الزهد الديني ومظاهره في شعر المعرّي Religious Asceticism and its Manifestations in Ma’ari Poetry


   

الزهد الديني ومظاهره في شعر المعرّي

Religious Asceticism and its Manifestations in Ma’ari Poetry

جهاد عبد القادر قويدر ـ ماجستير في اللّغة العربية وآدابها، جامعة البعث، حمص، سوريا

Gehad Abdulkader Kweder, Al-Baath University, Homs, Syria

مقال منشور في  مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 61 الصفحة 121.

   

Summary:

Abbasid era started and Islamic society lived in political circumstances and cultural, social development which have big influence on asceticism. It became a method for ascetics in their behavior and speech. It does not only mean leaving the life but it also means caring about the relation between human and Allah. Asceticism expands from fear and grief to love, and longing.

It also cares about cleaning the soul from sins. The religion motivation is the main factor to asceticism current.

In this research we will focus on the religious asceticism appearances in al-Maari’s poetry where asceticism in life and patience, belief in Allah and doomsday.

Keywords: Asceticism, Religion, Poetry, Abu al-Ala’ al-Ma’arri.

             

 

ملخص البحث:

تقوم الدولة العباسية ويشهد المجتمع الإسلامي في ظلها ظروفًا سياسية وتطورات اجتماعية وثقافية كان لها تأثيرها القوي في حركة الزهد، إذ أصبح الزهد سلوكًا لدى الزهاد في سلوكهم وأقوالهم، ولم يعد مجرد انصراف عن الدنيا خوفًا من الحساب بل أصبح إلى جانب ذلك يهتم بعلاقة الإنسان بالله تعالى، ومن ثم كان اهتمامه بتصفية النفس وتزكية القلب طريقًا إلى الاتصال بالذات العلية. واتسعت دائرة الزهد فلم تعد مقصورة على الخوف والحزن، وإنما أصبحت تضم كذلك الحب والشوق والرجاء، ولم يعد الحديث مقصورًا على الدنيا والعزوف عن متاعها وإنما أصبح يهتم بتطهير النفس من الآفات وتصفية القلوب من الشوائب.

إذ أن الدافع الديني -وهو الورع- هو العامل الأبرز لنشوء تيار الزهد، فهو الذي يدفع إلى التفكير فيما بعد الموت من حساب وعقاب، ومن ثم إلى الزهد في ملذات الدنيا خوفًا من هذا الحساب.

وفي هذا البحث سلطنا الضوء على مظاهر الزهد الديني في شعر المعري من حيث الزهد في الدنيا ومجاهدة النفس، والإيمان بالله والدار الآخرة.

الكلمات المفتاحيَّة:  الزهد، الدين، الشعر، أبو العلاء المعري.

1) المقدمة:

إننا نجد تعريفًا للزهد الديني على درجة عالية من الشمول في دائرة المعارف الإسلامية مادة [زهد] حيث تعرفه بأنه “الكف أولًا عن المعصية وعما زاد عن الحاجة، وترك ما يشغل عن الله، أو هو الكف عن أمور الدنيا جميعًا بتخلية القلب والتقشف التام وترك كل ما هو مخلوق”([1]).

واعتمادًا على هذا التعريف وغيره نجد أن الزهد الديني كما فهمه علماء المسلمين وزهّادهم هو اتجاه ديني أساسه التقشف والورع، وغايته تصفية النفس من أدران الحياة وشوائبها، وصرفها إلى الله سبحانه وتعالى، والعمل لما يقرّب منه طمعًا بجنته والفوز برضاه ومحبته.

وهذا التقشف قد يضيق مجاله ليكون زهدًا في بعض طيبات الحياة، وقد يتسع ليكون رغبة وابتعادًا عن كل ما سوى الله سبحانه من طيبات الدنيا وملذاتها على غرار ما نجد عند أبي العلاء المعري([2]) الذي ترك الدنيا واتجه إلى الله.

ومن الحالات النفسية والسلوكية الوثيقة الصلة بالزهد الإسلامي لدى المعري، الزهد في الدنيا إيثارًا للآخرة، والاتجاه القوي إلى الإيمان بالله تحت مشاعر الخوف والرجاء والحب إلى جانب التوكل عليه والتفويض إليه والاستسلام لقضائه والاجتهاد في طاعته طمعًا في الظفر برضاه وتزويدًا لليوم الآخر، ونهي النفس عن مطامعها الدنيوية وتطهيرها من آفاتها حتى تعمر بحب الله والدار الآخرة لا بحب الدنيا ومتاعها الزائل.

وهذا إلى جانب حرصه على الميل إلى العزلة وسلوك طريق العلم، وما يتصل بهذا كله من كثرة التفكير في الموت والقبر والحساب والجزاء، وشدة محاسبة النفس، والصبر على خشونة العيش وقسوة الحياة، وتجنب أسباب الشهرة والرياء، والتواضع والشجاعة في الحق، وليس من الضروري أن تتحقق كل هذه الأمور في الزاهد الواحد، وإنما لكل زاهد منها ما ينسجم مع تجربته الزهدية، ولكنها مع أبي العلاء المعري جاءت متحققة في أغلبها ومعظمها.

2) زهد المعري في الدنيا والإيمان بالله والدار الآخرة:

أ- الزهد في الدنيا ومجاهدة النفس:

لعلَّ الجانب الأهم من جوانب الزهد الديني هو زهد الدنيا، فالمؤمن الحقّ لا يزهد في الدنيا لذات الزهد ولا كراهية لها، وإنما رغبة في الآخرة وإيثارًا لها، ذلك أن “اللذة من حيث هي مطلوبة للإنسان، بل ولكل حيٍّ لا تذمّ من جهة كونها لذة، وإنما تذم ويكون تركها خيرًا من نيلها وأنفع إذا تضمنت فوات لذة أعظم منها وأكمل، أو أعقبت ألمًّا حصوله أعظم من ألم فواتها([3])، فالنفس الإنسانية لا تترك مألوفها ومحبوبها من ملاذ الدنيا وشهواتها إلا لمحبوب هو أحب إليها منه وآثر عندها منه، وكلما قوي تعلقها بمطلوبه ضعف تعلقها بغيره، وكذا بالعكس، والتعلق بالمطلوب يكون على قدر معرفة شرفه وفضله على ما سواه([4]).

والقارئ للآيات القرآنية التي تتحدث عن الدنيا ومتعاها يجدها مُزَهِّدة فيها، في حين أن الآيات القرآنية التي تتحدث عن الآخرة تكون مرغّبة فيها، من خلال المقارنة بين فناء الأولى وبقاء الثانية، وبين نقص النعيم في الدنيا وكماله في الآخرة، من ذلك قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ ۞ قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٍ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٌ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضۡوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ}([5]).

ومثل ما نجده في الحديث الشريف: “ما مَثلُ الدُّنيا في الآخرةِ إلَّا مَثلُ ما يجعلُ أحدُكم إصبعَه في اليمِّ فلينظُرْ بِمَا يرجِعُ”([6]).

وقد أكد كثير من العلماء أن الرغبة في الآخرة ونعيمها لا تتم إلا بالزهد في الدنيا، ولا يستقيم الزهد عند الإنسان إلا بعد النظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها من جانب، والنظر في الآخرة وإقبالها ودوامها وبقائها وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات من جانب آخر، فهي كما قال الله سبحانه: {وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٌ وَأَبۡقَىٰٓ}([7])، فالآخرة خيرات كاملة دائمة، والدنيا خيالات ناقصة منقطعة زائلة([8]).

إن الزاهد المؤمن الذي آثر الآخرة على الدنيا يمتاز بصفات هي: قوة الإيمان، وقوة العقل والبصيرة وقوة الإرادة.

إذ إن قوة الإيمان جعلت الزاهد واثقًا فيما وعد الله به من نعيم الآخرة، وموقنًا بما أخبر به عن هول الحساب والمحشر، وبما أعده الله جزاء للمتقين والعصاة.

وكذلك فإن قوة العقل والبصيرة جعلته يحسن الاختيار لنفسه حين آثر ما يبقى على ما يفنى “فلو أن الدنيا قصور وبساتين والآخرة أكواخ لكانت الآخرة أهلًا لأن تؤثر على الدنيا لبقاء تلك وفناء هذه”([9])، أما قوة الإرادة فإنها قد مكنته من قهر شهوات الدنيا في نفسه فجمع العلم إلى العمل.

ولعلَّ التذكير بالموت من أهم ما عوّل عليه الزهاد وعظًا لأنفسهم ولغيرهم، فمن كلام الحسن البصري: “ألا إن هذا الموت قد أضر َّ بالدنيا ففضحها، فو الله ما وجد بعدها ذو لبٍّ فرحًا”([10]).

فالموت هادم اللذات كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم([11])، وذكره يوجب التجافي عن دار الغرور، ويتقاضى الاستعداد للآخرة، والغفلة عنه تدعو إلى الانهماك في الشهوات([12]).

من هنا كان اهتمام المعري بتصوير أثر الموت في النفوس التي تذكره فينغص عليها مسرّة الدنيا، فالموت حسب تصويره يمحو كل ما سبق من سعادة فيكون مثل المِقِر الحامض يتناوله الإنسان بعد عسل النحل فلا يبقى له إلا المرارة (من الطويل):

أرى مَقِرًا في آخر العيش ِ كائنًا نَسيتَ له ما أطعمتكَ الجوارسُ([13])

وقد وجدنا المعري يتخذ من الموت وفناء الحياة منطلقًا من أهم منطلقاته الزهدية، فالموت وباء جامح يصيب الأمم جميعها ويقهر البشرية ويقضي عليها، لذلك فهو يقول (من الرجز):

ما خَصَّ مصرًا وَبَأٌ وحدَها أنبأنا اللبُّ بلقيا الروى هل فارسُ والروم والترك أو ناجيةٌ، في عزّ أملاكها بل كائنٌ في كل أرضٍ وَبَأْ([14]) فالغوث من صحة ذاك النَّبأ([15]) ربيعةٌ، أومضرٌ، أو سبأ أن يُظهرَ الدهرُ لها ما خبَأ؟([16])

إن لذة الدنيا مهما بلغت في كمّها ونوعها فإنها تافهة لا قيمة لها حين يكون مصيرها الفناء والزوال (من الطويل):

وهجَّنَ لذّاتِ الملوك زوالها كما غَدرَت بالمنذرين الهجائن([17])

لذلك صارت الدنيا في عينيه سرابًا خادعًا، ودارًا دائمة الهدم، يقول (من البسيط):

دنياك مثل سرابٍ إن ظننتَ بها والجسم للروح دارٌ طالما لقيت ماءً فخدَعٌ، وإن عَضبًا فتهويلُ([18]) هدمًا، وحُـقَّ لربِّ الدار تحويلُ([19])

فالدنيا لا تصلح دار إقامة لأن المقيم فيها لا يشعر بالأمان فيها (من الطويل):

لَعمرُكَ ما الدُّنــــيا بدارِ إقامةٍ ولا الحيُّ في حال ِ السلامة آمنُ([20])

وإننا في هذه الدنيا ضيوف لزمان لا يقدم من قرىً([21]) لضيوفه إلا الموت، والإنسان في دنياه مثل الضيف الذي ينتظر قِراه المتمثل في الموت ينتظره في كل لحظة، ولكنه إذ لا يصبر على الجوع فهو يتناول ما يتعلل به قبل الغداء، ويصور المعري هذا المعنى العميق في قوله (من البسيط):

إنّا ضيوفُ زمانٍ ما قِراه لنا إلا المنايا، ونحن الآنَ في اللُّهَنِ([22])

فليس من المستغرب أن يعيش المعري في الدنيا غريبًا لا يركن إليها، يكفيه من المال ما يقوم بقوته الضروري، ومن البلد مسكن يأوي إليه، ويقول (من المتقارب):

لبيبٌ إلى الدّهرِ لا يَركنُ فحسبي من المال قوتي به وإنقاذيَ النفسَ لا يُمكنُ وحسبي من البلد المسكنُ([23])

ويدرك المعري أنه يقصد الموت فلا ينشغل بأعراض الدنيا الزائلة، بل إنه يأخذ منها قوته يومًا بيوم، ويتقوى على العبادات شأن المسافر الذي يتوقع أن يحط رحاله في أي وقت، فتراه يقول (من الوافر):

أُقضِّي الدهر في فِطرٍ وصومٍ وأعلمُ أن غايتي المنايا وآخذ بُلغةً يومًا بيومِ فصبرًا! تلك غايةُ كل قومِ([24])

وهو في حياته يقضيها يومًا بيوم زاهدًا متقشفًا يطمح بفكره إلى ما بعد هذه الحياة، يطمح إلى الدار الآخرة حيث هي الموطن الدائم، ولذا فانه يسأل الله أن يعجّل سيره إلى هذا الموطن، وأن يرفق بنفسه عندما يقبضها إليه وأن يعفو عن ذنوبه، يقول (من السريع):

لباسي البرس فلا أخضرٌ وقوتي الشيءُ أبى مثله وأسأل الخالق من عزِّهِ سَيرًا إلى الموت وعفوًا إذا والرفق بالنفس لدى بينها ركنت والناسَ إلى هذه الدنيا ولا خلوقي، ولا أدكن([25]) فصيحُ هذا الخلق والألكن ما لم يكن إلاّ لهُ يمكن([26]) مَتُّ ففي الآخرة ِ المَوكنُ([27]) عن جسدٍ ظلّت به تسكنُ فخانت عهدَ من يركنُ([28])

ونوال مغفرة الله هي كل ما يرجوه المعري، وهو أمل إن ظفر به فإنه لا يأسف على ما فاته من لذة الدنيا، لأنها فانية لا يحرص عليها، فلا عجب أن رضي بها خشنة غليظة تعافها نفس الحريص، ويقول (من المنسرح):

دار إذا أسمَحَت بلذّتِها إن غفر الله لي فلا أسفٌ أكلتُها جمرةً، حرارتُها فإنَّ بؤسًا وراءَ أنعُمها على الذي فات من تنعُّمها صدّت أخا الحرصِ عن تَطعّمها([29])

وإن تقوى الله عزَّ وجلَّ هي خير ما يتزوّد به الإنسان لآخرته، وقد اتخذها المعري كنزه وذخره الذي يلقى به مولاه غنيًا من الدنيا بقوت يقم صلبه، وطمر يستر بدنه، لا يطمح إلى جاه يعلي قدره، إذ أي نفع لعلو القدر إذا كانت الغاية نزولًا لا بد منه إلى القبر. يقول (من البسيط):

القبرُ لا ريبَ منزولٌ فما أَرَبي قوتي غِنايَ، وطِمري ساتري، وتُقى إلى ارتقاءِ رفيعِ السَّمكِ مصعودِ مولايَ كنزي، ووِردُ الموتِ موعودي([30])

وإذا كان غيره يدّخر المال لحياته فإنه جعل تقاه ذخره عند ربّه([31])، كذلك فإن كان غيره يرى ربحه في المال يجمعه فإنه يعدّ أسمى الربح فعل التقى([32]).

وبتلك النفس الغنية بقناعتها ورضاها بما قسم الله، وبهذا الفقه المستبصر للدنيا على أنها كلها فضول، زائدة فوق الحاجة عدا هذه الضرورات التي تحفظ الحياة وتصون الكرامة وترقى بالعقل والنفس، وقبل ذلك بتوكل على الله وحده رازقًا لا يضيع من خَلَق، بهذا كله عاش الزاهد أبو العلاء المعري عزيز النفس لا يمدّ عينيه إلى ما مُتِّع به غيره من زهرة الحياة، فهو يتلو قول الله: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٌ وَأَبۡقَىٰ}([33])، وهو إذا سأل  فإنما يسأل الله، لأنه هو وحده الجدير بالسؤال، فهو وحده الغني والناس جميعًا فقراء. “إنَّ من فتح الله عين بصيرته لا يصح أن يعلّق قلبه بمخلوق، لأنه يجد الخلق كلهم فقراء لا يملكون شيئًا مع الله تعالى”([34]).

ويصور المعري هذا المعنى فيقول (من الهزج):

فقيــــــرٌ كــــلُّ مــــــن فــي الأرْ ضِ إنَّ العبدَ لا يملكْ([35])

فالناس جميعًا في الأرض عبيد لله سبحانه، والعبد فقير لا يملك، فأولى بمن كان عبدًا لله ألاّ يدّعي ملكًا لأن الملك لله وحده، فإذا تفضل سبحانه على إنسانٍ بالغنى كان ذلك عارية لا بدَّ من ردّها، وهو ما صوّره المعرّي بقوله (من البسيط):

الملكُ لله، من يظفر بنَيلِ غنىً يَرْدُده قسرًا وتضمن نفسُه الدّركا([36])

إن الدّارس لتجربة الزهد الدينية عند أبي العلاء المعري يجدُ فيها ما يستدعي التوقف مليًّا في محاولة لتبيّن الجديد فيها، وما عساه أن يكون وراءها من تأثر بثقافات غير إسلامية.

وقد خاض أبو العلاء المعري غمار تجربة زهدية فريدة من نوعها، كمًّا ونوعًا، إذ استمرت قرابة الخمسين عامًا فرض على نفسه فيها حياة بالغة القسوة، فكان طعامه البقل، ولباسه خشن القطن، وفراشه سجادة من لباد في الشتاء وحصير البَردي في الصيف، كان يعيش على إيراد يسير يأتيه من وقفٍ له مقداره بضعة وعشرون دينارًا في السنة، يدفع نصفه أجرًا لخادم وورّاق، ويعيش عامه بالنصف الثاني، فإذا ضاق هذا القدر الضئيل عن الوفاء بضرورات العيش تخلّى عما يطيق الاستغناء عنه، دون أن يشكو فقرًا، أو يسعى إلى زيادة في رزقه، بل إنه رفض ما عُرضَ عليه من الهدايا والصلات والمنح، مثلما رفض التكسب بشعره، ولو قبل شيئًا من ذلك لكان من أثرياء عصره([37]).

ومن ذلك ما يرويه المؤرخون من أن المستنصر بالله الفاطمي حاكم مصر بذل له ما ببيت المال بالمعرة من الحلال، فلم يقبل شيئًا وقال (من مجزوء الكامل):

لا أطلب الأرزاق والـمولى إن أُعطَ بعض القوت أعـلَم يفيض عليَّ رزقي أن ذلك فوق حقي([38])

فهو يرفض أي زيادة في موارده، لأنه يرى في قبوله تلك الزيادة ظلمًا لغيره يتورّع عنه لأنه حين يأخذ فوق حقه فإنما يأخذ حقّ غيره، وغناه هو لن يكون إلا بفقر إنسان آخر، وهو ما يصوره قوله (من الوافر):

غِنى زيدٍ يكون لفقر عمرو وأحكام الحوادثِ لا يُقَسْنَه([39])

وهذه نظرة عميقة من المعري تحمل بعدًا اجتماعيًا إلى أسباب الغنى والفقر بين الناس تردها إلى قسوة بعضهم على بعض، وإلى إخلالهم بالأوضاع الطبيعية التي وضعها الله لهم، حين خلق لهم ما في الأرض جميعًا، وأراد الكرامة لهم جميعًا، وأمرهم أن يتراحموا ويتعاونوا ويتكافلوا فتناسوا ذلك، ودفعت الأنانية والجشع وغريزة التملك وحب المال حرامًا وحلالًا، وهم بذلك قد ابتلعوا حقَّ غيرهم وكانوا سببًا في حرمانهم من نعم الله وأرزاقه، وصار الحال كما قال الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: “ما مُتِّعَ غنيٌّ إلا بما جاع به فقير”([40]).

وهو وضع يشكو منه العالم في عصرنا الحديث الذي انقسم إلى أغنياء يستحوذون على حقوقهم وحقوق غيرهم، ويستأثرون بعلمهم وإمكاناتهم ودهائهم وجشعهم على ثروات الأرض على حين لا يبقى لغيرهم إلا الفتات الذي لا يقيم حياة ولا يسدُّ جوعًا([41]).

وفي نظر أبي العلاء المعري إنَّ هذا الغنى لا معنى له إلا ظلم الآخرين وسلب حقوقهم، وزيادة عدد الفقراء والمعدمين، وهو ما تورع عنه في بيتيه السابقين حين رفض عرض الخليفة الفاطمي السخيّ كما رفض غيره، واكتفى برزقه الذي يفيضه عليه مولاه سبحانه وتعالى يرى فيه الحلال الخالص، وكانت لديه القدرة على التعفف عمّا يعجز عن الحصول عليه بمورده اليسير، وكان صادقًا حين قال (من مجزوء الرمل):

عِشْتُ من أيسرِ حلٍّ وتشَبَّهتُ بظلِّ([42])

حتى أنه تمنى، لو استطاع، أن يترك طعامه كله حتى لا يظلم أحدًا (من المنسرح):

من لي بترك طعام أجمع إنْ نَ الأكل ساق الورى إلى الغَبَنِ([43])

إنَّ التورّع عن ظلم الآخرين وتحرّي الحلال الخالص كانا وراء تقشّف المعري، كما تبين لنا فيما سبق، وهذان سببان يدخلان في الورع الذي يعد من أهم سمات الزهد، والتقشف من منظور الزهد الديني وكما يراه المعري لا يكون إلا تدينًا وتقربًا إلى الله، فنراه يقول (من البسيط):

الدّينُ هجرُ الفتى اللذاتِ عن يُسُرٍ في صحّةٍ واقتدارٍ منه ما عَمِرا([44])

ويقول (من المجتث):

إذا خمِـــصـــــتُ قــــــلـــيــــــلًا عَدَدْتُ ذلك قُربَه([45])

والمعري يتشدد في فهمه للدين حين جعله هجرًا للذات مع يسرٍ في الحصول عليها، فالدين لا يحرّم التمتع بلذات الحياة في إطار ما أحلَّه الله من الطيبات، والمحرمات المنهي عنها معلومة ومحدودة، ولعلَّ الشاعر قصد بالدّين (الزهد) وهو زهد الأغنياء والقادرين في التمتع بطيبات الحياة، وهو أعلى درجات الزهد وأدلّه على صدق الإيمان وقوة الإرادة والسيطرة على النفس حتى إنه ليحرمها من شهوات تحيط بها وتكون في متناولها تقرّبًا إلى الله “فالزهد لا يدلّ على قوة النفس إلا حين يتضمن معنى الحرمان، والحرمان مما تملك أقسى وأصعب من الحرمان مما لا تؤمل، لأن الملك يغريك بالحرص ويطمعك في المزيد، أما المأمول فهو سراب، والخفة إليه لا تضمن في جميع الأحوال، فالزهد فيه فضيلة الفارغين”([46]).

فالزهد الصادر عن تدّين وورع لا يكون إلا لمن أقبلت الدنيا فرغب عنها، فهو زهد عن قدرة ويسر كما أراد أبا العلاء المعري، أما زهد الفقير العاجز عن التمتع فهو إدعاء يفتقد الدليل على صدقه، فكم فقير ادعى الزهد تجملًا حتى إذا أمكنته الحياة من التمتع ظهر كذب ادعائه.

وهو رأي يتفق مع قول عبد الله بن المبارك([47]) ردًّا على من ناداه “يازاهد”: “الزاهد عمر بن عبد العزيز([48]) إذ جاءته الدنيا راغمة فتركها، وأما أنا ففيما ذا زهدتُ؟”([49]).

من جهة أخرى فقد وجدنا المعري في بيته الشعري الذي ذكرناه أخيرًا يتقرب إلى الله بالجوع وهو مذهب أخذ به بعض زهاد الصوفية، فقد رأوا في الجوع معينًا على المعرفة التي يطلبونها، كما حدث مع أبي يزيد البسطامي([50]) حين سُئل: بأيّ شيء وجدت المعرفة؟ فقال: “ببطن جائع وبدن عارٍ”([51]).

وذلك لأنه “إذا جاع القلب وعطش صفا ورقّ، وإذا شبع وروي عمي” على حدّ قول أبي سليمان الداراني([52]) ولعلَّ من أهم النقاط التي يتوقف عندها الدارس لتجربة الزهد عند أبي العلاء المعري في محاولة لتفسير مصدرها هي امتناعه عن أكل لحم الحيوان وما يخرج منه من اللبن والبيض والعسل، وهو من بين ما فرضه على نفسه في منهجه الزهدي القاسي، وظلَّ عليه ثابتًا مدة تزيد على خمس وأربعين سنة([53]) أي منذ فرضه على نفسه إلى أن توفي.

وهناك شعر كثير للمعري يتناول مسلكه الزهدي هذا يشير إلى أنه كان يصطنعه تدينًا لما في ذلك من رحمة بالحيوان وتجنب لظلمه وأذاه من مثل قوله (من الطويل):

أبى الله أخذي دَرَّ ضأنٍ ومـــاعزٍ وإدخاليَ الأمرَ المضرَّ على السَّخَلِ([54])

وقوله (من البسيط):

لا أَشرَكُ الجدْيَ في درٍّ يعيش به ولا أروعُ بناتِ الوحشِ والضانِ([55])

وقوله (من الطويل):

غدوتَ مريضَ العقلِ والدين فالقَني فلا تأكلَنْ ما أخرجَ الماء ظالمًا وأبيضَ أمّاتٍ أرادت صريحه ولا تفجَعَنَّ الطيرَ وهي غوافلٌ ودعْ ضربَ النحلِ الذي بكرت له فما أحْرزَته كي يكون لغيرها مسحْتُ يدي من كلّ هذا فليتني لِتسمعَ أنباءَ الأمورِ الصَّحائحِ ولا تبغِ قوتًا من غريض الذبائح([56]) لأطفالها دون الغواني الصرائح([57]) بما وضعتْ فالظلم شرُّ القبائحِ كواسبَ من أزهار نبتٍ فوائحِ([58]) ولا جمَعتهُ للنّدى والمنائحِ([59]) أبَهْتُ لشأني قبل شيبِ المسائحِ([60])

وهنا نرى المعري في أبهى صور الرحمة بالحيوان والرفق والإشفاق عليه، وبذلك يكون قد سبق الأوربيين بمئات السنين حين ادعوا رفقهم بالحيوان وأنشئوا لهذا الغرض الهيئات والجمعيات التي تدّعي المحبة المطلقة لكل كائن حيّ.

وقد أدرك أبو العلاء أنّ من ينسب إلى الدين يرغب في هجران اللحوم لأنها لم يوصل إليها إلا بإيلام حيوان، وفي ذلك تقرّب إلى الله تعالى واجتهاد في التعبد ومبالغة في الزهد والتعفف يرجو أن يجازى عنه بغفران خالق السماوات والأرض، والمتدينون لم يزالوا يتركون ما هو لهم حلال مطلق، والأنبياء والمجتهدون من الأئمة يقصرون نفوسهم([61]) ويؤثرون بما يفضل منهم أهل الحاجة([62]).

والجدير ذكره أن ما قاله المعري في لزومياته من شعر في الحيوان والطير –وهو كثير– يدل على تعاطف كبير معهما، ورحمة بالغة بهما، وكذلك ما يكنّه من حبّ غامر لهما، حتى إنه ليمتدح من صفاتهما ما يفتقده في الإنسان([63]) ويشفق عليهما منه أن يصيبهما ظلمه وقسوته فيوصيهما بأخذ الحذر منه، فإذا دهمهما خطب بكى لهما([64])، ويشتد به الأسى حين يرى إنسانًا يستولي على ثمار تعبهما ويَعُدُّ ذلك ظلمًا وجناية([65])، وينبغي على الإنسان أن يجور عليهما([66])، ويحثه على الإحسان إليهما([67])، ويوصيه بالتصدق عليهما، إلى غير ذلك مما يصور ما يفيض به قلبه من رحمة لا حدود لها ورقّة قلَّ أن نجد لها مثيلًا حتى إنه ليوصي بأن يُصنع حذاؤه من الخشب ضنًّا بجلد الحيوان الذي لا يُحصَل عليه إلا بذبحه فيقول (من السريع):

فاجعل حذائي خشبًا إنني أريد إبقاءً على الدَّارش([68])

إن رحمة المعري لم تكن قاصرة على الحيوان والطير بل كانت هذه الرحمة طبعًا أصيلًا وقويًّا عنده، إذ يظهر في كثير من سلوكياته وأخلاقه حتى أنه يعدُّ من أهم مفاتيح شخصيته.

كذلك فإن امتناع المعري عن أكل الحيوان قد جاء متلائمًا مع طبيعته وأخلاقياته من ناحية، وفهمه للتدّين والتعبّد من ناحية أخرى، فليس هناك مانع من أن يكون قد تأثر في ذلك ببعض المذاهب غير الإسلامية التي تصطنع هذا المسلك الزهدي (كالجينية) مثلًا، وهو من المذاهب الهندية الدينية القديمة ومن أهم مبادئه الخلقية عدم الإيذاء، وهو دين مسالم يبالغ كل المبالغة في البعد عن العنف حتى إنه يكره قتل الهوام والحشرات الصغيرة، وأشد أنواع الجنايات وأفظعها لدى الجينيين الاعتداء على الحياة والعنف والتشدد، ولهذا فهم يحرّمون قتل الحيوان وأكل اللحوم([69]).

ومن المؤكد أن الفلسفة الهندية كانت معروفة للعرب في هذا العصر، وفي شعر أبي العلاء المعري ما يدل على اطلاعه عليها فهو يذكر كثيرًا من مبادئها، بل إنه لا يخفي إعجابه ببعضها([70]).

من جانب آخر فإن أكبر عقبة في طريق الزاهد هي نفسه، لذلك فإن مجاهدتها من أهم الأولويات التي سجلها شعر المعري الزهدي حين أشار إلى أن النفس أمارة بالسوء، وهي منبع الشر، فنراه يتهمها بالخيانة الشديدة، لأنها ضعيفة لا تقوى على الصمود أمام مغريات الحياة وألاعيب الشيطان، تعرض عن طريق الهدى، وتخفّ إلى سوق الضلال. فيقول (من الطويل):

وراحلتي نفسٌ خؤوْنٌ كأنها لَجونٌ إذ بانَ الهدى لا تَؤُمُّهُ من الضعف شاةٌ في السّوامِ رَغومُ([71]) وإنْ لاحَ نهجُ الغَيِّ فهي سَعُومُ([72])

وقد اهتم المعري بإخراج الدنيا من قلبه ونفسه، فلا يعمرها إلا حبّ الله والتقرب إليه بالعبادات خالصة نقية من الشوائب بعيدة عن الرياء، لأنه كان يعلم أن أخطر آفات النفس “الرياء” يقول (من الطويل):

إذا ما فعلتَ الخيرَ فافعله خالصًا لربِّك، وازجرْ عن مديحكَ ألسُنا([73])

وقد أكثر المعري من ذكر العبادات بأنواعها كالصلاة والصيام والزكاة ليطهّر من خلالها نفسه ويقمع هواها، إذ إنه نشط في مجاهدة هذه النوازع والميول فيها، واهتم بتزكيتها وتنقيتها من آفاتها، كما في قوله (من الوافر):

أُقَضّي الدّهرَ من فطرٍ وصومِ وآخذ بُلغةً يومًا بيومِ([74])

ويقول مخاطبًا الدنيا (من مجزوء الرمل):

لك أوقاتي فخلّــني إذا قمتُ أصلّي([75])

وكذلك نراه ناصحًا نفسه وتلامذته فيقول (من الوافر):

خذوا سيري فهنَّ لكمْ صلاحُ وضلّوا في حياتِكمُ وزكّوا([76])

ومن المظاهر التي صورها شعر الزهد في جهاد النفس هي المواعظ التي كان الزهّاد يقدمونها لأنفسهم، يلومونها على غيّها، ويحثونها على الرجوع إلى طريق الله والتوبة، ويذكرونها بالموت والحساب حتى تستدرك ما فرط منها وتبادر إلى اتخاذ الزاد، كما في قول المعري (من الطويل):

بَدار بَدارِ الخيرَ ياقلبُ تائبًا ألستَ بِدارٍ أنَّ منزليَ الرَّمسُ([77])

ب – الإيمان بالله والدّار الآخرة:

ينطلق الزّهاد في زهدهم من إعمار قلوبهم بتقوى الله والإخلاص له والإيمان به إلهًا واحدًا لا شريك له، هو وحده الخالق والرازق والمدبرّ، وهو المهيمن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، كذلك فإنهم يحبون الله ويشعرون بقربه منهم وقربهم منه، ويعرفون ما يسبغه عليهم من اللطائف، وما يخصهم به من الرّعاية، وهم بكل ذلك متوكلون على ربهم يسلمون إليه أمورهم، ويفوضونه في شؤونهم، ويثقون بفضله ورحمته، ويتقبلون كل ما يقضي به عليهم بالرضا والتسليم، مقدرين أن الله يختار لهم الأفضل.

ولعلَّ المعرّي من أهم الشعراء الزّهاد الذين دعوا في أشعارهم إلى الإيمان بالله وعبادته فها هو يعلن براءته من الناس الذين لا يعبدون الله فيقول (من الطويل):

إذا قومُنا لم يعبدوا اللهَ وحدهُ بنصحٍ فإنا منهمُ بُرَآءُ([78])

كذلك فإنه يطالب الإنسان أن يكون دائم الذكر لله في كل الأوقات عندما يستيقظ من نومه صباحًا وعندما يخلد إلى نومه ليلًا فيقول (من الكامل):

اذكر إلهكَ إنْ هببتَ من الكرى وإذا هَمَمْتَ لهجعةٍ ورقادِ([79])

ومن تمام الإيمان بالله التسليم بقضاء الله وقدره مع الرضا التام بذلك الأمر فهو مفتاح سعادة الإنسان في الدارين الدنيا والآخرة، فنراه يقول (من الطويل):

فسلِّم إلى اللهِ المقاديرَ راضيًا ولا تسألَنْ بالأمر غير خبيرِ([80])

ويقول أيضًا (من الطويل):

إذا كنتَ باللهِ المهيمنِ واثقًا فسلِّم إليه الأمرَ في اللّفظِ واللّحظِ([81])

وعلى الإنسان أن يكون راضيًا بقضاء الله وقدره دون أن يظهر التذمّر والسخط كي ينال ثوابَ ربه فيقول (من الوافر):

رضًا بقضاءِ ربِّكَ فَهْو حتم ولا تُظْهِرْ لحادثةٍ وُجُوما([82])

ومن أهم أوجه الإيمان بالله عند المعري التوبة المترافقة مع الإخلاص حتى ينال الإنسان مغفرة الله سبحانه وتعالى، فيقول (من الكامل):

وإذا الذنوبُ طَمَتْ فأخلِصْ توبةً لله يُلْفَ بفضلهِ غَفّارَها([83])

وتقوى الله والخشية من جبروته وعظمته هي سنة الزاهدين، والمعري يسلك هذا المسلك حتى يخاطب الإنسان قائلًا (من مجزوء الخفيف):

اتَّقِ الواحدَ المهيـ ـمنَ، فاللهُ أوَّلُ([84])

وقدرة الله عز وجل تتجلى في الموجودات كلّها، ويكفي أن ينظر الإنسان إلى نفسه ليجد الآيات العظيمة التي تدل على عظمة المولى جلَّ شأنه، وفي ذلك يقول المعري (من السّريع):

أما يرى الإنسانُ في نفسه آياتِ ربٍّ، كلُّها غُرُّ([85])

وكذلك يدعو المعري للنظر في هذا الكون المترامي الأطراف بما فيه من نجوم وكواكب فيقول (من السريع):

سبحانَ من سخر نجمَ الدُّجى والبدرَ في قدرته يَسْلُكانْ([86])

كذلك فقد ظهر تعلّق قلب الزاهد بالدار الآخرة، مما استدعى ذكره الدائم للموت وما بعده من هول الحساب وعذاب النار، كما أشار إلى ذلك المعري حين تحدث عن زاد الآخرة المتمثل في التقوى كي ينجو من فزع الحساب وأهواله، ويلقى ربه بقلب نقيٍّ من الخطايا، متأملًا رحمة الله التي سوف تمثل له طوق النجاة، وهو بذلك لا يخشى الموت لأنه يريحه من شقاء الدنيا ومتاعبها، ويصور هذا بقوله (من السريع):

تقواك زادٌ، فاعتقد أنه آهٍ غدًا من عَرَقٍ نازلٍ ثوبيَ محتاجٌ  إلى غاسلٍ موتٌ يسيرٌ، معه رحمةٌ وقد بلونا العيش وأطوارَه تقدَّمَ الناسُ، فيا شوقنا ما أطيبَ الموتَ لشرّابهِ أفضل ما أودعته في السّقاءْ([87]) ومهجةٍ مولعةٍ بارتقاءْ([88]) وليتَ قلبي مثلَهُ في النَّقاءْ خيرٌ من اليُسر وطولِ البقاءْ فما وجدنا فيه غيرَ الشقاءْ([89]) إلى اتباع الأهلِ والأصدقاءْ إنْ صحَّ للأمواتِ وشكُ التقاءْ([90])

وأبو العلاء المعري يذكر الموقف العسير يوم الحساب، وهو يوم مشهود، يجمع الخلق، وتظهر فيه السرائر، حتى أنه يتمنى عدم القيام للحساب يوم القيامة حين يخرج الناس من قبورهم فنراه يقول (من المتقارب):

فيا ليتني هامدٌ لا أقوم إذا نهضوا ينفضونَ اللَّمَمْ([91])

ويبدو المعري في هذا البيت متأثرًا بقوله تعالى: {إِنَّآ أَنذَرۡنَٰكُمۡ عَذَابا قَرِيبا يَوۡمَ يَنظُرُ ٱلۡمَرۡءُ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلۡكَافِرُ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ تُرَٰبَۢا}([92]).

لقد آمن الزهاد ومنهم المعري بأن الدنيا مزرعة للآخرة، وبدافع من خوفهم عقاب الله، ورجائهم رحمته ورضوانه أقبلوا على الله بهمة عالية يتقونه حقَّ تقاته، ويراقبونه أشدَّ مراقبة، ويجتهدون في طاعته، لذلك أدرك المعري أن العزّةَ والمكانة الرفيعة للإنسان لا تكون إلّا في الدار الآخرة، فيقول (من البسيط):

لا خيرَ للمرء إلاّ خيرُ آخرةٍ يبقى عليه، فذاكَ العِـزُّ والشَّرفُ([93])

ومهما قيل في عقيدة أبي العلاء، وعن حقيقة تدينه([94]) فإنَّ ما أثر عنه يدل على أنه كان قويّ الإيمان بالله، يتقيه، ويحث على تقواه، ويكثر من عبادته، وكان على حظٍّ كبير من ورع النفس، ونقاء القلب والضمير والتمسك بالفضيلة، ويدل كذلك على أنه كان صادقًا في زهده، بل إنه ليلتقي مع الصوفية في مبادئهم، ويتحلى بكثير من أخلاقهم([95]) وقد تبين لنا هذا في أشعاره.

ومن الطبيعي أن يأتي المعجم اللغوي عند المعري مصورًا الأفكار التي دار حولها شعره الزهدي، والمعاني التي ألم بها، ومصورًا لأحاسيسه وعاكسًا ثقافته ومذهبه العلمي([96])، ومتلائمًا مع طبيعة ذلك الشعر من الذاتية والارتجال والخطابية والشعبية.

وإذا كانت تجربة الزهد تجربة ذاتية للمعري فإنها تصدر عن عاطفة قوية، وتغذيها مشاعر نفسية حادة من الحب والخوف والرجاء وعزة النفس وازدراء الحياة، وما إلى ذلك من المشاعر التي تصل بقوتها وعمقها إلى أن تأخذ صاحبها بحياة الزهد على ما في تلك الحياة من شدة على النفس ومعارضة لما طبعت عليه من إيثار المتعة العاجلة.

والقارئ لا يشعر بتـأثير الزهد في نفسه إلا إذا تضافرت جميع أجزاء المشهد الزهدي وجوانبه اللفظية والمعنوية حتى يأخذ الزهد تأثيره ووقعه لدى المتلقي، حتى أن المتتبع شعر الزهد عند المعري سوف يجد بلا شك أثر الثقافة الواسعة والمتنوعة في معجمه الشعري مما يطول به المقام.

ولعل من أهم ما يتسم به المعجم في شعر الزهد عند المعري تجنب الغريب، فالكلمات والتراكيب فيه واضحة المعنى، كثيرة الاستعمال، مألوفة لا تكاد تخفى على عامة الناس.

وهذا أمر طبيعي في شعر الزهد لأنه “يتجه أساسًا إلى الجماهير فمن الطبيعي أن يستمد مادته منها”([97]) وأن يضع في مخاطبتها اللغة القريبة منها والإسراع إلى مداركها وقلوبها لأنه لا يهدف إلّا إلى الفهم والتأثير، وهو في هذا يختلف عن الأدب الرسمي الذي يتجه إلى الخواص، وينظر فيه إلى جائزة الممدوح وتقريظ النّقاد، وحينئذٍ يكون الإغراب في اللغة والتصنع في الأسلوب من بين ما يتوصل به إلى ذلك سيرًا على طريقة الفحول من الشعراء([98]).

وقد فطن أبو العتاهية واضع الأسس الأولى لشعر الزهد إلى هذه السمة ورآها الأكثر ملاءمة لطبيعة شعر الزهد وسجل الفرق بينه وبين غيره في قوله الشعر: “فالصواب أن تكون ألفاظه مما لا يخفى على جمهور الناس مثل شعري، ولا سيما الأشعار التي في الزهد، فإن الزهد ليس من مذاهب الملوك، ولا من مذاهب رواة الشعر ولا طلاب الغريب، وهو مذهب أشغف الناس به الزهاد وأصحاب الحديث والفقهاء وأصحاب الرياء والعامة وأعجب الأشياء إليهم ما فهموه”([99]).

وجاء شعره تطبيقًا لذلك الرأي، فرغم أن السهولة كانت سمة عامة لشعره إلا أن نصيب شعر الزهد منها كان أكثر، فقد كان يشتق أسلوبه فيه من لغة الحياة اليومية ببغداد، وابتعد فيه عن الغرابة والتعقيد كما ابتعد عن العجمة([100]).

وهناك سبب آخر وراء هذه السمة اللغوية من السهولة والبساطة والبعد عن التصنع والتعقيد ما أمكن، ذلك أن كثيرًا من شعر الزهد جاء مرتجلًا تحت وطأة عاطفة حادة عند المعري، بدليل أن أغلبه جاء على شكل مقطوعة قصيرة تصويرًا لفكرة واحدة بطريقة عفوية لا يهمها إلا التنفيس عما تجيش به النفس دونما تفكير في التقاليد الفنية الموروثة([101]).

والأمثلة على ما يتسم به شعر الزهد عند المعري من السهولة والبساطة كثيرة يمكن ملاحظتها في كل ما تقدم من أنموذجات الزهد، وإن كانت درجة تلك السهولة تتفاوت من موقف إلى آخر ومن مقطوعة إلى أخرى، وهذا ما تم الوقوف عنده سابقًا.

ومن الجدير ذكره أن أسلوب المعري في شعره الزهدي يمتاز بالإيجاز وقلّ أن يُسْهب، وتغلب عليه الألفاظ الجزلة التي قد تصل أحيانًا إلى الغرابة، ولكنها ليست بعيدة عن العلماء والأدباء لأنها تخاطبهم قبل غيرهم.

وظل المعري في لزومياته الزهدية يكثر من ألوان البديع والمعاني والبيان فيها([102])، ولغته في شعره الزهدي لغة الخاصة من العلماء والأدباء وليست لغة عامية ولا وحشية غريبة، فهو قلّ أن يجهل كلمة قالها العرب، وكان لا بدّ لهذه الثروة اللغوية الضخمة أن تظهر في شعره، ولكنه كان، على ما في لغته من ثراء، دقيقًا في اختيار ألفاظه، لم يستعمل العامّي لركاكته ولا الوحشي لجهامته، بل اقتصر على الكلام الخاصي لفصاحته وملاحته([103]).

ولا يكاد القارئ يجد في شعره الزهدي كلمة وردت حشوًا يمكن أن يستغني عنها، فقد كان يضع الكلمة بموضعها، وإن كانت أحيانًا غريبة بعض الغرابة لأنها تدل على المعنى الذي أراده منها. ولكن لا يمكن تبرئة المعري من رغبته أحيانًا في استعمال ألفاظ تدل على قوة لغته وإظهار براعته وتفوقه وسيطرته على اللغة، كما لاحظ الدكتور طه حسين([104]) الذي نظر إلى هذا التصنع على أنه لون من ألوان “العبث”([105]) لا يقصد به إلى مجرد التظرف الفني، ولا إلى مجرد التفكّه ولا إلى الجمال الفني الخالص وحده، وإنما يقصد به إلى هذا كله وإلى إظهار البراعة والتفوق اللغوي.

يبقى أن نقول: إن شعر الزهد له مذهب خاص يختلف عن مذهب الشعر التقليدي الموروث أو الشعر المجرّد المرصّع بالبديع وأفانين التصنّع، إنه مذهب الجمهور الأعظم من الشعب الذي لا تعجبه الألفاظ الغريبة والأساليب المعقدة والمتكلفة، وإنما تعجبه الألفاظ السهلة القريبة إلى فهمه، والأساليب البسيطة المناسبة لإدراكه لأنها سريعة المثول في قلوب الناس والتأثير في نفوسهم، فنراهم يتناقلونها فيما بينهم ويرددونها في إعجاب وتأثير بالفن ويحفظونها دون عناء أو صعوبة… وفي الوقت الذي نرى الشعراء فيه يتفننون في تجويد شعرهم ويتأنقون في اختيار ألفاظه وصوغها، ويتصنعون في تركيب أساليبه وتزيينها بألوان البديع والمحسنات نجد شعر الزهد بعيدًا عن هذه الحركة التصنيعية يسير في خطه الطبيعي الذي يلائم موضوعاته وأفكاره، ويناسب اتجاهه الشعبي في وعظ الناس وتذكيرهم.

وبعد هذا كله يمكننا أن نقول: إن شعر الزهد عند المعري قد تميز في جوانب كثيرة منه بسمو المعنى وصدقه وطرافته ونزعته الإنسانية إلى جانب سهولة اللغة وبساطة التعبير وجودة التصوير والبعد -ما أمكن- عن التكلف والتصنع في الموسيقا، وبذلك يكون قد بلغ قمة الفن الشعري.

4) الخاتمة:

هكذا صور شعر الزهد لدى أبي العلاء المعري تجربة زهده الديني بمظاهرها المتنوعة، فَصوّر موقفه من الدنيا ونظرته إليها وزهده فيها وإيثار الآخرة عليها، وصوّر علاقته بالله سبحانه وما كان يشعر به تجاهه من حب وخوف ورجاء واجتهاد في طاعته وتوكل عليه ورضا بقضائه، وصور مجاهدته لنفسه يأخذها بحياة الزهد ويعطفها إلى سيرة الورع ويطهرها من آفاتها.

كذلك صور ميله للعزلة وحبّه للخلوة إلى جانب الاهتمام بالجانب العلمي، ويمكن القول إن الزهد الديني امتداد لمسيرة الزهد الإسلامي من حيث النشأة والتطور حتى انتهى إلى صورته في القرن الرابع الهجري.

وقد رأينا أن منابع الزهد الديني عند المعري مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية، ويتأثر بظروف المجتمع الإسلامي في مسيرته وتطوره، وفي هذا الإطار ليس هناك ما يمنع من تأثره بما عرفته البيئة الإسلامية من ثقافات زهدية دينية وافدة كالعقائد الهندية مثلًا، ولكن هذا التأثر لم يكن واسعًا وشاملًا.

وكانت غاية الزهد الديني عند المعري هي الظفر بالآخرة والفوز برضا الله، ولعلَّ الطريق الأبرز للوصول إلى هذه الغاية هي التقشّف وعزلة الناس واعتزال المناصب، فقد اهتم أبو العلاء في زهده الديني بإخراج الدنيا من قلبه حتى يسلم قلبه للآخرة، وتفرغ لله وطاعته، وذلك أنه رأى أن القلب لا يتسع للدنيا والآخرة معًا.

وكلمة حقٍّ لا بد من ذكرها في هذا السّياق وهي: ما أحوجنا في عصرنا هذا إلى مثل هذا السلوك الزهدي بعد أن طغت النزعة المادية بما حملت من تعاسة وشقاء للناس جميعًا.

قائمة المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم.
  • ابن خلكان: وفيات الأعيان، تحقيق إحسان عباس، دار صادر، بيروت، 1978.
  • ابن قيم الجوزية (691-751هـ): الفوائد، دار الكتب العلمية، بيروت، 1403هـ/1983م.
  • أبو الطيب المتنبي: ديوان المتنبي بشرح البرقوقي، تحقيق عمر الطباع، دار الأرقم، بيروت، لبنان، د.ت.
  • أبو العلاء المعري: ديوان لزوم ما لا يلزم، شرح وتحقيق نديم عدي، دار طلاس للدراسات والنشر، دمشق، ط2، 1988.
  • أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر، دار المعرفة، بيروت، د.ت.
  • أبو الفرج الأصبهاني (284-356ه): الأغاني، تحقيق إبراهيم الإبياري، طبعة دار الشعب، مصر، 1389ه/1969م.
  • أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، مراجعة صدقي العطار، دار الفكر، بيروت، 1995.
  • أبو نعيم الأصبهاني: علية الأولياء وطبقات الأصفياء، المكتبة السلفية، د.ت.
  • الإمام علي بن أبي طالب (23ق.هـ-40هـ) نهج البلاغة، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، دار الكتاب اللبناني، د.ت.
  • الترمذي: سنن الترمذي، تحقيق أحمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وابراهيم عطوة، مطبعة مصطفى الحلبي، القاهرة 1397هـ/1977م.
  • الجاحظ: البيان والتبين، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي بمصر، ط4، 1975م.
  • الجامع في أخبار أبي العلاء المعري وآثاره: سليم الجندي، دار صادر، بيروت، ط2، 1412هـ، 1992م.
  • حامد عبد القادر (1895-1966) فلسفة المعري مستقاة من شعره، لجنة البيان العربي: 1369هـ/1950م.
  • د. أحمد شلبي (1915-2000) مقارنة الأديان (4) أديان الهند الكبرى، مكتبة النهضة المصرية، 1981م.
  • د. زكي مبارك (1892-1952م) التصوف الإسلامي في النفس والأخلاق، مطبعة الرسالة ط1، 1357هـ/1928م.
  • د. شوقي ضيف: الفن ومذاهبه في الشعر العربي، دار المعارف، مصر، ط10، 1978.
  • د. شوقي ضيف: تاريخ الأدب العربي (العصر العباسي الأول)، دار المعارف، مصر، ط7، 1978م.
  • د. طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، دار المعارف بمصر، ط7، 1968.
  • د. طه حسين: مع أبي العلاء في سجنه، دار المعارف، مصر، ط12، 1979م.
  • د. عائشة عبد الرحمن: أبو العلاء المعري، مطبعة مصر، 1965.
  • د. عبد الستار محمد ضيف: شعر الزهد في العصر العباسي، مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، القاهرة، ط 1، 1426ه/2005م.
  • د. عبد المنعم الحفني: الموسوعة الصوفية، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط1، 2003.
  • د. يوسف خليف: تاريخ الشعر في العصر العباسي، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1981.
  • السلمي (325-412هـ) طبقات الصوفية، تحقيق نور الدين شريبة، مطابع دار الكتاب العربي بمصر، ط1، 1372هـ/1953م.
  • عبد المعين الملوحي (1917-2006): دفاع عن أبي العلاء المعري، دار الكنوز الأدبية، بيروت، ط1، 1994.
  • عبد المنعم محمد خلاف: المادية الإسلامية وأبعادها، دار المعارف، ط2، 1983م.
  • عبد الوهاب الشعراني (898-973هـ) الأنوار القدسية في قواعد الصوفية، المكتبة العلمية بالقاهرة ط1، 1962م.
  • القفطي أبو الحسن، إنباه الرواة على إنباه النحاة، دار الفكر العربي، القاهرة، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط1، 1984.
  • محمد فريد وجدي (1878–1954) نصيب المعري من الفلسفة الشرقية مقال في كتاب “أبو العلاء المعري – حياته وشعره”، المكتبة الحديثة بيروت، د.ت.
  • مركز الشارقة للإبداع الفكري: دائرة المعارف الإسلامية، الشارقة ط1، 1418هـ/1998م.
  • مسلم النيسابوري (206–261هـ) صحيح مسلم بشرح الإمام النووي، مطبعة دار الخير، بيروت، ط1، 1414هـ/1994م.
  • معروف الرصافي: على باب سجن أبي العلاء، دار المدى للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 2002.
  • ياقوت الحموي: معجم الأدباء، تحقيق إحسان عباس، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، 1400هـ/1980م.

([1])      مركز الشارقة للإبداع الفكري: دائرة المعارف الإسلامية، الشارقة ط1، 1418هـ/1998م، ص 5358–5360.

([2])      أبو العلاء المعري هو أحمد بن عبد الله بن سليمان (363-449هـ) وُلِدَ في معرة النُّعمان بسورية، وقد عُميَ من الجدري في عامه الرَّابع، رحل إلى بغداد سنة 398هـ، وأقام بها سنة وأربعة أشهر، ثمَّ رجع إلى معرة النُّعمان، ولزم منزله في عزلة لا يبرح بيته، ولا يأكل اللّحم، ولم يتزوج أيضًا، وكان يصوم كل أيام السًّنة ما عدا عيد الفطر وعيد الأضحى وكان يلبس خشن الثياب، وعاش زاهدًا حتى وفاته بمعرة النُّعمان 449ه. انظر في ترجمته القفطي أبو الحسن: إنباه الرواة على أنباه النحاة، دار الفكر العربي، القاهرة، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط1، 1984، ص 82-118.

            وللاطلاع على المزيد من المصادر التي ترجمت لأبي العلاء ينظر في: تعريف القدماء بأبي العلاء، مجموعة من الباحثين بإشراف د. طه حسين، الدار القومية للطباعة، القاهرة 1944.

([3])      ابن قيم الجوزية (691-751هـ): الفوائد، دار الكتب العلمية، بيروت، 1403هـ/1983م، ص 201.

([4])      انظر ابن قيم الجوزية، الفوائد: ص 154.

([5])      آل عمران: 14–15.

([6])      مسلم النيسابوري (206–261هـ) صحيح مسلم بشرح الإمام النووي، مطبعة دار الخير – كتاب الزهد والرقائق – باب فناء الدنيا، 4/2272 برقم 2957.

([7])      الأعلى: 17.

([8])      انظر ابن قيم الجوزية، الفوائد: ص 94.

([9])      أبو نعيم الأصبهاني: علية الأولياء وطبقات الأصفياء، المكتبة السلفية، د.ت، 10/225.

([10])    الجاحظ: البيان والتبين، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي بمصر، ط4، 1975م، 3/135.

([11])    انظر الترمذي: سنن الترمذي، تحقيق أحمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي وابراهيم عطوة، مطبعة مصطفى الحلبي، القاهرة 1397هـ/1977م كتاب الزهد رقم 2307، ص 489.

([12])    أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، مراجعة صدقي العطار، دار الفكر، بيروت، 1995، 4/382.

([13])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: شرح وتحقيق نديم عدي، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، ط2، 1988، 2/862. المِقَر: الصبر، الجوارس: النحل.

([14])    الوبأ: مرض عام.

([15])    اللّب: العقل.

([16])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 1/65.

([17])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1525، هجّن: عابَ، المنذرين: المنذر الأكبر والمنذر الأصغر من ملوك المناذرة.

([18])    العضب: السيف، تهويل: زينة النقوش والحلي والتصوير.

([19])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 2/1224.

([20])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1527.

([21])    القِرى: الطعام أو الشراب الذي يقدم للضيف.

([22])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1599، اللهن: الواحدة لهنة: ما يتعجله الانسان من الطعام يتعلل به قبل الغداء.

([23])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم : 3/1547.

([24])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم : 3/1488، البُلعة: ما يعيش به الإنسان ولا يفيض عن حاجته.

([25])    البُرس: القطن، الخلوق، ضرب من الطيب أعظم أجزائه من الزعفران.

([26])    له يمكن: الموت والرحمة والرفق بنفسي.

([27])    الموكن: في الأصل عن الطائر، استعارة للموطن.

([28])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1542.

([29])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1504، أسمحت: سمحت وجادت.

([30])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 1/504، الطمر: الثوب البالي، السّمك: القامة والسقف.

([31])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 2/612 المقطوعة رقم (172) “لوتترك الدنيا يافتى”.

([32])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم : 3/1646 مقطوعة “سنّك خير لك”.

([33])    طه: 131.

([34])    عبد الوهاب الشعراني (898-973هـ) الأنوار القدسية في قواعد الصوفية، المكتبة العلمية بالقاهرة ط1، 1962م، ص 123.

([35])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1197.

([36])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1173، قسرًا: كرهًا، الدرك: التبعة تلحق المسؤول فيضمها.

([37])    انظر د. طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، دار المعارف بمصر، ط7، 1968، ص 166، وانظر د. عائشة عبد الرحمن: أبو العلاء المعري، مطبعة مصر، 1965، ص 160 -161.

([38])    ياقوت الحموي: معجم الأدباء، 3/142-143، ونكت الهميان في نكت العميان: ص 53.

([39])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1567، وقد أخذه من المتنبي إذ يقول: بذا قضتِ الأقدارُ ما بين أهلها…. مصائب قوم عند قوم فوائد (ديوان المتنبي: بشرح البرقوقي، تحقيق عمر الطباع، دار الأرقم، بيروت، لبنان، د.ت، 1/298).

([40])    الإمام علي بن أبي طالب (23ق.هـ-40هـ) نهج البلاغة، تحقيق الدكتور صبحي الصالح، دار الكتاب اللبناني، د.ت، ص 302.

([41])    عبد المنعم محمد خلاف: المادية الإسلامية وأبعادها، دار المعارف، ط2، 1983م، ص 299-300.

([42])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 2/1342، أيسر حل: أقل المال الحلال، تشبهت بظل: أي جسمي لا حجم له كالظل.

([43])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1628، الغبن: النقص في الرأي.

([44])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 2/677، الدين أن تبتعد عن اللذات وأنت قادر عليها في صحة الجسم وامتلاك المال.

([45])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 1/154، خمص: جاع، قربة: تقريب وإكرام من الله.

([46])    د. زكي مبارك (1892-1952م) التصوف الإسلامي في النفس والأخلاق، مطبعة الرسالة ط1، 1357هـ/1928م،1/32.

([47])    عبد الله بن المبارك (118-182هـ) فقيه زاهد ولد سنة 118هـ وتفقه على سفيان الثوري ومالك بن أنس رضي الله عنهما، كانت له سياحات كثيرة وكان محبًا للخلوة، وكان يشارك في الغزوات، توفي سنة 182هـ (انظر وفيات الأعيان 2/237هـ).

([48])    عمر بن عبد العزيز: الخليفة الأموي الثامن ولد سنة 61هـ في المدينة المنورة وكان شديد الإقبال على العلم ويحب المطالعة والمذاكرة بين العلماء وتربى على أيدي كبار فقهاء المدينة وعلمائها، تولى الخلافة بعد وفاة سليمان بن عبد الملك سنة 99هـ وعرف بزهده الشديد وورعه وتوفي سنة 101هـ، انظر في ترجمته ابن الجوري (508-597هـ) سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد، دار الكتب العلمية، بيروت 1404هـ/1984م.

([49])    الغزالي، إحياء علوم الدين: 4/185.

([50])    أبو زيد البسطامي: طيفور بن عيسى ولد سنة 188هـ من خراسان ويلقب بـ(سلطان العارفين) من أهم أعلام التصوف، كان له مذهب في التصوف يتعلق بالمحبة الصوفية والغناء الصوفي وتوفي سنة 261هـ، انظر د. عبد المنعم الحفني: الموسوعة الصوفية، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط1، 2003، ص 67-71.

([51])    السلمي (325-412هـ) طبقات الصوفية، تحقيق نور الدين شريبة، مطابع دار الكتاب العربي بمصر، ط1، 1372هـ/1953م، ص 7.

([52])    السلمي، طبقات الصوفية: ص 79، أبو سليمان الداراني: عبد الرحمن بن أحمد ينسب إلى داريا من قرى ريف دمشق ويلقب بـ (زاهد العصر) ولد في حدود 140هـ ويعد من كبار الزهاد وكان كثير البكاء، توفي سنة 215هـ، انظر د. عبد المنعم الحفني: الموسوعة الصوفية، ص 197-198.

([53])    انظر ابن خلكان، وفيات الأعيان: 1/96 وانظر أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر، 2/176.

([54])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1287، الدّر: اللبن، السخّل: جمع سخلة، ولد الشاة – يريد أن لا يشرب اللبن.

([55])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1608، أروع: أفزع.

([56])    الغريض: الطريّ من اللحم وسواه.

([57])    أبيضَ: أراد به اللبن، الصريح: الخالص، الصرائح: الخاليات من العيب.

([58])    ضرب النحل: العسل، الفوائح: الطيبات الشذا.

([59])    المنائح: العطايا جمع منحة.

([60])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 1/376، أبه: فطن، المسائح: الذوائب أوشعر جانبي الرأس.

([61])    أي يحبسونها عن الشهوات.

([62])    انظر ياقوت الحموي، معجم الأدباء: الصفحات: 3/183،196،197،199.

([63])    انظر تحريم ذبح الحيوان، أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1396.

([64])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 2/1077 بعنوان (ابكِ على طائر).

([65])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1645 (النحلة الغافلة).

([66])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 2/842، 2/880.

([67])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1682 (جاروا على الحيوان).

([68])أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 2/950، والدارش: الجلد الأسود أي أنه لا يريد ذبح الحيوان ولا الانتفاع بشيء من أجزائه.

([69])    انظر د. أحمد شلبي (1915-2000) مقارنة الأديان (4) أديان الهند الكبرى، مكتبة النهضة المصرية، 1981م، ص 114- 117 – 118، وانظر حامد عبد القادر (1895-1966) فلسفة المعري مستقاة من شعره، لجنة البيان العربي: 1369هـ/1950م، ص 80 – 81، وانظر محمد فريد وجدي (1878–1954) نصيب المعري من الفلسفة الشرقية مقال في كتاب “أبو العلاء المعري – حياته وشعره”، المكتبة الحديثة بيروت، د.ت، ص 45.

([70])    من ذلك قوله مستحسنًا إحراق الهند جثث موتاهم (من الخفيف):

حرّق الهند من يموت فمازا واستراحوا من ضغطة القبر ميتًا روه في روحه ولا تبكير وسؤال لمنكرٍ ونكير

أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 2/807، وانظر أيضًا: فلسفة أبي العلاء مستقاة من شعره: ص 82-83.

([71])    السوام: الماشية والإبل الراعية، رغوم: مصابة بداء يسيل من أنفها الرغام وهو المخاط.

([72])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1391، اللجون: الناقلة الثقيلة السير، سعوم: باقية على سيرها.

([73])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1549.

([74])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1488.

([75])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1342.

([76])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1162.

([77])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 2/854، بَدَارِ: أسرِعْ وبادِرْ، ألستَ بدارٍ: ألا تعلم.

([78])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 1/36.

([79])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 1/526.

([80])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 2/719، سلَّم الأمور إلى الله وارضَ بمقاديره.

([81])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 2/1010.

([82])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 2/1444.

([83])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 2/691، إذا كثرت الذنوب وارتفعت وفاضت فعليك بالتوبة المخلصة فالله يغفر الذنوب بفضله.

([84])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1248.

([85])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 2/643.

([86])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1648.

([87])    السقاء وعاء من جلد للماء أو اللبن.

([88])    غدا من عرق نازل: أي يوم الحساب يعرق الانسان من شدة الهول، مهجة مولعة بارتقاء: أي النفس تحب أن ترتقي للسماء.

([89])    بلونا: جرَّبنا.

([90])    الوشك: السرعة، لزوم ما لا يلزم 1/66.

([91])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 3/1521.

([92])    النبأ: 40.

([93])    أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم: 2/1067.

([94])    تعرضت عقيدة المعري للطعن، فقد رُمي بالزندقة والإلحاد بسبب ما ورد في بعض ما نسب إليه من شعره  من آراء تشكك في الأديان، وتسخر من الشرائع والرسالات السماوية، وتتقوّل على العقل وحده (أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم 2/268) وكذلك (ياقوت الحموي، معجم الأدباء 3/163-172) وهي أشعار قليلة جدًا إلى جانب ما له من شعر كثير يثبت صحة عقيدته وقوة إيمانه.

([95])    عن تلك النزعات الصوفية عند المعري: انظر حامد عبد القادر: فلسفة أبي العلاء مستقاة من شعره، الصفحات (75 – 77 – 78 – 84).

([96])    انظر د. شوقي ضيف: الفن ومذاهبه في الشعر العربي، دار المعارف، مصر، ط10، 1978، ص 189.

([97])    د. يوسف خليف: تاريخ الشعر في العصر العباسي، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1981، ص 103.

([98])    د. عبد الستار محمد ضيف: شعر الزهد في العصر العباسي، مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، القاهرة، ط 1، 1426ه/2005م، ص 616.

([99]) انظر أبو الفرج الأصبهاني (284-356ه): الأغاني، تحقيق إبراهيم الإبياري، طبعة دار الشعب، مصر، 1389ه/1969م، 4/1284.

([100])  انظر د. شوقي ضيف: تاريخ الأدب العربي (العصر العباسي الأول)، دار المعارف، مصر، ط7، 1978م، 3/252.

([101])  د. عبد الستار محمد ضيف: شعر الزهد في العصر العباسي، ص 617.

([102])  للمزيد في هذا الجانب انظر سليم الجندي: الجامع في أخبار أبي العلاء المعري وآثاره، دار صادر، بيروت، ط2، 1412هـ، 1992م، 3/1162-1180.

([103])  انظر عبد المعين الملوحي (1917-2006): دفاع عن أبي العلاء المعري، دار الكنوز الأدبية، بيروت، ط1، 1994، ص 160-161.

([104])  انظر د. طه حسين: مع أبي العلاء في سجنه، دار المعارف، مصر، ط12، 1979م، ص 113-114.

([105])  في دراسة رأي الدكتور طه حسين وفي معرض الرد على آرائه انظر عبد المعين الملوحي: دفاع عن أبي العلاء المعري، ص 86-96. وانظر: معروف الرصافي: على باب سجن أبي العلاء، دار المدى للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 2002، صفحات متفرقة.


Updated: 2020-07-24 — 12:46
JiL Scientific Research Center © Frontier Theme