الحق في الإنصاف وجبر الضرر لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان/ عبد العزيز خنفوسي


 

 مقال نشر بالعدد الأول من مجلة جيل حقوق الإنسان، ص 25

 

للأستاذ عبد العزيز خنفوسي/ أستاذ مساعد قسم -أ- كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة الدكتور “مولاي الطاهر” بسعيدة-الجزائر

 

 للاطلاع على كل العدد اضغط على لوجو المجلة:

JiLdts h 1

الملخص:

على الدولة أن تتحمل التزاما متعدد الأبعاد من أجل ضمان التمتع بحقوق الإنسان، فبالإضافة إلى واجب اتخاذ كل ما يلزم من إجراءات تشريعية وغيرها من الإجراءات، فإنه عليها أن تتدخل في أربعة مجالات رئيسة هي: منع الانتهاكات، واحترام، وحماية، وتعزيز حقوق الإنسان.

فواجب الاحترام يقوم على التزام الدولة بالامتناع عن الأعمال التي من شأنها أن تنتهك حقوق الإنسان، أما واجب الحماية فيقوم على التزام الدولة بحماية الأشخاص من الأعمال التي من شأنها أن تحول دون تمتعهم بحقوقهم، و أخيرا واجب التعزيز الذي يقوم على التزام الدولة باتخاذ إجراءات لنشر حقوق الإنسان، والتدريب عليها، وتعليمها.

وبالتالي يمكن القول أن جميع حقوق الإنسان تفرض على الدولة اتخاذ تدابير إجرائية توفر ما يكفي من سبل الإنصاف، وكذا إجراءات الحماية والتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان.  

 

Résumé

L’Etat a une obligation multidimensionnelle afin de garantir la jouissance des droits de l’homme, en plus de l’obligation de prendre toutes les mesures législatives nécessaires et autres mesures, elle doit intervenir dans quatre domaines clés: la prévention des violations, et de respecter, protéger et promouvoir les droits de l’homme

Le devoir de respect est notamment fondé sur l’obligation de l’Etat de s’abstenir d’actes qui violent les droits de l’homme, et proteger ses citoyens  contre tout acte qui empêche la parfaite jouissance de leurs droits fondamentaux, ainsi que promouvoir les des droits de  l’homme par l’éducation et l’enseignement

 

 

المقدمة:

يتمتع جميع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان بالحق في الحصول على إنصاف فعال و جبر الضرر، وبالرغم من أن هذا المفهوم هو نتيجة لمسؤولية الدولة في حالات انتهاكات حقوق الإنسان، إلا أنه في الغالب ما يكون مهملا. إن الأحكام القانونية الدولية بشأن هذه المسألة متباينة، وفي كثير من الأحيان غامضة ولا تستعمل مصطلحات موحدة، كما أن الجوانب التفصيلية لواجبات الدول في ضمان جبر الضرر عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان قد أسس لها، وتم صقلها في الاجتهاد القضائي الدولي. ومع مرور الزمن تم الاعتراف بالكثير من المبادئ وتم تدعيمها من قبل هيئات دولية مختلفة، وبالرغم من أن كل نظام يستعمل طريقة تفسيره الخاصة ومصطلحاته الخاصة، إلا أنه توجد مجموعة متناسقة من المبادئ تخص الحق في الإنصاف وفي جبر الضرر.

وعلى أساس هذه المعايير القانونية المعترف بها، نجد أن لجنة حقوق الإنسان قد اعتمدت مبادئ أساسية وتوجيهية بشأن الحق في الإنصاف وفي جبر الضرر لضحايا الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان، والانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني (المشار إليها ب: مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بجبر الضرر) في دورتها الحادية والستين في نيسان/أفريل 2005.

أما في دورتها الستين، فقد تبنت الجمعية العامة مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بجبر الضرر والحصول على التعويض المناسب، وهذا بموجب (توصية 60/147 بتاريخ 16 ديسمبر 2005).

وبالتالي يمكن القول بأن هناك مجموعة من الالتزامات تفرض على الدول تجاه ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والتي تتمثل في اتخاذ كل ما يلزم من إجراءات تشريعية وغيرها لتنفيذ الحقوق، والتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، وتوفير وسائل إنصاف فعالة ضد الانتهاكات، وتقديم مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان إلى القضاء، وتقديم جبر الضرر للضحايا.

وعليه يمكن القول بأن حقوق ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان يمكن أن تصاغ في ثلاثة أنواع أساسية هي: الحق في معرفة الحقيقة، الحق في العدالة، الحق في جبر الضرر.

إن الحق في الإنصاف يعطي الضحايا بشكل فعلي إمكانية الدفاع عن أنفسهم ضد انتهاكات حقوق الإنسان، والحق في معرفة الحقيقة يلزم الدولة بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان وكشف الحقيقة للعموم، أما الحق في العدالة فينطوي على معالجة سريعة وفعالة ضد انتهاكات حقوق الإنسان، والتزام الدول بمكافحة الإفلات من العقاب وتقديم الجناة إلى العدالة، ويضم الحق في جبر الضرر الحقين الأولين، ولكنه يذهب إلى أبعد من ذلك حيث يضمن الحق في التعويض، والإرجاع، وإعادة التأهيل والإرضاء، وضمانات عدم التكرار.

الإشكالية الرئيسية للموضوع:

إن الإشكالية التي نود معالجتها في هذه المقالة العلمية المقدمة للنشر تتمثل في إبراز جل الحقوق التي يمكن أن تظهر كمكسب حقيقي للضحية، وهذا جراء الاعتداءات التي يمكن أن تصيبه نتيجة عدم احترام النصوص القانونية الدولية المنظمة لحقوق الإنسان، حيث نلمس أن هذه الحقوق مازالت مغيبة على الساحة الجنائية الدولية، وأنه آن الأوان لإبرازها والمناداة بها من قبل المنظمات والهيئات المدافعة عن القضايا التي تتضمن انتهاكات حقوق الإنسان بوجه عام ، وانتهاكات حقوق الضحية بوجه خاص.

وبالتالي نجد أن جوهر الإشكالية يمكن أن يطرح في التساؤل الآتي:

ما هي الآليات والوسائل الداعمة للحق في الإنصاف في إطار قيام الضحايا بالاستفادة من الحقوق التي تكفلها التشريعات الجنائية الدولية؟

أهداف البحث: يهدف البحث بصورة محددة للآتي:

  1. محاولة الوقوف على المفهوم الحقيقي للحق في الإنصاف في إطار النصوص القانونية الدولية.
  2. تسليط الضوء على كل الحقوق التي يمكن أن تتفرع عن الحق في الإنصاف، وهذا بغية توضيح الرؤية وتدعيم الثقافة القانونية لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان.
  3. 3.    تحديد وضبط المصطلحات القانونية الدولية المتعلقة بمفهوم الأشخاص الذين يحق لهم الحصول على التعويضات المناسبة، وهذا جراء تعرضهم للأضرار المادية والمعنوية.
  4. 4.    تمكين الشخص الضحية من رفع الدعوى القضائية الدولية، وبالتالي المطالبة بالتعويض الذي يكون بإحدى الوسائل المنصوص عليها قانونيا.
  5. ضرورة تقديم الجناة من أجل المساءلة القانونية والعقاب، وهذا في إطار الإجراءات الجنائية التي تتبعها المحاكم المختصة.

منهجية البحث ومصدر المعلومات:

نتبع في هذا البحث المنهج الوصفي التحليلي المعتمد على البيانات الثانوية كالتقارير المتعلقة بقضايا انتهاكات حقوق الإنسان، الكتب، الاتفاقيات الإقليمية لحقوق الإنسان، الاجتهادات القضائية الدولية، أعمال المؤتمرات الدولية ذات الصلة بموضوع البحث.

تنظيم البحث: ينظم البحث في خمسة محاور بجانب المقدمة والخاتمة، وذلك على النحو التالي:

المحور الأول: يتحدث عن مفهوم الحق في الإنصاف ومقتضياته.

المحور الثاني: يتكلم عن الضحايا والأشخاص الذين يحق لهم جبر الضرر.

المحور الثالث: يناقش مفهوم الحق في التحقيق في الانتهاكات ومتطلباته.

المحور الرابع:  يقف عند الحق في معرفة الحقيقة على ضوء القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

المحور الخامس: يسلط الضوء على معنى: رد الحقوق، وجبر الضرر، وإعادة التأهيل والترضية.

المحور السادس: يلزمنا بالحديث عن واجب المساءلة القانونية والعقاب.

المحور الأول: مفهوم الحق في الإنصاف ومقتضياته.

ألزم القانون الدولي الدول بأن توفر إنصافا فعالا لجميع من يدعي انتهاكا لحقوقه، ويجب أن يكون هذا الإنصاف معلنا على العموم حتى يتسنى لجميع الأشخاص أن يطالبوا به وبتنفيذه دون أي تمييز، وهذا بشكل يتوافق مع المادة (08) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وعليه سنحاول من خلال هذا المحور الوقوف على حقيقة الحق في الإنصاف، وكذا معرفة ما هي المتطلبات الواجبة فيه؟ والتي تعطي للضحية فرصة الإسراع في المطالبة بمحاكمة عادلة من أجل تكريس أبجديات هذا الحق.

أولا: تعريف مصطلح الحق في الإنصاف.

الحق في الإنصاف يضمن أولا وقبل كل شيء، الحق في الدفاع عن حقوق الفرد أمام هيئة مستقلة ومحايدة، وذلك بهدف الحصول على الاعتراف بوجود انتهاك، ووقف هذا الانتهاك إذا كان لا يزال مستمرا، وكذلك الحصول على جبر الضرر المناسب. إن الحق في الإنصاف يرتبط أيضا، وبأشكال مختلفة بالحق في جبر الضرر، وعليه فإن التقييم المستقل يشكل الخطوة الأولى في طريق الحصول على جبر الضرر، والواقع أن مصطلح الإنصاف يفهم في بعض الأحيان، كما هو الشأن في قرارات اللجنة المعنية بحقوق الإنسان على أنه يشمل جبر الضرر.

هذا ويمكن أن ينعكس الحق في الإنصاف بوضوح في الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، حيث أن الحق في الإنصاف الإجرائي والحق في جبر الضرر مكفولان في أحكام مختلفة، هذا ونجد أن المادة (02) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لا تشير إلا إلى الإنصاف، ولم تشمل صياغتها، ولا سيما في النسخة الفرنسية والإسبانية الحق الموضوعي في جبر الضرر. ومع ذلك، فإن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان رأت أن الحق في الإنصاف الفعال ينطوي بالضرورة على الحق في جبر الضرر، ويستخدم مصطلح الإنصاف في هذا البحث للإشارة إلى الإنصاف الإجرائي، في حين يشير جبر الضرر إلى الالتزام بالتعويض، والإرضاء، والإرجاع وإعادة التأهيل.

كما تضمن الاتفاقيات الدولية والإقليمية الحق في الحصول على إنصاف فعال لجميع الأشخاص الذين يزعمون أن حقوقهم قد انتهكت، وكثيرا ما يوصف بأنه الحق الأساسي الأكثر ضرورة لتوفير حماية فعالة لجميع حقوق الإنسان الأخرى، وقد شددت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في تعليقها العام رقم (29) بشأن الاستثناءات الواردة خلال حالة الطوارئ على أن الحق في الإنصاف يشكل “التزاما جوهريا في العهد”، وأنه حتى في حالات الطوارئ يتعين على الدولة أن تمتثل للالتزام الأساسي بموجب الفقرة (03) من المادة (02) من العهد المتعلق بتوفير سبل الإنصاف الفعالة.

هذا ويوجد نوع خاص من الإنصاف يضمنه القانون الدولي(1) ويحميه بشكل خاص، وهو الإنصاف ضد الاحتجاز غير القانوني المتمثل في الحق في المثول دون تأخير أمام قاض، أو موظف آخر مخول له بموجب القانون ممارسة السلطة القضائية، والحق في إجراءات “الهابياس كور بيس” أو القيام بإجراءات مماثلة أمام المحكمة للطعن في شرعية الاعتقال(2)، وهذا الحق ضروري ليس فقط لأنه يحمي الأفراد من الاحتجاز غير القانوني، ولكن لأنه يشكل أيضا ضمانة قانونية هامة ضد التعذيب وغيره من أشكال سوء المعاملة، أو الاعتقال التعسفي، أو الاختفاء القسري.

وتجدر الإشارة إلى أن إجراءات الإنصاف هذه أساسية ويجب تطبيقها في أوقات السلام، كما في أوقات حالات الطوارئ أو النزاعات. وبالفعل، فإن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان قضت بأن هذه الحقوق مطلقة وغير قابلة لأي استثناء(3)، كما قضت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بأن نظام” الهابياس كور بيس “يجب تطبيقه حتى في حالات الاستثناء(4)، وأقرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأنه في أوقات الطوارئ لا يجوز للدولة الخروج عن مقتضيات المادة (05) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان إلا بالحد الذي تقتضيه الأوضاع، بحيث يكون على الدول دائما الامتثال لالتزاماتها، بما في ذلك الضمانات ضد الاعتقال التعسفي، وإمكانية حصول المعتقل على خدمات المحامي و الطبيب، وضمان إجراءات “الهابياس كور بيس”، والحق في الاتصال بأفراد الأسرة(5). من جهة أخرى فقد أقرت محكمة البين الأمريكية لحقوق الإنسان بأن إجراءات” الهابياس كور بيس والأمبارو” هي من بين تلك الضمانات القضائية التي تعتبر أساسية لحماية مختلف الحقوق التي تكفلها المادة (27( ف2، والتي تخدم مسألة الحفاظ على الشرعية في مجتمع ديمقراطي(6)، وأكدت المحكمة أنه يجب أن تطبق هذه الضمانات في إطار مبادئ وقواعد الإجراءات القانونية(7).

ثانيا: مقتضيات الحق في الإنصاف، خصوصا الحق في الإنصاف القضائي.

تم وضع وتفسير مضمون الإنصاف الفعال تدريجيا من قبل الهيئات الدولية لحقوق الإنسان، ويتعلق الأمر هنا بالوصول إلى هيئة مستقلة لها سلطة التقرير في حالة ما إذا كان قد حدث أو يحدث انتهاك لحقوق الإنسان، والقدرة على إيقاف هذا الانتهاك، والأمر بجبر الضرر الناتج عنه، وعليه يتطلب الأمر منا أن نعرف ما هي المتطلبات الواجب توافرها في الحق في الإنصاف؟، وهذا حتى تستطيع الضحية أن تسارع إلى المطالبة به.

01/- السرعة والفعالية:

الشرط الأول للإنصاف هو السرعة والفعالية، أي توفير فرص حقيقية للضحية تكون محتملة نتيجة انتهاك حقوق الإنسان، وهذا بغية الوصول وبدون أي تأخير إلى العدالة حسب ما ذهب إليه الاجتهاد القضائي لجميع الهيئات الدولية لحقوق الإنسان. إن الفعالية بهذا الشكل تعني ألا يكون الإنصاف نظريا أو وهميا، ولكن أن يضمن وصولا حقيقيا إلى هيئة(8) تكون قادرة على الكشف عما إذا كان قد وقع انتهاك، وبالتالي جبر الضرر الناتج عنه(9)، وفي هذا الصدد فقد قضت محكمة البين الأمريكية لحقوق الإنسان في قضية “كاراكازو” بأن:

“لكل شخص يرى نفسه ضحية انتهاكات من هذا القبيل الحق في اللجوء إلى القضاء من أجل أن تقوم الدولة بواجبها، سواء تعلق الأمر بصالحها أو بصالح المجتمع ككل”.

02/- استقلالية السلطة:

يجب أن تكون السلطة التي تبت في النزاع مستقلة، وهذا يعني أنه يجب ألا تخضع إجراءات الإنصاف لأي تدخل من جانب السلطات التي رفعت ضدها الشكوى.

03/- ضرورة الوصول إلى الإنصاف، بما في ذلك المساعدة القضائية:

ليكون الإنصاف فعالا يجب أن تكون إجراءاته بسيطة والوصول إليه ميسرا، وأكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في هذا الصدد أن تحقيق ذلك يتطلب الأخذ في عين الاعتبار حالات ضعف فئات معينة من الأشخاص، وأنه يجب أن يحصل هؤلاء الأشخاص على المساعدة القضائية، كما أكدت محكمة البين الأمريكية على أنه يجب أن تكون إجراءات الإنصاف بسيطة وسريعة. هذا وقد أوصت لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة بتقديم المساعدة القضائية للنساء اللواتي يحتجن ذلك، كما اعتبرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان واللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب أن إجراءات الإنصاف يجب أن تتم في أفضل الآجال، وبأن للشخص المعني الحق في الحصول على التمثيل القضائي، والمساعدة القضائية المجانية عند الاقتضاء.

 كما تكفل المادة (47) من ميثاق الحقوق الأساسية للإتحاد الأوروبي المساعدة القضائية أيضا، وبالتالي فإن هناك اتجاه في القانون الدولي خصوصا في أوروبا يتجه نحو الاعتراف بأن أي إنصاف فعال ينطوي بالضرورة على التزام ايجابي من الدولة بمساعدة الأشخاص الذين لا يملكون الوسائل اللازمة للوصول إلى العدالة، حيث يمكن أن تتخذ هذه المساعدة شكل استشارات قضائية مجانية )عادة ما يكون الدعم نقديا من أجل الدفاع عن النفس أو الحصول على تمثيل قانوني(، أو ضمانة التمثيل من قبل محام.

04/- الإنصاف يؤدي إلى الكف عن الانتهاكات والى جبر الضرر:

لقد أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أن الإنصاف يشمل وقف الانتهاك، وجبر الضرر الناتج عنه، ومنع تكراره(10)، كما نصت كذلك كل من محكمة البين الأمريكية، واللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان على أن الإنصاف الفعال يجب أن يضمن جبر الضرر(11)، ومن جهتها اعتبرت لجنة القضاء بأن التصدي للتمييز ضد المرأة يتطلب إجراءات قانونية فعالة تشمل الإنصاف المدني، وإجراءات التعويض.

وفي إطار تعرض لجنة القضاء لمسألة التمييز العنصري قالت:” أنه لابد من اعتبار حق الضحية في المطالبة بالتعويض في كل حالة من الحالات، بما فيها تلك التي لا يوجد فيها ضرر جسدي، ولكن يكون الضحية قد تعرض فيها للإهانة، أو التشهير، أو أي اعتداء آخر على سمعته واحترامه لنفسه”.

وعليه يمكن القول أن الإنصاف يجب أن يكون مؤديا إلى نقض القرار المتنازع حوله، وفي حالة العقاب يكون من الممكن إلغاء العقوبة قبل تنفيذها، وهذا حتى نستطيع القول أن الإنصاف أوقف فعلا الانتهاك الذي تعرض له الضحية.

05/- دور الإنصاف في عملية التحقيق في الانتهاكات:

اعتبرت الهيئات الدولية لحقوق الإنسان أن الحق في الإنصاف الفعال يعني التحقيق في إدعاءات الانتهاكات بشكل سريع، ومعمق، وفعال من قبل هيئات مستقلة ونزيهة.

وفي حقيقة الأمر، نجد أن العدالة الفعالة وجبر الضرر يفترضان التحقيق في الوقائع بشكل معمق ومستفيض.

06/- طبيعة اللجوء إلى القضاء في حالة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان:

حسب معاهدات الأمم المتحدة، والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، فإنه لا يجب أن يكون الإنصاف بالضرورة قضائيا، لكن مع ذلك نجد أن لجنة حقوق الإنسان والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان متفقتان على أن الإنصاف يجب أن يكون متناسبا مع الانتهاك المزعوم، ولهذا تطالب لجنة حقوق الإنسان بتوفير وسائل الإنصاف القضائية اللازمة في حالات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ومن جهة أخرى نجد أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قد طورت اجتهادها بشكل يتوافق مع الإنصاف القضائي.

وعليه فقد قضت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أنه يمكن أن تبث السلطة القضائية في الإنصاف، ولكن هذا الإنصاف يمكن أن يستلزم أيضا آلية إدارية، وخاصة للتحقيق في إدعاءات الانتهاكات، وفي اجتهادها بخصوص قضايا فردية كثيرا ما أصرت اللجنة على وسائل الإنصاف القضائية في حالات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، حيث اعتبرت اللجنة في قضايا “بيريندوا وبيتاشويوا”، و”تشيسيكيدي ومولومبا” أنه على الدولة أن تقوم بتقديم إنصاف فعال للمدعين بموجب المادة (03) ف02 من العهد.

هذا ونجد كذلك أن الحق في الإنصاف القضائي منصوص عليه في منظومة البين الأمريكية لحقوق الإنسان في المادة الثامنة عشرة من الإعلان الأمريكي لحقوق وواجبات الإنسان، والمادة (25) من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان، حيث أنه في ضوء هذه المقتضيات الواضحة اعتبرت محكمة البين الأمريكية منذ حكمها الأول أنه يجب أن يكون للضحايا الحق في الإنصاف القضائي الذي يكون مرتبطا بالإدارة الجيدة للعدالة (المادة 08 ف01)، وهذا بشكل يجمع بين شروط المحاكمة العادلة طبقا للمادة (08)، والإنصاف القضائي المنصوص عليه في المادة (25).

وأخيرا، فإنه ينبغي علينا أن نذكر بالاجتهاد القضائي لمحكمة العدل الدولية، هذا لأنه يؤثر على الحق في الإنصاف القضائي، حيث تطرقت المحكمة لهذا الموضوع في قضايا” لاغراند وافيندا” ومواطنين مكسيكيين آخرين. وفي هذه الأحكام رأت محكمة العدل الدولية أن الولايات المتحدة انتهكت الحق في الحماية القنصلية للرعايا الأجانب الذين واجهوا عقوبة الإعدام، حيث أكدت المحكمة بأن الاعتذار ليس كافيا في مثل هذه الحالات، بل إنه يجب على الدولة إعادة النظر ومراجعة كل من الحكم والإدانة، ويجب أن تأخذ إعادة النظر والمراجعة في عين الاعتبار الانتهاكات، وخاصة النتائج القانونية المترتبة عن الانتهاك(12) على الإجراءات الجنائية التي أعقبته.

07/- الامتثال والتنفيذ من جانب السلطات:

في نهاية الحديث عن مقتضيات الحق في الإنصاف ينبغي التأكيد على أن الإنصاف لا يكون فعالا، إلا إذا كانت له قوة تنفيذية، فإذا كانت السلطة القضائية تفتقر إلى الوسائل لتنفيذ أحكامها فإن الإنصاف لا يمكن أن يكون فعالا، و بالتالي نجد أن اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب تنص على ما يلي:” يتم تنفيذ كل حق في الإنصاف من طرف السلطات المختصة، وأن أي هيئة حكومية قام ضدها إجراء إنصاف أو أمر قضائي يجب عليها الامتثال التام لمثل هذا الأمر أو الإجراء”.

 

 ثالثا: الحق في الإنصاف من أجل المطالبة بجبر الضرر.

هناك صنف آخر من وسائل الإنصاف يكفله القانون الدولي، وهو الحق في الإنصاف عن طريق المطالبة بتعويض مادي، وعليه نجد أن الإنصاف هنا ضروري لضمان تعويض عادل وكافي، فالقانون الدولي لحقوق الإنسان لا ينص فقط على الحق في التعويض المادي)المعيشي(، بل إنه يضع على الدول مسؤولية أن تضمن في قوانينها الداخلية إجراءات الحصول عليه، كما هو الحال بالنسبة للتعويض عن الاحتجاز غير القانوني، وتنص المادة (09) ف05 من العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية على أنه:” يمكن لكل شخص كان ضحية توقيف أو اعتقال غير قانوني الحق في جبر الضرر”(13)، كما و قد أقرت لجنة القضاء على التمييز العنصري في قضية “ب.ج” ضد الدانمارك بأنه بموجب الحق في إنصاف فعال لمكافحة التمييز العنصري )المادة06)، فإنه يجب أن يدرس طلب جبر الضرر في كل حالة، وفي السياق نفسه تضمن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان في المادة (05) ف05 الحق في الإنصاف للمطالبة بجبر الضرر في حالة التوقيف أو الاحتجاز غير القانونيين، وفي الحصول على إنصاف فعال بموجب المادة (13) من الاتفاقية، كما قررت المحكمة الأوروبية أيضا بأنه إذا كان القانون يضمن إنصافا من أجل المطالبة بالتعويض، فإن هذا الإنصاف يشكل حقا مدنيا بالمعنى الوارد في المادة (06) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، بحيث يجب أن يمتثل هذا الإجراء لشروط المحاكمة العادلة.

 

المحور الثاني: الضحايا والأشخاص الذين يحق لهم جبر الضرر.

من المهم جدا أن نتناول ولو بإيجاز تعريف مفردات “ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان” و”الأشخاص الذين يحق لهم جبر الضرر”، والواقع أن هاتين الفئتين تتداخلان كثيرا ولكن ليس دائما، وهذا لأنه يمكن في بعض الأحيان للأشخاص الذين ليسوا ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان الحصول على تعويضات بسبب أضرار تعرضوا لها، وهم الذين يشار إليهم أحيانا باسم”الضحايا غير المباشرين”.

كما أن هناك أيضا مجموعة أشخاص معينة تعاني من انتهاكات حقوق الإنسان بصورة جماعية(14)، حيث يجب الاعتراف بحقوقهم الجماعية، فضلا عن حقهم في اللجوء إلى إجراءات قضائية جماعية.

هذا ولقد تم تعريف مفهوم الضحية بشكل دقيق في إعلان مبادئ العدل الأساسية المتعلقة بضحايا الإجرام والتعسف في استعمال السلطة، حيث نص في مادته الأولى على أن الضحايا هم:” الأشخاص الذين تعرضوا بصورة فردية أو جماعية للضرر، خاصة الضرر الجسدي أو العقلي، والمعاناة النفسية، والخسارة المادية، أو تم منعهم من التمتع بحقوقهم الأساسية عن طريق أفعال أو حالات إهمال تشكل انتهاكا للقوانين الجنائية السارية المفعول في الدول الأعضاء، بما فيها القوانين التي تجرم التعسفات الإجرامية للسلطة (المبدأ01)، كما يشمل تعريف الضحية أيضا في البند الثاني” حسب الاقتضاء العائلة المباشرة والأشخاص الذين أصيبوا بضرر من جراء التدخل لمساعدة الضحايا في محنتهم أو لمنع الإيذاء”، وتستمر المبادئ في النقطة (18) في تعريف ضحايا الشطط في استعمال السلطة على أنهم:” الأشخاص الذين تعرضوا بصورة فردية أو جماعية للأذى، بما في ذلك الضرر البدني أو العقلي، أو المعاناة النفسية أو الخسارة المادية، أو تم منعهم من التمتع بحقوقهم الأساسية عن طريق أفعال أو حالات إهمال لا تشكل انتهاكات للقوانين الجنائية الوطنية، ولكن تنتهك المعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان”.

أولا: مفهوم الضحية المباشر وغير المباشر، والشخص الذي يحق له جبر الضرر.

01/- مفهوم الضحية المباشر وغير المباشر حسب المعاهدات الدولية، وغيرها من الآليات القانونية:

مصطلح الضحية حسب المبدأ الثامن من مبادئ الأمم المتحدة بشأن جبر الضرر لا ينطبق فقط على الضحايا المباشرين، وإنما أيضا الضحايا غير المباشرين:”عند الاقتضاء، ووفقا للقانون المحلي يشمل مصطلح (الضحية) أيضا أفراد الأسرة المباشرين أومن تعيلهم الضحية بشكل مباشر، والأشخاص الذين لحق بهم الضرر من جراء تدخلهم لمساعدة الضحايا في محنتهم أو لمنع الإيذاء عنهم”. وعليه نجد أن هذا المفهوم يتماشى مع الاجتهاد القضائي، ولا سيما في حالات الوفاة وحالات الاختفاء.

ولكن قبل الحديث عن الاجتهاد القضائي، فإنه ينبغي توضيح أنه ليس لكل الأنظمة الدولية أو الإقليمية لحقوق الإنسان نفس تعاريف مصطلحات “الضحية” و”الأشخاص الذين يحق لهم جبر الضرر”. والواقع أنه في بعض الحالات لا يعتبر الشخص ضحية، وإن كان قد تعرض للأذى وله الحق في جبر الضرر، كما نجد أيضا أنه يمكن اعتبار الأشخاص الذين لحق بهم الضرر ضحايا في نظام وعكس ذلك في نظام آخر، ومع ذلك لهم الحق في جبر الضرر في النظامين على حد سواء.

وخلاصة القول هو أن مفهوم الضحية قد يكون ضيقا مقارنة بمفهوم الأشخاص الذين يحق لهم جبر الضرر، ويتجلى ذلك في المادة (41) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والمادة (63) من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان اللتين تنظمان الحق في جبر الضرر، واللتين تتضمنان تعبير”الطرف المتضرر” وليس”الضحية”.

إن المبدأ الثامن من مبادئ الأمم المتحدة بشأن جبر الضرر لا يعكس هذا التمييز بين المفهومين، وإنما يعتمد تعريفا واسعا لمفهوم الضحية من زاوية جبر الضرر، ومن ثمة يجب تفسير هذا المبدأ ليس كتعريف لمفهوم”ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان “، وإنما كتعريف للشخص الذي يحق له جبر الضرر.

02/- مفهوم الضحية المباشر وغير المباشر حسب الاجتهاد القضائي:

يتضح بوضوح من المعايير الدولية والاجتهاد القضائي الدولي أنه عندما يختفي شخص ما، فإنه يحق لأقاربه جبر الضرر، وهذا ما تذهب إليه المادة (19) من الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري التي تقر بضرورة جبر ضرر الضحية وأسرته، وفي هذا الصدد ذكر فريق العمل المعني بحالات الاختفاء القسري وغير الطوعي أنه:”بالإضافة إلى الذين بقوا على قيد الحياة من ضحايا الاختفاء، فإن لأسرهم أيضا الحق في الحصول على تعويض عن معاناتهم خلال فترة اختفاء ذويهم، وفي حالة وفاة الضحية، فإن لمن كان يعولهم الحق أيضا في جبر الضرر”(15)، وبالمثل فقد أعادت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان التأكيد في قراراتها حول الاختفاء القسري أو غير الطوعي على حق أفراد الأسر المعنيين في جبر الضرر.

ومن جهة أخرى رأت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في قضية “دي الميدا كوينتيروس”، بأن أم المختفي كانت نفسها ضحية للتعذيب، والمعاملة القاسية، واللاإنسانية، والمهينة المحرمة في المادة (07) من العهد.

واستخلصت اللجنة نتائج مماثلة في حالات أخرى من حالات الاختفاء، وقضت بأن غيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان مثل عمليات القتل، قد تتسبب في معاناة ضحايا مباشرين وغير مباشرين.

  • ·        إن مفهوم الضحايا المباشرين وغير المباشرين يصبح واضحا في حالات مثل هذه، حيث لم تضمن محكمة البين الأمريكية لحقوق الإنسان جبر الضرر للأسر فقط، ولكن أيضا للأقارب الآخرين، وللأشخاص المختفين، أو للأشخاص الذين تعرضوا للقتل(16)، وغيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي لم ينتج عنها قتل الضحية واختفاؤه. هذا ولقد أقرت محكمة البين الأمريكية معايير معينة من أجل ضمان جبر الضرر للأسرة أو لأشخاص آخرين تتمثل فيما يلي:
  • يجب أن يقوم التعويض المطلوب على أساس مساهمات فعلية ومنتظمة قدمها الضحية إلى المدعي، وهذا بغض النظر عما إذا كانت قد نجمت عن التزام قانوني أو غير قانوني بتقديم الدعم.
  • ·         طبيعة العلاقة بين الضحية والمدعي، والتي يجب أن تكون مبنية بشكل يدفع إلى الافتراض بأن المساهمات كانت ستتوالى إذا لم يقتل الضحية.
  • ·        الدفع يجب أن يكون على أساس الاحتياجات المعيشية للجهة المستفيدة.

 وترى محكمة البين الأمريكية أنه يمكن افتراض أن والدي وأطفال الضحية المباشرة يستوفون هذه المعايير، ويجب أن يعتبروا ضحايا غير مباشرين، وفي قرارات حديثة مماثلة طبقت المحكمة هذه المعايير لتشمل أيضا الإخوة، وشركاء الضحية في فترة الحياة.

وخلاصة القول هو أن الأشخاص الذين يحق لهم جبر الضرر هم الضحايا المباشرين وغير المباشرين على حد سواء:

-  الضحايا المباشرين أنفسهم من جراء الانتهاك.

-  وأشخاص آخرين مثل أفراد أسرة الضحية، والذين ليسوا ضحايا في حد ذاتهم، بل لحق بهم الضرر نتيجة لانتهاك حقوق الضحية، وهذا بغض النظر عما إذا كان الضرر بدنيا، أو عقليا، أو ضررا اقتصاديا.

ثانيا: مفهوم الضرر.

إن جبر الضرر يفترض وقوع ضرر على شخص ما، إلا أن مفهوم الضرر في حد ذاته غامض إلى حد ما، ويمكن أن يؤدي إلى الخلط. ونظرا للطابع الأساسي لحقوق الإنسان، وحقيقة أن حماية أبسط الحقوق والاحتياجات يشكل الحد الأدنى من المعايير الواجبة لحماية الشخص، فإن أي انتهاك لأي حق من حقوق الإنسان ينطوي على تعرض الشخص للضرر بحسب ما عاناه هذا الشخص من ظلم.

كما ويتضح لنا من صيغة المبدأ الثامن من مبادئ الأمم المتحدة بشأن جبر الضرر بأنه يتضمن انتهاك حقوق الإنسان كشرط ضمني، حيث يتحدث عن الضرر، بما فيه الضرر البدني، أو العقلي، أو المعاناة النفسية، أو الخسارة الاقتصادية، أو المساس بحقوق الضحايا الأساسية.

وبالفعل، فإن واجب جبر الضرر الناشئ عن انتهاك التزام دولي ينبع من مجرد وجود انتهاك، وليس كنتيجة لهذا الانتهاك، والواقع هو أن مسؤولية الدولة تلي وترتبط بانتهاك القانون الدولي، وهذا كعدم احترام التزام مضمون في آلية دولية لحقوق الإنسان.

وعليه يعتبر هذا هو المبدأ العام للقانون المنصوص عليه في المادة (01) من مشروع المواد حول مسؤولية الدولة عن الفعل غير المشروع دوليا، و التي تنص على ما يلي:” كل فعل غير مشروع دوليا تقوم به الدولة يستتبع مسؤوليتها الدولية”، و حتى تكون مسألة الضرر حاسمة بالنسبة للمستحقات، فإنه يفترض أن يكون الجبر مناسبا ويوفر ما يعوض الضرر الذي سببه، وينبغي حصول الضرر في حالات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

 

ثالثا: مفهوم الضحايا الجماعيين.

01/- مفهوم الضحايا الجماعيين حسب المعاهداتالدوليةوغيرهامنالآلياتالقانونية:

إن إعلان مبادئ العدل الأساسية المتعلقة بضحايا الإجرام والتعسف في استعمال السلطة يتضمن عدة إشارات إلى الحقوق الجماعية، حيث يعترف بأن الأشخاص يمكن أن يعانوا فرديا أو بشكل جماعي من الضرر أو من انتهاك لحقوقهم (المبدأ 01)، ويشير أيضا إلى أنه في حالات الضرر الذي يلحق بالبيئة، فإن الإرجاع يجب أن يكون للمجتمع إذا كان قد تضرر )المبدأ10)، وقد ألهم هذا الإعلان صياغة مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بجبر الضرر، والتي تشير إلى الحقوق الجماعية في عدة مناسبات.

وعليه نجد أن حقوق الشعوب معترف بها في المواد الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ومن العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتي تنص على أن:”لجميع الشعوب الحق في تقرير المصير”، كما نجد كذلك أن هذا الحق معترف به في كثير من النصوص الأخرى كقرار الجمعية العامة حول “منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة”، وقرار الجمعية العامة بشأن”السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية”، ويعتبر هذا الحق أيضا فكرة أساسية يرتكز عليها الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان وحقوق الشعوب، حيث تنص المادة (21) ف02 منه على أنه:” في حالة النهب يكون للمحرومين الحق المشروع في استرداد ممتلكاتهم، وكذلك الحق في تعويض كافي”. وعليه فإن اجتهاد اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان وضح بأن هذا الحق يمكن أن يعتمد عليه في الشكوى المعروضة على اللجنة شريطة أن يكون فعالا(17).

وفيما يتعلق بالشعوب الأصلية المعنية، فإن اتفاقية الشعوب الأصلية والقبلية رقم (169) الصادرة سنة 1989 عن منظمة العمل الدولية تتضمن في الفصل (15) مادة خلاقة في مسألة الموارد الطبيعية، والتي تنص على أنه: “إذا استغلت الدولة موارد أراضي السكان الأصليين أوالقبليين، فإنه يجب أن تساهم وتستفيد الشعوب المعنية في كل مرة يكون فيها ذلك ممكنا من الفوائد الناجمة عن مثل هذه الأنشطة، وأن تتلقى تعويضا عادلا مقابل أي ضرر قد تتعرض له بسبب هذه الأنشطة”، ومن الواضح أن هذه المادة تعترف بحق “الشعب” في التعويض.

وبالتالي نجد أن هناك مفهوم مختلف عن ذلك المرتبط بحقوق المجموعات ككيانات جماعية، وهو مفهوم حقوق مجموعات الأفراد، حيث أن هذه الصيغة الأخيرة يمكن أن تؤدي في الواقع إلى خلط، إذ لا تشير إلى حقوق المجموعة بل إلى حقوق كل فرد في المجموعة، وهذه هي الصيغة المختارة، فعلى سبيل المثال نجد في المادة (02) من البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة كل أشكال التمييز ضد المرأة، وكذلك في صيغ مماثلة في المعاهدات والإعلانات الدولية المتعلقة بالأقليات، كما نجد كذلك المادة (27) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تتحدث عن حق الأشخاص الذين ينتمون إلى أقليات بشكل مشترك مع سائر أفراد جماعتهم في حياة ثقافية خاصة، وفي ممارسة وتلقين ديانتهم الخاصة، وكذلك استعمال لغتهم الخاصة. وتؤكد المادة (03 ف01) من إعلان حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات عرقية، أو إثنية، أو دينية، أو لغوية على أن:” الأشخاص المنتمين إلى أقليات يمكنهم ممارسة حقوقهم، خاصة تلك المبينة في هذا الإعلان بشكل فردي، وكذلك بالاشتراك مع سائر أفراد جماعتهم، ودون أي تمييز”.

02/- مفهوم الضحايا الجماعيين حسب الاجتهاد القضائي:

اهتم الاجتهاد القضائي الدولي بمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة ضد المجموعات، حيث واجهت اللجنة ومحكمة البين الأمريكية لحقوق الإنسان قضايا تتعلق بمجتمعات السكان الأصليين، هذا وقد أوصت اللجنة ومحكمة البين الأمريكيتين في قضية “كالوتو” التي تم التنكيل فيها بالعديد من الأشخاص من المجتمع المحلي للسكان الأصليين” بجبر ضرر اجتماعي” للمجموعة بأكملها(18). وفي قضية “مايكانا سومو” ومجتمع “أواس تينيي”، كان المدعون مجموعة متكونة من عدد غير محدد من الأشخاص يشتكون وقوع انتهاك لحقهم في الملكية الجماعية ويطالبون بالحماية القضائية، وعليه فإن المحكمة بعد عثورها على انتهاكات لهذا الحق أمرت الدولة باتخاذ ما يلزم من إجراءات في قانونها الداخلي من أجل إنشاء آلية فعالة لترسيم الحدود، وإسناد الممتلكات للسكان الأصليين بالتوافق مع القانون العرفي، والقيم والعادات التقليدية و تنفيذ ترسيم الحدود، وتمليك الأراضي لأفراد “مايكانا سومو” ومجتمع “أواس تينيي”، واستثمار مبلغ إجمالي قدره (50000 دولار) في إطار جبر الضرر عن الأضرار المادية لمدة (12) شهرا، وهذا من أجل انجاز أشغال أو خدمات تهم المصلحة الجماعية “لمايكانا سومو” ومجتمع “أواس تينيي”، وبالاتفاق المشترك مع المجتمع المحلي وتحت إشراف لجنة البين الأمريكية لحقوق الإنسان(19)، كما نجد كذلك أن محكمة البين الأمريكية قد أقرت بأن حق المجموعة (المجتمع) يمكن أن ينتهك، وأن جبر الضرر يمكن أن يتكون من أشغال أو خدمات تخص المصلحة الجماعية.

وفي هذا الصدد فقد تناولت اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان وحقوق الشعوب مسألة الحقوق الجماعية بعد تخريب أرض مجتمعات “الأوغوني” المحلية في نيجيريا من قبل شركات النفط، حيث قامت هذه المجتمعات بتقديم شكوى إلى اللجنة الإفريقية حول حقوقهم المنتهكة، وطالبت بجبر الضرر. اعتبرت اللجنة أن الحقوق الجماعية هي عنصر أساسي من عناصر حقوق الإنسان في إفريقيا، وبعد العثور على انتهاكات متعددة لحقوق المجتمعات المحلية فضلا عن انتهاكات حقوق أعضائها وجهت نداء إلى حكومة نيجيريا لضمان حماية البيئة، والصحة، وسبل العيش لشعب أرض”الأوغوني” من خلال إجراء تحقيقات شاملة، والقيام بتقييم للأثر البيئي، والتوعية بهذه الآثار، والعمل على تقديم تعويض مناسب لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك المساعدة على إعادة توطين ضحايا الغارات التي نفذت بأمر من الحكومة، وإجراء عملية تطهير شاملة للأراضي والأنهار المتضررة من جراء عمليات استغلال البترول. وهكذا، أوصت اللجنة الإفريقية على حد سواء بجبر ضرر جماعي تستفيد منه الجماعة بأكملها، وبجبر ضرر يستفيد منه الأفراد.

 

المحور الثالث: الحق في التحقيق في الانتهاكات.

تجدر الإشارة إلى أنه في كثير من الأحيان لا يكون معروفا من ارتكب الانتهاك، وهذا أحد الأسباب التي تفرض إجراء التحقيق، ويمكن أن ترتكب الانتهاكات من قبل وكلاء الدولة بحكم القانون أو بحكم الواقع، أو بإذن من الدولة، أو بموافقتها، أو بتواطئها، أومن قبل أطراف خاصة، وفي كثير من الأحيان تنفي السلطات العمومية مشاركتها في الانتهاكات. ومع ذلك، فقد وجد الاجتهاد القضائي الدولي أن الحق في التحقيق ينطبق أيضا في حالات القتل أو غير ذلك من الأعمال التي تؤثر على التمتع بحقوق الإنسان، والتي لا تعزى إلى الدولة.

وعليه سوف تنصب دراستنا في هذا الجانب على الوقوف على المصادر القانونية لهذا الحق والمتطلبات الواجب توافرها فيه، هذا باعتباره التزام ينشأ من واجب الدولة بحماية جميع الأفراد الخاضعين لولايتها القضائية من الأفعال المرتكبة من قبل أطراف خاصة، والتي يمكن أن تمنع التمتع بحقوق الإنسان.

أولا: المصادر القانونية الدولية  للحق في التحقيق في الانتهاكات.

01/- المعاهداتالدوليةوالآلياتالمعياريةوالإعلانية:

أكثر الإشارات صراحة إلى الحق في التحقيق الفوري، والفعال، والمستقل، والنزيه توجد في المعاهدات والآليات التي تحظر التعذيب وسوء المعاملة، كما هو الحال في المادة (12) من اتفاقية مناهضة التعذيب التي تنص على ما يلي:” تكفل كل دولة طرف أن سلطاتها المختصة تقوم بإجراء تحقيق سريع ونزيه، وهذا كلما كان هناك سبب معقول للاعتقاد بأن عملا من أعمال التعذيب قد ارتكب في أي إقليم يخضع لولايتها القضائية “(20)، ومن جانب آخر فقد أوصت الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون الأول/ ديسمبر 2000 بتطبيق مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بالوسائل الفعالة للتحقيق في التعذيب.

وعليه نجد أن الحق في التحقيق مضمون بشكل صريح أيضا في الآليات التي تتعلق بحالات الاختفاء القسري، ولا سيما المادة (13) من الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري والتي تنص على  مايلي:” على الدولة أن تضمن لأي شخص لديه علم أو مصلحة مشروعة، يدعي أن شخصا آخر قد تعرض للاختفاء القسري الحق في تقديم شكوى إلى سلطة الدولة المختصة والمستقلة، والتي يجب أن تحقق في هذه الشكوى بشكل مباشر ونزيه وعميق”، وبالمثل نجد أن المادة (62) من إعلان وبرنامج عمل فيينا لسنة 1993 تؤكد على: “أن ثمة واجب على جميع الدول  تحت أي ظرف من الظروف  بفتح تحقيقات كلما وجدت أسباب تدعو إلى الاعتقاد بأن حالة من حالات الاختفاء القسري قد وقعت على أرض تخضع لولايتها القضائية…”.

ويجب على الدولة كذلك أن تحقق أيضا في الانتهاكات المتعلقة بالحق في الحياة وحق الفرد في الحرية والأمان، حيث يدعو المبدأ التاسع من مبادئ الأمم المتحدة بشأن الإعدام خارج نطاق القضاء والإعدام التعسفي إلى أن: “يكون هناك تحقيق معمق ونزيه في جميع الحالات التي يشتبه فيها الإعدام خارج نطاق القضاء، والإعدام التعسفي، والإعدام الصوري”.

كما أوضحت آليات أخرى للأمم المتحدة أن واجب التحقيق ليس مرتبطا بالضرورة بقضية أو بانتهاك محدد، ولكنه ينطبق على جميع الانتهاكات، فعلى سبيل المثال توجب المادة (09 ف05) من الإعلان بشأن المدافعين عن حقوق الإنسان  مايلي: “على الدولة القيام بإجراء تحقيق سريع ونزيه، أو السهر على فتح إجراءات عندما يكون هناك سبب معقول يدعو للاعتقاد بأن انتهاكا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية قد حدث في أي إقليم يخضع لولايتها القضائية”.

02/- الممارسة والاجتهاد القضائي:

بالرغم من أن جميع معاهدات حقوق الإنسان لا تشير صراحة إلى الالتزام بالتحقيق في الانتهاكات، إلا أنه يستخلص بوضوح من التفسير المتفق عليه من قبل كل هيئات حقوق الإنسان أن لجميع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان الحق في تحقيق فوري، وفعال، ونزيه، ومستقل في هذه الانتهاكات، كما لهم الحق في الإنصاف الفعال. ومن البديهي علاوة على ذلك أن إجراء تحقيق شامل هو العنصر الأول من عناصر الإنصاف الفعال الذي يفرض كما هو مبين أعلاه إجراء تحقيق شامل للوقائع، وهذا ما أكده المقرر الخاص للجنة الفرعية لمسألة الإفلات من العقاب (21)، والذي اعتبر أن واجب الدول في التحقيق في الانتهاكات هو جزء من الحق في الحصول على إنصاف عادل وفعال.

ويمكن القول أن الاجتهادات القضائية الدولية الناتجة عن الممارسة القضائية التي تصدر عن الهيئات الدولية والإقليمية تعتبر مصدرا من مصادر الحق في التحقيق في الانتهاكات، وعليه تتجسد هذه الاجتهادات من خلال الآليات الحقوقية الدولية والإقليمية التالية:

 

 

أ- لجنةالأممالمتحدةلحقوقالإنسانوالإجراءاتالخاصةبها:

أكدت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مرارا واجب الدول المتعلق بإجراء تحقيقات فعالة، وشاملة، ونزيهة في إدعاءات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ولا سيما الإعدام خارج نطاق القضاء، أو الإعدام  التعسفي، أو حالات الاختفاء القسري، أو التعذيب، حيث نجد أن هناك توصيات مماثلة أدلى بها ممثلو الإجراءات الخاصة باللجنة مثل المقرر الخاص المعني بالتعذيب، والمقرر الخاص المعني بالعنف ضد المرأة، والمقرر الخاص المعني باستقلال القضاة والمحامين، والمقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء، والإعدام التعسفي والصوري، وفريق العمل المعني بحالات الاختفاء القسري.

ب- الهيئاتالمحدثةبموجبمعاهداتالأممالمتحدة:

أعلنت لجنة حقوق الإنسان سنة 1982 في تعليقها العام رقم (06) بشأن المادة (06) من العهد أن:”على الدول أن تضع وسائلا وإجراءات فعالة للتحقيق الدقيق في حالات الأشخاص المفقودين والمختفين في ظروف قد تنطوي على انتهاك الحق في الحياة “، وبعد مرور عام رأت اللجنة من خلال قضية “دي الميدا دي كوانتيروص” أنه يجب على الدولة أن تكشف ما حدث للشخص المختفي، وأنه يجب تأمين إطلاق سراحه، هذا وقد ضمنت اللجنة هذا الالتزام بعد ذلك في الحق في الإنصاف الفعال المكفول في المادة (02 ف 03) من العهد. وبالمثل، فقد أكدت اللجنة على ضرورة فتح تحقيق في إدعاءات التعذيب وسوء المعاملة، وذكرت بأنه:” يجب على السلطات المختصة التحقيق في الشكاوى المرفوعة على الفور وبصورة محايدة  ليكون الإنصاف فعالا”، كما أوجبت اللجنة على الدولة التحقيق في استخدام الشرطة للقوة بشكل مفرط.

ج- اللجنةومحكمةالبين الأمريكيتينلحقوقالإنسان:

أقرت محكمة البين الأمريكية في حكمها في قضية “فيلاسكيز رودريغيز” بـ: ” أن على الدولة واجب قانوني باتخاذ إجراءات معقولة لمنع انتهاكات حقوق الإنسان، واستخدام الوسائل المتاحة لها لإجراء تحقيق جدي في الانتهاكات التي ارتكبت فوق إقليمها”، ولقد كرست المحكمة هذا الحكم في قضايا أخرى مماثلة، وقضت بأن غياب التحقيق أو عدم فعاليته يشكلان انتهاكا للحق في الحماية القضائية بموجب المادة (25)، والحق في محاكمة عادلة بموجب المادة (08)، وكلاهما ناجمان عن التزام الدولة تحت المادة (01 ف01) من الاتفاقية. كما وقد أوضحت المحكمة أن الالتزام بالتحقيق والمعاقبة هو جزء من التزامات الدولة بمكافحة الإفلات من العقاب الذي يفهم كانعدام تام للتحقيق في الانتهاكات، ولمتابعة، واعتقال، ومحاكمة، وإدانة المسئولين عن انتهاكات الحقوق التي تحميها الاتفاقية الأمريكية، وأنه من واجب الدولة استخدام جميع الوسائل القانونية المتاحة لها من أجل مكافحة هذا الوضع، هذا لأن الإفلات من العقاب يشجع مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان على تكرارها، ويكرس معاناة الضحايا وأقاربهم، واعتبرت المحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان في كل الحالات تقريبا غياب التحقيق انتهاكا للاتفاقية.

د- المحكمةالأوروبيةلحقوقالإنسان:

قررت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية “ماكان” ضد المملكة المتحدة أنه كلما كان هناك إدعاء بحدوث قتل دون وجه حق على يد أحد وكلاء الدولة لابد من التحقيق في الوقائع، لأنه من واجب الدولة حماية الحق في الحياة. وقد استنتجت في وقت لاحق أن الحق في الإنصاف الفعال للضحية أو لأقاربه يمكن أن ينتهك إذا لم تكن هناك أي فعالية في التحقيق، وقد أقرت أيضا أنه كلما كانت هناك إدعاءات بالتعذيب، أو بالمعاملة اللاإنسانية، أو الحط من الكرامة، فإن الحق في عدم التعرض لهذا التعذيب أو المعاملة يتطلب التحقيق المتمعن في هذه الإدعاءات.

ثانيا: مقتضيات الحق في التحقيق في الانتهاكات.

إن واجب التحقيق هو الالتزام بالوسيلة وليس بالنتيجة، ويعني هذا أن التحقيق لا يكون بالضرورة ناقصا إذا لم يؤد إلى توضيح كامل للوقائع والظروف المحيطة بالانتهاك، وما دامت السلطات تجري التحقيق وفقا للمعايير الدولية فإنه يعد كاملا، وبالتالي نجد أن الاجتهاد القضائي الدولي قد وضع عددا من الشروط التي ينبغي أن تتوفر في التحقيق، وهي كالتالي:

01/- يجب أن يكون التحقيقرسميا،وعاجلا،ونزيها،وشاملا،ومستقلا:

من المهم الإشارة إلى أن الأسس الجوهرية للحق في إجراء تحقيق هي السرعة، والشمولية، والاستقلال،  والحياد، ويجب أن تتم مباشرة التحقيق دون شكوى من قبل الضحايا أو أقاربهم.

ولكي يكون التحقيق مستقلا يجب أن تضطلع به هيئة مستقلة، أي ألا تكون هذه الهيئة قد ساهمت في الانتهاكات موضوع التحقيق، وهكذا فحسب مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بالتحقيق في التعذيب يجب أن يكون: “المحققون أكفاء، ومحايدين، ومستقلين عن المشتبه فيهم الذين ارتكبوا الانتهاك، وعن الجهة التي تعينهم”، وتنص مبادئ الأمم المتحدة بشأن عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء على أنه إذا كانت إجراءات التحقيق غير ملائمة، فإنه على السلطات العامة أن تواصل التحقيق بواسطة لجنة مستقلة للتحقيق أو بواسطة هيئة مماثلة. هذا ويتم اختيار أعضاء هذه اللجنة بناءا على نزاهتهم وكفاءتهم واستقلالهم كأفراد، وعلى وجه الخصوص يجب أن يكون الأعضاء مستقلين عن أي مؤسسة أو جهة أو شخص يمكن أن يكون موضوع التحقيق، ومن جهتها ترى المحكمة الأوروبية أنه من الضروري بوجه عام أن يكون الأشخاص المسئولين عن إجراء التحقيق محايدين وبعيدين عن أولئك المتورطين في الأحداث التي وقعت، وهذا لا يعني فقط انعدام الارتباط الهرمي أو المؤسسي، ولكن أيضا الاستقلالية الموضوعية.

ويفترض الحياد عدم وجود تصور قبلي للأفكار والأحكام من قبل من يقوم بإجراء التحقيق، وأحيانا يكون من الصعب ضمان الحياد في الحالات التي تكون فيها الانتهاكات موجهة ضد أعضاء الأقليات العرقية، أو الإثنية، أو الدينية أو غيرها من الجماعات، وفي هذا الصدد فقد أقرت لجنة القضاء على التمييز العنصري أن سن تشريع يجعل من التمييز العنصري جريمة جنائية لا يمثل في حد ذاته امتثالا كاملا لالتزامات الدول الأطراف في الاتفاقية، وأنه من واجب الدولة التحقيق بكل سرعة وعناية في الانتهاك.

02/- يجب أن يكون التحقيققادراعلىالعثور، وعندالاقتضاء علىالمتورطينفيالانتهاكات:

أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ومحكمة البين الأمريكية لحقوق الإنسان على أنه يجب أن يكون التحقيق قادرا على الكشف عن هوية المسئولين عن هذه الانتهاكات.

كما أكد فريق العمل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي أنه ينبغي أن يطلع الجمهور على هوية الضحايا، وهوية المسؤولين عن وضع السياسات والممارسات التي تؤدي إلى حالات الاختفاء، فضلا عن هوية الأشخاص الذين ارتكبوا الاختفاء، وأولئك الذين ساعدوهم أو شجعوهم على ذلك.

وأقرت لجنة البين الأمريكية بشكل واضح أنه إذا وجدت لجنة لتقصي الحقائق، فإنها لا تفي بالالتزام الملقى على عاتق الدولة طبقا للمادة (01 ف01) من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان، إلا إذا تولت التحقيق في الانتهاكات بشكل جزئي، أو إذا كانت هيئة غير قضائية تفتقر إلى القدرة على تحديد هوية الجناة، وتقديمهم إلى العدالة، ومنح تعويضات إلى الضحايا.

03/- سلطاتهيئاتالتحقيق:

يجب أن تتوفر هيئات التحقيق على الموارد والسلطات اللازمة لإجراء تحقيق فعال، وعلى وجه الخصوص سلطة إجبار الشهود على المثول.

04/- مشاركةالضحاياوأقاربهمفيالتحقيق:

يجب أن يكون التحقيق علنيا وأن يكون للضحايا وأسرهم الحق في الوصول إليه، وقد أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في هذا الاتجاه على أنه يجب إشراك الضحايا وأسرهم في الإجراءات بالشكل الضروري لحماية مصالحهم المشروعة، كما أكدت على ضرورة إشراك آباء الضحية في الإجراءات، وتزويدهم بالمعلومات ذات الصلة، وقضت كذلك بأنه يجب على المحكمة أن تعرض حيثيات قرارات عدم المتابعة أو حفظ القضايا وإبلاغ محتواها لأسر الضحايا.

05/- حمايةالضحاياوأقاربهموالشهودمنالتهديدوالترهيب:

أعربت الجمعية العامة منذ قرارها الأول حول حالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي عن تأثرها بالألم والاضطراب الذي تسببه حالات الاختفاء لأقارب الضحية، ومنذ صدور القرار (42/142) لعام      1987 نجد أن الجمعية العامة تناشد الحكومات باتخاذ إجراءات لحماية أسر الأشخاص المختفين من أي ترهيب أو سوء معاملة قد يتعرضون لها، وورد واجب حماية الضحايا وأسرهم أيضا في المادة (13 ف03) من إعلان حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.

06/- توثيق عناصر الأدلة:

لإجراء تحقيق فعال يجب جمع وتوثيق جميع الأدلة، حيث أوصت لجنة مناهضة التعذيب بأنه: “يجب توثيق أي علامة من علامات التعذيب في حالات انتهاك الحق في الحياة، لاسيما آثار العنف الجنسي التي قد تظهر على الضحية، وينبغي أن تدرج هذه الأدلة في تقارير الطب الشرعي حتى لا يشمل التحقيق القتل فقط، ولكن أيضا التعذيب، كما أوصت اللجنة أيضا الدولة الطرف بأن تؤهل الأطباء مهنيا حتى يتمكنوا من معاينة التعذيب وغيره من أشكال سوء المعاملة”.

ورأت محكمة البين الأمريكية أن على الدولة كذلك، وعن طريق الوسائل التقنية وغيرها من الآليات المناسبة تحديد مواقع، وهويات، وجثمان الضحايا، واعتبرت أن المحافظة على مسرح الجريمة كما هو، والحفاظ على بصمات الأصابع، وأخذ عينات الدم، وإجراء الفحوص المختبرية، وفحص الملابس، وتصوير جروح الضحية هي أجزاء أساسية من التحقيقات(22).

07/- توقيفالمسئولينأثناءالتحقيقمعهم:

تنص بعض الآليات الدولية على توقيف المسئولين أثناء التحقيق معهم، وهذا ما تدعو إليه بشكل متزايد الهيئات المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان، وحسب الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، ومبادئ الأمم المتحدة بشأن الإعدام خارج نطاق القضاء،  ومبادئ الأمم المتحدة بشأن التحقيق في التعذيب، فإنه يجب إبعاد المتورطين في أعمال التعذيب، وغيرها من أصناف المعاملة السيئة عن أي وظيفة تمكنهم من ممارسة السلطة، سواء كانت مباشرة أم غير مباشرة على مقدمي الشكاوى والشهود وأسرهم، وأيضا على من يجري التحقيقات.

وذهبت لجنة حقوق الإنسان ولجنة مناهضة التعذيب إلى أبعد من هذا، حيث أكدت الأولى أنه: “يجب توقيف الأشخاص الذين يشغلون وظائف رسمية، والذين يحتمل أن يكونوا قد ارتكبوا انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان خلال العمل أثناء التحقيق في هذه الإدعاءات”.

08/- إطلاعالعمومعلىمجرياتالتحقيق:

لا يكون التحقيق مجديا إلا بنشر تقريره فورا على الملأ، وبكشف النتائج التي توصل إليها، ويجب أن يصف التقرير بالتفصيل الأحداث التي وقعت، والأدلة التي قامت عليها النتائج التي تم التوصل إليها، ووضع قائمة بأسماء الشهود، عدا أولئك الذين تم حجب هويتهم حماية لهم ، وطالبت المحكمة ولجنة البين الأمريكيتين لحقوق الإنسان، والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، واللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب أيضا بإعلان النتائج التي تتوصل إليها التحقيقات.

 

المحور الرابع: الحق في معرفة الحقيقة.

إن الحق في معرفة الحقيقة هو حق للضحايا، ولأفراد أسرهم، وغيرهم من الأقارب، والمجتمع ككل من أجل معرفة حقيقة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وهو نفسه أساس ونتيجة للحق في الإنصاف وفي التحقيق. إن غياب التحقيق في حالات الاختفاء يسبب في بعض الأحيان معاناة أكبر لأسرة الضحية، حيث يشكل إنكار الحق في الحقيقة معاملة قاسية، ولا إنسانية، ومهينة.

كما يعتبر الحق في معرفة الحقيقة أيضا حق مستقل عن غيره من مطالب الضحايا وأقاربهم، من حيث أنه حق للمجتمع ككل، وباعتباره التزاما موضوعيا للدولة ينجم عن واجب ضمان احترام حقوق كل إنسان، وعليه سنحاول أن نعالج هذا الحق في ظل كل من القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

أولا: الحق في معرفة الحقيقة على ضوء القانون الدولي الإنساني.

إن مفهوم الحق في معرفة الحقيقة كحق راسخ في القانون الإنساني تم الأخذ به في آليات حقوق الإنسان، حيث ظهر هذا الحق للمرة الأولى في سياق الاختفاء القسري أو غير الطوعي، وتنص المواد (15) وما يليها و(18) وما يليها من اتفاقية جنيف الأولى والثانية على الالتزام بالبحث، والرعاية، والكشف عن هوية الجرحى والمرضى من الطرف الخصم، وتوفير العلاج الضروري لهم، وكذلك البحث والكشف عن هوية الموتى، كما تشرح المادتين كيفية جمع المعلومات ودفن الموتى، وتلزم بالمثل المادة (122) وما يليها من اتفاقية جنيف الثالثة، والمادة (136) وما يليها من اتفاقية جنيف الرابعة الدولة بجمع المعلومات عن أسرى الحرب والمدنيين، والأهم من ذلك نجد أن المادة (32) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، والتي تنظم حماية ضحايا النزاعات الدولية المسلحة تشير صراحة إلى حق الأسر في معرفة مصير أقاربهم، كما أن المادة (33 ف1) من نفس البروتوكول تقضي بالتزام كل طرف من أطراف النزاع بالبحث عن الأشخاص الذين تم الإخبار عنهم من قبل جهة معادية بأنهم مفقودون، وعليه فإن كل من هذين الالتزامين- إبلاغ الأسر عن مصير أقاربهم، والبحث عن المفقودين – هما من صميم الحق في معرفة الحقيقة، هذا وقد تم الاعتراف به في وقت لاحق في القانون الدولي لحقوق الإنسان.

ولتعزيز هذه الالتزامات حث المؤتمر الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر(23) أطراف النزاع على المساعدة في العثور على قبور الموتى، والتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والجمعيات الوطنية أثناء إحصاء المفقودين والموتى، وحث المؤتمر الدول على اتخاذ أي إجراءات يمكن أن تساعد في التحقق من مصير الأشخاص المفقودين، وطلب من الحكومات  منع حالات الاختفاء، وإجراء دراسة مستفيضة في كل حالة من حالات الاختفاء التي تحدث فوق أراضيها. وعليه فقد أكد المؤتمر كذلك أنه يجب أن يبدأ جمع شمل الأسر باقتفاء أثر أفرادها المتفرقين بناءا على طلب كل واحد منهم، كما دعا الدول كذلك إلى تسهيل أنشطة كل من الصليب الأحمر الدولي أو الهلال الأحمر الوطني من خلال منحهم إمكانية الوصول إلى المعلومات المهمة، وأكد على حاجة وحق الأسر في الحصول على معلومات عن الأشخاص المفقودين، بما في ذلك أسرى الحرب المفقودين والمقاتلين الذين يعتبرون من المفقودين، وفي الأخير حث المؤتمر بقوة الدول الأطراف في النزاعات المسلحة أن تزود الأسر بمعلومات عن مصير أقاربهم المفقودين.

وقد أعادت الجمعية العامة التأكيد في قراراتها بشأن الأشخاص المفقودين على حق الأسر في معرفة مصير أقاربهم المفقودين في النزاعات المسلحة، والحق المنصوص عليه في المادة (32) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، وأكدت أنه: “يجب على كل طرف في نزاع مسلح، وحالما تسمح بذلك الظروف، وعلى أبعد تقدير ابتداء من النهاية الفعلية للأعمال العدائية أن يبحث عن الأشخاص الذين أعلن أنهم مفقودون من قبل الطرف الخصم”، وهذا على النحو المنصوص عليه في المادة (33) من البروتوكول الإضافي الأول، وفي هذا الصدد تطالب الجمعية العامة الدول الأطراف في نزاع مسلح أن تتخذ خطوات فورية للكشف عن هوية ومصير الأشخاص المعتبرين في عداد المفقودين في النزاع المسلح، وقد طالبت الجمعية العامة أيضا الدول بأن تولي أقصى درجة من الاهتمام لحالات الأطفال المفقودين في النزاعات المسلحة، واتخاذ الإجراءات المناسبة للبحث عن هؤلاء الأطفال والكشف عن هويتهم.

وبالمثل أصدر الأمين العام للأمم المتحدة مبادئ وقواعد متعلقة باحترام قوات الأمم المتحدة للقانون الدولي الإنساني، والتي تنص على احترام قوات الأمم المتحدة حق الأسر في معرفة مصير أفرادها المرضى، والجرحى، والمتوفين.

ثانيا: الحق في معرفة الحقيقة على ضوء القانون الدولي لحقوق الإنسان.

يعتبر الحق في معرفة الحقيقة في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان مفهوما قانونيا تطور من خلال الاجتهاد القضائي لهيئات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية، وهي كالتالي:

01/- منظومة الأمم المتحدة:

إن الحق في معرفة الحقيقة في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان مكرس في اجتهاد اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، حيث أشارت في عام 1981 في قضية “دي الميدا دي كوانتيروس” أنها تتفهم القلق والإجهاد اللذين أصاب الأم من جراء اختفاء ابنتها، واستمرار الشكوك بشأن مصيرها ومكانها، وأن صاحبة البلاغ لها الحق في معرفة ما حدث لابنتها، وإذا ما لم يتم إخبارها بذلك تكون الأم أيضا ضحية للانتهاكات التي عانت منها ابنتها طبقا للمادة (07) من العهد، ومن المهم جدا الإشارة إلى أن اللجنة اعتبرت في هذه الحالة الحق في معرفة الحقيقة حقا موضوعيا وليس مجرد حق إجرائي، وأن انتهاك هذا الحق يساوي انتهاك الحق في عدم التعرض للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة.

وإذا كان الحق في معرفة الحقيقة مرتبطا في البداية بحالات الاختفاء القسري، فإن لجنة حقوق الإنسان قد أوضحت أن هذا الحق ينطبق أيضا على انتهاكات حقوق الإنسان بشكل عام.

كما أكدت آليات الأمم المتحدة الأخرى الحق في معرفة الحقيقة، فبالإضافة إلى موقف فريق العمل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي المشار إليه أعلاه، أوصت لجنة حقوق الإنسان بتبني مشروع المبادئ العامة للأمم المتحدة بشأن الإفلات من العقاب، والتي تتضمن “الحق المطلق في معرفة الحقيقة”، و”واجب الذاكرة “، و”حق الضحايا في معرفة الحقيقة “، و”الضمانات اللازمة لتفعيل الحق في معرفة الحقيقة”.

02/- اللجنةومحكمةالبين الأمريكيتينلحقوقالإنسان:

استلهمت اللجنة الحق في معرفة الحقيقة من الحق في الحصول على محاكمة عادلة، وفي الحماية القضائية  )المواد 8 و15 من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان(، والحق في الحصول على المعلومات  )المادة 13 من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان(، وقد ضمنت الحق في معرفة الحقيقة في إطار حق الضحية أو وريثه الشرعي في الحصول على توضيحات هامة حول الحقائق المتعلقة بالانتهاك وما يقابلها من مسؤوليات أجهزة الدولة المختصة، خاصة من خلال إجراءات التحقيق والمحاكمة المقررة في المواد ( 8و25) من الاتفاقية، كما أنها أقرت بالحق في معرفة الحقيقة كاملة، وإطلاع الجمهور على حقيقة الأحداث التي وقعت، وظروفها الخاصة، ومن شارك فيها، وهذا كجزء من الحق في جبر الضرر عن انتهاكات حقوق الإنسان.

إن الحق في معرفة الحقيقة حسب توضيح لجنة البين الأمريكية هو الحق في البحث القضائي عن الحقيقة والحق في التحقيق، والمطالبة بإنزال العقوبات القضائية على مرتكبي الانتهاكات، حيث لا يمكن أن تحل هيئة غير قضائية مثل لجنة تقصي الحقائق محل هذا الحق، وعليه ترى اللجنة الأمريكية لحقوق الإنسان أنه على الرغم من المساهمة المهمة التي قدمتها لجنة تقصي الحقائق في الكشف عن الحقائق المحيطة بأخطر الانتهاكات، وتعزيز المصالحة الوطنية، فإن الدور الذي اضطلعت به لا يمكن أن يعتبر بديلا مناسبا عن الإجراءات القضائية كوسيلة ضرورية للوصول إلى الحقيقة. إن قيمة لجان تقصي الحقائق لا تكمن في كونها أنشئت لكي لا تكون هناك محاكمات، ولكن لتشكل خطوة في اتجاه معرفة الحقيقة، وتحقيق هدف سيادة العدالة في نهاية المطاف، كذلك فإن إنشاء هيئة تقصي الحقائق لا يمكن أن يكون بديلا عن التزام الدولة الذي لا يمكن تفويضه بالتحقيق في الانتهاكات التي ارتكبت في إطار اختصاصها، وتحديد المسئولين عنها، ومعاقبتهم، وضمان جبر الضرر الكافي للضحايا  )المادة 01 ف01 من الاتفاقية الأمريكية( من أجل ضمان الضرورة الجوهرية المتمثلة في مكافحة الإفلات من العقاب.

وقد كانت محكمة البين الأمريكية قد تجنبت حتى الآن مسألة الحق في معرفة الحقيقة، ولكنها قضت بأن الدول التي لا تنفذ ما يلزم من إجراءات قضائية من أجل العثور والكشف عن هوية أقارب مقدمي الشكاوى تنتهك الحق في الوصول إلى العدالة والحق في محاكمة عادلة(24).

 03/- النظام الأوروبي:

بالرغم من أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لم تتحدث صراحة عن الحق في معرفة الحقيقة، إلا أنها أقرت مع ذلك بمعاناة أقارب ضحايا الاختفاء القسري، واعتبرت أن عدم قيام الدولة بالتحقيق في هذه الانتهاكات الجسيمة، وإبلاغ الأقارب بالنتائج يشكل انتهاكا لحقهم الخاص في عدم التعرض للمعاملة القاسية واللاإنسانية، وفي قضية كورت ضد تركيا اعتبرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تقاعس السلطات عن تقديم معلومات عن المختفي بمثابة انتهاك لحظر التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية حسب المادة (03) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وقد أكدت المحكمة هذا الاستنتاج في قرارات لاحقة.

وقررت غرفة حقوق الإنسان حول البوسنة والهرسك التي أسست أحكامها أيضا بناء على الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية “مجزرة سريبرينتسا ” سنة1995 ، أن عدم قيام سلطات جمهورية “سربسكا” بإبلاغ مقدمي الطلبات عن مصير ومكان أقاربهم المفقودين  )حوالي 7500 مفقود(، وفشلها في إجراء تحقيق جدي وفعال في المذبحة هو بالنسبة لأقارب الضحايا بمثابة انتهاك للمادة (03) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ولحقهم في احترام حياتهم الخاصة والعائلية المكفول بموجب المادة (08) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. و قد اعتبرت غرفة حقوق الإنسان، وكذلك لجنة البين الأمريكية أن الحق في إجراء التحقيق ليس في مصلحة الضحايا فقط، بل في مصلحة المجتمع ككل، وأمرت بناءا عليه جمهورية “سربسكا ” بإجراء تحقيق كامل، ومعمق، ومفيد، ومفصل  في الأحداث المحيطة بمجزرة “سريبرينيتشا” من أجل أن تشرح للمدعين، وللأقارب الآخرين، وللعموم دور الدولة في المجزرة والجهود التي بذلتها بعد ذلك لتغطية الحقائق، ومصير ومكان وجود الضحايا.

 

المحور الخامس: رد الحقوق، وجبر الضرر، وإعادة التأهيل والترضية كإحدى وسائل إنهاء الانتهاك.

أعلنت محكمة العدل الدولية الدائمة المنشأة من قبل عصبة الأمم  عام 1927 مبدأ أساسيا من مبادئ القانون الدولي، وأقرت أن انتهاك أي التزام دولي يتطلب ضرورة جبر الضرر الناجم عنه الانتهاك، ورأت أن الجبر ضروري بسبب الإخفاق في تطبيق اتفاقية ما، وليس ضروريا أن يكون هذا الأمر مضمنا في هذه الاتفاقية، وعليه فإن العنصر الأهم في حكم المحكمة الدائمة هو أنها ترى واجب الجبر شرطا أساسيا في الالتزام الدولي، وبالتالي يمكن القول أن المحكمة طبقت بالأساس مبدأ منطقيا هو: ” الضرر الناجم عن انتهاك القانون الدولي يجب حذفه”، وبالتالي يتم إنهاء الانتهاكات بإحدى الوسائل التالية:

أولا: استعادة الحقوق.

إن الإرجاع من حيث هو وسيلة لإلغاء الانتهاك، أو حذف آثاره معترف به في عدد من آليات حقوق الإنسان، ووفقا للقرار الشهير في قضية “مصنع شورزوي”، فإن إرجاع الحق يشكل الهدف الرئيسي للجبر.

حيث نجد أن المبدأ الأساسي الذي ينبع من مفهوم الفعل غير المشروع – ويخرج من الممارسة الدولية، وعلى وجه الخصوص اجتهاد هيئات التحكيم – هو أن جبر الضرر يجب قدر الإمكان أن يحذف جميع النتائج المترتبة على الفعل غير المشروع، وإعادة بناء الحالة كما كانت ستوجد لو لم يتم ارتكاب الفعل.

وهذا يعني إعادة الوضع إلى حالته السابقة، أي الحالة التي كانت ستسود إذا لم يحدث الانتهاك، ولكن ثمة استثناء لهذه القاعدة جاء في المادة (35) من مشروع المواد المتعلقة بمسؤولية الدول، وهو عندما لا يكون هذا الإرجاع ممكنا ماديا، أو عندما يفرض عبء لا يتناسب البتة مع المنفعة المترتبة عن الإرجاع بدلا من جبر الضرر، وهذا يعني أنه إذا كان الإرجاع ينطوي على جهود أو تكاليف غير متناسبة، فإنه يمكن للدولة أن تدفع التعويض بدلا من الإرجاع.

وعلى نحو مماثل اعتبرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان جبر الضرر نتيجة للطابع القانوني الملزم لأحكامها، وأن الإرجاع هو الوسيلة الأساسية لجبر الضرر، وهذا بقولها:” أنه من خلال المادة 53 من الاتفاقية تعهدت الأطراف العليا الموقعة على الالتزام بقرارات المحكمة في أي قضية هم أطراف فيها، وعلاوة على ذلك تنص المادة 54 على أن حكم المحكمة سوف يحال إلى لجنة الوزراء التي ستشرف على تنفيذه، ويترتب على ذلك أن الحكم الذي وجدت المحكمة فيه انتهاكا يفرض على الدولة التزاما قانونيا بوضع حد لهذا الانتهاك وحذف النتائج المترتبة عنه بشكل يتيح قدر الإمكان استعادة الوضع القائم قبل الانتهاك”.

كما أشارت أيضا إلى أنه:”إذا كان إرجاع الحق مستحيلا من الناحية العملية، فإن للدول حرية اختيار الوسائل التي تمكن من الامتثال للحكم الذي وجدت فيه المحكمة انتهاكا، وأن المحكمة لن تصدر توجيهات أو أحكاما إعلانية في هذا الصدد، وإنه يقع على عاتق لجنة وزراء مجلس أوروبا بموجب المادة 54 من الاتفاقية مراقبة تنفيذ القرار في هذا الصدد”.

إن مبادئ الأمم المتحدة حول جبر الضرر تعرف الإرجاع على النحو التالي: “ينبغي أن يعيد الإرجاع، كلما كان ذلك ممكنا الضحية إلى وضعه السابق قبل أن تحدث الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان أو القانون الدولي الإنساني، ويتضمن الإرجاع حسب الاقتضاء ما يلي: استرداد الحرية، والتمتع بحقوق الإنسان، وبالهوية، والحياة الأسرية، والمواطنة، والعودة إلى مكان الإقامة الأصلي، واسترداد الوظيفة، وإعادة الممتلكات”.

ثانيا: جبر الضرر”التعويض”

تنص معاهدات كثيرة لحقوق الإنسان صراحة على حق”الفرد في التعويض” عن انتهاكات حقوق الإنسان، وفي حالات أخرى تشير معاهدات أخرى إلى الحق في التعويض بصيغ أخرى غير مباشرة مثل “جبر الضرر”، أو”الترضية العادلة”.

وبالإضافة إلى الحق العام في الحصول على تعويض عن انتهاكات حقوق الإنسان، تكرس معاهدات عديدة مبدأ القانون العرفي المتعلق بالحق في الحصول على تعويض عن الاحتجاز، أو الاعتقال أو الإدانة غير القانونيين، وهذا بموجب المادة (09 ف05) من العهد، والمادة (05 ف05) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والمادة (10) من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان، والمادة (16) من الميثاق العربي لحقوق الإنسان، والمادة (85) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

إن الحق في التعويض منصوص عليه في القانون الدولي الإنساني أيضا(25)، وفي المادة (91) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، والتي تنص على ما يلي:”على أي طرف في النزاع ينتهك أحكام الاتفاقيات أو هذا البروتوكول دفع التعويض إذا اقتضى الأمر ذلك”، كما نجد كذلك المادة (68) من اتفاقية جنيف الثالثة المتعلقة بمعاملة أسرى الحرب تصف الإجراءات التي ينبغي أن يتبعها أسرى الحرب للمطالبة بالتعويض من السلطة المحتجزة عن حادثة، أو إعاقة ناشئة عن عمل، أو عن مصادرة أغراض شخصية، أو أموال، أو أشياء ثمينة.

لقد لخصت مبادئ الأمم المتحدة بشأن جبر الضرر الاجتهاد والممارسة في الصياغة التالية:” يجب التعويض عن أي ضرر ناجم عن الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، وهذا حسب تقييم اقتصادي يتناسب مع جسامة الانتهاك وظروف كل حالة على حدا، وهذا مثل:

                   ‌أ-     الضرر البدني أو النفسي.

                 ‌ب-   ضياع فرص العمل والتعليم والمنافع الاجتماعية.

                  ‌ج-   الأضرار المادية وفقدان الراتب، بما فيها خسائر الإيرادات المحتملة.

                   ‌د-    الضرر المعنوي.

                   ‌ه-    تكاليف المساعدة القضائية، أو مساعدة الخبراء، والأدوية، والخدمات الطبية، والخدمات النفسية والاجتماعية”.

وتستخدم مختلف التشريعات الوطنية والممارسة مصطلح التعويض في عدة أشكال، حيث يستخدم مصطلح غرامة في بعض الأحيان، والذي يمكن أن يكون له معنى مختلف عن التعويض، ولاسيما في الفرنسية أو الإسبانية، إلا أن هذه المصطلحات تستخدم على الصعيد الدولي بشكل مرادف، ويفهم مصطلح التعويض في هذا البحث على أنه شكل محدد من الجبر يسعى إلى تقديم خدمات نقدية أو اقتصادية لبعض الأضرار، سواء كانت مادية أم معنوية، و ذات طبيعة مالية أو غير مالية.

ثالثا: إعادة التأهيل

إن إعادة التأهيل حق تكفله العديد من المعاهدات والإعلانات العالمية خصوصا المادة (14 ف01) من اتفاقية مناهضة التعذيب التي تنص على أن:” تضمن كل دولة طرف في نظامها القانوني إنصاف من يتعرض لعمل من أعمال التعذيب وتمتعه بحق قابل للتنفيذ في تعويض عادل ومناسب، بما في ذلك وسائل إعادة تأهيله على أكمل وجه ممكن، وفى حالة وفاة المعتدى عليه نتيجة لعمل من أعمال التعذيب يكون للأشخاص الذين كان يعولهم الحق في التعويض”، وكذلك  نجد المادة (39) من اتفاقية حقوق الطفل تنص على أن:” تتخذ الدول الأطراف كل التدابير المناسبة لتشجيع التأهيل البدني والنفسي وإعادة الاندماج الاجتماعي للطفل الذي يقع ضحية أي شكل من أشكال الإهمال أو الاستغلال أو الإساءة، أو التعذيب، أو أي شكل آخر من أشكال المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أوالمهينة، أو النزاعات المسلحة، ويجرى هذا التأهيل وإعادة الاندماج في بيئة تعزز صحة الطفل، وهذا من أجل احترامه لذاته، وكرامته”.

وغالبا ما يتم تضمين إجراءات إعادة التأهيل في التعويض المقضي به، حيث تطلب الجهات القضائية المختصة من الدول اتخاذ إجراءات لإعادة التأهيل تارة، وتارة أخرى تطالب بإعطاء ميزانيات لإجراءات إعادة التأهيل، وفي كثير من الأحيان تأمر هذه الهيئات الدولة بتأدية تكاليف إعادة التأهيل. ويتجلى ذلك في المادة (14) من اتفاقية مناهضة التعذيب التي تدعو إلى أن: ” تضمن كل دولة طرف في نظامها القانوني إنصاف من يتعرض لعمل من أعمال التعذيب وتمتعه بحق قابل للتنفيذ في التعويض العادل والمناسب، بما في ذلك وسائل إعادة تأهيله على أكمل وجه ممكن”، وفي هذا الإطار أوصى المقرر الخاص المعني بالتعذيب بأن تكفل الدول “تعويضا عادلا ومناسبا، بما في ذلك وسائل إعادة التأهيل على أكمل وجه ممكن”.

كما شجع المقرر الخاص الدول على دعم ومساعدة مراكز إعادة التأهيل التي توجد على أراضيها لضمان حصول ضحايا التعذيب على الوسائل الكفيلة لإعادة تأهيلهم على الوجه الأكمل، وبالمثل فإن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أقرت أنه يتعين على الدول أن توفر المساعدة الطبية اللازمة للضحايا، وأوصت لجنة مناهضة التعذيب كذلك بتدابير لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب، أما لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة فقد ضمنت إعادة التأهيل في توصيتها العامة (19) المتعلقة بالعنف ضد المرأة، ومن جهته أوضح فريق العمل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي أن إعادة التأهيل تغطي بشكل خاص علاج الصحة الجسدية والنفسية، وخدمات إعادة التأهيل في حالات الضرر البدني أو العقلي كيفما كانت طبيعته.

رابعا: الترضية

إذا كان التعويض عن الأضرار غير المادية هو شكل من أشكال الجبر المالي عن المعاناة الجسدية والنفسية، والضرر الذي يلحق بالسمعة أو الكرامة أو غيرها من الأضرار المعنوية، فإن الترضية شكل مختلف وغير مالي من أشكال الجبر عن الضرر المعنوي أو الإضرار بالكرامة والسمعة. هذا وقد اعترفت محكمة العدل الدولية بالترضية كأحد عوامل الجبر، حيث رأت في حكمها في قضية قناة “كورفو” على سبيل المثال أن الإعلان يشكل في حد ذاته ترضية ملائمة، وعليه نجد أن الترضية يمكن أن تأخذ أحد الأشكال التالية:

 

 

أ/- الترضيةالناجمةعنالقراراتالقضائية:

لقد قررت المحاكم الدولية في كثير من الحالات أن قرار الإدانة يشكل في حد ذاته ترضية طالما أن سلطة قضائية مستقلة ومحايدة أعلنت أن الضحية تعرض لانتهاك حقوق الإنسان.

ومع ذلك، فقد اعتبرت محكمة البين الأمريكية في حالات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أن الحكم وحده ليس جبرا مناسبا، وأن مثل هذه الانتهاكات تستوجب الحصول على تعويض، وعموما فإنه  في حالات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان لا ينصف الضحية بمجرد إعلان من المحكمة.

ب/- الاعتذار،والاعترافالعلني،وقبولالمسؤولية:

بالإضافة إلى الحق في التحقيق وفي الحقيقة، فإن الاعتراف العلني بالأحداث، والاعتذار وتحمل المسؤولية كلها أشكال مهمة من جبر الضرر، ووفقا لهذا المعنى أوصى مشروع المبادئ العامة للأمم المتحدة بشأن الإفلات من العقاب بأن يكون التقرير النهائي للجان تقصي الحقائق علنيا، وبالمثل أعلنت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في قراراتها بشأن الإفلات من العقاب بأن: “كشف معاناة ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، وإقرار الحقيقة حول مقترفي هذه الانتهاكات، وشركائهم كلها خطوات أساسية في اتجاه إعادة تأهيل الضحايا والمصالحة”.

وطالبت المحاكم والهيئات الدولية مثل اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، واللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، ومحكمة البين الأمريكية لحقوق الإنسان الدول بجعل أحكامها علنية، وأمرت محكمة البين الأمريكية بشكل منهجي بنشر أحكامها في الجريدة الرسمية للبلد المعني، وفي هذه الحالات ترجمتها إلى لغة الشخص الأكثر تضررا)على سبيل المثال بلغة المايا لضحايا المجازر التي ارتكبت ضد جماعات المايا في غواتي مالا).

وإضافة إلى معاينة ونشر الحقائق يلعب تقديم الاعتذار والاعتراف بالمسؤولية – أو بعبارة أخرى الاعتراف بأن هذه الحقائق ليست أخلاقيا محايدة – دورا أساسيا في الترضية، وهذا ما أعلنته محكمة البين الأمريكية لحقوق الإنسان عندما أمرت بالاعتراف بالمسؤولية وتقديم اعتذار علني، حيث يساهم الاعتذار أيضا في ترميم شرف وسمعة وكرامة الشخص.

د/- الاحتفاءالعلني:

هناك جانب هام آخر من جبر الضرر يمكن أن يوفر قدرا من الإرضاء للضحايا هو الاحتفاء العلني، ولمثل هذه المراسيم أهمية خاصة في حالات انتهاك حقوق الجماعات أو عدد كبير من الأشخاص عند العجز عن تحديد هوية الضحايا بشكل فردي، أو في حالات الانتهاكات التي وقعت منذ وقت طويل. إن الاحتفاء العلني في هذه الحالات له قيمة رمزية، ويشكل قدرا من جبر الضرر للأجيال الحالية والمقبلة، ولقد أمرت محكمة البين الأمريكية على سبيل المثال بالاحتفاء العلني ببعض الأشخاص، مثل تسمية شارع أو مركز للتربية بأسمائهم، أو بناء نصب تذكاري لتكريم الضحايا، كما أكد المقرر الخاص للجنة الفرعية حول مسألة الإفلات من العقاب على واجب الذاكرة.

 

المحور السادس: ضرورة تفعيل واجب المساءلة القانونية والعقاب.

إن الالتزام بمتابعة وعقاب مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان لا يتعلق بالضرورة بحق الضحايا في جبر الضرر، بل إنه موجود كالتزام من الدولة بصورة مستقلة عن حقوق الضحية، ومع ذلك فإن مساءلة مرتكبي الانتهاكات هي واحدة من أهم تدابير جبر ضرر الضحايا، ومن ثمة وصفت  في بعض الأحيان بأنها حقهم في العدالة، وقد أكد هذا المقرر الخاص حول الحق في جبر الضرر، وبالمثل أكدت هذه الصلة الجمعية العامة للأمم المتحدة عندما ذكرت أن:” المسؤولية الفردية لمرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان هي أحد العناصر الرئيسية لكل إنصاف فعال لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، وحجر الزاوية لكل نظام قضائي نزيه ومنصف، وفي نهاية المطاف شرط أساسي للمصالحة والاستقرار داخل الدولة”.

أولا: واجب مساءلة ومعاقبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

إن التزام الدول بالمعاقبة على بعض انتهاكات حقوق الإنسان منصوص عليه في مختلف معاهدات حقوق الإنسان، حيث نجد أن هناك بعض الاتفاقيات التي تتكلم فقط عن واجب المعاقبة على انتهاكات حقوق الإنسان، ومعاهدات أخرى تلزم الدول على وجه التحديد باعتماد عقوبات جنائية. إن واجب متابعة وعقاب مرتكبي الانتهاكات يمكن أيضا العثور عليه في الكثير من الآليات الإعلانية، ويجدر بنا الأمر أن نلقي الضوء على بعض الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان(26).

01/- التعذيبوالمعاملةأوالعقوبةالقاسيةأواللاإنسانيةأوالمهينة:

إن المادة (04) من اتفاقية مناهضة التعذيب تفرض التزاما يتمثل في قولها: ” تضمن كل دولة طرف أن تكون جميع أعمال التعذيب جرائم بموجب قانونها الجنائي، وينطبق الأمر ذاته على قيام أي شخص بأية محاولة لممارسة التعذيب وعلى قيامه بأي عمل آخر يشكل تواطؤا ومشاركة في التعذيب”، وبالتالي تعتبر لجنة مناهضة التعذيب أن هذا الالتزام يقتضي من الدول التنصيص على جريمة التعذيب في قوانينها الجنائية من أجل ضمان احترام الالتزامات التي تفرضها اتفاقية مناهضة التعذيب، مثل مبدأ الشرعية، أو الالتزام بالتسليم، أو القبول بالولاية القضائية العالمية.

وتوضح المادتان (05 و07) أن على الدولة واجب متابعة وتسليم المرتكب المفترض للانتهاك، والقبول بالولاية القضائية الدولية المتعلقة بهذا الانتهاك، وأبرزت لجنة مناهضة التعذيب مع ذلك أن واجب متابعة ومعاقبة المسئولين عن التعذيب وسوء المعاملة ليس مؤكدا عليه في الاتفاقية فقط، وإنما هو التزام بموجب القانون الدولي العرفي، وقد ذكرت اللجنة هذا الالتزام في الكثير من استنتاجاتها وتوصياتها إلى الدول الأطراف.

كما وقد أكدت الهيئات الرئيسية الأخرى المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان واجب متابعة وعقاب المسئولين عن التعذيب، وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

02/- الإعدامخارجنطاقالقضاء،والإعدامالصوري،والإعدامالتعسفي:

لقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن الإفلات من العقاب في كثير من الأحيان يعتبر السبب الرئيسي في انتشار حالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو الإعدام الصوري أو التعسفي، وكررت الإعراب عن ضرورة التزام جميع الحكومات بإجراء تحقيقات شاملة، ونزيهة، وفي جميع حالات الإعدام خارج نطاق القضاء، أو الإعدام الصوري، أو التعسفي المشتبه فيها، وتحديد ومتابعة المسؤولين عنها مع ضمان حق كل فرد في محاكمة عادلة وعمومية، والاستماع إليه من لدن محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة ومنشأة بموجب القانون، ومنح تعويضات مناسبة في غضون فترة زمنيه معقولة للضحايا أو لأسرهم، واتخاذ كل الإجراءات الضرورية، بما في ذلك الإجراءات القانونية والقضائية من أجل وضع حد للإفلات من العقاب وإلى منع تكرار مثل هذه الإعدامات، وفي قراراتها حول الإعدام خارج نطاق القضاء، والإعدام الصوري والتعسفي أكدت لجنة حقوق الإنسان أيضا على ضرورة تقديم مرتكبي مثل هذه الأفعال إلى العدالة.

03/- حالاتالاختفاءالقسري:

لقد أشارت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى أن:”الإفلات من العقاب في حالات الاختفاء القسري يسهم في استمرار هذه الظاهرة ويشكل إحدى العقبات التي تحول دون الكشف عن هذه الاختفاءات، وفي هذا الصدد تذكر الدول أيضا بواجب ضمان قيام سلطاتها المختصة بإجراء تحقيقات سريعة ونزيهة في جميع الحالات التي تدعو إلى الاعتقاد بأن اختفاء قسريا قد وقع في أراض تخضع لولايتها، وأنه إذا ما ثبتت صحة الإدعاءات يجب متابعة مرتكبيه”. إن واجب المتابعة والعقاب في حالات الاختفاء القسري منصوص عليه في المادتين الأولى والرابعة من اتفاقية البين الأمريكية بشأن الاختفاء القسري للأشخاص والمادة (04) من إعلان الأمم المتحدة المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.

 

04/- الإبادةالجماعية:

ومما لا شك فيه أيضا أن جريمة الإبادة الجماعية تشكل جريمة بموجب القانون الدولي، سواء تعلق الأمر بالقانون العرفي أو قانون المعاهدات، والذي يتضمن الالتزام بالمتابعة والعقاب، وهذا منصوص عليه في المادتين الرابعة والخامسة والسادسة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. وقد أنشأ مجلس الأمن في عام1994  المحكمة الدولية لرواندا بموجب القرار رقم (955) ، وكلفها حصريا بمحاكمة الأشخاص المسؤولين عن أعمال الإبادة الجماعية، وغيرها من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني التي ارتكبت في إقليم رواندا، والمواطنين الروانديين المفترض أنهم مسئولون عن أفعال وانتهاكات مماثلة ارتكبت في أراضي الدول المجاورة، وتنص المادة (06) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على اختصاص المحكمة في قضايا الإبادة الجماعية(27).

05/- جرائمالحرب:

تفرض اتفاقيات جنيف لعام 1949 على الدول المتعاقدة التزاما بسن التشريعات اللازمة لتوفير عقوبات جزائية فعالة ضد الأشخاص الذين يرتكبون أو يأمرون بارتكاب المخالفات الجسيمة التالية: القتل العمد، التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، بما في ذلك التجارب البيولوجية، والتسبب عمدا بمعاناة شديدة أو إصابة خطيرة للسلامة الجسدية أو الصحية، والترحيل أو النقل غير المشروعين، والاعتقال غير الشرعي، والحرمان من الحق في محاكمة عادلة وقانونية، وأخذ الرهائن. إن الطابع الإلزامي لنظام الولاية القضائية الدولية يعني أنه يجب على الدولة المتعاقدة، وليس من حقها فقط البحث عن الأشخاص الذين يفترض أنهم ارتكبوا أو أمروا بارتكاب هذه الانتهاكات الخطيرة، وتقديم هؤلاء الأشخاص بغض النظر عن جنسيتهم لمحاكمها الوطنية، وتستطيع الدولة أيضا إذا فضلت ذلك، ووفقا لأحكام تشريعاتها تقديم هؤلاء الأشخاص للمحاكمة من قبل دولة متعاقدة أخرى شرط أن تكون هذه الدولة قد وجهت تهما كافية لهؤلاء الأشخاص. إن كون معظم الدول صادقت على اتفاقيات جنيف، وأن البعض منها تبنى التشريعات اللازمة يمكننا من الاستنتاج أنه حسب ممارسات الدول – وآراء الاجتهاد- ،  فالالتزام بمتابعة أو تسليم الأشخاص الذين يفترض أنهم ارتكبوا انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان يعتبر مبدأ من قواعد القانون الدولي العرفي.

ثانيا: حقوق الضحايا، وأقاربهم، والشهود أثناء سريان الإجراءات الجنائية.

تشكل المتابعة والعقاب جزءا من جبر الضرر الذي يحق للضحايا، غير أنهما لا يكونان مجديين، إلا إذا تم التعامل مع الضحايا كفاعلين، وليس كمواضيع للمحاكمة، ويفرض هذا الاعتبار نفسه بصورة متزايدة بدأ بالقانون الدولي في تحديد وبشكل مدقق المقتضيات الواجب اتخاذها أثناء الإجراءات الجنائية، وهذا من أجل حماية حقوق ومصالح الضحايا والشهود.

والقواعد التي يتم ترجيحها أثناء الإجراءات الجنائية وفقا للقانون الدولي تنبع أساسا من تلك المعايير التي وضعتها الهيئات الدولية المختصة من مبادئ المحاكمة العادلة(28)، وطالما أن التحقيق هو المرحلة الأولى من المتابعة، فقد ركزت الهيئات الدولية على آلياته من أجل تشجيع الدول على التحقيق والمتابعة.

إن العديد من المعايير الدولية المتعلقة بضحايا الإجرام تنطبق أيضا على ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وطالما أن هذه الانتهاكات تشكل جرائم في العموم، إلا أن إعلان المبادئ الأساسية لتوفير العدالة لضحايا الجريمة والتعسف في استعمال السلطة التي اعتمدتها الجمعية العامة في عام 1985 يضمن صراحة في تعريف ” الضحايا ” التعسف الجنائي للسلطة، وبالإضافة إلى ذلك يطبق في الدول الأعضاء “القرار-الإطار” للإتحاد الأوروبي بشأن وضع الضحايا في إطار الإجراءات الجنائية،  والتوصية بشأن وضع الضحية في القانون الجنائي والإجراءات الجنائية، وهذا كما صاغتها لجنة وزراء مجلس أوروبا لعام 1985. وأخيرا، فإن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ينص على إنشاء وحدة لمساعدة الضحايا والشهود.

 

الخاتمة:

إنه بالإشارة إلى إعلان مبادئ العدل الأساسية المتعلقة بضحايا الإجرام والشطط في استعمال السلطة المنبثقة عن مداولات مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاقبة المجرمين، والقرار رقم (40/34) المؤرخ في9 0 نوفمبر 1985 الذي اعتمدت نصه الجمعية العامة، والذي أوصى به المؤتمر، وتأكيدا مرة أخرى على المبادئ المنصوص عليها في إعلان مبادئ العدل الأساسية المتعلقة بضحايا الإجرام والشطط في استعمال السلطة، بما في ذلك ضرورة التعامل مع الضحايا بالرأفة والاحترام الكامل لكرامتهم، وأن لهم الحق في الوصول إلى العدالة والاحترام الكامل لآليات الإنصاف.

 فإنه ينبغي تشجيع إنشاء وتعزيز وتوسيع الصناديق الوطنية لتعويض الضحايا، إضافة إلى الرقي الإستعجالي للحقوق ولسبل إنصاف الضحايا، وبملاحظة أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يشترط وضع مبادئ تتعلق بجبر الأضرار، بما في ذلك رد الحقوق والتعويض وإعادة التأهيل، وتلزم الجمعية العامة الدول الأطراف بإنشاء صندوق استئماني لصالح ضحايا الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة وأسر هؤلاء الضحايا، وانتداب المحكمة لحماية سلامة الضحايا البدنية والنفسية، وحماية كرامتهم وخصوصياتهم، والسماح بمشاركة الضحايا في جميع مراحل المحاكمة كلما ارتأت المحكمة أن يكون ذلك مناسبا، وتأكيدا على أن المبادئ والتوجيهات الواردة في هذه الوثيقة موجهة إلى الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني، والتي بطبيعتها تعتبر خطيرة للغاية، وتشكل إهانة لكرامة الإنسان.

وتأكيدا منا على أن المبادئ والتوجيهات الجديدة لا تحتوي على التزامات قانونية دولية أو محلية ولكن تستطيع تحديد آليات وطرائق وإجراءات وأساليب تنفيذ الالتزامات القانونية القائمة في إطار القانون

الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني اللذين يكمل أحدهما الآخر بالرغم من الاختلاف الموجود في معاييرهما، وهذا بالإشارة كذلك إلى أن القانون الدولي يتضمن التزاما بمحاكمة مرتكبي بعض الجرائم الدولية وفقا للالتزامات الدولية للدول ومتطلبات القانون الوطني أو على النحو المنصوص عليه في النظام الأساسي المطبق من قبل الهيئات القضائية الدولية، نجد أن واجب المحاكمة يعزز التزامات القانون الدولي الذي يتعين تطبيقه وفقا للمتطلبات والإجراءات القانونية الوطنية، و أنه يدعم مفهوم التكامل.

 وإذ يلاحظ كذلك أن أشكال الإيذاء المعاصرة، وإن كانت أساسا موجهة ضد الأفراد، فإنها مع ذلك قد توجه أيضا ضد فئات من الأشخاص تستهدفهم جماعة، وبالتالي نستطيع أن نسلم باحترام حق الضحايا في الاستفادة من سبل الإنصاف والجبر، مادام المجتمع الدولي متضامنا مع الضحايا في محنتهم والناجين منهم والأجيال المقبلة، ويؤكد من جديد المبادئ القانونية الدولية للمساءلة والعدالة وسيادة القانون، واقتناعا بأن اعتماد منظور الضحية هو الأنسب، فإن المجتمع الدولي يؤكد التضامن الإنساني مع ضحايا انتهاكات القانون الدولي، بما في ذلك انتهاكات القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وكذلك مع البشرية جمعاء.

 

الهوامش والمراجع:

(1)- عمر سعد الله (2003)، مدخل في القانون الدولي لحقوق الإنسان، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، ط3، ص:16.

(2)- المادة (09 ف04) من العهد، والمادة 37 ) ف د(  من اتفاقية حقوق الطفل؛ المادة (05 ف04) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والمادة (07 ف06 (من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان ؛ المادة (10) من الاتفاقية الأمريكية بشأن الاختفاء القسري للأشخاص؛ المبدأ (32) من مجموعة المبادئ لحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاعتقال أو السجن؛ المادة (09) من الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.

(3)- التعليق العام رقم 29 بشأن الاستثناءات خلال حالة الطوارئ، 31 أب/أغسطس 2001 ، CCPR/C/21/Rev.1/Add.11 ، الفقرة 16.

(4)- قرار بشأن الحق في المثول أمام القضاء، 35/e/cn.4/RES/1992 ، 28 شباط/ فبراير 1992، الفقرة 2.  

(5)- أنظر: قضية أكسوي ضد تركيا، الحكم الصادر في 18 كانون الأول/ ديسمبر 1996 ، تقارير عام 1996 – السادس، الفقرة 83.

(6)- الرأي الاستشاري 87/oc-8 ، الهابياس كور بيس في حالة توقيف الضمانة، 30 كانون الثاني/ يناير 1987، سلسلة أ رقم 8، الفقرة 42.

(7)- الرأي الاستشاري 87/oc-9، والذي هو حول الضمانات القضائية في حالات الطوارئ، 6 تشرين الأول/ أكتوبر1987 الفقرة2.

(8)- المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، قضية إيراي ضد ايرلندا، الحكم الصادر في 9 تشرين الأول/أكتوبر 1979 ، سلسلة أ رقم 32 ،الفقرة 24 .

(9)- محكمة البين الأمريكية لحقوق الإنسان: الرأي الاستشاري 87/oc-9، حول الضمانات القضائية في حالات الطوارئ، 6 تشرين الأول/أكتوبر 1987 ، سلسلة أ رقم  9، الفقرة 24 ؛ المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، قضية سيلفر ضد المملكة المتحدة، الحكم الصادر في 25 آذار/مارس 1983m المجموعة أ رقم 61 ، الفقرة 113 .

(10)- التعليق العام رقم 31 بشأن طبيعة الالتزام القانوني العام المفروض على الدول الأطراف في العهد، في 26 أيار/ مايو 2004، ccpr/c/21/rev.1/add.13 ، الفقرة 15.

(11)- محكمة البين الأمريكية لحقوق الإنسان: الرأي الاستشاري 87/oc-9، حول الضمانات القضائية في حالات الطوارئ، )المادتان   (2 و27) و(25 و8) من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان (، 6 تشرين الأول/أكتوبر 1987 ، سلسلة أ رقم 9، الفقرة 24 ؛ المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، قضية سيلفر ضد المملكة المتحدة، الحكم الصادر في 25 آذار/ مارس 1983m المجموعة أ رقم 61 ، الفقرة 113 ؛ الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان وحقوق الشعوب: المبادئ والخطوط التوجيهية بشأن الحق في محاكمة عادلة ومساعدة قضائية في أفريقيا، المبدأ )ج)  )أ(.

(12)- تقديم الدكتور مفيد شهاب (2000)، حماية الأسرى وحقوقهم”دراسات في القانون الدولي الإنساني”، إعداد نخبة من المتخصصين والخبراء، القاهرة، دار المستقبل العربي، ص- ص: 297-299.

(13)- تشديد مضاف، و نفس الصيغة وردت في المادة (05 ف05) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والمادة (85 ف01) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

(14)- هبة عبد العزيز المدور (2009)، الحماية من التعذيب في إطار الاتفاقيات الدولية والإقليمية، بيروت، لبنان، منشورات الحلبي الحقوقية، ص:40.

(15)- التعليقات العامة على المادة 19 من الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، 12 كانون الثاني/ يناير 1998 43/1998/e/cn.1, ، الفقرة 72.

(16)- قضية ألويبويطو ضد سورينام )جبر الضرر(، الحكم الصادر في 10 أيلول/ سبتمبر 1993 ، سلسلة ج رقم 15 ، الفقرة 71 ؛ قضية بانيل بلانكا ضد غواتي مالا )جبر الضرر(، الحكم الصادر في 25 أيار/ مايو 2001 ، سلسلة ج رقم 76 ، الفقرة 85 ، 86 ؛ قضية أطفال الشوارع ضد غواتي مالا )جبر الضرر(، الحكم الصادر في 26 أيار/ مايو 2001 ، سلسلة ج رقم 77 ، الفقرة 68 ؛ قضية أومبرتو خوان سانشيز ضد هندوراس، سلسلة ج رقم 9، الحكم الصادر في 7 حزيران/ يونيو 2003 ، الفقرة 1.  

(17)- الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، مركز الأعمال ومركز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في نيجيريا، الاتصالات 155 / 96 )الدورة العادية الثلاثين، أكتوبر 2001 (، الفقرة 68.

(18)- التقرير رقم 36/00، القضية 11.10 ، “مجزرة كالوتو”)كولومبيا(، 13 نيسان/ابريل 2000 ، الفقرات 23 ، 28 ،75 (3).

(19)- قضية الماياغنا )سومو) ومجتمع أواس تينيي، الحكم الصادر في 31 آب/أغسطس 2001 ، سلسلة ج 79 ، الفقرة 173(3) و(4) و(6).  

(20)- أيضا المادة 9 من الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ؛ والمادة 8 من اتفاقية البين الأمريكية لمنع التعذيب والمعاقبة عليه.

(21)- أيضا المبدأين 7 و 34 من مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاعتقال أو السجن؛ والمبدأ 57 من قواعد الأمم المتحدة لحماية الأحداث المحرومين من حريتهم ؛ والمبدأ 23 من المبادئ الأساسية للأمم المتحدة استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين.

(22)- قضية ميرنا ماك – تشانغ في غواتي مالا، الحكم الصادر في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2003 ، المجموعة ج رقم 101 ، الفقرات 167 و168.

(23)- جدول أعمال العمل الإنساني الذي اعتمده المؤتمر الدولي الثامن والعشرين للصليب الأحمر والهلال الأحمر، 6 كانون الأول/ ديسمبر 2003 ، الهدف النهائي 1.2.

(24)- قضية باماكا فيلاسكيز ضد غواتي مالا، الحكم الصادر في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2000 ، الفقرات 182- 196 ؛ قضية الأخوات سيرانو كروز ضد السلفادور، الحكم الصادر في 1 آذار/ مارس 2005 ، المجموعة ج 10 ، الفقرات 58- 107.

(25)- خطة عمل للسنوات 2000- 2003 التي اعتمدها المؤتمر الدولي السابع والعشرين للصليب الأحمر والهلال الأحمر، جنيف 31 تشرين الأول/ أكتوبر إلى 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 ، الفقرة 11 ، أعيد طبعه في:  irrc رقم 836 (1999 (، 895-p880

(26)- أحمد أبو الوفاء (2006)، الحماية الدولية لحقوق الإنسان في إطار منظمة الأمم المتحدة، بيروت، لبنان، دار النهضة العربية، ص: 147.

(27)- أشرف فايز الموساوي (2006)، المحكمة الجنائية الدولية، ، القاهرة، مصر، ص:97.

(28)- باية ستاكني (2004)، العدالة الجنائية الدولية ودورها في حماية حقوق الإنسان، بوزريعة، الجزائر، ص:89.

 

 

 


Updated: 12/02/2014 — 12:53

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © 2017 Frontier Theme