السببية و سرعة الضّوء Causality and Speed of light


السببية و سرعة الضّوء   Causality and Speed of light

د.محمد تونسي/جامعة عمار ثليجي الأغواط، الجزائر

  مقال نشر في   مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد 54 الصفحة 105.

 

 

    Abstract:

      In this research we will try to understand the relation between causality and the speed of light. And talk about the limits of transmission of causal effect, the relationship between the Speed limits and causality enables us to understand the limits of the spread of causal effect, As the concept of infinite speeds does not set limits on the spread of causal effect The speed of light is considered as a maximum of speeds and it is a constant speed in the void that makes it a decisive factor in drawing the limits for the spread of causal effect. It is known that the speed of light constant occupies a privileged position in contemporary physics. For the concept of causality, the speed of light is a causal parameter. Through the speed of light we can see if there is a causal relationship between physical events or not. Before theory of relativity Newton’s physics adopted the concept of infinite velocities in its conception of absolute time and absolute space. These concepts include, in one form or another immediate monitoring and immediate impact, As if causality could spread in the universe without imagining a roof for its speed. In the late 19th century Newton’s physics entered a crisis in which he discovered that there was a roof for speeds that could not be exceeded, This ceiling forces us to deal with the physical world in a relative way only, Relativity theory has emerged to consider the observer as part of the events, Physical events, including observers, interact with each other at a speed not exceeding the speed of light, The causal effect cannot exceed the speed of light. This makes the speed of light to be a causal parameter in which we measure the causal link between physical events, But with the advent of quantum theory and the evolution of particle physics he began talking about particles breaking barrier of the speed of light, Or particles that affect each other remotely and do not take any consideration for the space-time extension required by the causal effect transmission, As causality in this world is not linked to the speed of light, This raises questions and doubts about the relationship of causality to the speed of light.

Keywords: causality, speed of light, relativity, faster than light.

  ملخص:  

     في هذا البحث سنحاول فهم العلاقة بين السببية و سرعة الضوء و الحديث عن حدود انتقال التأثير السببي، إن العلاقة بين سقف السرعات و السببية تمكننا من فهم حدود انتشار التأثير السببي، و مثلما كان مفهوم السرعات اللانهائية لا يضع حدودا لانتشار التأثير السببي فإن اعتبار سرعة الضوء كحد أقصى للسرعات و أنها سرعة ثابتة في الفراغ تجعل منها عاملا حاسما في رسم الحدود لانتقال التأثير السببي ،معلوم أن ثابت سرعة الضوء يحتل مكانة مميزة في الفيزياء المعاصرة ،و بالنسبة لمفهوم السببية تعتبر سرعة الضوء بارامتر سببي أو مسطرة للسببية إذ يمكن من خلالها الحكم بوجود علاقة سببية بين الحوادث الفيزيائية من عدمها ،قبل النسبية اعتمدت فيزياء نيوتن مفهوم السرعات اللانهائية في تصورها للزمان المطلق و المكان المطلق و الحركة المطلقة ،فهذه المفاهيم تتضمن بشكل أو بأخر آنية الرصد أو التأثير، و كأن السببية يمكن تسري في الكون دون تصور سقف لسرعتها ،في أواخر القرن التاسع عشر دخلت فيزياء نيوتن في أزمة تبين من خلالها أنه يوجد سقف للسرعات لا يمكن تجاوزه و هذا السقف يحتم علينا أن نتعامل مع العالم الفيزيائي بشكل نسبي فقط، و قد ظهرت نظرية النسبية لتضع الإنسان أو الراصد كجزء من الأحداث بحيث أن الأحداث الفيزيائية بما فيها الراصدين تتفاعل مع بعضها بسرعة لا تتجاوز سقف سرعة الضوء ،فالتأثير السببي لا يمكن أن يتجاوز سرعة الضوء  و هذا ما دفع لاعتبار سرعة الضوء لتكون بارامتر سببي نقيس من خلاله الارتباط السببي بين الأحداث الفيزيائية، لكن مع ظهور نظرية الكوانتم و تطور فيزياء الجسيمات بدأ الحديث عن جسيمات تخرق حاجز سرعة الضوء ، أو جسيمات تؤثر في بعضها عن بعد و لا تقيم أي اعتبار للفاصل الزمكاني الذي يتطلبه انتقال التأثير السببي ،و كأن السببية في هذا العالم لا تخضع لسقف سرعة الضوء، و هذا ما طرح تساؤلات و شكوكا عن علاقة السببية بسرعة الضوء .

الكلمات المفتاحية :السببية، سرعة الضوء، النسبية، أسرع من الضوء.

 

مقدمة:

    لقد حظيت مسألة السببية بنقاش واسع في مؤلفات الفلاسفة و العلماء لما لها من علاقة بالنظام الذي يكتنف الطبيعة و بالقوانين التي نصوغها كرابط بين الأسباب و المسببات لفهم الظواهر الطبيعية ، لقد تم تناول السببية من عدة أوجه و تساءل الفلاسفة عن الرابطة السببية هل هي موجودة في الطبيعة أم في عقولنا فقط ؟،ما هي علاقة الترتيب السببي بالترتيب الزمني و أيهما يدل على الآخر ؟،هل العلاقة بين السبب و النتيجة هي علاقة ضرورة أم علاقة احتمال؟،كيف غيرت نظريات العلم المعاصر من فهمنا لمسألة السببية ؟ ،هذه الأسئلة و غيرها شكلت قضايا أثيرت حول السببية ، من بين القضايا المطروحة حول السببية حدود انتقال التأثير السببي، إن انتقال التأثير السببي بين السبب و النتيجة أو بين حدث سابق و حدث لاحق يتطلب انتقالا عبر الزمان و المكان ،و لا بد للتأثير السببي أن ينتقل بسرعة معينة، و لو تصورنا أن سرعة انتقال التأثير السببي لانهائية أو أن لها سقف لا يمكن أن تتجاوزه ستترتب عن هذا نتائج مهمة ،لقد مرت الفيزياء بعدة تطورات منذ زمن نيوتن إلى يومنا هذا ،و بعدما كان لمفهوم السرعة اللانهائية مكان في فيزياء نيوتن جاءت نظرية النسبية لتؤسس الفيزياء على ثابت سرعة الضوء باعتبار أن سرعة الضوء محدودة و باعتبارها كذلك سقف السرعات الذي لا يمكن تجاوزه ،لقد فرض علينا ثابت سرعة الضوء أن نرصد الأحداث الفيزيائية بشكل نسبي فقط تبعا لموقعنا الزمكاني إزاء الأحداث ،كما حدد إمكانية الارتباط السببي بين الأحداث من عدمها ، في فيزياء النسبية تعتبر سرعة الضوء “بارامتر سببي” (Causal parameter) نفهم من خلاله العلاقة السببية بين الأحداث ،لكن ماذا لو فقد ثابت سرعة الضوء مكانته المميزة في الفيزياء و اكتشفنا سرعات تتجاوز سرعة الضوء ؟، لقد أظهرت بعض التجارب في الفيزياء المعاصرة أن هناك ظواهر ميكروسكوبية تبدو و كأنها تخرق حاجز سرعة الضوء ،و هذا يستدعي التساؤل حول تأثير ذلك على مسألة السببية ؟.

  • معنى السببية و سرعة الضوء:

     السببية (causality)  تشير إلى أن لكل حادث سبب (cause-and-effect) أو أن لكل معلول علة ، فالسببيَّة تعني أن وراء كل ظاهرة تحدث سبباً فاعلاً، وان الحوادث تتتابع أو تتساوق في سلسلة يرتبط فيها السابق باللاحق ،و هذا التتابع السببي الذي نلاحظه في الطبيعة تستند إليه النظريات الفيزيائية في بناء قوانينها و تفسير الحوادث الطبيعية ، جاء في معجم لالاند في تعريف السببية ما يلي:”لا يحدث شيء بلا علة أو على الأقل بلا سبب محدد،أي بلا شيء ما يمكنه الإفادة في تعليل قبلي لسبب وجود هذا الشيء بدلا من عدمه ،و لماذا هو على  هذا النحو و ليس على نحو آخر مختلف تماما “)[1](، و العملية السببية process) (causal  تتميز “بالامتداد في الزمان و المكان مثل موجات الضوء المسافرة من الشمس أو حركة كرة …و العملية السببية تتميز بالوحدة السببية ،كاستمرار كيف ما أو حيازة سمة معينة …و العمليات السببية هي عناصر أساسية للموقف الميكانيكي من السببية :فهي تشكل الميكانزمات التي تربط بين السبب و النتيجة و تنقل التأثير السببي”)[2](.

   أما بالنسبة لمفهوم سرعة الضوء فقد كان يعتقد في فيزياء نيوتن أنها لانهائية ، بمعنى أن الضوء ينتشر لمسافات بعيدة بشكل آني ، و قد حاول علماء من قرون قياس سرعة الضوء و إبطال الزعم أن سرعته لانهائية ،ففي القرن السابع عشر اكتشف كل من الفلكي الدانماركي “أوول رومر” و الفيزيائي الهولندي “كريستيان هويغنز” أن سرعة الضوء محدودة ، و قد كانت هناك تجارب استهدفت سرعة الضوء مثل تجارب العالم الانجليزي “جيمس برادلي” في القرن الثامن عشر و العالم الفرنسي “هيبوليت فيزو” في القرن التاسع عشر ، و قد توصلوا إلى قيم تقترب من القيمة الدقيقة التي توصل إليها العلم الحديث ،و مع تطور التقنية و وسائل القياس تم تحديد قيمة ” c ” أي سرعة الضوء في الفراغ  بدقة حيث تبلغ 299.792.458 متر في الثانية،أي قرابة 300 ألف كم/ثا، و تعتبر سرعة الضوء سقف السرعات في الفيزياء المعاصرة ،بحيث أنه لا توجد سرعة في الكون تتجاوز حد سرعة الضوء ،و قد أصبح الثابت ” c ” معاملا أساسيا حيث أن الكثير من المعادلات الفيزيائية تحوي ثابت سرعة الضوء ، لتصور مقدار سرعة الضوء يكفي أن نذكر أنه يلف الكرة الأرضية حوالي سبعة مرات في ظرف ثانية واحدة ،و نظرا لأن سرعة الضوء هي سرعة كبيرة جدا تبدوا لنا أنها تنتقل بشكل آني في المسافات العادية ،حيث يمكننا ملاحظة الأشياء التي نبصرها من حولنا بشكل آني ،لكن مع المسافات الشاسعة يظهر لنا الفارق الزمني الناجم عن سرعة الضوء المحدودة ،مثلا ضوء الشمس – التي تبعد عنا بحوالي 150 مليون كيلومتر – يتطلب ثمانية دقائق لكي يصل إلينا ،و ضوء اقرب المجرات إلينا يتطلب ثلاثة ملايين سنة حتى يصل إلينا نظرا للمسافة الخيالية التي تفصلنا عنها . أن العلاقة بين سرعة الضوء و السببية تمكننا من فهم حدود انتشار التأثير السببي ،مثلما كان مفهوم السرعات اللانهائية لا يضع له حدودا فإن اعتبار سرعة الضوء كحد أقصى للسرعات و أنها سرعة ثابتة في الفراغ تجعل منها عاملا حاسما في رسم الحدود لانتقال التأثير السببي ،كما أن الافتراض بأن هناك سرعات تفوق سرعات الضوء يستدعي إعادة فهم مسألة السببية بناءا على ثوابت جديدة و تجاوز التناقضات التي تنجم عن هذا الافتراض.

  • الأطر المطلقة و السببية في فيزياء نيوتن:

 لقد ارتبطت فيزياء نيوتن Isaac Newton  (1642 -1727)  بمفهوم السببية الآلية أو الميكانيكية ، حيث أن اكتشاف نيوتن لحساب التفاضل و التكامل و استعماله لفهم العالم الفيزيائي يعبر عن ولادة السببية الآلية في النظرية الفيزيائية، فالحالة المستقبلية لجملة ما يمكن أن تتحدد انطلاقاً من حالتها الراهنة، فالوجود الفيزيائي محكوم بقوانين ثابتة تعبر عن تتابع العلل و المعلولات. و كنتيجة لهذا اتسمت فيزياء نيوتن بطابع اليقين حيث يمكن التنبؤ بأي حادث فيزيائي إذا كنا على دراية بأسبابه، فإذا توفرت الأسباب فلا يمكن أن يقع إلا هذا  الحادث لا غيره ، لقد تصور نيوتن الكون كالآلة الميكانيكية فإذا توفر السبب فإن حدوث النتيجة يتبعه بالضرورة ، كما أن التتابع العلي للحوادث يسير وفقا لاتجاه الزمن ،إذ لا يمكن أن يكون حادثا مستقبليا علة لحادث ماض ،فأحداث الطبيعة تسير في اتجاه واحد هو اتجاه السيالة الزمنية و هذا ما يشير إليه نيوتن في تعريفه للزمان بكونه ينساب باطراد و في اتجاه واحد ،فنحن  نقول أن هذا الحادث علة و هذا معلول استنادا إلى ترتيبهم في هذا التدفق الزمني ،فما يميز العلة عن المعلول هو السبق الزمني.

     إن الحديث عن السببية عند نيوتن يتطلب التطرق لها في سياق المفاهيم التي اعتمدت عليها الميكانيكا الكلاسيكية ، لقد أراد نيوتن أن يؤسس الفيزياء على أطر مطلقة تمثلت في الزمان المطلق و المكان المطلق و الحركة المطلقة ، لقد أشار في مقدمة كتابه الشهير “المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية” إلى أن تفكير الإنسان لا يتناول المكان و الزمان و الحركة إلا من خلال علاقتهما بالأشياء المحسوسة، و لكي نخرج من معلوماتنا الحسية بفكرة مجردة تكون لبنة للعلم، يجب علينا ألا نعتمد هذه الطريقة في التفكير -أي ربط المكان و الزمان  بالمحسوسات- و الخروج بتصور المكان و الزمان المطلقين المستقلين عن كل شيء و الثابتين دائما.

      في حديثه عن الزمان يعرف نيوتن الزمان المطلق حيث يقول : « الزمان المطلق ،الحقيقي و الرياضي ،بذاته و بطبيعته ،و دون علاقة بأي شيء خارجي ،يتدفق بانتظام »)[3](، من خلال هذا التعريف يعتبر نيوتن الزمن المطلق ينساب  بشكل منتظم بحيث لا يتسارع انسيابه و لا يبطؤ في كل أرجاء الكون ،و هذا الزمن هو مستقل عن الأشياء و حركتها حيث أنه مهما كانت وضعية  الأشياء ومهما كانت وتيرة حركتها سريعة أو بطيئة أو منعدمة فان هذا لا يغير شيئا في هذا الإيقاع الكوني، بل بالعكس تبقى الحركة تخضع له و لا تفلت منه ،يقول نيوتن « يمكن أن تتسارع أو تتباطأ جميع الحركات ،إلا أن انسياب الزمن المطلق ليس قابلا للتغير ،و مدة أو ديمومة وجود الأشياء تبقى نفسها،مهما كانت الحركات سريعة أو بطيئة أو منعدمة. »)[4]( ،كذلك يرى نيوتن أن الزمان المطلق رياضي حيث أن قياس الزمان المطلق رياضي عكس الزمن النسبي الذي يكون قياسه تجريبي أي بواسطة الحركة،كما أن الزمان المطلق ينساب بصورة ثابتة في اتجاه واحد من الماضي إلى المستقبل ، حيث أن  ترتيب الأحداث إلى سابق و لاحق و متآن يغدو ترتيبا مطلقا ثابتا لا يتغير مهما كانت المسافة بين الأحداث .

       لقد أراد نيوتن من خلال فيزيائه جعل الراصد في موقع مفضل ،أو بالأحرى يكون الراصد و كأنه خارج الكون بحيث يقع الكون كله تحت مرمى قياساته ،و سيتحقق هذا عن طريق التحديد الرياضي للإحداثيات المطلقة للزمان و المكان ،فحسب نيوتن عن طريق التحديد الرياضي للزمان و المكان سيصبح الراصد من كونه جزءا من الأحداث و لا يملك إلا تحديد نسبي إلى راصد يستوعب مجريات الأحداث الفيزيائية و يستطيع التوصل إلى تحديد مطلق للزمان و المكان ، و بالتالي يصل إلى القيم المطلقة التي تفرض نفسها على جميع الملاحظين و يتحدد لديه ماض و حاضر و مستقبل واحد ،و “قبل” و “أثناء” و “بعد” واحد .

   عند وقوع حادثة فيزيائية في الكون فإن فيزياء نيوتن لا تقيم أي اعتبار للمسافة و الزمن الذي يفصل بين الحادثة و الملاحظين و بعبارة أخرى لا تقيم أي اعتبار لموقع الراصد ،فلو كان ملاحظين يقف أحدهما على سطح الأرض و الآخر في منتصف المسافة بين الشمس و الأرض ،فان اختفاء الشمس بالنسبة لكليهما سيكون في آن واحد ،ذلك لأن الزمان المطلق الذي يمثل القياس الصحيح سيفرض قيمة واحدة على جميع الملاحظين مهما كانت مواقع ملاحظتهم قريبة أو بعيدة ، و هذا يشير بشكل أو بآخر إلى أن سرعة انتشار الأحداث هي سرعة لانهائية ،كذلك في فيزياء نيوتن ينتقل التأثير السببي للجاذبية انتقالا آنيا أي ينتقل بسرعة لانهائية ، فانتشار تأثير الجاذبية يحدث آنياً وفي زمن واحد  مهما كانت المسافة ،فإذا تصورنا أن الشمس اختفت فجأة ،فإن الأرض و الكواكب الأخرى تخرج عن مدارها بشكل آني .

     لقد أهمل نيوتن فكرة أن انتقال التأثير من حادث إلى آخر يتطلب زمنا ،و لم يعطي أهمية لفترة انتقال التأثير السببي ،عن هذا يعلق  جيمس جينز قائلا: « لو كان الضوء ينتقل بسرعة لانهائية فمن السهل ضبط الساعات البعيدة مثلما نضبط ساعات أيدينا على ساعة الجامعة ،و عندما أهمل نيوتن أن سرعة انتقال الضوء محدودة سلم بإمكانية القيام بذلك ،كما سلم بأن هناك زمنا كونيا ،ينساب باطراد و بغير اعتبار لأي عامل خارجي على امتداد الكون»)[5](، كذلك علق بول كوديرك في كتابه “النسبية” على فكرة الزمن المطلق و رأى أنه « يفرض على الكون الطبيعي ميزات جائرة :الأولى هي إمكانية الانتشار الفوري ،و الثانية السرعات اللانهائية ،التعلق بالزمن المطلق كان يدعو إلى إغماض العين عن متطلباته المكروهة من الفلاسفة و العلماء على السواء »)[6](.

  • سرعة الضوء و السببية في نظرية النسبية :

تعتبر نظرية النسبية للفيزيائي الألماني ألبرت اينشتاين (Einstein)(1879-1955) من النظريات التي أحدثت ثورة في مجال الفيزياء ،حيث أنها أعادت إرساء الفيزياء على أسس ومفاهيم جديدة ، ففيزياء النسبية تجاوزت مفاهيم فيزياء نيوتن مثل الزمان المطلق و المكان المطلق و الحركة المطلقة ، و بينت أنه لا وجود للمكان المطلق ،بل المكان هو جزء من هذه الأحداث يتأثر بها محليا و يؤثر فيها ،كذلك الأمر بالنسبة لمفهوم الزمان حيث لا يمكن الحديث عن زمان مطلق فكل حادثة لها زمانها الخاص بها و لا يمكن الحديث عن إيقاع واحد لزمان كوني،لقد تجاوزت نظرية النسبية الصورة السكونية للفيزياء النيوتونية و أوضحت أن هناك ترابطات متشابكة بين المادة و الطاقة و المكان و الزمان ،فلم يعد المكان والزمان شيئين منفصلين ، بل أصبح كل من المكان والزمان كيانين متصلين لا معنى لوجود أحدهما دون الآخر، حيث أصبح الحادث يتحدد بالمكان والزمان في متصل واحد يدعى بالزمكان،كذلك بينت النسبية أن المكان و الزمان ليسا مسرحين جامدين بل يتأثران بالكتلة و الطاقة و يؤثران فيهما.

     لقد تبلورت نظرية النسبية نتيجة الأزمة التي أحدثتها تجربة مايكلسون و مورلي أواخر القرن التاسع عشر ، و قد أظهرت نتائج هذه التجربة تناقضا مع دساتير الفيزياء التقليدية ، فمن بين النتائج التي أفرزتها هذه التجربة هو أن قانون جمع السرعات لن يكون له جدوى عند عتبة سرعة الضوء، نتيجة التجربة كانت تشير دائما أن هناك عتبة لا يمكن تجاوزها و هي عتبة سرعة الضوء ،لقد استهدفت هذه التجربة قياس سرعة الضوء و أفرزت نتائج محيرة ، استعمل مايكلسون و مورلي جهازا من المرايا رتبت بطريقة خاصة تمكن من مقارنة سرعة الضوء في اتجاه حركة الأرض – تبلغ حركة الأرض في دورانها حول الشمس 30كلم/ثانية – مع سرعته في الاتجاه المعاكس ،و كان متوقعا أن يكون هناك فارق زمني بين سرعة الحزمتين الضوئيتين في قطعهما نفس المسافة في ذراعي الجهاز ،لكن التجربة كشفت عن وصول الحزمتين في نفس الوقت،مما يعني أن سرعة الضوء هي نفسها في كلتا الحالتين،أحدثت هذه التجربة أزمة في الفيزياء الكلاسيكية  لأنها أظهرت نتيجة محيرة لم يعد قانون جمع السرعات صالحا عندها ،فالتجربة تشير إلى نتيجة متناقضة حيث أن: 300000+30=300000-30

        أمام هذا المأزق و كمحاولة للحفاظ على قوانين الفيزياء الكلاسيكية اقترح الفيزيائي الهولندي هندريك أنتون لورنتز ( (Lorent )1853- 1928( فكرة مفادها أن الأطوال تتعرض لانكماش في اتجاه الحركة ، و هذا ما يحدث لحزمة الضوء عندما تكون في اتجاه حركة الأرض، و قد قدر قيمة الانكماش بإدخال المعامل الآتي :

                                    حيث أن  v= سرعة الجسم ، c= سرعة الضوء

      لقد اعتبر تحويل لورنتز صيغة ملائمة لإنقاذ التحويل التقليدي عندما يعجز في السرعات العالية، و يمكن أن نلاحظ تأثير تزايد السرعة على الطول و على الزمن، حيث أن الطول يميل إلى الانكماش كلما اقتربنا من سرعة الضوء و الزمن يميل إلى التباطؤ ، عندها في التجربة يكون انكماش حزمتي الضوء بنفس الدرجة و كذا يتزامن وصولهما في وقت واحد و هذا ما يفسر وصولهما في نفس الوقت .و مهما عملنا على تركيب السرعات فإننا لا نتجاوز عتبة سرعة الضوء، و سنرى أن تفسير اينشتاين لعدم تأثر حزمة الضوء بحركة الأرض يرجع إلى ثبات سرعة الضوء مهما كانت حركة مصدره و الجهة التي تستقبله، لقد استفاد اينشتاين من معامل الانكماش للورونتز و أدخله في الكثير من الصيغ الرياضية لنظرية النسبية ،و قد أسس نظريته على مبدأ ثبات سرعة الضوء و أنها السرعة القصوى في الكون التي لا يمكن تجاوزها، و انطلاقا من قناعة اينشتاين أن قوانين الطبيعة ليس فيها استثناءات رأى أنه يجب إعادة النظر في قوانين الميكانيكا الكلاسيكي لكي تكون صالحة في كل الظروف،  يقول اينشتاين: « إن قوانين الميكانيك بشكلها القديم تصبح فاسدة عندما تقترب السرع من سرعة الضوء. »)[7](

     إن ميكانيك نيوتن الذي يصلح فقط للسرعات العادية و عجز عن استيعاب السرعات التي تقارب سرعة الضوء حلت محله نظرية اشمل هي نظرية النسبية التي تتعامل مع كل السرعات و أقصاها سرعة الضوء ، فثابت سرعة الضوء كسقف للسرعات في الكون الفيزيائي يعتبر من المبادئ التي قامت عليها النسبية و لذا نجد أن ثابت سرعة الضوء “C” حاضر في جميع معادلات النسبية، لقد اعتبرت نظرية النسبية أن سرعة انتشار الضوء في الفراغ هي سرعة ثابتة و لها القيمة نفسها في جميع المراجع  الغاليلية ( التي تتحرك بحركة مستقيمة و منتظمة )، مهما كانت سرعة المصدر و جهة انتشار الضوء و حركة كل من المنبع و المراقب،يقول اينشتاين:« إن سرعة الضوء في الخلاء هي هي في كل المراجع التي تتحرك، واحدا بالنسبة لآخر،حركة منتظمة مستقيمة». )[8](

       تترتب على محدودية سرعة الضوء نتائج مهمة ،حيث يتحتم علينا اعتبار قيم الرصد تختلف من ملاحظ إلى آخر حسب موقعه في الكون ،فمثلا لو تختفي الشمس فسيلاحظ شخص واقف على عطارد الاختفاء بعد دقيقتين أو ثلاث في حين نلاحظ نحن الاختفاء بعد ثمان دقائق ،فنحن نلاحظ ماضي الشمس و ليس حالتها الراهنة و ما هو ماضي بالنسبة للشخص الأول هو مستقبل بالنسبة إلينا قبل أن نشهد الاختفاء، و لو كان هناك إشارة آنية (تتجاوز سرعة الضوء) لكان هناك مرجعية مشتركة يكون على أساسها اتفاق زمني في مشاهدة الحادثة بين عدة مراقبين محتملين في أماكن مختلفة ،هذه هي الركيزة -نقصد السرعات اللانهائية- التي كان يعتمد عليها نيوتن لتحقيق فكرة الزمان و المكان المطلقين، يرى اينشتاين أن نظرية النسبية تجبرنا على التخلي عن وجهة النظر التقليدية، حيث أنه لا يمكن الاتفاق على توقيت واحد في الكون أو على ضبط توقيت مطلق لحادثة، فنحن لا نملك مقياسا ثابتا أو إيقاعا زمانيا واحدا للكون، حيث أن لكل مكان نتيجة قياس مختلفة، يقول اينشتاين: « قد واجهنا لدى الراصدين حادثين متواقتين في مرجع أحدهما، و غير متواقتين في مرجع آخر»)[9](.

   تبعا لسقف السرعات تنص نظرية النسبية على أن التأثير السببي ينتقل بسرعة أقصاها سرعة الضوء ،مثلا إذا وقعت الحادثة “أ” في مكان معين ثم بعد ثانية بالضبط وقعت الحادثة “ب” ، و المسافة التي تفصل بين “أ” و “ب” تساوي  600 ألف كلم،فتبعا لقوانين النسبية يمكن أن نجزم أنه لا يوجد أي علاقة سببية بين الحادثين ،حيث أن التأثير السببي إذ وجد بينهما يلزمه على الأقل ثانيتين – و هي المدة الكافية ليقطع الضوء المسافة الفاصلة بين الحادثتين –  لكن الفارق الزمني بينهما ثانية و هذا يشير إلى استحالة وجود علاقة سببية بينهما، و  يمكن أن نعبر عن هذا رياضيا : فإذا قمنا بقسمة المسافة بين الحادثتين على الزمن المستغرق بينهما ،سيشير  حاصل القسمة إذا كان أكبر من قيمة سرعة الضوء إلى أنه لا توجد علاقة سببية بين الحادثة أ و الحادثة ب، أما إذا كان الحاصل مساويا أو اصغر من قيمة سرعة الضوء فيمكننا القول انه توجد علاقة سببية بين أ و ب:

        c                                           ≥     توجد علاقة سببية بين الحادثتين

c                                >     لا توجد علاقة سببية بين الحادثتين

     معلوم أن الضوء يعبر المسافة الفاصلة بين الشمس و الأرض في ثمانية دقائق ،فلو افترضنا أن انفجارا حدث في الشمس و بعد خمسة دقائق وصلت موجة حرارة كبيرة إلى الأرض، تبعا لقواعد انتقال الأثر السببي فانه لا يمكننا القول أن سبب موجة الحرارة هو الانفجار الذي حدث في الشمس، فالعلاقة السببية بين الانفجار و موجة الحرارة معدومة لأنه من المستحيل أن ينتقل تأثير الانفجار بسرعة اكبر من سرعة الضوء ، لكون سرعة الإشارة و الأثر السببي محدودة فإنه عند وقوع حادثة فان قيم رصدها ستختلف باختلاف موقع الراصدين ،فقد تكون حادثتين متزامنتين في الأصل غير متزامنتين بالنسبة لراصدين يقفان على مسافات متفاوتة و بالتالي يتفاوت توقيت وصول الإشارة إليهما، إن محدودية انتقال الإشارة بين المراقبين و الظاهرة هي التي تجعل من “التزامن” و “القبل” و “البعد” أمرا نسبيا ،يقول رايشنباخ  في هذا الشأن :« على الرغم من أن نسبية التزامن تبدو فكرة تدعوا إلى الاستغراب فإنها منطقية و يمكن تخيلها عينيا. و أن الغرابة في آراء اينشتين لتختفي في عالم تصبح فيه قيود الانتقال السببي أكثر وضوحا ،فإذا ما أمكن في وقت ما إقامة تليفون لاسلكي مع المريخ ،و كان علينا أن ننتظر عشرين دقيقة للإجابة على أي سؤال نوجهه بالتليفون، لاعتدنا عندئذ فكرة نسبية التزامن. »)[10] (

      لقد رأى رايشنباخ «أن نظرية النسبية أثبتت الارتباط بين مفهوم الزمن و مفهوم السببية ،و عملت على ربط صيغة الحقائق العامة مع الترتيب الزمني »)[11](، حيث أن الأثر السببي لا يمكنه أن ينتقل بأكثر من سرعة الضوء ،فمن خلال سرعة الضوء  يمكن أن نحكم بوجود علاقة سببية بين حادثتين أو استحالتها، و لو كنا نعيش في عالم لا يكون فيه لسرعة الإشارات حد أعلى، لكانت أي حادثة يمكن أن تكون سببا لحادثة أخرى، و بالتالي يتعذر علينا التمييز بين إمكانية أو استحالة وجود علاقة سببية، وفقا لما سبق تعتبر سرعة الضوء بارامتر سببي أو مسطرة سببية نقيس من خلالها إمكانية انتقال الأثر السببي بين الحوادث الفيزيائية أو استحالة انتقاله قبل وقت معين.

    لماذا لا يتجاوز الضوء سرعته المحددة ؟ من المعلوم أن العلماء يستطيعون إبطاء سرعة الضوء قليلا بتمرير الفوتونات عبر أوساط مختلفة ،لكن لماذا يعجزون عن تسريع الضوء فوق العتبة المعروفة، سرعة الضوء في نظرية النسبية  هي حاجز لا يمكن لأي جسم تجاوزه، كما أنه لا يوجد جسم ذو كتلة يمكنه أن يسير بسرعة الضوء لأنه بزيادة السرعة تزداد الكتلة و من ثم يحتاج هذا الجسم إلى طاقة أكبر ليحرك هذه الكتلة الزائدة، و لكي تصل سرعته إلى سرعة الضوء سوف يحتاج إلى كمية غير متناهية من الطاقة و ستكون كتلته لانهائية، و لهذا نجد أن الكتلة السكونية للجسيمات التي تسير بسرعة الضوء معدومة، بالإضافة إلى هذا فإنه عند بلوغ الجسم سرعة الضوء فإن الزمن المحلي في المنظومة المتسارعة سيتوقف و الجسم المتسارع سينعدم طوله في اتجاه الحركة، وفقا للمعادلات التالية :

في حالة بلوغ سرعة الجسم (v) سرعة الضوء (c)فإن الزمن (T’)سيتوقف و الطول (L’)سينعدم

    يقول اينشتاين :« ينتج من تحويل لورنتز أن العصا المتحركة تتقلص في اتجاه الحركة، و أن هذا التقلص يستفحل لدى تزايد سرعتها،فتصبح اقصر فأقصر،…و ينتج من تحويل لورنتز أن طول العصا ينعدم عندما تصل إلى سرعة الضوء ،مهما كانت طويلة قبل أن تتحرك»)[12](، و كذلك الزمان في السرعات العالية سيصيبه التباطؤ بحيث ينساب ببطء على الأجسام المتسارعة حتى يتوقف انسيابه عندما يبلغ سرعة الضوء، لكن ما الذي سيحدث لو تم تجاوز سرعة الضوء ؟ أول شيء يمكن استنتاجه هو رؤية الماضي لأن اجتياز سرعة الضوء يمكننا من اللحاق بالأمواج الضوئية التي تخص الماضي و بالتالي ملاحظة الماضي، كذلك إذا تم تجاوز عتبة سرعة الضوء فإن انسياب الزمن المحلي للمنظومة المتسارعة يبدأ بالانسياب في الاتجاه العكسي أي من المستقبل إلى الماضي ،إن انسياب الزمان في اتجاه واحد من الماضي إلى المستقبل ينتج عنه الترتيب المتسلسل للحوادث بحيث يسبق السبب دائما النتيجة ،و من غير المعقول أن نتصور عالما بترتيب عكسي حيث تسبق فيه النتيجة السبب،  و لو تمكنا من اكتشاف أشعة تتجاوز في سرعتها حاجز سرعة الضوء يصبح من الممكن نقل معلومات إلى الماضي و عندها سنقع في مفارقة أن النتيجة تؤثر في السبب، كل هذا يشير إلى الأهمية التي تحتلها سرعة الضوء بالنسبة للترتيب السببي للحوادث، قد يصح القول أن الضوء لا يمكنه تجاوز عتبة معينة لأن هذه العتبة تمثل عتبة سرعة السببية،أو بعبارة أخرى الضوء يخضع لسرعة السببية، حيث أن السببية هي التي تحدد سقف السرعات في الكون، و هي التي تضمن أن يسير الزمان في اتجاه واحد من الماضي إلى المستقبل، فصيرورة الكون و الزمان مبنيان على تتابع السبب و النتيجة و لا يمكن تصور العكس.

  • أسرع من الضوء:

         من خلال ما سبق تعرفنا على مكانة ثابت سرعة الضوء  في نظرية النسبية فبالإضافة إلى كونه مبدأ تقوم عليه الفيزياء النسبية فهو أيضا يدخل كطرف في قوانين النظرية، فلا يكاد يوجد قانون في هذه النظرية إلا و يتضمن الثابت “c” ،فهذه النظرية ترسم حدا لصلاحية قوانينها و هذا الحد هو حاجز سرعة الضوء ،صحيح أن حاجز سرعة الضوء باعتباره أكبر سرعة في الكون هو مبدأ و لا يمكن الفصل في إثباته بالتجارب و لكن بالمقابل لم يظهر بشكل جلي ما يناقضه على الأقل حتى الآن، إن الكلام عن جسيمات تفوق سرعة الضوء استهوى العلماء المجربين و ذهبوا يبحثون عن هذه الجسيمات ، لأن كشف هذه الجسيمات تجريبيا و إثبات وجودها بشكل دامغ سيضع نظرية النسبية على المحك و سيناقض هذا أهم مبدأ قامت عليه، هناك بعض التجارب التي يعلن عنها بين الحين و الآخر تشير إلى كشف سرعة أكبر من سرعة الضوء لكن هذه التجارب تثير دائما جدلا و يختلف العلماء في تأويلها .

     الكلام عن جسيمات تخرق حاجز سرعة الضوء تعود أصوله إلى بداية الستينات مع الفيزيائي  الأمريكي جيرالد فينبرغ  ، فقد افترض إمكانية وجود جسيمات تتجاوز سرعتها حاجز سرعة الضوء ،لقد رأى « أن وجود جسيمات أسرع من الضوء ،مما سماها التاكيونات، لن يكون متناقضا مع نظرية اينشتاين عندما نفترض أنها تلاقي نفس هذا الحاجز (سرعة الضوء)و لكن من الجانب الآخر، و بكلمات أخرى، فان التاكيونات هي مما يمكن تصور وجوده إذا كانت تحتفظ دائما بسرعة اكبر من سرعة الضوء. »)[13](

     حاول  فينبرغ اشتقاق وجود التاكيونات من  معادلة نسبية الكتلة لاينشتاين، فإذا كان من المعروف أن سرعة الضوء هي حاجز لا يمكن إدراكه، ماذا لو تصورنا جسما يسير بسرعة أعلى من سرعة الضوء ؟،وفقا لمعادلة زيادة  الكتلة التالية:

حيث m تمثل الكتلة المتسارعة ،m0 الكتلة الساكنة ،v  سرعة الجسم ،c سرعة الضوء

     إذا سمحنا ل v أن تكون أكبر من  c  فسيكون لدينا في الخط السفلي الجذر التربيعي لعدد سالب ، وهذا ما يسمى بالعدد التخيلي، ولو أننا سمحنا للكتلة الساكنة أن تكون تخيلية هي أيضا، فإننا نجد إذن أن للجسيم الافتراضي كتلة حقيقية وطاقة، شريطة أن تكون v أكبر من c، وهذا يقتضي أن يكون للتاكيون دائما كتلة حقيقية،لكن كيف يمكن أن نتصور كتلة ساكنة تخيلية ، لم ينزعج فينبرغ من هذا الأمر ،خاصة إذا علمنا أن هذه الجسيمات ليس في الإمكان أن تخلد إلى السكون ،و لذا فلسنا في حاجة إلى القلق فيما يتعلق بكتلتها الساكنة.

     لقد تصور فينبرغ أن التاكيونات توجد في عالم خارج نطاق سرعة الضوء، و في هذا العالم تسير الجسيمات بسرعات أعلى من سرعة الضوء فقط، و كلما زادت السرعة أكثر تنخفض كتلتها، و كلما قلت السرعة لتقترب من سرعة الضوء تزايدت كتلتها حتى تصبح لا متناهية عند حاجز سرعة الضوء ،لقد رأى فينبرغ أن هذه الجسيمات نشأت و هي تحمل صفه الحركة بسرعة أعلى من سرعة الضوء، أي أنها لا يمكنها أن تسير بسرعة الضوء أو اقل منها، و عندئذ لا يشكل حاجز سرعة الضوء مشكلة بالنسبة لمعادلات النسبية، و قد أثارت فكرة التاكيونات عند ظهورها قدرا من الاهتمام النظري و جرت محاولات لكشف سرعات تفوق سرعة الضوء، و لا تزال تجرى تجارب متنوعة حتى يومنا هذا *و هناك بعض التجارب أثارت الشكوك حول مصداقية عتبة سرعة الضوء كثابت في الطبيعة ،لكن العلماء اختلفوا في تأويل نتائجها، و الواضح أنه لحد الآن لم تظهر شواهد تجريبية حاسمة على وجود جسيمات تخترق حاجز سرعة الضوء.

    لو تثبت صحة وجود جسيمات تخرق سرعة الضوء فستترتب على ذلك نتائج غريبة، و يتحتم علينا التخلي عن أكثر الأفكار رسوخا ألا وهي فكرة أن العلة يجب أن تسبق المعلول، فإذا أخذنا ثابت سرعة الضوء كحاجز لأقصى سرعة ، فإنه وفقا لنظرية النسبية سيتفق جميع الراصدين على وجود علاقة سببية من عدمها. )[14]( فلو أن الحادث أ كان علة الحادث ب ، فلابد أن تنطلق إشارة تسير بسرعة الضوء-أو بأقل منها-لتنتقل من أ إلى ب ،وإلا لما استطاع الحادث أ أن يتسبب في وقوع الحادث ب، إن ترتيب الأحداث الفيزيائية لن يكون له معنى إذا كان من الممكن إرسال الإشارة بأسرع من الضوء، عندها لن تكون هناك مسطرة سببية يحتكم إليها الراصدين ،حيث أنه بإمكان أي حادث أن يكون سببا في حادث آخر و سيفقد الترتيب السببي للعلة و المعلول معناه ،يرى كولن ولسون أن « هذا بالضبط هو نوع المفارقة الذي ينشأ لو كانت التاكيونات موجودة ومن الممكن استخدامها لنقل المعلومات. فلو كانت أجهزة إرسال التاكيونات واستقبالها يمكن أن تستخدم لتبادل الرسائل بين مختلف الراصدين ، فإنه يكون من  الممكن إذن استعمالها للإشارة إلى راصد معين بمعلومات عن حوادث تقع في مستقبله، أو بصيغة أخرى، يكون من الممكن حينئذ لشخص ما أن يرسل إشارة في ماضيه الخاص. العلة يمكن أن تسبق المعلول ، وسوف تنشأ طائفة من المتناقضات  المنطقية »)[15](.

    لقد اعتبر بعض الفيزيائيين أن « فكرة التاكيونات قد وصلت ببساطة إلى أن تبدو غير ذات موضوع ،أو لعلها أسوأ من أن تكون غير ذات موضوع، ذلك أن هذا الفرض ليس فحسب فرضا لا يحل أي مشاكل نظرية بارزة ،و إنما هو أيضا يخلق مشاكل جديدة ، و لو ثبت في النهاية أن التاكيونات حقيقية ،لأصبح على العلماء أن يبحثوا أمر جسيمات تتحرك وراء الزمان، و أن يفسروا كيف يمكن أن يتأثر الماضي بالمستقبل. »)[16](، وقد رأى البعض انه تحاشيا لمثل هذه المتناقضات المنطقية ، علينا اعتبار أن إرسال الإشارات الأسرع من الضوء  وتوصيل المعلومات من المستقبل إلى الماضي هو أمر محظور نتيجة للطريقة التي أنشئ بها الكون، إذ أن هناك سهم واحد للزمن، فنحن نستطيع أن نتذكر الماضي  ولكننا لا نستطيع تلقي معلومات من المستقبل ، و الماضي يمكن أن يؤثر في المستقبل ، غير أن المستقبل لا يمكن أن يؤثر في الماضي،  لقد رأى رايشنباخ أنه في عالم لا تؤدي فيه السببية إلى ترتيب متسق للسابق و اللاحق  سنقع في تناقضات منطقية ، لكن الوقائع التجريبية تكشف أن عالمنا ليس من هذا النوع،«و إنما هو يقبل نظاما متسقا على أساس علاقة متسلسلة مبنية على ارتباط سببي ،تسمى بالزمان ،فالترتيب الزمني يعكس الترتيب السببي في الكون»،)[17](فالترتيب السببي الذي اعتدناه دائما يتقدم من السابق إلى اللاحق أي من السبب إلى النتيجة التي تعقبه ،و تعاقب الحوادث من سابق إلى لاحق في اتجاه المستقبل هو الذي ندرك من خلاله انسياب الزمان ،إذ لا معنى للزمان في عالم خالي من تعاقب الحوادث .

      إذا ثبت وجود جسيمات تفوق سرعة الضوء سيؤدي هذا إلى فقدان القيمة “c” لمكانتها المميزة فالمعادلات المشهورة كقانون الجاذبية لاينشتاين و قانون حفظ الطاقة و قوانين نسبية الكتلة و نسبية الزمان و نسبية المكان و حتى بعض قوانين نظرية الكم تحوي الثابت “c”، و قد يحدث هذا هزة عنيفة للفيزياء ،و ربما يدفع هذا بالمجتمع العلمي إلى اعتبار الفيزياء التي شيدناها حالة خاصة تصلح حتى عتبة سرعة الضوء، أما فوق هذه العتبة فعلينا تشييد فيزياء جديدة تحوي الظواهر التي تفوق سرعة الضوء ،و مع هذه الفيزياء الجديدة ربما تتبلور آلية لمعرفة الماضي لكن دون التأثير فيه.

  • اللاموضعية في عالم الكم و مأزق السببية :

    في بدايات القرن العشرين تطورت الاكتشافات في مجال الذرة حيث اكتشف عالم غريب بدا أنه لا يخضع لنفس القواعد التي ألفناها في العالم الكبير ،و قد دفع هذا علماء الذرة إلى تطوير نظام جديد لعلم الحركة في المجال الذري دعي بميكانيك الكم ، و قد بذلت جهود مضنية لصياغة نظرية الكوانتم ،و لعل الصفة المرتبطة بهذه النظرية و التي تميزها عن النظريات الأخرى هي الغرابة، لقد طرحت هذه النظرية أفكارا غريبة ربما تعكس غرابة العالم الذري ، لقد رأى لوي دوبروي أن التصورات المستخلصة من تجاربنا الحسية بعيدة كل البعد عما يمكن تصوره في العالم الذري، إن مفاهيم مثل مفهوم الجسيم الذي نتصوره متناهيا في الصغر بالتجريد من حبة الرمل أو مفهوم القوة الذي نتصوره متناهيا في الدقة بالتجريد من المجهود العضلي كلها المفاهيم حسب دوبروي لا يمكن أن تمثل شيئا حقيقيا داخل الذرة، و الذي لم يكن متوقعا هو ما كشف عنه تقدم البحث في ميدان الكوانتم ، هو أن مفهوم المكان و الزمان مثلهما مثل مفهوم الجسيم و مفهوم القوة لا ينطبقان بدورهما انطباقا تاما على الظواهر الميكروسكوبية، يقول دوبروي. «إن استحالة تتبع القفزات الفجائية التي تجعل الذرة تنتقل من حالة قارة إلى حالة أخرى مماثلة، كل ذلك قد أوحى بفكرة عميقة مؤداها أن الوصف الكامل للظواهر الكوانتية على المستوى الذري يتطلب من بعض الوجوه على الأقل تجاوز الإطار الكلاسيكي للمكان و الزمان .»)[18](

   لقد رأى الفيلسوف و العالم الانجليزي بيرتراند راسل أن المفاهيم الجديدة التي أتت بها نظرية الكوانتم تنذر بتغير مفاهيمنا عن المكان و الزمان بطريقة جذرية، إن الميكانيك الكوانتي لا يتعامل مع العالم الميكروسكوبي كظواهر مستمرة  و متصلة ،بل تنظر إلى الظواهر في هذا المستوي على اعتبار أنها منفصلة  ،حيث أن « ثمة حالة معينة من الأمور تبقى لزمن معين ،ثم فجأة تحل محلها حالة من الأمور مختلفة اختلافا محدودا .فالاستمرار في الحركة الذي اعتبر دائما أمرا مفروغا منه ،يلوح انه كان مجرد رأى سيقى .و أيا ما كان فان الفلسفة الملائمة للنظرية الكمية ،لم تتطور بعد تطورا مناسبا. و إنني لأشك أنها ستحتاج إلى ابتعادات أكثر جذرية عن النظرية التقليدية للمكان و الزمان من تلك التي تقتضيها نظرية النسبية. »)[19](

     لقد قلبت الميكانيكا الكوانتية تصوراتنا القديمة عن الطبيعة و النظام الموجود فيها ،و بينت أن هناك جانب مضطرب من الوجود الفيزيائي لا يمكن التعامل معه إلا بشكل احتمالي ،حيث لا وجود لتحولات منتظمة يمكن أن نستخرج منها انتظام سببي، إن ميكانيك الكم تُسقط الصفة المقررة للعالم  الميكروسكوبي، محولة ذلك العالم إلى مجموعة من الأحداث العشوائية، فلا يمكن أن نتحدث عن تيار سببي حاسم حيث يرتبط السبب بعدة نتائج محتملة، يقول بول ديفيس: « إننا لا نرى العالم ساكنا بل متحركا متطورا متغيرا من لحظة إلى أخرى على نحو رتيب بدا في الصورة النيوتونية محددا سلفا كتابع للكون في الماضي و الحاضر ،لكن ثورة الكم أبطلت هذا الاعتقاد ،و أتت لتقول  أن المستقبل بطبيعته غير مؤكد أو محدد.»)[20]

  رأينا في نظرية النسبية أنها رسمت حدودا للارتباط بين السبب و النتيجة،حيث يتخذ التأثير السببي مسار زمكاني متصل ،لكن نظرية الكوانتم لا تتعامل بمفهوم المسارات المتصلة، بل يتم وصف التحولات عن طريق الانتقال المنفصل بين حالة ذرية و أخرى و هذا يضع مفهوم التأثير السببي محل تساؤل، لقد علق هايزنبرغ على هذه الصعوبة بالقول أن نظرية النسبية « لا تزال توفي المتطلبات التقليدية للعلم مادامت تسمح بتقسيم العالم إلى موضوع وشيء( المُلاحِظ والمُلاحَظ )ومن ثم صياغة واضحة لقانون السببية، لكن هذه هي النقطة التي تبدأ عندها صعوبات نظرية  الكم.»)[21](، في العالم الكوانتي المضطرب يترتب عن عملية القياس عدد محتمل من النتائج، فالسبب الواحد يكون مرتبط بعدة نتائج محتملة، و النتيجة التي تظهر في تجربة معينة قد لا تتكرر من نفس السبب في تجربة أخرى، في العالم الميكروسكوبي تختفي الرتابة التي اعتدناها في العالم المادي الكبير، لقد رأى نيلز بور أن « ميكانيك الكوانتم تتطلب نكران المثال الكلاسيكي للعلية و التخلي عنه.»)[22](

       عند ملاحظة للعالم الذري فإننا عند ضبط موقع الإلكترون لا بد  أن نسلط عليه شعاعا ضوئيا ،و لما كان فوتون الشعاع الضوئي يصطدم بالإلكترون و يتحصل هذا الأخير على طاقة تعمل على تحريكه مما يؤدي إلى التباس في تحديد موضعه ،و بالتالي فان ملاحظة الحادثة الذرية في حالتها الطبيعية ضرب من المستحيل ،إن الفاصل الزماني في الملاحظة أي بين ارتطام الفوتون بالإلكترون و ارتداده إلى الملاحظ يكون الوضع الذري قد تغير ،أي أن سرعة الضوء التي تنتقل بها إلينا  حالة الحادثة الذرية هي فاصل كافي لتغير المشهد الذري ،و هنا يتضح أن الملاحظة تساهم كمؤثر سببي يؤثر على حالة الذرة القارة لكن الفاصل الزمني للملاحظة الذي تحدده سرعة الضوء لا يترك مجالا للملاحظ أن يرصد الوضع على طبيعته، إن تدخل الملاحظة في الظاهرة يجعل من الصعب إعطاء وصف دقيق لما يجري، و هذا ما يجعل السؤال الشهير: ما الذي يقع فعلا في أي حادثة ذرية ؟ تصعب الإجابة عليه بشكل قاطع، و علينا أن نتذكر أن ما نلاحظه ليس الطبيعة خالصة، و إنما الطبيعة بعد أن تعرضت لمنهجنا في الملاحظة)[23](.

   تنتقل الالكترونات بين المدرارات في الذرة عن طريق القفزات الكوانتية “quantum leaps  “،و القفزة الكوانتية يمكن فهمها أنها انتقال منفصل لا يتطلب مسارا زمكانيا متصل ،إذ أن انتقال الإلكترون من سوية طاقية إلى سوية طاقية أخرى يتم بقفزة كوانتية دونما حاجة إلى زمن، إنها « شيء ما لا يمكن حدوثه خلال انتقال كلاسيكي متصل»)[24](. إن الإلكترون لا ينتقل انتقالا متصلا و مستمرا عبر المكان حتى يستغرق زمانا ،بل يبدو و كأنه يختفي هنا ليظهر في مكان آخر ،و كأن زمنه توقف هنا ليبدأ في مكان آخر، و بما أننا فهمنا في نظرية النسبية أن الأثر السببي يتطلب امتدادا مكانيا للانتقال و هذا الانتقال يتطلب زمنا معينا تبعا لسقف سرعات لا يتجاوز سرعة الضوء، فان مفهوم القفزة الكوانتية يدعونا للتساؤل عن مفهوم السببية ما دام لا يوجد انتقال متصل يتطلب زمانا، فهذا يوحي أنه توجد سرعات آنية، معلوم أن تسريع الجسيمات الذرية في معجلات الجسيمات لا يخرق حاجز سرعة الضوء مهما كانت طاقة التسريع لكن مفهوم القفزة الكوانتية يضع علاقة السببية و سرعة الضوء محل تساؤل ،قد يعتقد البعض أن التأثير المحلي بين الجسيمات التي تفصل فيما بينها مسافات متناهية في الصغر بالإضافة إلى سرعة حركتها يجعل عامل الزمن غير ذي قيمة بحيث يبدوا التأثير آني و سرعته لا نهائية ،لكن العلماء اصطدموا بظاهرة ذرية حيث أن جسيمات بعيدة عن بعضها بمسافة كبيرة لكنها تتفاعل و كأنها لا تقيم أي اعتبار للمسافة الفاصلة بينها ،كما أن آنية تأثرها تخرق سرعة الضوء و كأنهما مجاورين لبعضهما، و قد سمي هذا السلوك الغريب الذي تسلكه الجسيمات التشابك الكمي  Quantum Entanglement” “، و ينص على أن الرابط الفيزيائي بين الجسيمين ليس ضرورياً كي يكونا متشابكين ،فلا حاجة أن يكون الجسمين  متقاربين في موضع واحد حتى يؤثران في بعضهما ،بدأت فكرة التشابك الكمي مع ما يعرف بـ “مفارقة آينشتاين-بودولسكي-روزين” أو اختصاراً “EPR Paradox”. فقد نشر العلماء الثلاثة ورقةً بحثية عام 1935، وضحوا فيها كيف يمكن أن نستفيد من التأثير عن بعد بين جسيمين لحساب سرعة أحدهما و موقع الثاني ،فلطالما كرست نظرية الكم استحالة الجمع بين قيمتي السرعة و الموقع ، لقد أثبتت التجارب أن الجسيمات تتواصل مع بعضها دون إشارات و تشترك في ردات الفعل مع أنهما بعيدان مكانيا ، أي أن هناك نوعاً من التواصل المباشر بينهما، فلو قمنا مثلا بالتأثير على لف جسيم بعيد عن جسيم آخر متشابك معه فإن الثاني يتغير لفه أيضاً،إن الجسيمات تتفاعل و كأنها تشغل موضع واحد مع أنها تفصل بينها مسافات كبيرة ،و تبعا لهذا  سميت هذه الظاهرة باللاموضعية “nonlocality “. ويعبر روجر بنروز عن هذه الظاهرة قائلا: « تُعتبر العلاقات الكمية شيئًا بالغ الغرابة،  حيث إنها تكون في موضع ما بين جسمين جرى الفصل بينهما ولا يزال كل منهما على صلة بالآخر». ([25]

        تترتب على اللاموضعية عدة نتائج إزاء مفاهيم الزمان و المكان و السببية ، فهذه الظاهرة لا تقيم أي اعتبار للزمان والمكان  الذي نعرفه و نتعامل به، إنها تلغي أي فاصل مكاني أو زماني بين الجسيمات،إنها ظاهرة تضع مفهوم المكان و الزمان في وضع حرج ،فعندما نرى تناغم جسيمات تفصلها مسافة بعيدة فإن هذا يشير إلى أن مفهوم المسافة فقد معناه ،« تؤدي لاموضعية الأشياء إلى نوع من عدم إمكان فصل العالم ،أي تؤدي إلى بعض الارتباطات بين ظواهر فيزيائية متباعدة جدا في الفضاء، مع أنها متأينة و متزامنة »)[26](،إن هذه الظاهرة تبدو و كأنها لا تقيم أي اعتبار للمسافة الفاصلة ولا تحترم قواعد انتقال التأثير السببي التي تنص عليها نظرية النسبية ،لكن في هذه الظواهر الكمومية اللاموضعية فان التأثير الفوري يلغي أي حديث عن زمن و سرعة انتقال التأثير السببي،إن ظاهرة اللاموضعية يمكن أن تقودنا إلى أن نتفحص من جديد دلالة مبدأ السببية و إلى أن نعيد النظر في سرعة الضوء باعتبارها بارامتر سببي كما قررت النسبية، لقد رأى بعض الفيزيائيين أن روح نظرية النسبية « ينتهكها التعالق ،لأن شيئا ما أيا كان نوعه قد ينتقل فعليا بسرعة اكبر من سرعة الضوء (في واقع الأمر بسرعة لانهائية ) بين جسمين متعالقين »)[27](،إن هذه الظاهرة حسب بعض الفيزيائيين تستدعي التفكير في لغة زمكانية جديدة للتعامل معها،يقول بنروز « ستؤثر مراقبة احد الجسيمين في الآخر بطريقة لا محلية لا يمكن وصفها بلغة الزمكان العادية»)[28](.

      من النتائج التي يمكن أن تفرزها ظاهرة اللاموضعية هو إمكانية معرفة أحداث بعيدة عنا زمانيا،فإذا كان لدينا جسيمين متشابكان و تفصل بينهما مسافة هائلة و بالتالي فارق زمني كبير ، و إذا افترضنا أن شخصا يوجد عند احد الجسيمين، فإذا لاحظ تغيرا ما في هذا الجسم أي وقوع حدث معين، فانه تبعا للارتباط اللاموضعي يعلم ما يحدث للجسيم الآخر ،أي يكون لديه معلومات عن ظاهرة مستقبلية بالنسبة إليه)[29](،تتطلب زمنا معتبرا لكي تكون حاضرا بالنسبة إليه وفق قواعد الانتقال السببي.

     لقد أجريت عدة تجارب للتأكد من هذه الظاهرة أشهرها تجارب “جون بل” و التي كشفت أن القياس المخبري للف  “spin “جسيمين متشابكين يبين أنهما مرتبطين إلى درجة تتخطى ما نتوقعه على أساس الفيزياء الماكروسكوبية ،و لقد تلا هذا العديد من التجارب و تم رصد تعالق أو تشابك بين جسيمات تفصل بينها مسافات مختلفة ، و قد حير العلماء أن اللف الذي يميز إحدى الجسيمين مرتبط بشكل عجيب باللف الذي يميز الجسيم الآخر على الرغم من تباعد المسافة بينهما و ذلك دون أن تكون هناك آلية سببية واضحة مما تتيحه الفيزياء )[30](، و قد عبر بعض الفيزيائيين عن هذا بالقول أنه تحدث ظواهر موضعية مبنية على واقع غير موضعي، و قد ذهب عدد من الفيزيائيين إلى الاعتقاد-رغم عدم وجود دليل- بأن هناك إشارات أنية  تسير بأسرع من الضوء حيث ينتقل التأثير من جسيم إلى جسيم آخر بعيد عنه، و ذهب بعضهم إلى أن التأثيرات الخفية بين جسمين قد يكون سببها نحن حيث يقوم وعي الإنسان الملاحظ بالتأثير على الظاهرة الميكروسكوبية، لكن هذه الرؤية لا تستند على نظرية جدية حول الوعي لمعرفة تأثيره على الجسيمات.)[31](

       اقترح الفيزيائي الأمريكي ديفيد بوهم D.Bohm (1917- 1992) وجهة نظر مختلفة ،و حاول من خلالها الحفاظ على نظرية النسبية و على آلية الانتقال السببي التي تتم وفقا لسرعة الضوء ، لقد فسر بوهم أن التعالق الموجود بين جسمين بعيدين عن بعضهما يبدوا لنا غريبا كوننا ننظر إليهما من خلال الزمكان الذي نتعامل به، و قد يكون الأمر بكليته متعلقا بجسيم واحد لكن نشاهده من نافذتين مختلفتين في الزمكان ،فالزمكان في المستويات دون الذرية قد يتركب من أكثر من أربعة أبعاد و بالتالي فالجسيم الذي يتواجد ضمن عدة أبعاد قد يظهر لنا في الزمكان الرباعي الأبعاد من نافذتين متباعدتين على انه جسيمين متعالقين ،قدم بوهم مثالا :لو نقوم بتصوير السمكة الموجودة في حوض زجاجي بكامرتين من زاويتين مختلفتين، و لنفترض أن شخصا بعيد يشاهد حركة السمكة على شاشتين مختلفتين ،عندها يمكن أن يعتقد أن هناك تناسق في الحركة بين سمكتين مثلما تتناسق حركة أسراب السمك، و إما أنه سيعتقد أنه يشاهد سمكة واحدة من زاويتين ،و ربما ما يحدث معنا في ظاهرة اللاموضعية أشبه بهذا )[32](،لقد فسر بوم ظاهرة اللاموضعية بإيجاد تأويل قائم على فكرة وحدة الوجود ،حيث أن الكون ككل مرتبط في نسيج واحد و مشترك حيث ترتبط أجزاءه بعضها ببعض )[33]( ،إن مسرح الحوادث الدقيقة يمتد بعيداً بما يفوق قدرة أجهزة العلم ، فهناك في القاع العميق يتشارك الكل في نسيج هذا الكون، حيث أن هناك نظام مترابط  “implicate order” ، لقد اعتاد العقل البشري على أنماط الاتصال و الانفصال بين الأشياء و على إضفاء الرابط السبببي، فنظر إلى الأشياء على أنها مركبة من أشياء أصغر فأصغر يمكن تفكيكها إلى وحدات صغيرة تبقى تخضع لنفس المنطق، و قد ظهرت بعض النظريات المعاصرة التي تشير إلى إمكانية وجود أبعاد مكانية إضافية في مقاييس ميكروسكوبية غاية في الصغر ،و إن صح ما تقول به هذه النظريات قد يكون في هذا دعما لكلام ديفيد بوم، من جهة أخرى يشير علماء الكوانتم أن العالم الميكروسكوبي ينطوي على عدة غرائب توحي بوجود تركيبة هندسية غريبة للمكان الميكروسكوبي، فمثلا عند تدوير الجسم العادي حول محوره بـ360 درجة فانه يعود إلى وضعه الأسبق، لكن هناك من الجسيمات دون الذرية من تتخذ خصائص فيزيائية مخالفة بعد تدويرها بـ 360 درجة و لإعادتها إلى حالتها الأولى يجب تدويرها بـ360 درجة أخرى ،و بتعبير آخر نقول أن هناك من الجسيمات من تستدعي تدويرا يساوي ضعف ما يستدعيه الجسم العادي،فكأن هذه الجسيمات ترى عالما أكبر مما نراه، أو قل إن الفضاء الذي نراه نحن يعتبر نسخة مطوية على نفسها من الفضاء الذي تراه هذه الجسيمات ،فما يبدو لنا نسختين متطابقتين من العالم في كل تدوير  بـ360 درجة “تراه” هذه الجسيمات عالمين مختلفين ،إن هندسة المكان مختلفة أساسا و غريبة عنا بالنسبة لهذه الجسيمات ([34]).

       من خلال ما سبق يتضح أن لثابت سرعة الضوء علاقة وطيدة بمفهوم السببية ،بحيث يضبط ثابت سرعة الضوء حدود انتقال التأثير السببي للأحداث في الكون و يحدد فواصل الترتيب السببي للأحداث ،و قد تبين أن الحديث عن سرعات تتجاوز عتبة سرعة الضوء يوقعنا في متناقضات ،و مع تطور الفيزياء و التكنولوجيا بدأ الحديث عن مدى مصداقية ثابت سرعة الضوء، هل هو بالفعل عتبة للسرعات الكونية ؟،خاصة و أنه ظهرت تجارب تشير إلى ما يمكن اعتباره تجاوزا لعتبة سرعة الضوء ،و هذا ما فتح باب التساؤلات :هل يمكن أن تكون سرعة الضوء هي  بالفعل السرعة القصوى في الكون ،و كل التجارب التي توحي أنها تتجاوزها يمكن أنها اتخذت طرق مختصرة في الزمكان دون أن ندري؟ ،هل من الممكن أن يوجد بالفعل كيانات فيزيائية تتجاوز سرعة الضوء لكن لا يمكننا استغلالها فيزيائيا و لا تؤثر في مجرى الأحداث الفيزيائية و الترتيب السببي عندنا ؟، قد يصح افتراض وجود عالم تكون فيه الحدود القصوى لانتشار التأثير السببي أكبر من سرعة الضوء دون أن تكون سرعة الانتشار آنية -أي بسرعة لانهائية – بحيث يمكن تصور أن ينتقل التأثير السببي بسرعة 500 ألف أو مليون كلم في الثانية أو أي قيمة محدودة للسرعة فإنها يمكن أن تمثل حدا لانتشار التأثير السببي و تفرض ترتيبا سببيا بفواصل معينة ،لكن هذا الافتراض يصطدم بقوانين النسبية التي تنص على أن زمن أي جسم يخرق حاجز سرعة الضوء سوف يصبح معكوسا، أي أنه ينساب من المستقبل إلى الماضي و هذا يؤدي إلى انعكاس الترتيب السببي مما يوقعنا في مفارقات ،فهل سنكتشف سرعات تفوق سرعة الضوء و نضطر إلى إعادة النظر في نظرية النسبية و بناء نظرية جديدة على ثوابت أخرى دون أن نقع في تناقضات منطقية فيما يخص الترتيب السببي ؟.

قائمة المصادر و المراجع:

1- أكزيل، أمير: التعالق أكبر لغز في الفيزياء، ترجمة:عدنان علي الشهاوي، ط1، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2008.

2- أومنيس، رولان:فلسفة الكوانتم، ترجمة: أحمد فؤاد باشا، الكويت: سلسلة عالم المعرفة ،2008.

3- اينشتاين، ألبرت،انفلد، ليوبولد: تطور الأفكار في الفيزياء، ترجمة: أدهم السمان، سوريا: دار طلاس للنشر،1992.

4- بسيلوس،ستاتس: فلسفة العلم من الألف إلى الياء، ترجمة: صلاح عثمان، ط1، القاهرة: المركز القومي للترجمة،2018.

5- بنروز، روجر: العقل و الحاسوب و قوانين الفيزياء، ترجمة: محمد وائل الأتاسي، بسام المعصراني، ط1، سوريا:دار طلاس للدراسات و النشر،1998.

6- بنروز، روجر، شيموني، ابنر: فيزياء العقل البشري و العالم من منظورين، ترجمة: عنان علي الشهاوي،ط2، أبوظبي،القاهرة:كلمة وكلمات عربية للترجمة و النشر،2009.

7- الجابري، محمد عابد: مدخل إلى فلسفة العلوم، ط4، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998.

8- جينز، جيمس: الفيزياء و الفلسفة، ترجمة :جعفر رجب، القاهرة: دار المعارف، دت.

9- ديفيز، بول: العوالم الأخرى، ترجمة: حاتم النجدي، ط1، سوريا: دار طلاس للدراسات و النشر، 1994.

10- ديفيز،بول ، براون، جوليان: الأوتار الفائقة، ترجمة: أدهم السمان،ط 1، دمشق: دار طلاس للنشر، 1993.

11- راسل، برتراند:تاريخ الفلسفة الغربية، الكتاب الثالث، ترجمة: محمد فتحي الشنيطي، مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب،1977.

12- رايشنياخ،هانز: نشأة الفلسفة العلمية، ترجمة: فؤاد  زكرياء، القاهرة: دار الكتاب العربي، 1968.

13- كوديرك، بول: النسبية، ترجمة: مصطفى الرقي، ط1، بيروت: منشورات عويدات ،1971.

14- لالاند، أندريه:موسوعة لالاند الفلسفية، ترجمة: خليل أحمد خليل، ج1، ط1، بيروت: منشورات عويدات، 1996.

15- مجموعة من العلماء: الزمان و المكان اليوم، ترجمة:وائل الأتاسي، ط1، سوريا: دار الحصاد للطباعة والنشر،2002.

16- موريس، ريتشارد: حافة العلم، عبور الحد من الفيزياء  إلى الميتافيزيقا، ترجمة: مصطفى إبراهيم فهمي، أبو ظبي: منشورات اﻟﻤﺠمع الثقافي، 1994.

17- هايزنبرغ، فيرنر: الفيزياء و الفلسفة، ترجمة: أحمد مستجير، ط1، القاهرة:المكتبة الأكاديمية،1993.

18- هايزنبرغ، فيرنر: المبادئ الفيزيائية لنظرية الكم، ترجمة: محمد صبري عبد المطلب، انتصار حسن الشبكي، ط2، مصر و الإمارات :كلمة و كلمات عربية للترجمة و النشر،2011.

19- ولسن،كولن: فكرة الزمان عبر التاريخ، ترجمة: فؤاد كامل، الكويت: سلسلة علم المعرفة،1992.

      20- Bohm, David; Wholeness and the implicate order, 2 Edi, London and new York; Routledge, 2005.

21- Klein, Etienne; Petit voyage dans le monde des quanta, paris; chanps Flammarion, 2004.

22- Nerlich, Graham; What spacetime explaine , Cambridge university press, 1994.

23- Newton, Isaac; Mathematical principles of natural philosophy, tra; Bernard cohen and anne Whitman, USA; university of California press, 1999.

24- Reichenbach, Hanz; The philosophy of space and time, tra; maria  Reichenbach, john  freund, new York; dover publication,1957.

 

([1]) – لالاند، أندريه:موسوعة لالاند الفلسفية، ترجمة: خليل أحمد خليل، ج1، ط1، بيروت: منشورات عويدات، 1996،ص154

([2]) – بسيلوس،ستاتس: فلسفة العلم من الألف إلى الياء، ترجمة: صلاح عثمان، ط1، القاهرة: المركز القومي للترجمة،2018،ص56-57

([3]) – Newton, Isaac; Mathematical principles of natural philosophy, tra; Bernard cohen and anne Whitman, USA; university of California press, 1999,p408

([4]) – Ibid, p 410

([5]) -جينز، جيمس: الفيزياء و الفلسفة، ترجمة: جعفر رجب، القاهرة: دار المعارف، دت ، ص 84-85

([6]) – بول كوديرك، النسبية، ترجمة: مصطفى الرقي ، ط1، بيروت: منشورات عويدات ،1971،ص37

([7]) – ألبرت اينشتاين، ليوبولد انفلد، تطور الأفكار في الفيزياء، ترجمة: أدهم السمان، سوريا: دار طلاس للنشر،1992،ص 143

([8]) – المرجع نفسه،ص 131

([9]) – المرجع نفسه، ص133

([10]) – رايشنياخ،هانز: نشأة الفلسفة العلمية، ترجمة: فؤاد  زكرياء، القاهرة: دار الكتاب العربي، 1968، ص 141

([11]) - Reichenbach, Hanz; The philosophy of space and time, tra; maria  Reichenbach, john  freund, new York; dover publication,1957, p273

([12]) – ألبرت اينشتاين، ليوبولد انفلد، تطور الأفكار في الفيزياء، ص 140-141

([13]) – ريتشارد موريس: حافة العلم، عبور الحد من الفيزياء  إلى الميتافيزيقا، ترجمة: مصطفى إبراهيم فهمي، أبو ظبي: منشورات اﻟﻤﺠمع الثقافي، 1994، ص204

* هناك تجربة مشهورة  أوبِرا (OPERA) و التي أقيمت من قبل مختبرات سيرن (CERN)بأوروبا ،حيث تم إرسال النيوترينوات لمسافة 700  كيلومتراً عبر نفقٍ تحت الأرض. و بعدها حاول العلماء حساب مدة الزمن المستغرق لعبور النفق فتبين أن النيوترينوات تسافر أسرع من الضوء بنسبة 60 جزء من المليار من الثانية و لم يتطور لدى العلماء فهم كامل أو تصور واضح حول ما جرى في هذه التجربة ،و قد طرحت مسألة المفارقات التي تثيرها.

([14]) – Nerlich, Graham; What spacetime explaine , Cambridge university press, 1994, p67-68

([15]) – كولن ولسن: فكرة الزمان عبر التاريخ، ترجمة: فؤاد كامل، الكويت: سلسلة علم المعرفة،1992،ص194

([16]) – المرجع نفسه، ص 205

([17]) – هانز رايشنباخ، نشأة الفلسفة العلمية، ص 136-137

([18]) – محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم، ط4، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1998، ص 438

([19]) – برتراند راسل، تاريخ الفلسفة الغربية، الكتاب الثالث، ترجمة: محمد فتحي الشنيطي، مصر: الهيئة المصرية العامة للكتاب،1977، ص495

([20]) – ديفيز،بول ، براون، جوليان: الأوتار الفائقة، ترجمة: أدهم السمان، ط 1، دمشق: دار طلاس للنشر، 1993، ص 42

([21]) – فيرنر هايزنبرغ،المبادئ الفيزيائية لنظرية الكم، ترجمة: محمد صبري عبد المطلب، انتصار حسن الشبكي، ط2، مصر و الإمارات :كلمة و كلمات عربية للترجمة و النشر،2011، ص12

([22])-رولان اومينيس، فلسفة الكوانتم، ترجمة: أحمد فؤاد باشا، الكويت: سلسلة عالم المعرفة ،2008، ص286

([23]) – جيمس جينز، الفيزياء و الفلسفة ،ترجمة: جعفر رجب، القاهرة: دار المعارف، دت ، ص40

([24]) – رولان اومينيس، فلسفة الكوانتم، ص 250

([25])-روجر بنروز، ابنر شيموني، فيزياء العقل البشري و العالم من منظورين، ترجمة: عنان علي الشهاوي،ط2، أبوظبي، القاهرة: كلمة وكلمات عربية للترجمة و النشر،2009، ص 13.

([26]) – مجموعة من العلماء: الزمان و المكان اليوم، ترجمة:وائل الأتاسي، ط1، سوريا: دار الحصاد للطباعة والنشر، 2002، ص74

([27]) – أمير أكزيل،التعالق أكبر لغز في الفيزياء، ترجمة: عدنان علي الشهاوي، ط1، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2008، ص238

([28]) – روجر بنروز، العقل و الحاسوب و قوانين الفيزياء،ص521

([29]) – رولان أومينيس، فلسفة الكوانتم ، ص290

([30]) – المرجع نفسه، ص292-293

([31]) – Etienne Klein, Petit voyage dans le monde des quanta, paris; chanps Flammarion, 2004, p158-159

([32] ) – David Bohm, Wholeness and the implicate order, 2 Edi, London and new York; Routledge, 2005,p237-238

([33]) – Ibid, p186

([34]) – بول ديفيز، جوليان براون،الأوتار الفائقة، ترجمة: أدهم السمان، ط 1، دمشق: دار طلاس للنشر، 1993، ص28


Updated: 2019-07-01 — 17:24

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme