الحجر والعزل الصحي بين الصحة العامة والحرية الشخصية (دراسة في التشريع الكويتي) Quarantine and Sanitary Insulation: Between Considerations of Maintaining Public Health and Protecting Personal Freedom (Kuwaiti legislation’s Case) أ. هشام العبيدان، أستاذ منتدب لدى معهد الدراسات التجارية في الكويت


 

الحجر والعزل الصحي بين الصحة العامة والحرية الشخصية

(دراسة في التشريع الكويتي)

Quarantine and Sanitary Insulation: Between Considerations of Maintaining Public Health and Protecting Personal Freedom (Kuwaiti legislation’s Case)

أ. هشام العبيدان، أستاذ منتدب لدى معهد الدراسات التجارية في الكويت

Hisham Al-Obaidan, Lecturer at the Institute of Business Studies in Kuwait

مقال نشر في مجلة جيل الأبحاث القانونية المعمقة العدد 39  الصفحة 103.

 

 

Abstract

At a time when the world is suffering from the Coronavirus, the law stands baffled between favoring public health considerations according to the health emergency conditions we live in, and considerations of personal freedom that are highly respected constitutionally.

The research comes in this context, where we carried out a critical analytical study of the rules of the Kuwaiti Health Emergency Law No. 8/1969 related to quarantine and sanitary isolation in order to clarify its gaps within the framework of the comparison between public health and personal freedom.

Then we presented an inductive study of the legal rules on the principles of the Constitution of Kuwait 1962 with the aim of showing the compatibility between legal treatment and the general constitutional principles.

One of our most important findings is that exaggeration in caution and medical emergencies will lead to an increase in the spread of the epidemic, just like negligence and societal or medical negligence. Therefore, new, more balanced legal rules have to be found in dealing with the sensitive problem of the comparison between public health and personal freedom in its dimensions Individual or societal.

In addition, the controls of decisions imposing quarantine or isolation should be wise, logical and specialized administrative decisions, which prompted us to propose a health council to represent a ministerial crisis cell that specializes in dealing with epidemics. Key words: Pandemic, Epidemic Disease, Quarantine, Health Isolation, Isolation of Areas, Curfew, Public Health, Personal Freedom, Public Order, Covid-19, Corona Crisis.  

المُلخَّص

في الوقت الذي تُعانِي فيه دول العالم اليوم من فيروس كورونا ذلك الوباءُ العُضَالُ، يَقفُ فيه القانون حائراً بين تفضيل اعتبارات الصحة العامة وفقاً لظروف الطوارئ الصحية التي نعيش، وبين اعتبارات الحرية الشخصية التي تحظى باحترامٍ كبير ٍعلى الصعيد الدستوري.

يأتي البحث في هذا السياق؛ حيث قمنا بدراسة تحليلية نقدية لقواعد قانون الطوارئ الصحية الكويتي رقم 8/1969 الخاصَّة بالحجر والعزل الصحي بغرض توضيحه وبيان ثغراته ضمن إطار المفاضلة بين الصحة العامة والحرية الشخصية.

ثم قدمنا دراسة استقرائية تأصيلية لقواعد القانون المذكور على مبادئ دستور دولة الكويت لعام 1962 بغرض إظهار مدى التوافق بين المعالجة القانونية والمبدأ الدستوري العام.

ومن أهمِّ النتائج التي توصَّلنا إليها أنَّ المبالغة في الحذر والطوارئ الطبية ستؤدِّي إلى زيادة انتشار الوباء وليس فقط انتهاك الحرية الشخصية، تماماً مثل الاستهتار والإهمال المجتمعي أو الطبي؛ ولذلك كان لا بدَّ من قواعدٍ قانونيةٍ جديدةٍ أكثر توازناً فيما يخصُّ التعامل مع الإشكالية الحسَّاسة المُتمثِّلة بالمفاضلة بين الصحة العامة والحرية الشخصية بأبعادها الفردية أو الجمعية.

كما أنَّ ضوابط القرارات التي تَفرِضُ الحجر أو العزل الصحي والتي تَمتدُّ إلى السلطات التنفيذية الأمنية في الدولة يعوزها -وفق القانون الكويتي- بعض القيود القانونية الكفيلة بقرارٍ إداريٍّ حكيمٍ ومَنطقيٍّ ومُتخصِّصٍ، الأمرَ الذي دفعنا لاقتراح تشكيل مجلسٍ صحيٍّ حتى يُمثَّل خلية أزمةٍ وزاريةٍ تختصُّ بمواجهة الأوبئة.

الكلمات المفتاحية: وباء، مرض وبائي، حجر صحي، عزل صحي، عزل مناطق، منع تجول، الصحة العامة، الحرية الشخصية، النظام العام.

 

المقدمة

قال تعالى: “يا أيُّها الذين أمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إنَّ الله مع الصابرين” صدق الله العظيم[1].

صبر أهالي الكويت حتى تجاوزا أزمة الطاعون في أوائل القرن الثامن عشر، فبسبب تفشَّى هذا الوباء انخفض التعداد السكاني بشكلٍ حادٍّ، ولم يتجاوز الشعب هذه الأزمة الصحية إلاَّ بعد التزام بعض الأهالي بقواعد الحجر الصحي في منطقة “شرق” لمواجهة العدوى التي انتشرت بشكلٍ واسعٍ بالخليج في ذلك الزمان [2].

ومع نهاية عام 2019 وبداية عام 2020، تفشَّى فيروس كوروناCovid-19  في جميع أنحاء العالم، وقد أشارت منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أنَّ المعلومات المتاحة عن هذا الفيروس قليلةٌ، وتبيّن أنَّ الفيروس سريع الانتشار[3]، وما لَبِثَ هذا الفيروس المستجد أن سبَّب إشكاليات قانونية وأخلاقية خلال مواجهته[4].

عندها استذكر أهالي الكويت ما حدث قبل 189 سنة من الآن، حيث ظهرت فكرة الحجر الصحي من جديد بغرض ضبط انتشار الوباء المعدي[5].

ومن الناحية الإدارية والقانونية، يظهر في أوقات بداية انتشار الأوبئة المُعدية مجموعةٌ من الإجراءات الصحية الوقائية، ومن أهم هذه الإجراءات الحجر والعزل الصحي.

يتبدَّى الفرق بين الحجر والعزل الصحي في أنَّ: “الحجر الصحي“Sanitary Quarantine”  هو عبارة عن إجراءٍ يُقيِّدُ من حركة الأشخاص في الوقت الذي لم يقمْ فيه الدليل على إصابة المحجور عليهم صحياً بهذا المرض وإنَّما قامت ظروف من حيث المكان أو الزمان توحي بإمكانية إصابتهم به أو حضانتهم له؛ فالغاية من الحجر التأكُّد من قيام الإصابة من عدمها[6].

أمَّا العزل الصحي” “Sanitary Insulation” ، فهو إجراءٌ يتمُّ على إثره فصل الأشخاص الذين قد تأكَّدت إصابتهم بمرضٍ مُعدٍ أو ظهرت عليهم أعراضٌ توحي بإصابتهم به، وذلك عبر عزلهم عن المجتمع في مكانٍ خاصٍّ، على أن تتمَّ رعاية المعزولين صحياً وفق الأصول الطبية لمثل هذه الحالات[7].

ونرى إمكانية تأصيل فكرة الحجر والعزل الصحي على المبادئ الدستورية في أوقاتٍ استثنائيةٍ؛ حيث نجد في الحجر والعزل الصحي غايةً أساسيةً وهي حماية الصحة العامة التي كفلها الدستور الكويتي للجميع[8].

ولكن في المقابل، فإنَّ هذه الإجراءات الصحية الاستثنائية تتعارض مع ما أقرَّه الدستور من حريةٍ شخصيةٍ كقاعدةٍ عامةٍ أيضاً[9]، وبالتالي فإنَّ النظر لإجراء الحجر والعزل يجب أن يكون على أساس مبدأ أنَّ الضرورات تُقدَّرُ بقدرها.

وبالتالي، فقد جاء هذا البحث حتى نُجيبَ عن التساؤلات التالية: هل فرَّق القانون الكويتي بين الحجر والعزل الصحي، وما نتيجة ذلك على التأصيل الدستوري للقواعد القانونية؟ هل جاءت قواعد القانون الكويتي على هُدى المبادئ الدستورية؟ هل كفلت تلك القواعد حماية صحة المواطنين من انتشار الأوبئة الفتاكة بكلِّ حزمٍ واتِّزانٍ؟

ولكن في نفس الوقت: هل نظرت قواعد القانون الكويتي إلى الحرية الشخصية على أنَّها القاعدة الأساسية التي يمكن تجاوزها بشكل استثنائي وعلى نطاقٍ صحيٍّ ضيِّقٍ ومتخصِّص ومؤقَّت؟ وهل كانت صلاحية السلطات المختصة خلال فترة انتشار الوباء مطلقة أم مقيدة؟ والأهم: هل دار في خلد المشرع أنَّ الحجر والعزل الزائد عن الحاجة له أثرٌ سلبيٌّ يتمثَّل بانتقال العدوى داخل مناطق الحجر والعزل؟ وما هي التعديلات الضرورية في البنية القانونية الكويتية ضد الأوبئة؟

أهداف البحث

تتمثَّل أهداف البحث بتحقيق ما يلي:

  1. شرح كيفيَّة عمل الآليات القانونية الاستثنائية في مواجهة انتشار الأوبئة.
  2. توضيح مدى التوافق والتعارض بين القواعد القانونية الخاصَّة بالحجر والعزل الصحي في الكويت مع المبادئ الدستورية المرتبطة بها.
  3. تقديم المقترحات القانونية الكفيلة بتنفيذ إجراءات الحجر والعزل الصحي بغاية منع انتشار الأوبئة من جهة، وبما يُراعِي مبادئ الحرية الشخصية التي كفلها الدستور من جهةٍ أخرى.

أهمية البحث

يحظى البحث بأهميةٍ عمليةٍ كبيرةٍ، حيث إنَّ تطبيق إجراءاتٍ ضعيفةٍ للحجر والعزل الصحي في مواجهة فيروس كورونا قد يؤدِّي إلى زيادة تفشي هذا الوباء، بينما في المقابل فإنَّ تطبيق هذه الإجراءات بشكلٍ مُتساهلٍ مُستهترٍ أو صارمٍ مبالغٍ فيه قد يؤدِّي إلى حجر الناس مع المصابين بالأوبئة دون وجه حق، وهو ما سيُفاقِم من انتشارها بسبب انتقال العدوى داخل مناطق الحجر والعزل من جهة، وينتهك مبدأ الحرية الشخصية دون انضباط من جهةٍ أخرى.

مصطلحات البحث

نقصد من المصطلحات التالية المعاني التي بجانبها:

“الوباء أو المرض الوبائي” هو المرض المستجد المعدي الذي لا يوجد له علاجٌ أكيدٌ، ولم يتمَّ اكتشاف تطعيمٌ له، الآخذ بالانتشار على المستوى المحلي أو العالمي.

“السلطة الصحية” هي تلك السلطة المخوَّلة قانوناً باتِّخاذ القرارات التي تمسُّ الإجراءات الخاصَّة بالوقاية أو العلاج من الوباء، مثل وزير الصحة.

“الحجر الصحي” يعني فصل الأشخاص المُخَالِطين أو القادمين عن المجتمع؛ ذلك بغرض مراقبة وضعهم الصحي قبل التأكُّد من إصابتهم ونقلهم لمرحلة العزل أو عدم إصابتهم وإعادتهم إلى المجتمع.

“العزل الصحي” يعني فصل الأشخاص المصابين بالوباء أو الذين ظهرت عليهم أعراضه عن المجتمع؛ ذلك بغرض تقديم الرعاية الطبية المُمكنة لهم ومراقبة أوضاعهم والتخفيف من آلامهم.

“المصابون” هم الأشخاص الذين تأكَّدت إصابتهم بالوباء.

“المُشتبه بإصابتهم” هم الأشخاص الذين ظهرت عليهم أعراض الوباء ولكن لم يتمَّ التأكُّد من إصابتهم به بشكل كامل.

“المشكوك بإصابتهم” هم الأشخاص الذين لم تظهرْ عليهم أعراض الوباء إلاَّ أنَّ الشكَّ يحوم حول إصابتهم؛ نظراً لمُخَالِطتهم للأشخاص المصابين أو لقدومهم من مناطق موبوءة أو لأيِّ سبب آخر.

“القانون رقم 8/1969″ هو قانون الاحتياطات الصحية للوقاية من الأمراض السارية في الكويت.

منهج البحث

  1. المنهج التحليلي النقدي، ذلك عبر تحليل نصوص قانون رقم 8 لسنة 1969 بهدف تحديد ثغرات هذه النصوص وعيوبها.
  2. المنهج التأصيلي، ذلك عبر تحديد مدى دستورية هذه القواعد القانونية، حيث سيتمُّ استقراء الافكار والجزئيات الخاصَّة بالأفكار القانونية، وعلى إثره نستنتج مبدأ عام يعلن عن دستورية أو عدم دستورية قواعد الحجر والعزل الصحي التي حددها القانون الكويتي.

إشكالية البحث

نختصر إشكالية البحث بالتساؤل التالي:

“هل اهتمَّ المشرع الكويتي في قواعد الحجر والعزل الصحي بضرورة الحفاظ على الصحة العامة من جهة وعدم انتهاك الحرية الشخصية من جهة أخرى بشكلٍ مُنضبطٍ وبما يتناسب مع الدستور ؟”

مخطط البحث

المبحث الأول: الحجر والعزل الصحي بغاية الحفاظ على الصحة العامة

المطلب الأول: إشكاليات الحجر والعزل الصحي في القانون الكويتي

المطلب الثاني: مدى دستورية قواعد الحجر والعزل الصحي

المبحث الثاني: الحجر والعزل الصحي في مواجهة الحرية الشخصية

المطلب الأول: ضوابط انتهاك الحرية الشخصية خلال انتشار الأوبئة في القانون الكويتي

المطلب الثاني: مدى دستورية انتهاك الحرية الشخصية خلال انتشار الأوبئة

المبحث الأول

الحجر والعزل الصحي بغاية الحفاظ على الصحة العامة

تندرج الصحة العامة ضمن قواعد “الحق في الصحة” “Right to Health”[10] التي يجب أن يكون منصوصاً عنها بالتفصيل في القانون[11]، وكذلك الحق في التعويض عن الكوارث أو المحن كالآثار الصحية والاقتصادية المترتبة على انتشار الأوبئة[12]. إلاَّ أنَّ الشكوك كانت تحوم حول قدرة الدول النامية على تحقيق متطلبات الحق في الصحة كونه نابعاً عن حقوق الإنسان خلال أزمة فيروس كورونا عام 2020[13].

سندرس قواعد الحجر والعزل الصحي في القانون الكويتي انطلاقاً من فكرة المحافظة على الصحة العامة (المطلب الاول)، ثم نبين مدى دستورية قواعد الحجر والعزل الصحي هذه (المطلب الثاني).

المطلب الأول

إشكاليات الحجر والعزل الصحي في القانون الكويتي

إنَّ تجاوز الحرية الشخصية للإنسان في الحركة والتنقُّل يكون في فترة الأوبئة حرصاً على الناس جميعهم، الأصحَّاء والمرضى؛ ولذلك فقد أتاح القانون فرض إجراءات الحجر والعزل في مثل هذه الظروف الاستثنائية فقط. تتلاقى هنا اعتبارات إصلاح القانون الوطني مع اعتبارات الصحة العالمية خلال فترة انتشار الأوبئة[14].

وسنرى الإشكاليات التي واجهت المشرع الكويتي فيما يخصُّ أثر إغفال الفصل بين المعزولين وفق تأكد الإصابة من عدمها على انتقال العدوى على انتهاك الحرية الشخصية أولاً، ثم أثر إغفال تنظيم الحجر الصحي بشكل صريح على انتهاك الحرية الشخصية ثانياً.

أولاً: أثر إغفال الفصل بين المعزولين وفق تأكد الإصابة من عدمها على انتهاك الحرية الشخصية

فرض القانون رقم 8/1969 إجراء العزل الصحي على: كلُّ شخص مصاب أو مشتبه في إصابته بأحد الامراض الواردة في القسم الأول من الجدول الملحق بهذا القانون…”[15]. يندرج هذا النص ضمن أهداف الحفاظ على الصحة العامة من انتشار الوباء بشكلٍ وقائيٍّ[16].

لكن يبدو من هذا النص أنَّ المشرع الكويتي قد ساوى بين الشخص المصاب والمشتبه بإصابته فيما يخصُّ إجراءات العزل، فما هو أثر ذلك على انتهاك الحرية الشخصية؟

في الواقع إنَّ العزل كإجراءٍ تقليديٍّ يجب ألاَّ يُطبَّق إلاَّ على مَنْ تأكَّدت إصابته بالمرض الوبائي. أمَّا مَن يُشتَبَه بإصابته، فجب أن يتمَّ عزله بشكلٍ مؤقتٍ ولكن بعد فصله عن الناس من جهة وعن المصابين المعزولين من جهة أخرى؛ ذلك بهدف وقائي إلى أن يثبت أصابتهم من عدمها؛ فالعزل دون التفرقة بين المصابين والمشتبه بإصابتهم سيُعرض الفئة الأخيرة لخطر انتقال العدوى.

ولكن القانون رقم 8/1969 لم يُفرِّق بين هاتين الحالتين، وتركها لتقدير السلطات الصحية؛ الأمر الذي قد يُشكِّل بيئةً مناسبةً للتسرُّع والإهمال الذي سيؤدِّي إلى انتهاك الحرية الشخصية للأفراد المشتبه بإصابتهم بشكل غير مشروع.

وعلى الرغم ممَّا يبدو عليه الأمر من البداهة في الفصل بين المصابين والمشتبه بإصابتهم، إلاَّ أنَّ ظروف انتشار الأوبئة تترافق عادةً مع الضغط في أعداد المطلوب عزلهم دون وجود وقت كافٍ لتحضير أماكن العزل.

ولذلك كان يجب أن ينص القانون الكويتي بشكلٍ صريحٍ على الفصل بين المعزولين وفق مدى تأكُّد الإصابة، واعتبار أي إجراءٍ يساوي بين فئات المعزولين مخالفاً لقواعد التجاوز عن الحرية الشخصية فيما يخصُّ المشتبه بأمر إصابتهم.

ولكن الكارثة الصحية الكبرى تَكمُنُ في حالة عزل المرضى وأصحاب الأعراض مع الأصحَّاء المُخَالِطين (المشكوك بإصابتهم دون أعراض)؛ حيث جاء في القانون رقم 8/1969: “لوزارة الصحة العامة أن تعزل الاشخاص المُخَالِطين للمرضى بالأمراض الحجزية المبينة في القسم الاول من الجدول الملحق بهذا القانون ويتم العزل في المعازل التي تعينها الوزارة لهذا الغرض بناء على ما يقرره طبيب الصحة المختص وللمدة التي يراها لازمه ويستعان بأفراد الشرطة العامة في تنفيذ العزل إذا اقتضى الأمر ذلك”[17].

إنَّ هذه الصلاحية التقديرية لوزارة الصحة قد تؤدِّي إلى معاملة فئاتٍ من الأشخاص يَتَراوَحُ احتمال إصابتهم عبر إجراءات العزل ذاتها؛ ففي لحظات اشتداد انتشار الوباء لن يتمكَّن كادر العزل من التفريق بين فئات المعزولين، الأمر الذي سيؤدِّي إلى زيادة انتشار المرض.

بناءً عليه، تبدو هذه الصلاحية جديرةٌ بالإلغاء، على أن يحلَّ محلُّها نصٌّ قانونيٌّ ملزمٌ يفرض إجراءات وأماكن حجر وليس عزل للمشكوك بأمرهم من المُخَالِطين بشكلٍ منفصلٍ عن إجراءات وأماكن العزل الخاصَّة بالأشخاص المرضى أو أصحاب الأعراض.

إلاَّ أنَّ القانون الكويتي قد أغفل تماماً بيان فكرة الحجر الصحي قبل حدوث الإصابة أو الاشتباه بحدوثها، فما هو تأثير ذلك على انتقال العدوى؟

ثانياً: أثر إغفال الحجر الصحي على انتهاك الحرية الشخصية

أغفل المشرع الكويتي في مواد القانون رقم 8/1969 التفريق بين العزل والحجر الصحي، ذلك في الوقت الذي أطلقت فيه وزارة الصحة الكويتية تسمية الحجر الصحي على بعض الإجراءات الوقائية وفقاً للوائحها وخطاباتها دون سند قانوني واضح من مواد القانون المذكور خلال أزمة فيروس كورونا عام 2020، حتى أنَّ بعض إجراءات عزل المرضى كانت تسمى بالحجر.

بينما أشار جانب من التشريعات العربية إلى أنَّ الحجر الصحي يتمُّ على الأشخاص الأصحَّاء الذين لم تتأكَّد إصابتهم بالمرض ولم تظهر عليهم أعراضه، وعلى إثره يتم تطبيق الحجر عليهم في محاجر منفصلة حتى يتجنَّبوا مُخَالِطة المصابين أو غير مصابين[18]؛ فيتمُّ هنا حرمان الناس من حرية التنقل على أرض الدولة بشكلٍ كليٍّ أو جزئيٍّ أو منزليٍّ أو في محاجرٍ طبيةٍ خاصَّةٍ[19].

فعلى الرغم من ضرورة التفريق بين إجراء الحجر والعزل وتعارُف الفقه على ذلك[20]، إلاَّ أنَّ المادة 4 نصت على أنه: يعزل اجبارياً في مستشفى الامراض السارية…”[21]، فلا يوجد أية إشارة لإجراء الحجر على الأصحَّاء المشكوك بحضانتهم للمرض، ولا على مكانه، بل إنَّ معناه يندرج ضمن عزل المصابين بالأمراض المعدية[22]. ذلك في الوقت الذي تمَّ استخدام “المحاجر الصحية” “Quarantines” بشكل عمليٍّ كبيرٍ خلال أزمة كورونا وأثبت نجاحاً منقطع النظير في الصين[23].

إنَّ عدم النص على إجراء الحجر قد أنشأ ثغرةً قانونيةً في القانون الكويت تتمثَّل في إمكانية تنفيذ العزل والحجر في مكانٍ واحدٍ؛ الأمر الذي قد يؤدِّي إلى زيادة انتشار العدوى بين الناس، فكيف يمكن استنتاج أحكام الحجر المستقل عن العزل من القانون الكويتي؟

إنَّ الوضع الحالي وفق القانون الكويتي يمكن تفسيره كالتالي:

  1. للسلطة الصحية أن تتوسَّع في تفسير مفهوم العزل الإلزامي حتى يشمل حجر المشكوك بإصابتهم من الأصحَّاء بدون أعراض، على اعتبار أنَّ الحجر هو مرحلة أولى ابتدائية من مراحل العزل. وهو التفسير الأقرب للواقع القائم في كويت مع أزمة فيروس كورونا عام 2020، وذلك مستفاد من تفسير المادة 6 من قانون 8/1969 الذي سمح بإجراء الوضع تحت الرقابة لمُخَالِطي الأشخاص المصابين المعزولين؛ فيمكن هنا التوسع في تطبيق إجراء المراقبة هذا على جميع المشكوك بأمرهم. ولكن لا يوجد نص قانوني يلزم السلطة الصحية بحجر القادمين من مناطق موبوءة إلاَّ بموجب السلطة التقديرية. كما أنَّ إجراء الوضع تحت الرقابة لا يتضمَّن حجراً كاملاً، بل زيارةً يوميةً لمراكز الطب الوقائي وفق المادة 6 المذكورة، فلا يصحُّ إذاً القياس على إجراء الوضع تحت الرقابة بغرض فرض إجراءات الحجر.
  2. أنَّ فرض الحجر على الأصحَّاء هو إجراءٌ بديهيٌّ يُستَقَى من صلاحيات السلطة التنفيذية في الحفاظ على النظام العام والصحة العامة. وهو تفسيرٌ منطقيٌّ، إلاَّ أنَّه يجعل من الحجر المستقل عن العزل مسألةً تقديريةً تعود للسلطة الصحية، في الوقت الذي يجب أن يرتقي إلى مرتبة الإجراء الواجب على هذه السلطة خلال انتشار الأوبئة.
  3. للسلطة أن تتوسَّع في تفسير إجراء عزل المناطق الموبوءة وفق المادة 15/1 من القانون رقم 8/1969 بشكلٍ كاملٍ عن باقي المناطق بما تحويها من أشخاصٍ مصابين أو مشتبه بإصابتهم (عزل ملزم)، وبين الأشخاص الأصحَّاء الموجودين في المناطق الموبوءة (حجر ملزم). وهو تفسيرٌ ممكنٌ. إلاَّ أنَّ هذا التفسير يجمع فئات الإصابة أو الاشتباه فيها لدى مجموعة محددة من الأشخاص (المشتبه بإصابتهم)، وبين فئات نفي الإصابة واحتمال وجود حضانة للمرض لدى مجموعة أخرى من الأشخاص (المشكوك بإصابتهم)؛ ممَّا يفتح المجال لانتقال العدوى بين هؤلاء الأشخاص جميعاً في المعازل.

وبناءً عليه، فإنَّ فرض الحجر وفق إجراءات العزل نتيجة عدم وجود قواعد حجر خاصَّة ينتهك مبدأ الحرية الشخصية للأفراد والمجتمع في الصميم؛ لأنَّ:

  1. العزل يُلغِي إمكانية الحركة سواءً ضمن مكان العزل مع المرضى وأصحاب الأعراض، في الوقت الذي يمكن ألاَّ يكون هناك من داعٍ لتقييد حرية الحركة إلا بحدود الحجر البسيطة بالنسبة للأصحَّاء من الأساس أو المشكوك بإصابتهم دون أعراض.
  2. العزل يفرض الإقامة في المستشفى أو النقطة الصحية الخاصة بالعزل، في الوقت الذي يمكن حجر الناس الأصحَّاء المطلوب تقييد حركتهم في المنزل، أو في مكان خاصٍّ بهم.

كما أنَّ فرض الحجر وفق إجراءات الوضع تحت الرقابة للمُخَالِطين، يُخالِف مبدأ حماية الصحة العامة؛ لأنَّ فيه تَسَاهُلاً مع المُخَالِطين وغيرهم من الذين يجب حجرهم كالقادمين من مناطق موبوءة، فلا يُطلَب منهم سوى الحضور يومياً إلى مركز الصحة الوقائية، في الوقت الذي يمكن أن يكون هؤلاء مصابين وينشرون المرض في بقيَّة يومهم.

فما هو التأصيل الدستوري لقواعد الحجر والعزل هذه؟

المطلب الثاني

مدى دستورية قواعد الحجر والعزل الصحي

سنبحث في المبادئ الدستورية التي تتعلَّق بالحفاظ على الصحة العامة أولاً، ثم في تأصيل الوضع الخاص بالقواعد القانونية للحجر والعزل الصحي ثانياً.

أولاً: المبادئ الدستورية المُتعلِّقة بالحفاظ على الصحة العامة

لقد صدر الدستور المكتوب لدولة الكويت بتاريخ 11 نوفمبر1962، أي قبل حوالي ستة سنوات من صدور قانون رقم 8 لسنة 1969 بالاحتياطات الصحية للوقاية من الامراض السارية.

وقد جاء الدستور الكويتي بمبادئ أساسية، أهمُّها:

  1. “تكفل الدولة المعونة للمواطنين في حالة الشيخوخة أو المرض أو العجز عن العمل. كما توفر لهم خدمات التأمين الاجتماعي والمعونة الاجتماعية والرعاية الصحية”[24].

يتبيَّن من النص الدستوري الخاص بمواطني دولة الكويت أنَّ على الدولة أن تتكفَّل بالرعاية الصحية[25]، فمِن دونها لا يُمكِن استكمال المقوِّمات الأساسية للمجتمع الكويتي؛ لأنَّها سوف تدعم النظام العام والصحة العامة. ومن هنا فقد كفلت الدول الرعاية الصحية لرعاياها حتى تسود الصحة والسكينة العامة في المجتمع.

يمكن أن نستنتج من هذا المبدأ حرص الدستور الكويتي على صحة المواطنين الذي يبلغ مبلغ الرعاية الصحية المجانية، ولكنَّ ذلك لا ينال من حقِّ هؤلاء المواطنين بالحرية الشخصية.

وبالتالي، فإنَّ مبدأ الحفاظ على الصحة العامة لا يتعارض مع الحرية الشخصية بالأساس، إلاَّ أنَّ حالة انتشار الأوبئة بين الناس هي الحالة الصحية الاستثنائية التي تُخوِّل السلطات تقييد الحرية الشخصية بشكلٍ مدروسٍ وهادفٍ دون مبالغةٍ.

  1. “تُعْنَى الدولة بالصحة العامة وبوسائل الوقاية والعلاج من الامراض والاوبئة”[26].

وبالتالي، فإنَّ منن واجب الدولة الكويتية أن تقوم بالإجراءات الوقائية الاحتياطية وبتوفير العلاج من الامراض والأوبئة؛ وذلك بهدف تعزيز الصحة العامة التي كفلها الدستور الكويتي للكافة، دون تفريق بين مواطنٍ ووافدٍ في حالات انتشار الأوبئة؛ وذلك احتراماً للكرامة الانسانية[27].

ولذلك، فإنَّ المبدأ العام الذي يستند عليه القانون رقم 8/1969 هو واجب الدولة بالقيام بالإجراءات الوقائية الهادفة إلى ضبط انتشار الأوبئة في الدرجة الأولى، حتى وإن مسَّ ذلك بالحرية الشخصية للناس.

هذا يعني أنَّ اعتبارات الصحة العامة ترتقي على الحرية الشخصية الفردية في حالة صحية حصرية؛ وهي: “الوقاية من الأوبئة”، ذلك بهفد واضح ومُحدَّد لا يجوز إهماله أو المبالغة في تحقيقه؛ وهو: “الحفاظ على الصحة العامة”.

ثانياً: التأصيل الدستوري لقواعد العزل الصحي

الصحة العامة هي أساس نهضة المجتمع؛ لأنَّ فيها الحفاظ على الإنسان من حيث القوة الجسدية والنفسية، ولهذا يحظى مبدأ الحفاظ على الصحة العامة بمرتبةٍ راقيةٍ ضمن المبادئ الدستورية، حتى أنَّه يرتقي فوق جميع المبادئ في حالات الأزمات الصحية، ومنها انتشار الأوبئة المُعدِيَة.

ولكن القانون رقم 8/1969 قد انحصر تطبيق أحكامه على الفئات التالية:

  1. حالة عزل فئة المصابين أو المشتبه بإصابتهم وفق أعراض معينة أولاً (م4)،
  2. إمكانية عزل المُخَالِطِين (م5)،
  3. حالة الوضع تحت الرقابة بغرض زيارة مركز الطب الوقائي بشكلٍ يوميٍّ دون حجرٍ كامل لمُخَالِطين الفئة الأولى ثانياً (م6)،
  4. حالة عزل المناطق الموبوءة بِمَن فيها ثالثاً (م15/1).

وهكذا، بالنسبة للفئات التي تخضع لقواعد العزل، فلم ينص القانون فيها على الفصل بين المصابين والمشتبه بإصابتهم. أمَّا بالنسبة لفئة المُخَالِطين، فإنَّها ستتمُّ مُعاملتها دون النص على أحكامٍ مُفصَّلةٍ للحجر الصحي بل الفحص اليومي؛ حيث ستجتمع فئة المخالطين خلال هذا الفحص مع الفئات التي كانت قد جاءت من الأماكن الموبوءة قبل حظر السفر مثلاً، وهذا ما سيؤدِّي إلى اجتماع عددٍ من الفئات التي تتراوح خطورتها وإمكانية إصابتها بالوباء؛ ممَّا سيساعد على انتشاره.

    على ذلك، تكمن هنا إشكالية عند تأصيل نصوص الدستور على ما بيَّنه القانون، فهل يترتَّب على الثغرات القانونية السابقة مخالفة مبادئ الدستور التي كفلت الرعاية الصحية في حالة المرض؟

لا بدَّ أن يأخذ القانون الخاص بضبط الوقاية من الأوبئة طابع النظام العام حمايةً للصحة العامة[28]، وفي نفس الوقت أن يكون مفصلاً شاملاً لجميع الحالات؛ بمعنى أن يتمَّ تفسير قواعده الملزمة بشكلٍ واضحٍ لا يحتمل التأويل، فقد تَنتُجُ تبعاتٌ غير قابلة للسيطرة عن الخلط بين الأشخاص وعدم الوعي لخطورة كلٍّ منهم.

لاسيما أنَّ وزارة الصحة هي جهة مُنفِّذة للقانون، حيث إنَّ دورها الأساسي يتمحور في توفير خدمات الرعاية الصحية وليس في تفسير النص القانوني؛ فإذا أغفلت الوزارة ضرورة التفرقة خلال العزل بين المصاب والشخص الحامل للأعراض نتيجة ضغط الأعداد الهائل بعد انتشار الوباء، سيترتب على ذلك تفاقم الوضع وارتفاع نسبة الانتشار.

وحتى نص المادة 8 من القانون رقم 8/1969 الذي يقول: “لا يجوز جمع الناس في الأماكن التي يوجد فيها مصابٌ بأحد الامراض السارية…”، فهو يشير بوضوح إلى الناس الموجودين في المجتمع بصفةٍ عامةٍ بما لا يستغرق برأينا المشمولين بأحكام القانون؛ كالمشتبه بإصابتهم والخاضعين للعزل مع المرضى.

بناءً عليه، نستقرئ وجود الثغرة القانونية التي قد تنعكس على الصحة العامة فيترتب عليها خسائر بأرواح البشر؛ في الوقت الذي كفل الدستور الصحة العامة[29].

ومن جهة أخرى، فإنَّ إغفال القانون رقم 8/1968 لفكرة الحجر الصحي، وترك الأمر لتقدير وزارة الصحة فيه ثغرةٌ قانونيةٌ صريحةٌ قد تؤدِّي إلى التساهل مع المُخَالِطين بتركهم لإجراء الفحص اليومي[30] دون حجر 24 ساعة من جهة، بالإضافة إلى الخلط بينهم وبين المشكوك بأمرهم بسبب قدومهم من مناطق موبوءة؛ حيث سيخضع الجميع لنفس الفحص في نفس الأماكن، ممَّا سيُساعد على انتشار الوباء من جهةٍ أخرى.

 نستنتج من ذلك مخالفة نصوص المواد 4 و6 من القانون رقم 8/1968 بشكلٍ ضمنيٍّ لنصوص المواد 11 و15 من الدستور الكويتي[31]، ممَّا يجعلنا نقترح امتداد يد المحكمة الدستورية العليا عليها[32].

إلاَّ أنَّ هذا التأصيل الدستوري يمتدُّ إلى ما هو أعمق من تلك النتيجة؛ حيث إنَّ خرق قواعد الصحة العامة يعني انتهاك مبدأ الحرية الشخصية بشكلٍ غير مُبرَّرٍ، وبأسلوبٍ يُسَاهِم –في الواقع- بتعريض الأشخاص للمزيد من المخاطر، وهو ما سنتعمَّق فيه في المبحث الثاني.

المبحث الثاني

الحجر والعزل الصحي في مواجهة الحرية الشخصية

حتى نصل إلى رؤيةٍ قانونيةٍ واضحةٍ بخصوص تقييد الحرية الشخصية عن طريق القواعد القانونية الاستثنائية لقانون الحجر والعزل الصحي، علينا بالبحث في ضوابط انتهاك الحرية الشخصية خلال فترة انتشار الأوبئة في القانون الكويتي (المطلب الأول)، ثم البحث في مدى دستورية انتهاك الحرية الشخصية خلال أنتشار الأوبئة (المطلب الثاني).

المطلب الأول

ضوابط انتهاك الحرية الشخصية خلال انتشار الأوبئة في القانون الكويتي

الضوابط المقصودة من هذه الفقرة هي تلك التي شرَّعها القانون ضبطاً للسلطة التنفيذية خلال ممارسة اختصاصها في تقييد الحرية الشخصية[33]؛ فإن كانت تلك الضوابط ضعيفةً، تنشأ هنا حالة سلبية من تأثير القانون على الحريات العامة ومنها الحرية الشخصية، الأمر الذي يوجب القيام بعملية: “تقييم للبيئة القانونية” “Evaluate Legal Framework” من جديد كما أشارت منظمة الصحة العالمية[34].

وسنرى ضوابط انتهاك الحرية الشخصية في قرار الحجر والعزل الصحي أولاً، ثم نبحث في ضوابط السلطات الاستثنائية لوزير الصحة ثانياً.

أولاً: ضوابط قرار الحجر والعزل الصحي

سنبدأ بضوابط قرار الحجر، ثم العزل.

1- ضوابط قرار الحجر الصحي

لا يوجد سندٌ قانونيٌّ صريحٌ في القانون 8/1969 في حالة الحجر الصحي، فقد يكون قرار إصدار الحجرَ الصحيَّ غامضاً لأن القانون لم يُحدِّد ماهي فكرة الحجر، ولا الجهة صاحبة الاختصاص بإصدار القرار، بذلك نحن أمام فراغٍ تشريعيٍّ لم يعالجه المشرع صراحةً. هذه الحالة تجعل من تقييد الحرية الشخصية أمراً لا ضوابطاً قانونيةً عليه.

 وبخصوص فكرة الرقابة الصحية التي لا تصل إلى مستوى الحجر الدائم فقد نصَّ المشرع الكويتي على أنه: “تقوم وزارة الصحة بوضع المُخَالِطين تحت الرقابة الصحية للمدة المقررة وعلى هؤلاء أن يتقدموا للفحص الطبي اليومي في مراكز الصحة الوقائية بمناطقهم خلال المدة المذكورة…”[35].

 وبالقياس، يمكن استنتاج أنَّ قرار الحجر الصحي هو مُلْكُ يمين وزارة الصحة؛ وحيث إنَّ الوزارة بحاجة إلى طبيبٍ مُنتسبٍ إليها حتى يُقدِّرَ المسائل الطبية، فإنَّها ستعتمد على الطبيب المُعالِج في إصدار القرار بالحجر كما هو عليه الأمر في الكويت في الواقع.

 نستنتج أنَّ قرار الحجر يمكن أن يصدر على الأشخاص من الطبيب المُعالِج بغير ضوابطٍ قانونيةٍ واضحةٍ نتيجة الفراغ القانوني، بل سيقوم هذا الطبيب بواجبه استناداً على الأصول الطبية المهنية التي لا يمكن تحديدها بصدد التعامل مع وباءٍ مُستجدٍّ بلا أعراضٍ ثابتةٍ.

ذلك على الرغم من أنَّ خطأ الطبيب في قرار الحجر -سواءً أكان الخطأ بالمبالغة أم بالتساهل- سيَنتجُ عنه آثارٌ كارثيةٌ على الأصحَّاء، حيث إنَّه:

  1. في حالة حجر الشخص في المحجر، فإنَّ الشخص المُخَالِط للمريض هنا قد يَخَتَلِطُ مع الشخص المُخَالِط للأشخاص القادمين من المناطق الموبوءة، وغيرهم من المشكوك بإصابتهم دون ظهور أعراض عليهم، وهكذا سينتقل الوباء بين فئات المرضى المحجور عليهم في المحجر. ذلك على الرغم من أنَّ احتمال انتقال العدوى إليهم يتراوح قبل الحجر، الأمر الذي كان يُوجِبُ النص القانوني الملزم على التخصيص في غرف المحاجر وفق خطورة الفئة المحجور عليها.
  2. في حالة حجر الشخص منزلياً في الوقت الذي كان يجب حجره في محجر، فإنَّ ذلك الشخص قد ينقل الوباء للأشخاص الآخرين من أهله وجيرانه. هنا يكون الشخص هو في حدِّ ذاته عائقاً أمام الصحة العامة[36].
  3. في حالة السماح للشخص بالمغادرة والرجوع لعمل فحصٍ دوريٍّ فقط، فإن ذلك سيؤدِّي إلى مُخَالَطَةِ المشكوك بإصابتهم مع محيطهم، ممَّا سينقل الوباء لجميع أفراد أسرهم والمجتمع.

لذلك، نرى ضرورة أن ينصَّ المشرع الكويتي على الضوابط والمعايير والمقاييس التي يستلزم أن تتَّبعها السلطة الصحية في تقييدها للحرية الشخصية، ابتداءً من تعيين الأطباء والمستشارين المختصِّين بالأمراض الوبائية، وانتهاءً بضرورة النص الصريح على ضوابط قرار الحجر والفصل بين المحجور عليهم وفق درجة خطورة المريض؛ ذلك حتى تشعر وزارة الصحة بوجود التزام قانوني دقيقٍ ومفَّصلٍ على كوادرها بخصوص تقييد الحرية الشخصية خلال الحجر، لا أن يتمَّ ترك الأمور لتقديرها.

2- ضوابط قرار العزل الصحي

نصَّت المادة 4 من القانون على ضوابط صدور قرار العزل الصحي بغاية حفظ الصحة العامة على حساب الحرية الشخصية، حيث إنَّه: “… يكون العزل بناءً على ما يُقرِّره طبيب الصحة المختصة، ويُستعان بأفراد الشرطة العامة في تنفيذ العزل الاجباري أذا اقتضى الامر ذلك”.

ونُقدِّم هنا التساؤلات التالية:

  • هل يؤدِّي تقدير الطبيب المُعالِج لوحده إلى صدور قرار الحجر والعزل الصحي؟
  • هل إنَّ صلاحيات وزارة الصحة مطلقةٌ أم مُقيَّدةٌ إزاء الحجر والعزل؟، وما هي معايير الوزارة في هذا الخصوص؟

يُشيرُ ظاهر نص المادة 4 المذكورة إلى أنَّ الطبيب المعالج ليس له إصدار القرار الإداري العام المباشر بإدخال البلاد في حالةٍ من الطوارئ الصحية، وإنَّما هذا الطبيب هو صاحب سلطةٍ تقديريةٍ بخصوص الحالة المَرَضِيَّة التي بين يديه حصراً، ذلك فيما إذا كانت تحتاج للعزل أم لا.

فما يجري في الواقع هو أنَّ الطبيب المُعالِج له قرار إصدار العزل الإجباري على مَنْ أصابه المرض أو اشتُبه بإصابته بالمرض؛ حتى يتلافى بذلك انتشار الوباء.

 وبخصوص الأشخاص الذين ثبتت إصابتهم بالمرض، فلا يُشكل عزلهم أية إشكاليةٍ قانونيةٍ تُذكر بخصوص إصدار قرار العزل من الطبيب المعالج تقييداً للحرية الشخصية؛ فالمريض بمرضٍ وبائيٍّ هو خطرٌ على نفسه وعلى الآخرين.

لكن عندما نتوجَّه إلى مرتبةٍ أدنى في ثبوت الإصابة، أي فيما يتعلَّق بالمشتبه بإصابته، فهنا يكون أثر قرار الطبيب حساساً؛ حيث نكون في هذه الحالة غير متأكِّدين فيما إذا كان الوباء يسكن جسد الشخص المشتبه بإصابته أم لا، فلا بدَّ أن يكون قرار عزل المشتبه فيهم غير متسرِّعٍ؛ خصوصاً أن القانون رقم 8/1969 قد أعطى الطبيب المعالج صلاحياتٍ واسعةٍ في اتِّخاذ هذا القرار، لا يَضبط قراره سوى المعايير الطبية المهنية التي تكون غامضةً إزاء مرضٍ وبائيٍّ مستجدٍّ.

وبالتالي فإنَّ أيَّ خطأٍ من الطبيب المُعالِج في تقدير الأعراض الجديدة عليه أصلاً سيعني عزل المشتبه بإصابتهم وهم أصحَّاء مع المرضى بلا داعٍ، ممَّا سيزيد حالات التفشي الوبائي[37]. هذه الصورة السلبية تُخالِف مبدأ الصحة العامة بالتأكيد، ولكنها تخالف قبل ذلك مبدأ الحرية الشخصية التي لا يجوز تقييدها إلاَّ للمصلحة الصحية العامة وفق ضوابطٍ محددةٍ.

وبالتالي، فإنَّ ضوابط إصدار قرار العزل من الطبيب المعالج كانت واسعةً وغامضةً في القانون الكويتي، ذلك بالقدر الذي يمكن أن تتنافى مع مبدأ الحرية الشخصية. نستنتج من ذلك، وجوب أن يكون للعزل الصحي قواعداً خاصَّةً بغرض الفصل بشكل أساسي بين المصابين والمشتبه بإصابتهم من جهة، وعدم الاشتباه إلاَّ وفق القواعد الطبية العالمية التي ترسَّخت خلال مراحل استكشاف الوباء المستجد من جهة أخرى.

ثانياً: ضوابط السلطات الاستثنائية لوزير الصحة

سنرى ضوابط السلطات الاستثنائية بشكل عام أولاً، ثم السلطة الخاصَّة بدخول المنازل ثانياً، وبالممارسين الصحيين ثالثاً، وبعزل المناطق رابعاً، ومنع التجول خامساً.

1- ضوابط السلطات الاستثنائية بشكل عام

نصت المادة 15من القانون 8/1969 على:

“عند ظهور وباء الجدري أو الكوليرا أو الطاعون أو أي مرض وبائي آخر، يُخوَّل وزير الصحة العامة سلطات استثنائية لحماية البلاد من تفشي الوباء، وذلك بالاتفاق مع الوزراء المختصين، وبالاستعانة بأفراد الشرطة العامة والقوات المسلحة لتنفيذ قراراته….”[38]. يبدو أنَّ هذه السلطات الاستثنائية قد جاءت بغرض ملء الفراغ الذي قد يتشكَّل نتيجة عدم كفاية إجراءات الحجر والعزل التقليدية لمواجهة الوباء[39].

فهنا نتساءل:

هل تقوم سلطة وزير الصحة الاستثنائية بمجرَّد ظهور حالة وبائية في إقليم الدولة أم بمجرَّد أن تعلن منظمة الصحة العالمية أن الوباء تفشى على مستوى عالمي ولا يمكن السيطرة عليه، أم بحالات أخرى؟

لقد جاء في النص المذكور -بشكلٍ صريحٍ- جملة: “عند ظهور وباء”[40]؛ وبمدلول النص فإنَّه بمجرَّد أن يظهر الوباء ضمن حدود إقليم الدولة، يكون للوزير سلطاتٍ وقائيةٍ بشكل استثنائيٍّ، ذلك دون انتظار رأي منظمة الصحة العالمية.

وبالمقابل، من وجهة نظرنا يبدو أنَّ مجرَّد ظهور حالاتٍ في الدول المجاورة، بحيث تزداد بشكلٍ متسارعٍ دولياً وتعلن المنظمة المختصة حالة الطوارئ، فيجب حينئذٍ أن تتَّخذ كافَّة الدول الاحتياطات الصحية الوقائية بصورةٍ أوليةٍ دون أن تنتظر ظهور حالاتٍ وبائيةٍ حتى يتمَّ القضاء على هذا الوباء؛ فالوقاية خيرٌ من العلاج[41].

ونتسأل هنا: ما هي ضوابط اتخاذ القرار إزاء السلطات الاستثنائية لوزير الصحة؟

للإجابة على هذا التساؤل، يستلزم علينا أن نُبيِّن ما أشارت إليه المادة 15 المذكورة، فقد خوَّلت لوزير الصحة العامة سلطاتٍ استثنائيةٍ بغاية حفظ الصحة العامة. وقد جاء في هذه المادة ضوابط عامة على السلطات الاستثنائية؛ بحيث تنقسم إلى قسمين:

  • ضوابط في اتِّخاذ القرار؛ حيث يجب أن يكون القرار الخاص بالسلطات الاستثنائية المذكورة جارياً: “بالاتفاق مع الوزراء المختصين”[42]؛ فلا ينفرد وزير الصحة باتِّخاذ قراراتٍ استثنائيةٍ مثل عزل المناطق أو منع التجول في محافظاتٍ مُعيَّنةٍ، بل يجب أن يكون القرار بالاتفاق مع الوزراء المختصِّين تحت لواء خلية أزمة يمكن أن تضمَّ وزير الداخلية وغيرها من الوزارات التي تمسُّ مواجهة الوباء اختصاصها.
  • ضوابط في تنفيذ القرار؛ فلا يُخوَّل وزير الصحة باستخدام القوَّة أو القيام بالدوريات أو غيرها من التخصُّصات الأمنية، بل يجب أن يتمَّ تنفيذ مثل هذه السلطات الاستثنائية: “بالاستعانة بأفراد الشرطة العامة والقوات المسلحة لتنفيذ قراراته….”[43].

وباستقراء كلِّ هذه القواعد، يبدو أنَّ ضوابط سلطات وزير الصحة الاستثنائية خلال انتشار الوباء قادرةٌ على تقييد سلطاته ضمن إطار الحفاظ على الصحة العامة بالتنسيق مع باقي الوزراء المختصِّين؛ فلا يتمَّ تقييد الحرية الشخصية إلاَّ ضمن هذا الإطار، أي في إطار تقديم التزام الدولة في توفير الصحة كحقٍّ عليها[44].

إلاَّ أنَّ هذه الضوابط ترتبطُ في الواقع بوزراء خلية الأزمة الذين ينتمون لحكومةٍ واحدةٍ تقوم على مُمارسة السلطة التنفيذية؛ الأمر الذي يجعل من احتمال وجود خطأٍ جماعيٍّ في التقدير أمراً مُمكناً في ظروف عصيبة كتلك خلال الانتشار السريع للوباء العضال.

ولذلك كان يُفضَّل أن ينصَّ المشرع الكويتي على ضوابطٍ أخرى، مثل تأسيس مجلس صحي يضمُّ وزراء خلية الأزمة بالإضافة إلى رئيس مجلس الأمة ومجلس القضاء الأعلى بغرض مشاركة السلطة التشريعية والتنفيذية باتِّخاذ القرار الذي قد يؤثِّر على مستقبل المجتمع بأكمله خلال انتشار الوباء.

2- ضوابط السلطات الاستثنائية الخاصَّة بدخول المنازل

يندرج ضمن السلطات الاستثنائية لوزير الصحة مجموعةٌ من التدابير التي يستطيع بموجبها قيادة الكادر الصحي خلال فترة الطوارئ الوبائية ضمن استراتيجية خاصَّة بهذه المرحلة؛ حيث يمكن لوزير الصحة: “تخويل أطباء الصحة العامة والمعاونين الصحيين وأفراد الهيئة التمريضية وغيرهم ممَّن يُعيِّنُهم وزير الصحة العامة دخول المساكن في أي وقت للبحث عن المرضى وعزلهم وإجراء التطعيم والتطهير وغير ذلك من إجراءات الصحة الوقائية اللاَّزمة”[45]. هنا يتمُّ التغاضي عن حرمة المسكن وحرمة الحياة الخاصَّة[46] بشكلٍ استثنائيٍ حمايةً للصحة العامة[47].

يظهر من تحليل هذه المادة الضوابط التالية لقرار دخول المساكن:

  • أنَّ سلطة دخول المساكن تنحصر في الأطباء والمعاونين لهم والمُمرِّضين العاملين لمساعدتهم، إلاَّ أنَّ المادة السابقة قد شملت أيضاً أي شخص يُعيِّنه وزير الصحة؛ ممَّا جعل من الضوابط السابقة بلا أي معنى طالما أنَّ الحرية الشخصية وخصوصيَّة المنازل يمكن لأيِّ شخص من غير مُنَتَسِبِي نقابة الأطباء الدخول للبيوت بالقوَّة فقط إن أذِنَ وزير الصحة بذلك. في الوقت الذي كان يجب على المشرع حصر هؤلاء الأشخاص بالجهات الطبية والأمنية حصراً.
  • أنَّ سلطة دخول المساكن هي سلطة استثنائية تنحصر الغاية منها في مواجهة الوباء بشتَّى الوسائل الطبية من علاج وتطعيم وخلافه، إلاَّ أنَّ هذا الضابط غير محصورٍ بوقت معيَّن؛ وهو الأمر الكفيل بترويع المدنيِّين الآمنين في بيوتهم من رجال الشرطة والأمن ليلاً، الأمر الذي يُخالِف مبادئ احترام خصوصية الإنسان وسُكْنَاهُ في بيته، وحريته الشخصية. في الوقت الذي كان يجب حظر دخول المنازل في ساعات أقصى الليل.

3- ضوابط السلطات الاستثنائية الخاصَّة بالممارسين الصحيين

يَملكُ وزير الصحة تحت مُسمَّى السلطات الاستثنائية: “تكليف الأطباء وأفراد الهيئة التمريضية والموظفين الفنيين والإداريين الحكوميين والعاملين في القطاع الخاص بالعمل في مكافحة الوباء”[48]. تبدو هذه الصلاحية بديهيةً في ظروف انتشار الوباء الذي يستهلك الطاقات الصحية للدولة، ويجعل من كوادرها في حالة نشاطٍ دؤوبٍ لغاية ضبط انتشار المرض ووقاية الأصحَّاء من الناس.

بناءً عليه، يُخوَّلُ وزير الصحة تكليف حتى الممارسين الصحيين والعاملين في القطاع الخاص بمهام مجابهة الوباء.

إلاَّ أنَّ وقوع الدولة بحالةٍ من الطوارئ الصحية يجب ألاَّ تجعلها تتجاهل خطورة الوباء المستجد من حيث تخصُّصات العاملين على مجابهته؛ فالقطاع الخاص الذي سيتعاون مع العام في هذا المجال يجب أن يكونَ قادراً من الناحية العلمية والمهنية على تقديم المساعدة.

أمَّا مجرَّد تكديس الطواقم الطبية في مراكز الحجر والعزل بلا أيِّ معرفةٍ أو خبرةٍ حقيقيةٍ، فإنَّ ذلك سيُساهِمُ في انتشار الوباء نتيجة وقوع تلك الطواقم في الأخطاء الطبية، خاصَّة إزاء وباءٍ لم تظهرْ أعراضه بالشكل الكامل بعدُ.

هكذا، يمكن أن يتمَّ إجبار بعض الكوادر غير المختصَّة دون أيِّ موافقةٍ منها على مجابهة الوباء وتقديم خدماتٍ طبيةٍ بعيداً عن أصول الاختصاص؛ وهذا ما ينتهك الحرية الشخصية لدى المرضى الذين ستتمُّ معالجتهم في الحجر والعزل الإجباري من كوادر لا يقبلونها، وسينتهك كذلك إرادة الأطباء والكوادر غير المختصَّة أيضاً لدى إجبارها على تقديم خدمات طبية لا تدخل ضمن معارفها.

مثل هذا الأمر يجب أن يكون في حسبان المشرع، وأن يزيد إلى نص المادة السابقة ما يُشيرُ إلى معرفة الوزير بالإمكانية العلمية والخبرات العملية للأشخاص الذين سيستقدمهم من القطاع الخاص لمجابهة الوباء، فهذا الأمر على بداهته إلاَّ أنَّه يجب ضبطه قانوناً حتى لا تأخذ حالة الطوارئ والاستعجال -المُرافِقَة لانتشار الوباء- السلطة الصحية.

4- ضوابط السلطات الاستثنائية الخاصَّة بالإتلاف والتطهير وإغلاق المحال

لوزير الصحة سلطة “إغلاق محال الأعمال التجارية” “Business Closures” [49]، حيث نص القانون رقم 8/1969 على صلاحية هذا الوزير بـ: “إتلاف المأكولات والمشروبات وتطهير الملابس والأدوات والأثاث وغيرها من الملوثات أو المشتبه في تلوثها وإغلاق المحلات العامة التي يُحتمل أن تكون مصدراً للعدوى وإبعاد العاملين في هذه المحلات والباعة المتجولين عن العمل إذا اقتضت الضرورة ذلك”.

يبدو من النص أنَّ سلطة وزير الصحة في الإطار المذكور تنحصر في مجال الظروف التي يبدو من ظاهرها أنَّ المحال المطلوب إغلاقها قد يُسبِّب نشاطها العدوى؛ كالمطاعم التي يَكثُرُ فيها الزحام خلال انتشار الأوبئة التنفسية، إلاَّ أنَّ الواقع يقول بأنَّ عمليات الإغلاق تلك تأتي على جميع المحال بلا استثناء.

والغاية من الإغلاق التام -مع استثناء متاجر الأغذية أحياناً- هو تخفيف الحركة في الأسواق، أي أنَّ هذه الغاية تستهدف حقيق حالة غير مباشرة من منع التجول؛ الأمر الذي يعني أنَّ قرار إغلاق المحال بشكلٍ كاملٍ وليس وفق نشاطها يجب أن يصدر عن خلية أزمة ذات الاختصاص بإصدار قرار منع التجول.

4- ضوابط السلطات الاستثنائية الخاصَّة بعزل المناطق

نصَّ القانون رقم 8/1969 على أنَّ لوزير الصحة: “عزل المناطق التي تظهر فيها حالات مَرَضِيَّة عزلاً تاماً وعدم السماح بالدخول اليها أو الخروج منها بأية وسيلة كانت إلا لمن ترخص لهم وزارة الصحة العامة بذلك”[50]. يمكن التعبير عن هذا الإجراء بـ: “قيود السفر” “Travel Restrictions[51] إلى تلك المناطق ومنها.

تصف هذه المادة وصول الوباء إلى مرحلةٍ لا يمكن مواجهتها إلاَّ بإجراءاتٍ تعزل مناطقَ بأكملها عن الحياة، وليس فقط بعض الناس فيها؛ أي عندما يصل الوباء من حيث الانتشار إلى حدود يستحيل مواجهتها بشكلٍ شخصيٍ بل بشكلٍ مَنَاطِقِيٍّ.

إلاَّ أنَّ المادة السابقة لم تنص على الظروف التي تُخوِّل منح وزير الصحة هذه السلطة الحسَّاسة، بل كان الضابط الوحيد هو ظهور حالات مَرَضِيَّة، رغم أنَّ الوباء قد يكون في مرحلة بدء الانتشار، ولا تحتاج مجابهته الصرامة الزائدة عبر عزل مناطق معينةٍ بشكلٍ تامٍّ. مثل هذه القواعد يظهر منها أنَّ انتهاك الحرية قد يُصبحَ مبالغاً فيه إن لم تسترعِ الظروف العزل المَنَاطِقِيِّ هذا.

ونتيجةً لعدم وجود ضوابطٍ مناسبةٍ لسلطة عزل المناطق، فإنَّ انتهاك الحرية الشخصية سيأخذ إحدى أصعب صوره لدى إجبار الشخص على البقاء ضمن منطقةٍ مُعيَّنةٍ موبوءةٍ، في الوقت الذي يكون فيه هذا الشخص سليماً، ممَّا قد يُسبب له العدوى.

حيث إنَّ عزل المنطقة بشكل مبالغ فيه سيؤدي إلى نتائج اقتصادية واجتماعية ونفسية سلبية، كما سيؤدِّي إلى زيادة اختلاط أهل المنطقة والناس العالقين فيها مع بعضهم البعض ضمن إطار الجوار أو شراء الحاجيات الأساسية، ممَّا سيُسهِّل من انتشار المرض ضمن البقعة المعزولة، فيما كانت إجراءات الحجر والعزل الشخصية مُناسبةً أكثر في المراحل الأولى.

كما أنَّ سلطة منح الإذن بالدخول أو الخروج من وإلى المناطق المعزولة ستكون لوزارة الصحة، مع أنَّ هذه السلطة تُرخِي بآثارٍ أمنيةٍ حسَّاسةٍ، الأمر الذي يوجب إشراك وزارة الداخلية في منح هذه الأذون حتى يتسنَّى لعناصرها إبداء رأيهم.

5- ضوابط السلطات الاستثنائية الخاصَّة بمنع التجول

من السلطات الاستثنائية التي يقوم بفرضها وزير الصحة، قرار منع التجول كنوع من “الحجر المنزلي”Stay-at-home Orders” [52] سواء أكان كلياً أم جزئياً[53]؛ حيث إنَّ لهذا الوزير إقرار: “منع التجول في بعض المناطق للمدة اللازمة لأجراء التطعيم الاجباري العام للسكان أو غير ذلك من الاجراءات”[54]. تنبع الغاية من هذا الإجراء إلى وقف انتشار العدوى نتيجة استمرار الناس بالاختلاط في المجتمع[55].

لقد أعطت المادة المذكورة سلطةً واسعةً لوزير الصحة في اتِّخاذ قرار منع التجول في بعض المناطق، وهذا التفسير أتى من الصياغة العامة للنص؛ حيث بيَّن أنَّ للوزير أن يصدر قرار منع التجول دون وضع ضوابط تخص صدور القرار بموافقة باقي الوزراء المختصِّين ودون وجود خلية أزمة وزارية، ممَّا جعل النص واسعاً فيما يخصُّ الصلاحية في اتِّخاذ القرار.

هذا الأمر، قد يترتَّب عليه انتهاكٌ لمبدأ الحرية الشخصية على أثر التوسع في فرض صلاحيات منع الحظر من وزير الصحة، فقد استكمل النص في “أو غير ذلك من الاجراءات”[56].

ولا نُغفِلُ ما بيَّنه القانون رقم 8/1969، حيث توسَّع في فرض الصلاحيات؛ حيث إنَّ لوزير الصحة: “اتِّخاذ أية تدابير أو احتياطات اخرى يراها ضرورية لمكافحة الوباء”[57]؛ حيث يبدو معنى النص شاملاً لإجراء منع التجول الجزئي أو الكامل دون الحاجة لأساسٍ قانونيٍّ آخرَ[58]؛ هنا قد يتمُّ اتخاذ الحق في الصحة[59] كذريعةٍ لأيِّ إجراءٍ قاسٍ بغرض استغلال السلطة. في الوقت الذي يُعتبرُ فيه هذا الحق من الحقوق الاجتماعية[60]، تلك التي تتناغم مع الحرية الشخصية.

وبالتالي، فإنَّ سماح المشرع بوصول إجراءات الحجر والعزل الصحي إلى درجة منع التجول؛ فهي تعني حجر جميع الناس في منازلهم، الأمر الذي يجب ضبطه ضمن نطاق الظروف الاستثنائية القصوى التي لا يصحُّ تركها لتقدير وزير واحد في الحكومة هو وزير الصحة.

حيث نرى أن إصدار مثل تلك القرارات الاستثنائية بشكلٍ فرديٍ من قبل وزير الصحة قد يؤدي إلى كارثةٍ صحيةٍ في حالة إساءة استخدام السلطة، في الوقت الذي يستوجب مواجهة الوباء المشاورة والتأنِّي في اتِّخاذ مثل هذه القرارات.

لذلك يُحبذ أن يكون القرار صادراً عن مجلس وزاري مُصغَّر (خلية أزمة) يضمُّ مُمثِّلين من وزارة الصحة، والداخلية، والتجارة والصناعة، والتربية، والبيئة، ورئيس مجلس الأمة، ورئيس مجلس القضاء الأعلى. ولا يمنع من الاستعانة بخبراء أجانب سبق أن واجهوا الوباء في دولهم، خاصَّة تلك الدول التي احتوت الوباء بطرقها الطبية وتقدمها الطبي والتقني، ذلك بغرض “حوكمة النظام الصحي” “Health System Governance كما أشارت منظمة الصحة العالمية[61].

المطلب الثاني

مدى دستورية انتهاك الحرية الشخصية خلال انتشار الأوبئة

حتى نصل إلى الرؤية التأصيلية الدستورية لقواعد القانون رقم 7/1969 من حيث المساس بمبادئ الحرية الشخصية، علينا تحديد المبادئ الدستورية في هذا السياق أولاً، ثم تأصيلها على قواعد القانون المذكور ثانياً.

أولاً: مبادئ الدستور الكويتي المُتعلِّقة بالحرية الشخصية

جاء في الدستور الكويتي لعام 1962 المبادئ التالية:

  1. “الحرية الشخصية مكفولة”[62]؛ لا يوجد أوضح من هكذا مبدأ[63]، حيث جاء من باب الاختصار الشديد بغرض عدم التوسُّع بالاستثناءات التي تنال منه أو من نتائجه كالخصوصية[64]، حتى أنَّ استخدام مصطلح “الكفالة” يعني أنَّ الدولة مسؤولة أمام المواطن عن أيِّ انتهاك غير مشروع لحرية الشخصية.

فلو نصَّ الدستور مثلاً على أن “تحرص الدولة على الحرية الشخصية للمواطنين”، لكان الحرص ضمن نطاق قدرات الدولة بحيث يمكن أن تتحلَّل منه في ضوء مقدراتها، إلاَّ أنَّ النص على كفالة الدولة للحرية الشخصية يعني أنَّ الدولة تكفلها طالما جاء النص عاماً بلا أيِّ انتقاصٍ، إلاَّ في حالات القوة القاهرة وقد يصل انتشار الوباء إلى مرتبة هذه الحالات.

  1. “العدل والحرية والمساواة دعامات المجتمع”[65]. لقد ربط الدستور الكويتي هنا العدل والمساواة بالحرية، فلا يجوز أن يتمَّ منح الحرية لفئاتٍ معينةٍ على حساب الأخرى، بل يجب أن يكون هامش الحرية في المجتمع عادلاً بمنظورٍ مثاليٍّ من المساواة بين الأفراد.
  2. “الأحكام الخاصَّة بالنظام الأميري للكويت وبمبادئ الحرية والمساواة المنصوص عليها في هذا الدستور لا يجوز اقتراح تنقيحها، ما لم يكن التنقيح خاصا بلقب الإمارة أو بالمزيد من ضمانات الحرية والمساواة”[66]. بموجب هذا النص الدستوري يتبيَّن صراحةً بأن الدستور قد أشار بشكلٍ صريحٍ إلى عدم جواز تنقيح ما يمسُّ بمبادئ الحرية والمساواة إلاَّ إذا كان هذا التنقيح يضمن إضافة المزيد من حماية الحرية الشخصية.

يبدو جلياً من مجموع هذه المبادئ، المرتبة الرفيعة التي تحتلُّها الحرية الشخصية في المجتمع الكويتي من وجهة نظر الدستور، ولنا هنا أن نتساءل كيف يمكن إذاً تأصيل قواعد القانون رقم 8/1969 التي تمسُّ تلك الحرية بوضوح؟

ثانياً: التأصيل الدستوري لانتهاك قواعد الحرية الشخصية

يمكننا القول بأنَّ ظاهر المبادئ الدستورية في الدستور الكويتي لا يُوجدُ فيها أيُّ سندٍ لانتهاك الحرية الشخصية، ذلك حتى وإن كان الأمر يتعلَّق بالصحة العامة؛ فالدستور لم يُفضِّل أحدهما على الآخر. إلاَّ أنَّ التفسير المنطقي لارتقاء الصحة العامة على الحرية الشخصية خلال مرحلة انتشار الأوبئة يأتي احتراماً للحرية الشخصية ذاتها؛ فالشخص الذي ينشر العدوى للأصحَّاء من الناس في المجتمع، هو في الواقع يتعدَّى على سلامتهم ممارسة الآخرين لحرياتهم.

وبالتالي، فإنَّ احترام الحرية الشخصية الجمعية تتفوَّق بالتأكيد على احترام الحرية الشخصية الفردية؛ ونتيجةً لذلك، فإنَّ احترام مبدأ الصحة العامة يرتقي على الحرية الشخصية الفردية وليس الجمعية، تلك التي تترافق مع الصحة العامة الجمعية أيضاً ضمن المفهوم الواسع للنظام العام في الدولة الذي تصونه إجراءات “الضبط الإداري العام”[67].

بناءً عليه، فإنَّ دستورية الحجر والعزل الصحي ليست محلَّ نقاشٍ استقرائيٍّ طالما كانت تصب في خدمة الصحة العامة التي تحمي ممارسة الحرية الشخصية الجمعية من الأمراض، وتنشر السلامة العامة في المجتمع برؤيةٍ جمعيةٍ تنطلق من النظام العام للدولة.

ولكن المشكلة تنشأ عندما تكون إجراءات الحجر والعزل مبالغٌ فيها أو قاصرة:

  • ففي حالة المبالغة في إجراءات الحجر والعزل، فإنَّ الحرية الشخصية الفردية يتمُّ انتهاكها ليس حمايةُ للمجتمع خلال ممارسة الحرية الشخصية الجمعية، بل نظراً لوقوع السلطة الصحية بخطأٍ في التقدير خلال استخدام سلطة الضبط الإداري التي تتوسَّع خلال الأوقات الاستثنائية كانتشار الأوبئة[68].

وفي هذه النقطة بالذات يتبدَّى الفرق بين حماية الصحة العامة كجزءٍ من منظومة النظام العام، وبين تجاوز حدود السلطات التنفيذية الصحية، الأمر الذي يُوجِبُ تفضيل الحرية الشخصية الفردية في رفض هذا التجاوز من جهة[69]، وتفعيل الحرية الشخصية الجمعية في التأسيس لممارسة تنفيذية تتناغم مع المبادئ الدستورية من جهةٍ أخرى[70].

  • أمَّا في حالة التقصير في إجراءات الحجر والعزل، فإنَّ الحرية الشخصية الفردية ستتفوَّق على الحرية الشخصية الجمعية، الأمر الذي سيؤدِّي إلى حدوث انتشار للوباء نتيجة استهتار فئاتٍ طائشةٍ من المجتمع.

فهنا يمكن زجر هذه الفئات حتى بالعقوبات الجزائية، ليس استناداً على تفوُّق مبدأ الصحة العامة على الحرية الشخصية، بل حرصاً على ممارسة صحية للحريات الشخصية الجمعية من جهة، وإعمالاً لسلطة النظام العام في الدولة من جهة أخرى.

ففي قرار الحجر المنزلي أو المؤسَّسي الذي يصدر عن السلطة الصحية بهدف حفظ الصحة مثلاً، يستلزم أن يكون هذا القرار قراراً متوازناً فيما بين المبدأين الدستوريين (الصحة العامة والحرية الشخصية).

وبخصوص السلطات الصحية الاستثنائية خلال فترة انتشار الوباء مثل عزل المناطق ومنع التجول، فإنَّها تصبُّ في خانة المواجهة الجمعية العامة للخطر الوبائي تفعيلاً للنظام العام. لكن تلك الصلاحيات بحاجة إلى “بناء قدرات خاصَّة لدى أصحاب السلطة الصحية” “Build the Capacity of Regulators” كما أشارت منظمة الصحة العالمية[71].

فالسلطة الصحية التي تُقرِّر عزل بعض المناطق أو إغلاق المحال أو منع التجول بشكلٍ إجباريٍّ كما بينها القانون، لا يوجد عليها أي انتهاك دستوري من ناحية الحرية الشخصية؛ لأنه استثناء يستند على الحاجة إلى الحفاظ على الصحة العامة وفقاً للنظام العام.

إلاَّ أنَّ ضعف ضوابط اتِّخاذ القرار الخاص بهذه السلطات الاستثنائية سيؤدِّي إلى ارتقاء السلطة التنفيذية في ممارساتها على الحرية الشخصية الجمعية ليس خدمةً للنظام العام، وإنَّما نظراً للوقوع بأخطاء في تقدير خطورة الموقف. وبذلك، فقد تَصدرُ قراراتٌ استثنائيةٌ تصب في نقيض المصلحة الصحية العامة.

وبالتالي فإنَّ السياسة الصحية في الدولة بشكل عام يجب ألاَّ تستند فقط على الناس كما تعارف الأمر عليه، بل على التشريعات والسلطات التي تقوم بتنفيذها[72].

حيث إنَّ القرارات الوقائية لمكافحة الوباء غرضها الأساسي هو الحفاظ على الصحة العامة لاعتبارها أحد المقومات الأساسية لحفظ المجتمع من الانهيار، فلا بدَّ أن تصون تلك القرارات السلطات الثلاث، ذلك بتعاونهم مع بعضها البعض دون انفراد بالقرارات المتخذة، فقد جاء في الدستور الكويتي: “يقوم نظام الحكم على أساس فصل السلطات مع تعاونها وفقاً لأحكام الدستور…”[73].

وبالتالي، بإمكاننا القول بأنَّ القواعد القانونية الناظمة لضوابط القرارات المتعلقة بالحجر والعزل والسلطات الاستثنائية المتعلقة بهما في القانون رقم 8/1969 تتنافى من حيث ضعفها مع الغاية والسبب القانوني الأصيل[74]، ذلك السبب المُستَقَى من مبادئ الدستور في حفظ الصحة العامة والحريات الشخصية، الأمر الذي يطعن في دستورية هذه القواعد القانونية.

 

الخاتمة

إنَّ تطبيق العزل والحجر بصورةٍ إجباريةٍ دون بيان الفئة والمكان المناسب لتطبيق كلٍّ منهما في القانون الكويتي رقم 8/1969 سوف يُخلُّ بمبدأ الحرية الشخصية.

لذا تجب التفرقة ما بين الحجر والعزل الصحي نظراً لمدى الاختلاف الجذري فيما بينهما بخصوص خطورة الإصابة بالوباء وأعراضه ضمن فئة المعزولين من جهة، واحتمال الإصابة من عدمها ضمن فئة المحجورين من جهة أخرى.

ويبدو أنَّ قرار الحجر المنزلي أو المؤسِّسي وضوابطه يستوجب سنَّه كقانون، مع بيان كيفية تطبيقه بشكلٍ مُفصَّلٍ وملزمٍ بما يتَّفق مع الدستور، خصوصاً أن الوزير المختصُّ له منفرداً أو بالاتفاق مع الوزراء المختصِّين تقييد الحرية الشخصية خوفاً من القرارات التي قد تصدر بشكلٍ مُتسرعٍ؛ مما ينعكس على الصحة العامة والحرية العامة.

مثل هذه التجاذبات والتناقضات التي ظهرت فجأةً بعد انتشار وباء كورونا عام 2020 هي التي دفعت إلى اقتراح رؤيةٍ مستقبليةٍ لـ “قانون دولي بخصوص الاستجابة للجوائح” International Law on Pandemic Response”[75] بحيث يتناسق المجهود التشريعي الدولي مع الوطني بغرض الخروج بمواجهةٍ قانونيةٍ تتناغم مع الدستور الوطني ومع حقوق الإنسان الراسخة في القانون الدولي معاً.

النتائج

  1. الفصل بين إجراءات الحجر والعزل يلعب دور البطولة في وقف انتشار الأوبئة.
  2. لا يكفي تنفيذ إجراءات الفصل بين الحجر والعزل في الواقع بناءً على لوائح وزارة الصحة؛ حيث إنَّها لا تصل إلى مستوى الإلزام القانوني المُفصَّل وفق خطورة كل حالة وبغرض فصلها عن الحالات الباقيات تَجنُّباً للعدوى، خاصَّة خلال فترة انتشار الوباء التي تتميَّز بالطوارئ.
  3. فرض إجراءات الصحة العامة بشكلٍ مبالغٍ فيه يُساهمُ في انتشار الوباء وانتهاك الحرية الشخصية الفردية.
  4. التساهل في إجراءات الصحة العامة يَسمَحُ للحرية الشخصية الفردية بالاستهتار والمساهمة بنشر الوباء بما ينتهك الحرية الشخصية الجمعية، الأمر الذي يُخالف بالطبع احتياطات الصحة العامة والنظام العام.
  5. تبدو قواعد القانون رقم 8/1969 من حيث غموضها ونقصها وعيوبها في مظهرٍ مخالفٍ للغايات التشريعية من جهة، ومخالفٍ للمبادئ الدستورية في حفظ الصحة العامة والحرية الشخصية.

التوصيات

يجب أن ينص القانون الكويتي بشكل صريح على:

  1. الفصل بين المصابين أو الذين ظهرت عليهم أعراض الوباء (المشتبه بإصابتهم) ضمن فئة المعزولين صحياً عن بعضهم البعض في المعازل.
  2. الفصل بين المشكوك بإصابتهم نتيجة المُخَالَطة أو الذين قدموا من مناطق موبوءة ضمن فئة المحجورين صحياً عن بعضهم البعض في المحاجر.
  3. الفصل بين المعازل والمحاجر بشكل تام.
  4. اتِّخاذ القرارات الصادر بالحجر أو العزل أو التدابير الاستثنائية مثل منع التجول يحتاج إلى “خلية أزمة وزراية” مُكوَّنة من:
  • أطباءٌ كويتيِّون من أصحاب التخصُّص في مجال الأوبئة يترأسها وزير الصحة أو من ينوب عنه.
  • خبراءٌ دوليون في مجال الأوبئة، ويُفضَّل الخبراء الذين ينتمون إلى دول سبق وأن نجحت في مواجهة الوباء محل الاهتمام.
  • رئيس مجلس الأمة.
  • رئيس مجلس القضاء الأعلى.
  • مندوب من وزارة الداخلية.
  • مندوب من وزارة الاقتصاد والتجارة.
  • مندوب من وزارة التربية.
  • مندوب من وزارة البيئة.

قائمة المراجع

أولاً: المراجع باللغة العربية

- أمقران، طيبي، حرية التنقل في النظام القانوني الجزائري، أطروحة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في الحقوق، جامعة الجزائر 1، نوقشت عام 2015.

- توفيق، رانيا، الحق في الصحة، المجلس القومي المصري لحقوق الإنسان، الطبعة الأولى، يوليو 2018.

- حبشي، لزرق، أثر سلطة التشريع على الحريات العامة وضماناتها، أطروحة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في الحقوق، جامعة تلمسان، الجزائر، نوقشت عام 2013.

- زه نكنه، عبد الصمد، دور القاضي الدستوري في حماية الحقوق والحريات العامة، مجلة كلية القانون للعلوم القانونية والسياسية، جامعة كركوك، المجلد 5، العدد 16، عام 2016.

- العامري، مروة، دور القضاء الدستوري في حماية حقوق الانسان، أطروحة مقدمة لنيل درجة الماجستير في القانون، جامعة الشق الأوسط، عمان، الأردن، مايو/أيار 2019.

- العصار، يسري، القانون الإداري – النشاط الإداري، منشورات كلية القانون الكويتية العالمية (KILAW)، الكويت، 2012.

- قندلي، رمضان، الحق في الصحة في القانون الجزائري، دفاتر السياسة والقانون، جامعة ورقلة، الجزائر، المجلد 4، العدد 6، يناير 2012.

- الماجري، خالد، ضوابط الحقوق والحريات، المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، تونس، عام 2017.

- المقاطع، محمد، الوسيط في النظام الدستوري الكويتي، منشورات كلية القانون الكويتية العالميةKILAW، الكويت، الطبعة الثانية، عام 2012.

- منظمة الصحة العالمية، 25 سؤالاً وجواباً عن الصحة وحقوق الإنسان، سلسلة منشورات الصحة وحقوق الإنسان، العدد رقم 1، يوليو/تموز 2002.

- نبالي، فطة، دور المجلس الدستوري في حماية الحقوق والحريات العامة، أطروحة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في القانون، جامعة تيزي وزو، الجزائر، نوقشت عام 2010.

ثانياً: المراجع باللغة الإنجليزية

- FERREIRA, C. Miguel and SERPA Sandro, Contagions and Social Sustainability: Domains, Challenges and Sanitary Devices, Preprints, 23 March 2020. See:

doi:10.20944/preprints202003.0324.v1 (10-4-2020).

- GOSTIN, Lawrence O., Responding to COVID-19: How to Navigate a Public Health Emergency Legally and Ethically, Hastings Center Report, No. 50, 2020.

- MEIER, Benjamin M., et. al.:

  • Examining National Public Health Law to Realize the Global Health Security Agenda, Medical Law Review, May 2017.
  • Rights-Based Approaches to Preventing, Detecting, and Responding to Infectious Disease Outbreaks, SSRN Electronic Journal, January 2020.

- PARMET, Wendy E. and MICHAEL, S. Sinha, Covid-19 — The Law and Limits of Quarantine, New England Journal of Medicine, Massachusetts Medical Society, March 18, 2020. See:

http://www.nejmgroup.org/ (10-4-2020).

- World Health Organization (WHO), Better Laws for Better Health, WHO western pacific region, 2020.

[1] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 135.

[2] https://www.alraimedia.com/Home/Details?id=b5165607-8064-4f7f-9a3b-cb4dee80566c (16-3-2020).

[3] https://www.who.int/csr/disease/coronavirus_infections/ar/ (16-3-2020).

[4] GOSTIN, Lawrence O., Responding to COVID-19: How to Navigate a Public Health Emergency Legally and Ethically, Hastings Center Report, No. 50, 2020, page 1.

[5] فكرة التشابه بين الطاعون في أثينا وبين فيروس كورونا منحت مغزىً كبيراً لمواجهة أزمة المرض الوبائي بحزم وحكمة. أنظر:

“the ‘plague’ in Athens was not only a health crisis, it was also a great moral crisis”. See:  FERREIRA, C. Miguel and SERPA Sandro, Contagions and Social Sustainability: Domains, Challenges and Sanitary Devices, Preprints, 23 March 2020, page 13. See:

doi:10.20944/preprints202003.0324.v1 (10-4-2020).

[6]https://www.michigan.gov/documents/michiganprepares2/Isolation_and_Quarantine_Facts_428145_7.pdf (16-3-2020).

[7]Ibid.

[8] المادة 15 من الدستور الكويتي.

[9] المادة 30 من الدستور الكويتي.

[10] World Health Organization, Better Laws for Better Health, WHO western pacific region, 2020, page 12.

[11] قندلي، رمضان، الحق في الصحة في القانون الجزائري، دفاتر السياسة والقانون، جامعة ورقلة، الجزائر، المجلد 4، العدد 6، يناير 2012، الصفحة 217.

[12] المقاطع، محمد، الوسيط في النظام الدستوري الكويتي، منشورات كلية القانون الكويتية العالميةKILAW ، الكويت، الطبعة الثانية، عام 2012، الصفحة 220.

[13] “… the COVID-19 pandemic, it remains unclear how human rights law will be implemented through global health governance to support the future of infectious disease control”. See: MEIER, Benjamin M., et. al., Rights-Based Approaches to Preventing, Detecting, and Responding to Infectious Disease Outbreaks, SSRN Electronic Journal, January 2020, page 3.

[14] MEIER, Benjamin M., et. al., Examining National Public Health Law to Realize the Global Health Security Agenda, Medical Law Review, May 2017, page 1.

[15] المادة 4 من قانون رقم8 لسنة 1969بالأحتياطات الصحية للوقاية من الامراض السارية.

[16] هنا تندمج حقوق الإنسان بالصحة. أنظر: منظمة الصحة العالمية، 25 سؤالاً وجواباً عن الصحة وحقوق الإنسان، سلسلة منشورات الصحة وحقوق الإنسان، العدد رقم 1، يوليو/تموز 2002، الصفحة 15.

[17] المادة 5 من قانون رقم8 لسنة 1969بالأحتياطات الصحية للوقاية من الامراض السارية.

[18] “الحجر الصحي: تقييد أنشطة الأصحاء من الأشخاص أو الحيوانات الذين تعرضوا للعامل الممرض أثناء فترة انتشار المرض، وذلك لفترة تعادل أطول مدة حضانة. العزل الصحي: فصل المصاب أو الشخص المشتبه بإصابته عن غيره من الأصحاء طواعية أو قسراً مدة عدوى المرض في أماكن وظروف صحية ملائمة، وذلك للحيلولة دون انتقال العدوى من المصاب أو الشخص المشتبه بإصابته إلى غيره”. أنظر: المادة 1 القانون الاتحادي الإماراتي رقم 14 لسنة 2014 بشأن مكافحة الأمراض السارية.

[19] للتعمق في حرية التنقل راجع: أمقران، طيبي، حرية التنقل في النظام القانوني الجزائري، أطروحة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في الحقوق، جامعة الجزائر 1، نوقشت عام 2015، الصفحة 10.

[20] أنظر فيما يخص مواجهة فيروس كورونا:

“Governments seeking to limit the spread of COVID-19 may isolate sick individuals, quarantine exposed individuals…”. See: GOSTIN, Lawrence O., op. cit., page 2

[21] المادة 4 من قانون رقم8 لسنة 1969بالأحتياطات الصحية للوقاية من الامراض السارية.

[22] قندلي، رمضان، مرجع سابق، الصفحة 225.

[23] PARMET, Wendy E. and MICHAEL, S. Sinha, Covid-19 — The Law and Limits of Quarantine, New England Journal of Medicine, Massachusetts Medical Society, March 18, 2020, Abstract. See:

http://www.nejmgroup.org/ (10-4-2020).

[24] المادة 11، الدستور الكويتي.

[25] المقاطع، محمد، مرجع سابق، الصفحة 219.

[26] المادة 15، الدستور الكويتي.

[27] المادة29 ، الدستور الكويتي

[28] العصار، يسري، القانون الإداري – النشاط الإداري، منشورات كلية القانون الكويتية العالمية (KILAW)، الكويت، 2012، الصفحة 141.

[29] المادة 15، الدستور الكويتي.

[30] المادة 6 من قانون رقم8 لسنة 1969بالأحتياطات الصحية للوقاية من الامراض السارية.

[31]  المادة 7، الدستور الكويتي.

[32] يرى الفقه العربي ضرورة العمل على توسيع صلاحية المحكمة الدستورية. أنظر: زه نكنه، عبد الصمد، دور القاضي الدستوري في حماية الحقوق والحريات العامة، مجلة كلية القانون للعلوم القانونية والسياسية، جامعة كركوك، المجلد 5، العدد 16، عام 2016، الصفحة 401.

وللتعمق في دور المحكمة الدستورية بإعادة الحقوق الشخصية للناس عبر الرقابة على القوانين، راجع: العامري، مروة، دور القضاء الدستوري في حماية حقوق الانسان، أطروحة مقدمة لنيل درجة الماجستير في القانون، جامعة الشرق الأوسط، عمان، الأردن، أيار 2019، الصفحة 84.

[33] حبشي، لزرق، أثر سلطة التشريع على الحريات العامة وضماناتها، أطروحة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في الحقوق، جامعة تلمسان، الجزائر، نوقشت عام 2013، الصفحة 8.

[34] World Health Organization (WHO), op. cit., page 34.

[35] المادة 6من قانون رقم8 لسنة 1969بالأحتياطات الصحية للوقاية من الامراض السارية

[36] قندلي، رمضان، مرجع سابق، الصفحة 236.

[37] وبالنتيجة، فإنَّ عدم وجود قاعدةٍ قانونيةٍ ملزمةٍ للتفريق بين أمكان العزل الخاصَّة بالمرضى وبين المشتبه بإصابتهم، سيجعل من المعازل مراكزاً لتفشي الوباء وارتفاع أعداد المصابين، بدلاً من أن تكون مراكزَ عزلٍ واستشفاءٍ.

[38] المادة 15من قانون رقم 8 لسنة 1969بالأحتياطات الصحية للوقاية من الامراض السارية.

[39] إنَّ أزمة كورونا عام 2020 فاجأت المشرعين الوطنيين بضرورة وجود نظام قانوني أكثر إبداعاً من مُجرَّد فرض إجراءات الحجر والعزل. أنظر:

“Despite the breadth and allure of travel bans and mandatory quarantine, an effective response to Covid-19 requires newer, more creative legal tools”. See: PARMET, Wendy E. and MICHAEL, S. Sinha, op. cit.

[40] المادة 15من قانون رقم 8 لسنة 1969بالأحتياطات الصحية للوقاية من الامراض السارية.

[41] فإذا تبين اشتباه بحالة وبائية جاءت من أحد الدول التي نسبة تفشى الوباء مرتفعة، فيجب أن يتمَّ اتخاذ الاجراءات الصحية الوقائية اللازمة، منعاً للمخالطة بتطبيق الحجر الصحي المؤسسي إلى أن يثبت حضانته للوباء من عدمها. بينما الشخص الذي ثبتت إصابته بالوباء، فيتمُّ عزله إجبارياً بصورةٍ تلقائيةٍ عن طريق قرار الطبيب المَعالِج، واحتواء عدد المصابين الذين جاؤوا من الدول التي تمكَّن منها الوباء. نستنتج من ذلك، أنَّه بمجرد انتشار الوباء بصورةٍ ملفتةٍ دولياً، دون احتواء الانتشار من قبل الدول الاخرى، ثم إعلان المنظمات المختصة على عدم إمكانية السيطرة على الوباء المستجد، فإنَّه يكون للدولة دور وقائي، على أن يكون تركيزها على المطارات والحدود. ويمكن أن يكون لوزارة الصحة كادر طبي ميداني تترقَّب حالات القادمين من الدول المجاورة وعدد الرحلات التي استبقتها، سواءً أكانت تلك الدول قد تفشى فيها الوباء أم لا.

[42] المادة 15من قانون رقم8 لسنة 1969بالأحتياطات الصحية للوقاية من الامراض السارية.

[43] المادة 15من قانون رقم8 لسنة 1969بالأحتياطات الصحية للوقاية من الامراض السارية.

[44] توفيق، رانيا، الحق في الصحة، المجلس القومي المصري لحقوق الإنسان، الطبعة الأولى، يوليو 2018، الصفحة 4.

[45] المادة 15-3 من قانون رقم8 لسنة 1969بالأحتياطات الصحية للوقاية من الامراض السارية.

[46] المقاطع، محمد، مرجع سابق، الصفحة 196 و197.

[47] الماجري، خالد، ضوابط الحقوق والحريات، المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، تونس، عام 2017، الصفحة 92.

[48] المادة 15-4 من قانون رقم8 لسنة 1969بالأحتياطات الصحية للوقاية من الامراض السارية.

[49] GOSTIN, Lawrence O., WILEY, Lindsay F., Governmental Public Health Powers During the COVID-19 Pandemic, JAMA Journal, American Medical Association, April 2, 2020, page E1.

[50] المادة 15-1 من قانون رقم 8 لسنة 1969بالأحتياطات الصحية للوقاية من الامراض السارية.

[51] GOSTIN, Lawrence O., WILEY, Lindsay F., op. cit., page E1.

[52] GOSTIN, Lawrence O., WILEY, Lindsay F., op. cit., page E1.

[53] وهو الإجراء الذي انتشر بشكل كبير لمواجهة فيروس كورونا. أنظر:

Op. cit., page E1.

[54] المادة 15-2 من قانون رقم 8 لسنة 1969بالأحتياطات الصحية للوقاية من الامراض السارية.

[55] حول التفاعل بين العدوى وبين استمرار النشاط الاجتماعي، راجع:

FERREIRA, C. Miguel and SERPA Sandro, op. cit., page 1.

[56] المادة 15-2 من قانون رقم 8 لسنة 1969بالأحتياطات الصحية للوقاية من الامراض السارية.

[57] المادة 15-6 من قانون رقم 8 لسنة 1969بالأحتياطات الصحية للوقاية من الامراض السارية.

[58] حيث تمَّ تأسيس قرار منع التجول في الكويت خلال أزمة كورونا على قانون الدفاع المدني، ممَّا أثار انتقادات واسعة.

[59] “… ينبغي أن تهدف هذه التدابير (التدابير الصحية) خصيصاً إلى منع المرض أو الإصابة أو توفير العناية للمرضى والمصابين”. أنظر: الماجري، خالد، مرجع سابق، الصفحة 92.

[60] نبالي، فطة، دور المجلس الدستوري في حماية الحقوق والحريات العامة، أطروحة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في القانون، جامعة تيزي وزو، الجزائر، نوقشت عام 2010، الصفحة 76. أنظر أيضاً:

“Moving towards a focus on collective rights, viewing public health itself as a human right, these human rights claims have sought to address underlying population-level determinants of health in a rapidly globalising world”. See: MEIER, Benjamin M., et. al., Rights-Based Approaches to Preventing, Detecting, and Responding to Infectious Disease Outbreaks, op. cit., page 2.

[61] World Health Organization (WHO), op. cit., 2020, page 10.

[62] المادة 15 من الدستور الكويتي.

[63] المقاطع، محمد، مرجع سابق، الصفحة 198.

[64] المرجع السابق.

[65] المادة 7 من الدستور الكويتي.

[66] المادة 175 من الدستور الكويتي.

[67] العصار، يسري، مرجع سابق، الصفحة 140.

[68] العصار، يسري، مرجع سابق، الصفحة 154.

[69] وبناءً عليه، فإنَّ القواعد القانونية الخاصَّة بالحجر والعزل الصحي التي تؤدِّي إلى تنفيذٍ عشوائيٍّ للقانون يجب ألاَّ تتفوَّق برأينا على مبدأ الحرية الشخصية، ذلك حتى تحلَّ محلُّها قواعدٌ مفصَّلةٌ ومدروسةٌ قادرةٌ على ضبط الوقاية الصحية بأسلوبٍ مدروسٍ يحفظ الصحة العامة بالفعل دون تعريض الأشخاص لمخاطر إضافية، حينئذٍ فقط يعود مبدأ الصحة العامة للتفوَّق على الحرية الشخصية الفردية.

[70] مثل هذه الرؤية تنشأ عن كون الإجراءاتٌ الوقائيةٌ الاحتياطيةٌ تحمل الطابع الاستثنائي الذي يخدم مصلحة المرضى والأصحَّاء في آنٍ معاً. فإن تمَّ استخدام هذه الإجراءات بشكلٍ جائرٍ أو عشوائيٍّ، فإنَّ ذلك يُجبِرُ الأشخاص على الخضوع لإجراءات تُقيِّد من حريتهم الشخصية في الوقت الذي لا يَخدِمُ فيه هذا الإجراء الغاية التشريعية من وجوده، بل على العكس، يُعرِّضُ الأشخاص لأضرارٍ هم في غنىً عنها.

[71] World Health Organization (WHO), op. cit., page 37.

[72] MEIER, Benjamin M., et. al., Examining National Public Health Law to Realize the Global Health Security Agenda, op. cit., page 29.

[73] المادة 50، الدستور الكويتي.

[74] وهي من العيوب الموضوعية في القانون التي تورث بطلانه. أنظر: حبشي، لزرق، مرجع سابق، الصفحة 41.

[75] VON BOGDANDY, Armin and VILLARREAL, Pedro A., International Law on Pandemic Response:

A First Stocktaking in Light of the Coronavirus Crisis, Max Planck Institute for Comparative Public Law and International Law (MPIL), Research Paper Series No. 07, 2020, page 25.


Updated: 2020-05-10 — 08:18
JiL Scientific Research Center © Frontier Theme