السُخرية اللاذعة التي يصوغها في أسلوب فكاهي أملاً أن يجديَ هذا الأسلوب ويثمر في أولئك الفالتين ومن فئات المجتمع التي وجه الشعراء إليها فكاهتهم وسخريتهم الأطبّاء([24])، ومهنة الطبيب كما نعلم كانت بدائيّةً ذات امكانات محدودة ووسائل فقيرة لذا كان من الطبيعي بأن يكون أصحابها محل سُخرية الشعراء ومن شعر أحمد الصافي الانتقادي الساخر والمعبر قال :

يقول لي الطبيبُ وقد رآني أَلا قُلْ لي جُرحْتَ بأي حربٍ متى يرجو العليلُ شفاءَ سقمٍ جريحَ القلبِ واليدِ واللسانِ فقلتُ جُرحْتُ في حربِ الزمانِ إذا التجأ الطبيبُ إلى الدهانِ([25])

يعبّر الشاعر في الأبيات المتقدمة عن سخريته من الطبيب الذي سأله بأي حرب جرحت القلب واليد واللسان فأجابه الشاعر بسُخرية جرحت في حرب الزمان أي أنّ الزمن هو الذي جرحه وفي البيت الثالث يستفسر الشاعر متسائلاً كيف سيشفى هذا المريض ؟إذا كان الطبيب يلجأ إلى الدهان.

ومن المهن التي كانت محط سُخرية الشعراء ومناط فكاهتهم مهنة الحلّاق إذ يقول الشاعر أحمد الصافي النجفي عن مهنة الحلّاق :

جلستُ للحلاق يو أطرقتُ بالرأسِ لهُ فقصّ مني الشعر ماً جلسةَ المؤدّبِ إطراق رأسِ المذنبِ قصّ الحاذقِ المجرّبِ([26])

والشاعر يريد أن يقول: أن لكل شيء نهاية فلا داعي للتظاهر والافتعال فإنك مهما أخفيت الحقيقة فإنها لا محالة ظاهرة وإذا كانت السُخرية، هنا يشوبها الألم وتبتعد عن الضحك فإن الشاعر استطاع أن يبرزها من خلال الصور الفنية التي جاء بها عبر الأبيات فيقول:

أرى الآلامَ قد ألِفَتْ كياني بجسمي ساكنٌ ألمي وروحي وصار لها بهذا الجسم نزلُ وكلٌّ عن أخيه منتقل([27])

فالشاعر في هذين البيتين يرى بأنّ الآلام قد سكنت جسمه وروحه ولم تعد تفارقه فقد استقرّت فيه. وقد يصل الأمر إلى أن ينبذ المجتمع شخصاً ما حتى ليعرف عنه ويشتهر بين الناس بأنه سبب كل خطب وأساس كلِّ بليّة ويصبح رمزاً لكل شؤم ؛فينفر منه الجميع كأنه عدوى من ذلك يقول الشاعر عن النمّام الذي يؤذي الناس بلسانه:

رأيتُ الكذبَ نقصاً غير أنِّي فلو أبغضتَ أهلَ الكذبِ طراً أراهٌ شائعاً في كلِ جنسِ لأبغضتَ الورى طراً ونفسي([28])

فالشاعر هنا ينبذ الكذّاب وينفر منه، وهو يستمع إليه ويعده مكروهاً وهذه الصفة توجد لدى بعض أفراد المجتمع.

ومن الموضوعات التي انتقدها الشعراء ظاهرة الجهل لدى بعض الأفراد الذين ليس لهم جدوى في المجتمع ولا يرتجى منهم نفع مما يجعلهم عبئاً ثقيلاً على مكوناته  إذ نجد ذلك في قول الشاعر النجفي :

وذي جهل أدار لنا قفاه فلِمَ نغضبُ أنغضبُ من حمارٍ؟ وظل مسمّراً مثل الجدار يدرُّ قفاه أو شبه الحمار([29])

فالشاعر هنا يشبِّه الجاهل بالجدار الذي لا يسمع شيئاً ولا ينتفع منه شيء ،فهو لا يعمل ولا يتحرك ويسخر من الجاهل في البيت الثاني في تشبيهه بالحمار الذي لا يبالي في كل شيء.

وتبدو روح الفكاهة لديه حينما يصف فرحة العمال في أثناء كدهم وشقائهم وينبذ المترفين في البيت الثاني ؛ لأنّهم لم ينعموا بلذّة العمل وفي ذلك يقول شاعرنا:

سروري برزقي حسبما فيه من جهدِ فدع لجموعِ المترفين شقاءهم فلم أرَ كالعُمّالِ من فازَ بالسّعدِ فقد حرموا من لذة العيش بالكدِ([30])

وهنا يصف الإنسان المجتهد في عمله بأنّه سوف يحصل على ثمرة جهده على العكس من العاطل الذي لا يعمل فلا يحصل على شيء.

كما أنّ غياب العدالة الاجتماعيّة في بعض الأحيان يعد من الأمور التي ينتقدها الشعراء حتى أنك تجد غنىً فاحشاً وفقراً مدقعاً، وأحياناً تجد تفاوتاً نسبياً في الأحوال فهناك ذو الجاه والترف وهناك المكدود المتعب الذي يعاني من ذلك([31]) ،إذ يقول الشاعر في السُخرية من الفقر:

قد اخترتُ منذ القدمِ عيشَ التشردِ وما زلتٌ فيهِ رغم ما نلتُ من غِنى لفقري وللفوضى وحبِ التجردِ فليسَ فيه أضحت لذّة المتعودِ([32])

يعبِّر الشاعر في هذه الأبيات عن الحياة التي كان يعيشها وهي حياة التشرد والفقر على الرغم من الغنى الذي كان عنده إلا أنه كان يحب حياة يسودها التعب والفقر؛ لأنّه تعوّد عليها حتى أصبحت طبعاً فيه لا يتغير ، حتى أنّه يصف حالته المعيشيّة وفقره ما آلت إليه نفسه من البؤس وما يعانيه من آلام وهو وحيد لا يزوره أحد ، فيقول:

أحاط بي الإفلاس من كل جانبِ وقد هان إفلاسي من الفلس وحده وليسَ يموتُ البائسونَ بسرعةٍ فاصبح ملءَ العينِ والسمعِ والقلبِ ولكنني أفلستُ حتى من الصحبِ لأنّ حياةَ البؤسِ شرٌ من الموتِ([33])

ومن السلوكيات المضادة للمجتمع الغفلة وهي ضرب من الغباء أو البلادة ونقص الذكاء والجهل بصواب الأحكام وسلامة التعبير من هنا كان الغباء من بواعث الضحك إذ يقول الصافي في ذلك:

وغبيُ سميتهُ أستاذاً قيل هل رمت رفعه قلت لكلا وهو من جهلهِ من الأفذاذِ رمتُ إسقاط كلمة الاستاذِ([34])

إنّ الشاعر في هذين البيتين يطلق على الغبي بالأستاذ وهو ليس له من العلم بشيء.ومن صور السُخرية وصف الشعراء لبعض المنازل والحجرات التي باتوا فيها للضرورة واضطروا لمعاينتها ومن ذلك يقول الشاعر في وصف غرفته التي كان يعيش فيها:

أكافحُ البردَ في سراجٍ في غرفةٍ ملؤها ثقوبٌ يسكنُ فيها بلا كَراءٍ يكاد من ضعفه يموتُ أو شئتَ قلْ ملؤها بيوتُ فأرٌ وبقٌ وعنكبوتُ([35])

في هذه الأبيات نجده يصف الغرفة بأن فيها ضوء خافت يكاد أن ينطفئ وتملأ الغرفة ثقوباً كثيرةً وفيها وكر للفأرِ والبقِ والعنكبوتِ ثم يقول عن العنكبوت:

مشتغلٌ بالنسيج عني فكم بها صادَ من ذبابٍ ينسجُ فوقَ الثقوبِ بيتاً يبني شاكاً بها حميتُ قد كنتُ في أمرهِ عييتُ بهِ من الشمسِ قد وقيتُ([36])

في هذه الأبيات يتحدث عن العنكبوت وكيف يحتمي الشاعر  بنسيجه من أشعّة الشمس.

ثانياً :المضمون السياسي:

يقوم شعر الفكاهة والسُخرية في بنائه على مقوم يخالف تصورات الناس عنه فكثير من الناس يرون في شعر الفكاهة والسُخرية ملهاة وتسلية إذ لم يرتق في نظرهم إلى طبيعة الشعر الجدي ، الذي يصلح للتعبير عن هموم المجتمع ومشاكله([37]).

وهذا النوع الذي اقصده هو الشعر السياسي([38]) الذي يثور على الأنظمة الحاكمة الفاسدة ويهدم المعتقدات الحزبيّة السائدة التي لم تعد تتناسب مع قطاعات المجتمع ولا تلبي ميوله ولا تعبر عن آرائه وفي الوقت نفسه يناصر المعتقدات والآراء التي يراها من وجهة نظرة مسالمة صحيحة.([39])

وللصافي شعر كثير في السياسة وقد نظم أبيات شعريّة في فجر الحكم الوطني عندما أحسّ بأنّ المستعمر استطاع بأن يتملك هذا الوطن فعبّر بهذه الأبيات عن شكوى العراق من الظلم والفقر إذ يقول:

ما للفرات يسيل عذباً سائغاً الفقرُ أحدقَ في بنيه وإنّما النفطُ يجري في العراقِ ومالنا عجباً وشرب بني الفرات أجاجُ ماء الفرات العسجد الوهّاجُ ليلاً سوى ضوء النجوم سراجُ([40])

في هذه الأبيات يبين الشاعر بأنّ العراق غني بخيراته الوفيرة التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليه ؛لكن بسبب السياسات المتعاقبة من قبل الحكومات التي فرضت الأحكام الصارمة على المجتمع العراقي جعلتهم يفتقرون إلى كل موارد العيش من الطعام والكهرباء ، والماء الصالح للشرب ،وغيرها.

كذلك للصافي أشعار يبين فيها ظلم الحكومة والشعب معا من ذلك يقول:

دافع الشعب بالحكومة أن يظلمك واحذر لكل فالحكومة بنت الشعب فالحكومات مثل أشواك سم أصلحوا خلقكم لتلغى الحكومات وادفع بالشعب ظلم الحكومة خلقاً والشعب أم ظلومة انبتتها أرض الشعوب الوخيمة وعيشوا ذوي قلوب سليمة([41])

فالشاعر يرى هنا بأنّ الشعب هنا يناصر الحكومة ويدافع عنها كما أن الحكومة أيضاً تناصره وتدافع عنه فإن كليهما واحد؛ لذلك يجب الحذر من الشعب والحكومة معاً ؛لأنهما ظالمان لذلك يدعو الشاعر الشعب إلى الابتعاد عن الحكومة ؛لأنها مثل أشواك السم تبث سمها في الشعب كما إنّه يدعوهم إلى الإصلاح ؛لكي يعيشوا في وطن يسوده الأمن والاستقرار.

ونجد بأنّ الشاعر احمد الصافي يسخر من النائب الخائن فيقول:

أضحى خداعك لا يغر بصبغهِ وغدا كتابك في السياسة فأرى في قاعة النادي خطابك قد دوى يا جاعل القانون حجة حكمه فاصبغ خداعك في صباغ ثانٍ ما فيه من شيء سوى العنوانِ فحبست تصفيقاً صدى الأركانِ هلا درست شريعة الوجدانِ([42])

وللشاعر احمد الصافي النجفي أشعار يسخر فيها من المستعمرين الذين احتلوا الوطن كما أنه يصور بعضاً من الأفراد الذين خدعوا الشعب باسم الوطن فيقول الشاعر في خداع الشعب:

خدعوا جندنا بزاهي اللباس إنّ سراق موطني قد تردّوا واستمالوا اشرافنا بالكراسي بلباس الحفّاظِ والحرّاسِ([43])

هنا يعبّر الشاعر عن الذين يرتدون ملابس عسكريّة ويجلسون على الكراسي وما هم إلا أعداء الوطن الذين يقتلون أبناءه ويستبيحون دماءه وشرفه فكان الشاعر يحاربهم بشعره ويسخر منهم.

ثالثاً: المضمون الأخلاقي:

تنهض الأمّة بأخلاق أبنائها وتتخلف بتراجع هذه الاخلاق ووهنها إذ الأفراد في المجتمع يسيرون في ركب واحد فإذا تعثّر أحدهم تأثّر بذلك المجتمع([44])، لذلك فإن عيباً أخلاقياً يصدر من شخص ما يقابل باستهجانه من قبل أقرانهِ في المجتمع إذ يقول أحمد الصافي :

عندي عيوب بنفسي سوف أظهرها لأنّ إخفاءها مكرٌ وتدجيلُ([45])

ويرى الشاعر في هذه الأبيات بأنّ في نفسه عيوباً عليه إظهارها إلى الناس لا أن يخفيها عنهم ؛ فكل انسان فيه عيب إذ يعد الصافي إخفاء العيوب مكر ودجل.

وإذا كان القانون لا يعاقب الأفراد على هذه العيوب الأخلاقيّة والنفسيّة؛ وذلك لأنّ ضررها الظاهري أو المباشر لا يتعدى صاحبها إلى الآخرين فإنّ السلاح الأنسب للتقليل من هذه العيوب هو الفكاهة والسُخرية من هذه المثالب والاخلاق([46]) إذ يرى الشاعر أنّ البخلَ شيءٌ فطريٌ يجري في دم الإنسان وعروقهِ فيقول:

ظهرتَ بقبح البخلِ والفقرِ في الورى بخلتَ ولم تملكْ سِوى كلِ تافهٍ ويسترُ قبحُ الفقرِ جودٌ بلا منّ فبخلك لم يفقر وجودك لا يغني([47])

يهجس في خاطر البخيل بأنّ الناسَ تريد افقاره وتتمنى زوال نعمته وتحتال عليه ؛لتسلب أمواله فالبخل داء عضال  يحرم صاحبه من استنشاق نسيم الدنيا والتلذذ بخيراتها بل يجعله في اضطراب مستمر من أجل التفكير في كيفية جمع الأموال، ونموها وكنزها ليحرم نفسه ومن حوله من التمتع بها والإفادة من قيمتها.

ومن أخطر الأمراض النفسيّة الحسد ،وهو كما نعلم تمني زوال نعمة الغير والإنسان الحسود يعاني دائماً من صراع نفسي في الحياة ومن الأشخاص ، فهو  في صراع مكبوت لا يظهر أمام الآخرين إلا قليلا([48]).

لكنّ صاحبه لا ينجح دائماً في التخفي، فهو معروف بين الناس ومنبوذ منهم في الوقت نفسه يقول الشاعر عن الحسد:

عطفتُ على الحسّادِ لمّا رأيتهم يذبون عجزاً منهم عن إذابتي ففي كل يومٍ لي حياةٌ جديدةٌ إذ يبدي رغبته بقتل الحسود : وأن أرغبَ مدى عمري لقتلٍ يموتون غيظاً بانتظار وفاتي ويهوون ذاتاً من ترفعِ ذاتي تجدد للحساد ألف مماتِ([49]) فغايةُ رغبتي قتلَ الحسودِ([50])

ومن الموضوعات التي يأنف منها الشاعر النفاق والفضول إذ يقول الصافي فيه:

يقول، ولم يشركه في القول قلبه ويحكي ، فلا يصغي إليه ؛ لأنّه فلان يؤذي السامعين فضولهُ يقول بقلبٍ منكرٍ ما يقولهُ([51])

وهذه الخصلة أي خصلة النفاق قوامها التظاهر والاصطناع إذ يظهر المنافق أمام الناس دائماً بقناع يخفي عنهم وجهه الحقيقي وكذلك فهو يجيد صناعة جلدٍ غير جلده حتى إذا خلا بنفسه أو بطائفةٍ نزع ذلك الجلد الزائف وأظهر الوجه البشع فالمنافق يقول بلسانه شيء وفي قلبه شيئا آخر([52]).

واللؤم والسفالة من الخصال المشينة التي تعرض صاحبها للازدراء والنفور ولذلك يقول الصافي:

لئيم تناهى في الوقيعة والأذى يفكِّر في الأضرار لؤماً بغيره إذ يسند للزمان صفة اللؤم والسفالة: هذا الزمان اللئيم يحوجنا فأضحى يحار الفكر في فهم جنسهِ أشد من التفكير في نفع نفسهِ([53]) إلى لئامٍ فلا نطاوعه([54])

فاللئيم يفكر في أذى الآخرين أكثر من فائدتهم.

ومن المضامين الأخرى الحذلقة([55])، وهي أن يظهر الإنسان حذقه ومعرفته وكثيراً ما يجره هذا إلى أن يتظاهر بأكثر من قدرته وهذا باب من أبواب الفكاهة والسُخرية ؛لأن الحذلقة مشوبة في نظر الناس بالغرور أو بالتناقض أو الجهل أو الادعاء يقول الشاعر احمد الصافي عن الكبرياء والغرور:

كم كبرياء غرور ورب جبار قوم سحقت باستكباري أذللت في اشعاري([56])

الشاعر في هذه الأبيات يتحدث عن الغرور فيقول كم من متكبر ومغرور سحقته باستكباري وكم من قوم أقوياء أذللتهم بشعري.

 ومن صفات السُخرية أيضاً ثقيل الظل بارد الروح صفيق الوجه يكره الناس لقاءه ويمجّون حديثه ويفرون في مخالطته ولكنّهم لا يضمنون لأنفسهم النجاح دائماً فكثيراً ما يهبط عليهم سمجاً ثقيلاً فيرنق صفاءهم فقد يشعر الإنسان بهذا الثقيل بمجرد رؤيته لإنسانٍ ما أو لمجرد مصاحبتهم إياه أو غير ذلك فها هو الشاعر احمد الصافي يسخر من ثقيل الظل قائلاً:

ربّ ثقيلِ الظلِ بين الورى وسائل النقل أبَت حمله يكلف الناس أحاديثه إلى أن يقول: لقد تساوى الطبعُ في جسمهِ لو يرتقي الأطوادَ تستثقله لأنها تكسّر إذ تنقله يجيب كما لم تكن تسأله([57]) كأنّ أعلى جسمه أسفله([58])

يعبر الشاعر عن ثقيل الظل بصورة مضحكة بأنه ثقيل الجسم يصعب حمله حتى أن وسائل النقل تكسّر إذا نقلته ؛بسبب فضاضته؛ فيقول في آخر البيت إن ثقل طبعه تساوى مع ثقل جسمه.

رابعا : المضمون الخِلقي:

يدور حول الفكاهة والسُخرية من جسد الانسان ومظهره الشكلي في حالة شذوذ عن المألوف مما تعارف عليه الناس في حياتهم ((ان العيوب الجسمية والمظهرية من أهم موضوعات السخرية وأكثرها رواجاً لدى الكتّاب والشعراء وتبدو لك العيوب أكثر ما تبدو في الوجه))([59])، يقول الصافي في قبح الوجه:

ربّ مليحٍ قد أتى حاملاً ترى سوادَ الفحمِ في وجههِ فحماً كليلٍ وهو كالنجم ينبيك أنّ الماسَ في الفحم([60])

وما دمنا نتحدث عن الوجه الذي يعد مناط الزينة أو القبح فلابدّ أن نعرج على اللحية باعتبارها من الوجه وقد دخل الشاعر إحدى المقاهي فرأى شباباً يجلسون مع سيدات ، وكانت لهم لحىً مختلفة الاشكال فسأل عنهم فقيل له هؤلاء شعراء  الشعر الحر، فسأل عن لحاهم الغريبة فقيل له هذه لحىً فنيّة ! فطلب أن يسمع شيئاً من شعرهم فلم يفهم منه شيئاً ، فقال:

وصادمين بأشكال اللحى نظراً تحار أفكارنا في فهم شعرهم وشعرهم يهدم الأسماع يلطمها أشعارهم كلحاهم ليس نفهمها([61])

وقد خصّ الشعراء اللحى الطويلة بالسُخرية واعتقد أنّ وراء ذلك تاريخاً من التجربة يتعلق بأصحابها وسلوكهم الاجتماعي وان لم يشر الساخر صراحة إلى ذلك:

يا لحيةً أشبه شيء بالدجى كأنّها مكنسةٌ مقلوبةٌ تكونُ في الصيفِ له مروحةٌ كأنّه إذا مشى سفينةٌ كأنّهُ في الطولِ (برج إيفل) ظلّ بها صاحبها وما اهتدى قد رفعت وقده لها عصا ذاهبةٌ جائيةٌ وسط الفضا وهي له مثل شراع في الهوا وهي له كغرفة فوق الذرى([62])

فهذه اللحية كثيفة جداً لدرجة أنّ الشاعر حاول بأن يكتشف وجه صاحبها الذي تحوّل إلى نكرة وقبح هذه اللحية فيه والأدهى من ذلك أنها صارت مثل المكنسة إذا مشى تنظف وتزيل ما في طريقها من تراب وغيره حتى أنّك تجد غباراً يعبئ الجو من حول ذلك الرجل ويالها من صورة كاريكاتورية مضحكة لا تنقصها سوى الريشة والألوان، ولكنه أوغل كثيراً في تشبيهاته بـ(كأنّ التي تفيد التشبيه) .

ومن العاهات المضنية لصاحبها العرج وينتج عن الابطاء في الحركة والمشي؛ لذا فصاحبه يكون محل نظرات الجميع([63])

وها هو الشاعر أحمد الصافي النجفي يقول:

وأعرج الرجل ، كثير الخطى يود من جربه مرّةً للشر تسعى رجله الجانيّة تكسّر منه رجلَه الثانية([64])

من البديهي بأنّ الإنسان يثبت شعره حينما يبلغ من الكبر عتيا وفي تلك الحالة ليس عليه شيء سوى التسليم بقضاء الله ؛فالشيب يكسب صاحبه وقاراً وإجلالاً :

يقول الشاعر ساخراً من الشيب:

بدا مشيبي وجفا حبيبي لم يبق لي من الشباب شيء ونام من بعد العنا رقيبي عندي سوى الضحك على المشيب([65])

والحقُّ أنّ السُخرية هنا لا تعد سُخريةً بالمشيب بقدر ما تعد سُخريةً بنظر الشاعر إلى ذلك الشيب وقد تشتمل اللوحة على أكثر من عيب خلقي مثلا كالطول والقصر عند بعض الناس يقول الصافي:

تأتي العمالق أفكار عمالقةٍ والقزمُ تأتي له الأفكار أقزاما([66])

خامساً : المضمون الكوني

تميّزت الطبيعة بجمالها الساخر وجوها الخلّاب لذلك لم يكن غريباً ان نرى الشعراء يتغنون بجمال الطبيعة محاولين أن يكتشفوا أسرارها وأن يظهروا  مشاعرهم من خلالها([67])، لكن الغريب أنّ بعض الشعراء سخروا من بعض مفردات الطبيعة وعناصرها من ذلك سُخريّة الشعراء من الليالي وطولها يقول الشاعر عن الليل والهم:

يا صبحٍ أطلقني من أسر الدجى طريقُ روحي في النهار مزهرٌ إذا دجا الليلُ دجا قلبي به كأنني في الليل فلكٌ تائهٌ يهنا الورى فيه ولي فيه الشجى ويملأُ الليل طريقي عوسجا وسدّ في وجهي أبواب الرجا أخوض في بحر الظلام اللججا([68])

في هذه الأبيات يخاطب الصبح بأن يطلقه من أسر الليل الذي ينام فيه العباد وتكثر فيه الهموم فهو يرى بأنّ النهار طريقٌ مضيءٌ والليلَ طريقٌ مظلمٌ وإذ كان الناس يرون الشمس مصدرا للدفء وإشعاعاً للنور والحياة وللأمل فهناك من الشعراء من يرى غير ذلك وها هو الصافي يسخر من الشمس فيقول:

أيها الشمس أغمضي العين عني أنت تبدين بالضياء لي عوناً سيغطي على ضيائك نوري إنّ نوري يفوق نورك وقدا غير كوني فأحسبُ الكونَ لحدا وعيوني تحيل عينك رمدا([69])

فهو في هذه الأبيات يسخر من الشمس فيناديها بالعمى بأن نور عينه يفوق ضوء الشمس ويخاطبها قائلا أنكِ تبدين بالنهار لي كوناً والواقع إنّه أمر محير بأن يسخر إنسانٌ من الشمس بهذه الطريقة مخالفاً انطباعات عامّة الناس عن هذه النعمة التي أنعمها الله على عباده ، وقد خاطب شاعرنا الشمس بأيّها خلافاً للشائع والمألوف في مناداة المؤنث بـ(أيّتها) ؛ للضرورة الشعرية.

 وقد نالت الطبيعة الحيّة قدراً من اهتمامهم وطالتها دعابتهم الساخرة وأقصد بها الحيوانات التي كثر تداولها واستعمالها في البيئة فالشاعر هنا يسخر من صوت الديك ويشبهه بصوت الحمار فيقول:

يا مشتكي صوتَ ديكٍ ديكي يصيحُ دوماً في ليلكم والنهارِ لكن بصوت حمارِ([70])

كما أنه يسخر من الكلب قائلا:

أحبُ الكلبَ واسمُ الكلبِ بل من وقالوا فيم نار الغيظ تذكو فقلتُ؛ لأنّهم أعطوه شأناً دعاه الناسُ عند السبِ كلبا إذا الإنسان باسم الكلب سبّا على ما يستحق سما وأربى([71])

وهناك حيوانات كثيرة يسخر منها الشاعر منها الفأر يقول:

وربة فأرة بالقرض ليلاً إذا شعرت بيقظتي استكنّت فتحرمني الرقاد مدى الليالي متى ما رمت نوماً اقلقتني وإن شعرتْ بنومي أيقظتني وحرمان الرقاد يهدُّ ركني([72])

نرى في هذه الأبيات سُخرية الشاعر من الفأرة فهي من كثرة القرض في الليل لا تدعه ينام هنيئاً وانما تيقظه وعندما يستقيظ تستكين وتختفي.

سادساً :المضمون الشخصي

جرت العادة بأن يتفكّه الشاعر بمن حوله؛ لكنّك قد تصيبك الدهشة والذهول حينما ترى الأمور قد انقلبت فترى الشاعر يتفكّه بنفسه في أسلوب تهكمي يضحك من حوله عليه وعلى فكاهته([73]) والتهابل في رأي أحدهم شعر فكاهي خالص يعتمد فيه الشاعر إلى اضحاك الناس ولكن الضحك يكون من الشاعر نفسه في أغلب الاحيان لذلك يقول عن البلاهة:

بلهاء داء الفقر أفسد عقلها لبست رداء ضم الفي رفعة فتبالهت نفسي لأ فهم سرها وسألتها هل تبتغين درهماً سكتت كأني كنتُ أعني غيرها وغدت تقول :أريد ثوباً ساتراً والفقر يفسد أنفساً وعقولا كخريطة قد شكِّلت تشكيلا والبله تفهم مشبّهاً ومثيلا أو مشرباً تبغين أومأ كولا؟ وردّتْ وأعينها تفيض ذهولا حسبما كسته يد السقام نحولا([74])

يتحدّث الشاعر في هذه الأبيات عن فتاة فقيرة كئيبة تجلس بزاوية الطريق وهي ترتدي ملابس مرقعة الف رقعة كأنها خريطة فسألها هل تريدين درهماً أو طعام؟ فتبالهت وكأنه يسأل غيرها فقالت له أريد ثوباً جميلاً ساتراً.

والحق أن هناك ظاهرة عامة نتلمسها في شعر هؤلاء الشعراء ألا وهي ظاهرة شكوى الفقر التي تستحق منّا التأمل والدراسة فقد تهكّم بعض الأدباء ؛لذلك نجد الشاعر يعبر عن الفقر بالمال والمأكل والملبس فيقول:

رجوت الله يسعفني بمالٍ تعوّدتُ مرّ الطعمِ عيشاً ومشرباً لأسعفَ كل محتاجٍ فقيرِ([75]) فأصبحتُ لا يحلو لديّ سوى المرِّ([76])

ويقول عن الأزياء:

لقد كان زي في البساطة بالغاً فيحسبني الجهال أجهلَ منهمُ ينادي بأني لم أكن من ذوي الفهمِ ويبصرني ذو العلمِ فوق ذوي العلمِ([77])

ويتحدث عن التغافل فيقول قد يكون الشخص عاقلا أديباً ؛ لكنه يتغافل أو إنّه ذو غفلة كقول الشاعر احمد الصافي عن الغفلة:

عاشق أنت ، لست تدري بحالك خلت هذي صداقةٌ، فتيقّظ لم يمر الغرام يوماً ببابكْ كيف يغدو الصديق مل خيالكْ([78])

كما أنه يتحسر على شبابه وأيّامه التي ذهبت من دون رجعة لذلك يقول:

آهٍ لأيامي التي ذهبت تبكي عليها غير فاترة حيث الهوى والإلفُ طوع يدي هل راجعات بيض أيامي مني العيون ، وقلبي الدامي والسعد من خلفي وقدّامي([79])

وهو في هذه الأبيات يتمنّى العودة إلى أيّام الشباب ويحن إليها إذ كان ينعم بالحب والسعادة والهناء من خلفه وامامه كما أنه يقول في الفشل:

كلٌ لهُ أملٌ يحيا ليدرِكهُ خيطٌ ضعيفٌ من الآمالِ كنتُ     الخاتمة فكيفَ بي وأنا أحيا بِلا أملِ بهِ معلقاً قطعته أنملُ الفشلِ([80])
  • كانت لفظة السُخرية قديما كفكرة تدل على معنى الإضحاك والتندر والفكاهة.؛ إلا أنّ النماذج الشعريّة التي عثر عليها الباحث في العصر الجاهلي لم تكن كافيّة ، بل هي أبيات مفردة .
  • لقد تطوّرت هذه اللفظة في العصر الحديث لتحمل بذلك دلالات متنوِّعة حتى أضحت تشتمل على الاستهزاء والسُخرية بالمثالب والأنساب وغيرها.

2ـ معنى السُخرية في العصر الإسلامي والاموي والعباسي كان مشابها لما سبقه فكان يدور حول الاستهزاء بالآخرين ونقد المجتمع والواقع السياسي والعيوب الخَلقية والخُلقية ولم تقتصر السُخرية على الأشياء الآنفة الذكر بل تجاوزته إلى السُخرية الشخصية.

3ـ تبدو السُخرية ظاهرة واضحة المعالم في حياة الشاعر وميادينها المختلفة التي تبلورت في أغلب أشعاره فكانت دواوينه تجارب نفسية حقيقية عبر عنها بسُخرية وانفعال فالصافي إنسان يحب السُخرية في كل شيء من مأكلهِ وملبسهِ ومسكنهِ.

4ـ إن السُخرية عند الشاعر احمد الصافي النجفي كانت مختلفةً كثيراً عما ذكرناه في العصور السابقة فكان شديد السُخرية ؛لأنّ السُخرية لديه كانت وسيلةً من وسائل الانتقام فكان منعزلاً يحب الوحدة والهدوء وكان يسخر من الآخرين بقسوة منقطعة النظير.

5- من المضامين التي برزت لدى الشاعر أحمد الصافي النجفي في خضم هذا الموضوع:(المضمون الاجتماعي والمضمون السياسي ، والمضمون الأخلاقي ، والمضمون الخلقي ، والمضمون الكوني والمضمون الشخصي ).

 

مظان البحث الرئيسة

أوّلاً المصادر والمراجع:

خير ما أبتدئ به القرآن الكريم.

  • الأسدي ، حسن :ثورة النجف على الانكليز ، منشورات: دار الحرية للطباعة، ط1 ، بغداد-1978 م.
  • الإفريقي ، المصري ابن منظور(630ـ 711هـ) :لسان العرب ، دار احياء التراث العربي ، بيروت للطباعة والنشر والتوزيع ، المجلد السادس، الطبعة الأولى 1408هـ ـ 1988م.
  • أنس ، وئام محمد سيد أحمد :الفكاهة والسُخرية في الشعر المصري في العصرين الفاطمي والأيوبي ، دراسة موضوعية فنية ، مؤسسة الانتشار العربي ، لبنان، بيروت – 2007م.
  • ابن برد ، بشّار: ديوان بشار بن برد ، تحقيق :محمد الطاهر بن عاشور ، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر سنة الطبعة 1386هـ 1966م.
  • ابن برد ، بشّار، ديوان بشار بن برد ، شرح: حسين حمودي : المجلّد الثاني ، منشورات : دار السعادة القاهريّة (د.ت).
  • أبو تمّام ،ديوان أبي تمام : الدكتور محي الدين صبحي ، المجلّد الثاني ، دار صادرـ بيروت.
  • التميمي، جعفر صادق حمودي :معجم الشعراء العراقيين ، شركة المعرفة للنشر والتوزيع ، الطبعة الأولى سنة 1412هـ .
  • ابن ثابت ، حسّان :ديوان حسان بن ثابت ، منشورات :دار صادر بيروت.
  • الجبوري ، كامل سلمان :معجم الشعراء من العصر الجاهلي حتى سنة 2002م المجلّد الأول منشورات محمد علي بيضون ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الأولى 1424هـ ـ 2003م.
  • حسين ، السيد عبد الحليم محمد :السُخرية في أدب الجاحظ ، منشورات :الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع.
  • حسن ، ديب علي : ديوان دمشق(من أجمل ما قيل في دمشق الشام) ، مراجعة: منذر الحايك، منشورات: دار صفحات للطباعة والنشر ،ط1،دمشق -1988م .
  • الحطيأة :ديوان الحطيأة ، الدكتور حنا نصر الحتي ، منشورات دار الكتاب العربي.
  • الخزاعي ، دعبل :ديوان دعبل الخزاعي ، منشورات مؤسسة النور للطباعة بيروت ـ لبنان.
  • الخاقاني ، علي :شعراء الغري النجفيّات ، الجزء الأول، المطبعة الحيدريّة، النجف 1372هـ – 1954م.
  • الخيّاط ، جلال :أحمد الصافي النجفي عالم حر، المطبعة دار الرائد العربي ، بيروت ـ لبنان.
  • الرومي ،ديوان ابن الرومي: تحقيق: كامل كيلاني ، الجزء الأول : المكتبة التجارية الكبرى ، مطبعة التوفيق الأدبية.
  • الريحاني ، أمين :قلب العراق ، مطبعة دار صادر ، بيروت،1935م.
  • ابن زكرياء ، أبو الحسن ، أحمد بن فارس المتوفى سنة 395هـ: معجم مقاييس اللغة ، طبعة جديدة ، دار إحياء التراث العربي
  • الشيتي ، عبد الله : أحمد الصافي النجفي ( رحلة العمر) ، الطبعة الثانية 1979م. منشورات دار القبس ، الكويت.
  • ضيف ، شوقي ،تاريخ الأدب العربي ،العصر العباسي الأول ، منشورات: دار المعارف ، الطبعة العاشرة ، النيل ـ القاهرة.
  • طه ، نعمان محمد أمين :السُخرية في الأدب العربي حتى نهاية القرن الرابع الهجري ، جامعة الأزهر ، الطبعة الأولى (1398 ـ 1978م) – دار التوفيقية للطباعة بالأزهر.
  • الفراهيدي ، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد( 100ـ 175هـ ) : كتاب العين ، المجلد الأول ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت لبنان.
  • فيّاض ، عبد الله :الثورة العراقية الكبرى : منشورات ، دار السلام – بغداد ، 1975م، الطبعة الثانية.
  • القيس ، امرؤ :ديوان امرؤ القيس ، تحقيق : محمد محمود ، المطبعة

، دار الفكر اللبناني ـ بيروت.

  • المبارك ، عبد الحسين :ثورة 1920 في الشعر العراقي : عبد

الحسين المبارك ، جامعة البصرة مطبعة دار البصرة ـ بغداد ، الطبعة الأولى بغداد ، 1390هـ ـ 1970م.

  • آل محبوبة ، جعفر الشيخ باقر ،ماضي النجف وحاضرها : الجزء

الأول ، دار الأضواء ـ بيروت ـ لبنان ، الطبعة الثانية 1406هـ ـ 1986م.

  • النجفي ، الصافي، أحمد ، ديوان أشعة ملوّنة : أحمد، مطبعة الداعي في النجف ، ط1- 1975 م.
  • النجفي ، الصافي ،أحمد :ديوان ألحان اللهيب : مطبعة دار اليقظة العربية – دمشق،ط1- 1981م.
  • النجفي ، الصافي :ديوان الأمواج ، مطبعة الريحاني ـ بيروت (د.ت).
  • النجفي ، الصافي أحمد :ديوان حصاد السجن ، منشورات مكتبة المعارف، مطابع دار الغندور، بيروت ـ لبنان.
  • النجفي ، الصافي أحمد :ديوان الشلال، طبعة اولى ـ بيروت ، دار العلم للملايين ، 1962م.
  • النجفي ، الصافي، أحمد :ديوان هزل وجد ، المطبعة العربية ـ بغداد 1355هـ -1946م.
  • النجفي ، الصافي ، أحمد :ديوان هواجس : الناشر المكتبة العصريّة ، صيدا.
  • النجفي ، الصافي ،محمود السيد محمد رضا :الوافي في أحوال السيد الصافي ، مطبعة العرفان ، صيدا ـ لبنان.

ثانياً : الرسائل الجامعيّة

الصافي ، وفاء عبد الأمير هادي :الاغتراب في شعر احمد الصافي النجفي ، رسالة ماجستير ،في كليّة التربية-جامعة الكوفة ، بإشراف الأستاذ الدكتور سعيد عدنان المحنّة، ( 1426هـ 2005م).

([1]) ظ : الإفريقي ، المصري (ابن منظور) ، لسان العرب : 202.

([2]) ظ : الفراهيدي ، الخليل بن أحمد ، (أبو عبد الرحمن ) ، 415.

([3]) سورة هود: الآية 38

([4]) ظ : لسان العرب 203 و ابن زكرياء أحمد بن فارس (أبو الحسن) ، معجم مقاييس اللغة : 488.

([5]) (سورة المؤمنون: الآية110)

([6])معجم مقاييس اللغة: 488.

([7]) (سورة الأنعام: الآية10) .

([8]) ظ: طه ، نعمان محمد أمين ، السُخريّة في الأدب العربي ،14.

([9]) ظ : حسن ، السيد عبد الحليم محمد، السُخرية في أدب الجاحظ : 64.

([10]) ظ : السُخرية في الأدب العربي: 10.

([11]) ظ : م.ن : 13.

([12]) ظ: م.ن: 14

([13]) ظ: م.ن: 14.

([14])ظ: م.ن : ص18.

([15])ظ: م.ن: ص 18.

([16]) ظ : الجبوري ، كامل ، سلمان :معجم الشعراء،163.

([17]) الصافي ،السيد محمد رضا :الوافي في أحوال آل السيد الصافي ،84

([18]) ظ : الخاقاني ، علي :شعراء الغري: 275.

[19] ) ظ : المصدر نفسه ، 276

([20]) ظ : الشيتي ، عبد الله :أحمد الصافي النجفي رحلة العمر، 23.

([21]) ظ : م.ن ،24.

([22]) ظ :حسن ، ديب، علي : ديوان دمشق ،187 ، والجبوري :معجم الشعراء ،164.

([23]) ظ : أنس ، وئام محمد سيد أحمد :الفكاهة والسُخرية في الشعر المصري في العصرين الفاطمي والايوبي ، 69.

([24]) م.ن: 70.

([25])النجفي ، أحمد الصافي : ديوان أشعة ملونة ،70.

([26]) الخياط ، جلال : أحمد الصافي النجفي عالم حر،38.

([27])  النجفي ، أحمد الصافي :المجموعة الكاملة الشاعر أحمد الصافي النجفي، تقديم : د. جلال الخيّاط ، 454.

([28]) ديوان أشعة ملونة ،29.

([29])المجموعة الكاملة الشاعر أحمد الصافي النجفي، 672.

([30]) م.ن : ص107.

([31])ظ : الفكاهة والسُخرية في الشعر المصري، 67.

([32])المجموعة الكاملة لأشعار أحمد الصافي، 73

([33]) ديوان اشعة ملونة : احمد الصافي النجفي،90.

([34]) ديوان أشعة ملونة : الشاعر احمد الصافي ،27.

([35]) ديوان الأمواج : الشاعر احمد الصافي النجفي ،114.

([36])م.ن،114.

([37])ظ : الفكاهة والسُخرية في الشعر المصري : 121.

([38]) م.ن: 121.

([39]) م.ن: 121.

([40])ديوان الأمواج ،56.

([41])م.ن،64.

([42]) م.ن، 76.

([43])م.ن: ص84.

([44])ظ : الفكاهة والسُخرية في الشعر المصري ،145.

([45])ديوان اشعة ملونة : ص18.

([46])ظ : الفكاهة والسُخرية في الشعر المصري ،145.

([47])ديوان اشعة ملوّنة ،52.

([48])ظ : لسان العرب (حَسَدَ).

([49])ديوان أشعة ملوّنة ، ص118.

([50])ديوان أشعة ملوّنة ، ص118.

([51])المجموعة الكاملة لأشعار أحمد الصافي النجفي ، 318.

([52])ظ : لسان العرب، (نفق) .

([53])المجموعة الكاملة لأشعار الصافي ، 652.

([54])المجموعة الكاملة لأشعار الصافي ، 652.

([55])ظ : الفكاهة والسُخرية في الشعر المصري ،172.

([56]) النجفي ، أحمد الصافي :ديوان اللفحات:31.

([57]) النجفي ، أحمد الصافي : ديوان التيار ، 131 .

([58])م.ن: 171.

([59]) السُخرية والفكاهة في الشعر المصري: 188.

([60])ديوان أشعة ملونة :82.

([61]) المجموعة الكاملة لأشعار احمد الصافي النجفي: 615.

([62]) ديوان اللفحات : الشاعر أحمد الصافي النجفي: 51.

([63]) ظ الفكاهة والسُخرية، 198.

([64])المجموعة الكاملة لأشعار الصافي ،637.

([65]) أشعّة ملوّنة ،102.

([66])المجموعة الكاملة لأشعار أحمد الصافي النجفي ،696.

([67]) ظ :الفكاهة والسُخرية  ،215.

([68]) ديوان الامواج : 111.

([69]) ديوان الحان اللهيب : 50.

([70])المجموعة الكاملة ،644.

([71])أشعة ملونة :71.

([72]) ديوان الأمواج ،106.

([73]) ظ الفكاهة والسُخرية: 229.

([74]) ديوان التيار : 73.

([75])أشعّة ملوّنة :80.

([76]) م.ن ،115.

([77])المجموعة الكاملة لأشعار أحمد الصافي النجفي: 305.

([78]) م.ن: 614.

([79]) م.ن : 100.

([80])أشعّة ملونة : أحمد الصافي النجفي: 48.


Updated: 2018-10-10 — 15:56

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme