التمثلات الجندرية وعلاقتها بتعنيف المرأة بالمغرب Gender Representation and its Relation with Woman Scolding in Morocco


 

 

التمثلات الجندرية وعلاقتها بتعنيف المرأة بالمغرب

Gender Representation and its Relation with Woman Scolding in Morocco

إبراهيم برلال/جامعة محمد الخامس، المملكة المغربية

IBRAHIM PARLAL/University Of Mohamed V

مقال نشر في مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد 63 الصفحة 43.

 

 

ملخص:

نحاول من خلال هذه الدراسة تقديم قراءة مختلفة لمسألة النوع الاجتماعي وكذلك العنف الممارس ضد المرأة في المجتمع العربي. وهي قراءة تتميز باعتمادها على معطيات ميدانية حول تمثلات الجنسين لبعضهما باستخدام تقنيتي المقابلة وتحليل المضمون، وتحاول تحليل تلك التمثلات بموضوعية بعيدا عن أي توجه إيديولوجي. وبالتالي تدرس أسباب العنف الممارس ضد المرأة بما في ذلك إمكانية تحمل المرأة لجزء من المسؤولية في ذلك. وبالنتيجة، فإن الرجل لازال يتمثل المرأة كضعيفة وناقصة ولا ترقى لمستواه، على الرغم من النصوص القانونية والخطابات السياسية التي تنص على المساواة بين الجنسين. بل المرأة في تمثل الرجل تعد موضوعا للجنس، وكذلك كائنا مخادعا وماكرا. والمرأة بدورها مستبطنة للهيمنة الذكورية وتفكر من داخلها. وهذا ما يجعل الهيمنة الذكورية تضرب بجذورها في مختلف مناحي الحياة وتستطيع تجاوز المحاولات المستمرة التي تحاول اسقاطها.

الكلمات المفتاحية: التمثلات الجندرية- العنف- الهيمنة الذكورية- الجنس.

Abstract:

Through this study, we try to provide a different reading of the issue of gender as well as violence against women in Arab society. A reading characterized by its reliance on field data on sexes representations to each other using the techniques of the interview and the content analysis, and we try to analyze those  Representations objectively away from any ideological orientation, and therefore examine the causes of violence against women, including the possibility of women bearing part of the responsibility in that. And as a result, the man still represents women as weak, incomplete and does not rise to his level, despite the legal rules and political messages that provides for equality between sexes. But rather women in the representations of men is a subject of sex, as well as deceitful and cunning, and women in turn are intrinsic to male domination and think from within it, and this is what makes male domination hit its roots in various aspects of life and can overcome the continuous attempts that try to bring it down.

Keywords: gender, violence, male domination, sex.

 

تقديم:

انطلاقا من ملاحظاتي اليومية في وسائل الاتصال الاجتماعي، ومن الملاحظات الميدانية في الواقع المادي المعيش، تبين أن التمثل الذي يحمله الشبان حول المرأة يصعب القول أنه لم يعد وفيا للثقافة التقليدية، بل إن التحولات التي شهدها العالم على مستوى الحريات الفردية والتعليم والتثقيف لم تلق في السياق المغربي قبولا كبيرا. وارتباطا بذلك، يلاحظ في السنوات الأخيرة انتشار مجموعة من جرائم الاغتصاب ومظاهر العنف التي تتعرض لها الفتاة المغربية، والتي تنشر عبر وسائط الاتصال الاجتماعي، سواء في الشارع العام أو في أماكن مغلقة. وبغض النظر عن النقاش الدائر حول نسبة هذه الجرائم؛ هل هي فعلا ارتفعت بالمقارنة مع الماضي، أم أن الأمر فقط يتعلق بوجود وسائل الاتصال الاجتماعي التي أصبحت توفر مجالا لتنشر ما يقع في المجتمع بشكل فوري، فإن هذه النسب تثير الكثير من التساؤلات من قبيل؛ ما هي العوامل التي تدفع الشبان المغاربة لتعنيف الشابات؟ هل تلعب التنشئة الاجتماعية دورا في هذه الظاهرة؟ ما هي التمثلات التي يحملها الشبان المغاربة حول المرأة؟

لقد بينت الدراسات المهتمة بالنوع الاجتماعي بشكل مفصل كيف أن التمثلات التي يحملها الافراد حول الجندر، والتي تم بنائها عبر سيرورة تاريخية طويلة انطلاقا من مؤسسات التنشئة الاجتماعية، تقودهم إلى القيام بمجموعة من السلوكات تنسجم مع تلك التمثلات. لهذا تهدف هذه الدراسة إلى محاولة دراسة العلاقة بين التمثلات التي يحملها الشبان حول المرأة، خاصة الفتاة، وبين ممارسة العنف ضد النساء، وذلك انطلاقا من منهجية تحليلية تفسيرية. ونظرا لما لوسائط الاتصال الاجتماعي من قوة تأثير، فإننا سنعتمد على تقنية تحليل المضمون لجمع المعطيات، باعتبارها تقنية فعالة للتعامل مع المعطيات التي تزخر بها هذه المواقع، وخاصة موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك” (Facebook) الذي سنعتمد عليه نظرا لكونه محط استخدام مختلف الفئات الاجتماعية، وكذلك كونه يزخر بالمعطيات التي لها علاقة بهذا الموضوع.

إشكالية الدراسة:

يتطلب البحث في هذا الموضوع التطرق للتمثلات في مختلف أشكالها ولدى الطرفين معا، وهو ما يجعلنا نطرح الاشكالية التالية: هل تساعد التمثلات الجندرية على ممارسة العنف ضد المرأة؟ ولمعرفة ذلك يجب أولا أن نتساءل: ما هي التمثلات التي يحملها الرجل حول المرأة؟ وما هي التمثلات التي تحملها المرأة عن نفسها؟ ثم ما هي التمثلات التي تحملها المرأة حول الرجل؟ وهل تلعب تلك التمثلات دورا في نسب العنف المرتفعة ضد المرأة؟ هل الرجل وحده هو المسؤول عن العنف الممارس ضد المرأة، أم أن كلاهما يقتسمان المسؤولية؟

منهج الدراسة وتقنياتها:

في الحقيقة، استخدام تقنية تحليل المضمون لجمع المعطيات يعد أمرا صعبا ومعقدا، خاصة حينما يكون موقع تواصل اجتماعي هو المصدر الذي ستجمع منه، وهو ما يتطلب التعامل مع المعطيات وتمحيصها بحذر، لذلك اعتمدت في جمع المعطيات على استخدام مصطلحات “مرأة”، “بنت”.. ورصد مختلف الردود حولها والسياقات التي تمت فيها تلك الردود، والأشخاص الذين تفاعلوا… كما استخدمت تقنية المقابلة الموجهة من أجل تعميق البحث ووضع المعطيات التي استخرجتها من موقع التواصل الاجتماعي موضع مقارنة. وانسجاما مع منهج البحث، فإن الميدان المدروس تم اختياره بشكل عشوائي وهنا تحولت الردود حول المرأة عبر موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك إلى موضوع الدراسة، وتم انتقاء ردود الشبان المغاربة من مختلف المناطق باعتبار أن طبيعة الموضوع والهدف منه لا يحتمان تحديد منطقة معينة. كذلك، حتمت علينا طبيعة هذا الموضوع الاعتماد على المنهج الكيفي باعتباره الكفيل بدراسة التمثلات، وعليه جاء اختيارنا لتقنية تحليل المضمون كأداة لجمع المعطيات وتحليلها.

ويكتسي هذا الموضوع أهمية خاصة، ليس فقط باعتباره يتناول موضوعا راهنا ويعد بمثابة أحد أهم المشاكل التي يعيشها المجتمع المغربي، بل لأنه كذلك يتناول هذا الموضوع الراهن من زاوية مختلفة، زاوية لا تقتصر على الرجل كمجرم معتدي، وهي النظرة التي أوقعت الكثير من الدراسات النسائية وخاصة الدراسات النسوية في القصور التحليلي والتفسيري، بل يتعدى ذلك لينظر إلى الموضوع من زاوية مختلف الفاعلين انطلاقا من تمثلاتهم. كما أن هذا البحث لا يقف عند مستوى الوصف، بل يحاول أن يفسر الردود التي يقوم بها الأفراد في سياقات معينة وبالتالي محاولة القبض على حقيقة التمثلات في ذروة حيويتها. هذا وأثناء عرضي وتحليلي لنتائج البحث، سوف أعطي بعض الأمثلة والحالات من بين تلك المرصودة على سبيل التمثيل، أي أن تلك الحالات التي سوف تدرج في المثال تعبر عن فئة من التمثلات وليست حالة فردية.

تحديد المفاهيم:

 يحدث في الكثير من الأحيان أن يقع الباحث في الارتباك حين الحديث عن المواضيع المتعلقة بالمرأة وذلك نظرا لوجود مجموعة من المفاهيم التي تحمل معنى يشير إلى المرأة ولكن تختلف من حيث مدلولها جذريا من قبيل مصطلح الفتاة والأنثى. لهذا سوف أستخدم هنا مصطلح المرأة بمعنى الفتاة حين يكون الأمر قابلا للتعميم على مختلف المراحل العمرية للمرأة، وحينما يكون الأمر يخص فقط الفتاة أي الشابة سوف أستعمل مصطلح فتاة. يعرف فريدريك لوبارونّ(Frédéric lebaron)في معجمه التمثلات الاجتماعية بأنها الصورة الذهنية لظاهرة ما، وتدرس من طرف علم النفس الاجتماعي خصوصا.[1]أما النوع أو الجندر(gender) فيعرفه بأنه الجنس مادام كحقيقة منشأة اجتماعيا. ناتجة عن تنشئة اجتماعية وليست فقط الفروق البيولوجية. فيما يخص التمثلات الجندرية، فسوف أستخدمها بمعنى المعرفة والفكرة التي يعتقد بها فرد ما فيما يخص موضوع المرأة والرجل.[2] وبالتالي فالتمثلات الجندرية هي التي توجه تفكير الفرد، أو إن شئنا القول هي نمط من التفكير حول المرأة والرجل. هنا تصبح التمثلات الجندرية هي مختلف الأفكار والمعرفة والبنيات الذهنية التي تخص المرأة والرجل.

أولا: المرأة كأداة للجنس:

من أجل الوصول إلى الردود والتمثلات حول المرأة، وبشكل أقل الرجل، اعتمدت على بعض المصطلحات كمفاتيح للبحث في موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك من قبيل “درية”، “بنت”، “اغتصاب”، “تحرش”، ومجموعة من المصطلحات التي تطلق على الفتاة في مختلف الثقافات المحلية بالمغرب، دون اقصاء تلك التي تحمل معنى سلبي أو وصم مثل مصطلح “عاهرة”. والسبب في استخدام كل هذه المصطلحات ذات الدلالات المختلفة هو أن كشف التمثلات حول المرأة سيكون بشكل أفضل حين يتم رصد الردود في سياقات مختلفة ومقارنتها ببعضها البعض. ومن بين أهم الصور التي يحملها الشبان حول المرأة أنها موضوعا للجنس، أي مستقبل سلبي. والذي يدل على ذلك هو أن الشبان يتحدثون عن الفتاة في إطار الحديث عن الجنس بكونها هي المحتاجة لممارسة الجنس، وبالتالي الرجل هو إنسان طيب يلبي حاجة الآخر/المرأة المحتاجة. هنا تصبح المرأة مستقبلة سلبية لأنها في وضعية حاجة وبالتالي وضعية ضعف والرجل هو الذي يملك السلطة في تقرير كيفية تلبية حاجتها ومتى وأين. فوضعية المرأة بشكل عام والعلاقة بين الجنسين هي الجزء الذي يشرح الكل، هي العنصر الذي يكشف البنية.[3] فالمرأة تقوم بوظيفة التربية في البيت غالبا، وبالتالي تبني سلوكات الناشئة وفق تصور ما، ما يعني أنها تضمن استمرار نفس البنية، في الوقت الذي تتم فيه تلك التربية تحت سلطة الرجل كذلك. والذي يبرر كذلك تصور أنها دائما في وضعية حاجة، هو أنها، نظرا للضوابط الاجتماعية والثقافية الصارمة، لا تستطيع التعبير عن حاجتها لأن ذلك يعتبر انتهاكا للقيم التي يقر المجتمع بشرعيتها، وبالتالي فإنها دائما تنتظر من يخلصها من ذلك الثقل، وأي إشارة منها هي إذن بتكسير ذلك الحاجز. في هذا السياق يمكن لمفهوم البؤس الجنسي عند ميشيل فوكو أن يكون مفسرا لعلاقات السلطة في هذه الوضعية التفاعلية.[4] وهنا نجد أن الفتاة نفسها، في حوالي 60في المائة من الردود المرصودة وكذلك من خلال المقابلات تقر بتلك التصورات التي يحماها الرجل، بل وتؤكدها. حيث تتفاعل بشكل إيجابي مع ردود الرجال التي تؤكد هذه التصورات، وتبدي موافقتها عليها. وهذا ما تفسره الأبحاث المعاصرة في سوسيولوجيا النوع بكون المرأة تستبطن القيم التي يثبتها فيها المجتمع منذ الطفولة عبر مختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية. وبالتالي هوية الجنوسة المركزية التي تحملها الفتاة.[5]

ثانيا: المرأة كمغرية ومخادعة:

في الحقيقة، التمثل الثاني الذي سنعرضه في هذا المحور لا ينفصل عن سابقه، إذ أن هذه التمثلات تشتغل بشكل منظم ومنسق. في العديد من السياقات، وخاصة في المجال العام، حينما يحدث جدال بين امرأة ورجل أو تحرش يتم الوقوف إلى جانب الرجل دون حاجة للعدوة إلى حيثيات المشكل. ففي نصف حالات اعتداء جنسي وقعت لفتيات تم نشرها على موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك التي رصدتها، اعتبرت الفتاة كاذبة وتستحق ما حصل لها. ومن الأمثلة على ذلك أن فتاة تعرضت للاختطاف وبالتالي للاغتصاب لعدة أسابيع متتالية اعتبرها البعض عاهرة لأن مسألة اختطافها غير موثوق بها، في حين لم توجه أي ردود سلبية تجاه الشبان الذين اغتصبوها بشكل وحشي. معنى ذلك أن ميكانيزم التفكير حول المرأة يشتغل دائما لإيجاد مكامن النقص أو عدم اليقين من أجل اثبات جريمة المرأة وإن لم تكن مجرمة. هنا يفسر لنا بيير بورديو كيف أن النظام الاجتماعي يشتغل باعتباره آلة رمزية تصبو إلى المصادقة على الهيمنة الذكورية التي يتأسس عليها.[6] لكن الأمر الأساسي هنا، والذي يجب التركيز عليه، هو أن وصم/صورة الخطيئة والذنب الذي كان عبر التاريخ مرتبط بالمرأة لم يتغبر رغم كل التحولات الشكلية التي طالت قضية المرأة وحقوق الانسان بشكل عام، بل إن المجتمعات المعاصرة، خاصة في المغرب ومن يتشابه معه من البلدان ثقافيا، أصبحت هذه النظرة تعمل بشكل مؤثر ومستتر مما يجعلها تبدو على أنها اتجاها نحو الاعتراف بالمرأة كذات واعية لا تختلف عن الرجل في شيء، في الوقت الذي تمثل في جوهرها تكريسا لدونية المرأة. من الأمثلة على ذلك أن الشبان يقرون بحرية المرأة على مستوى اللباس، وإن كان ذلك لا يتم عن قناعة تامة، إلا أنهم في حال تعرض إحداهن لاعتداء وكانت ترتدي لباسا يظهر شيئا من أنوثتها يعتبرون أنها هي “المجرمة” لأن لباسها مثير للرجل، وبالتالي فإن اعتدائه هو مجرد دفاع منه عن نفسه أمام اعتدائها الجامح. هنا نشير إلى أن معظم الفتيات يوافقن على هذه النظرة ويعتبرن أن الفتاة هي المذنبة. ما يعني أن تفكير الفتاة لا زال يتم كما أرادت له منظومة التفكير الذكوري أن يتم.

ثالثا: نجاح المرأة مثير للشبهة:

الملاحظات والاحصائيات التي تنشر حول نسب النجاح في مختلف المؤسسات -التعليمية مثلا-تشير إلى تفوق العديدة من النساء على الرجال في التحصيل العلمي والمعرفي. ولكن نجاح المرأة بشكل عام لا يعفيها ولا يخلصها من النظرة الدونية التي لصقت بها، بل إن نجاحها يجلب المزيد من الريبة. فدون الحاجة لدليل ما، يؤكد العديد من الشبان موضع البحث أن نجاح فتيات -محددات حسب سياق البحث-مرتبط بتقديمهن لخدمات جنسية. معناه أن الرجل، وأمام بروز منافس له في العمل أو المنافسة حول العمل نتيجة خروج المرأة بشكل كبير إلى العمل والانخراط في سوق الشغل وما يرتبط به من تعليم وتكوين، لا يعتبر أن المرأة قادرة على فعل ما يفعله هو وبتفوق، بل هي تظل دونه ونجاحها يتم عن طريق الحيلة والاغراء. لأن النساء ولفترات تاريخية طويلة اعتبرن أن اللا مساواة أمرا طبيعيا تم فرضه قانونيا ومقبول اجتماعيا، كما يعني أن التقابل بين الزوج امرأة/طاعة يدخل المرأة دائما في صف المحكومين ويمنع عنها صف الحاكمين.[7] ولكن هذا لا يجب أن يجعلنا نسقط في مستوى نضالي، فالكثير من الحالات تؤكد أنه بالفعل هناك من الفتيات من يستخدمن جسدهن في هذا السياق، ولكن ذلك يرد بكونه لا يكفي للتعميم.

رابعا: المرأة مالكة لسلطة-فخ:

في بعض السياقات قد يبدو للوهلة الأولى أن للمرأة سلطة ليست متاحة للرجل، بل الرجل يبقى منتظرا لإشارة المرأة. ولكن الحقيقة هو أن تلك السلطة هي مجرد نتيجة للتمثل الذي يقر بدونية المرأة، وما امتلاكها لسلطة لحظية إلا حيلة من الحيل التي يعتمد عليها الرجل من أجل بسط سيطرته وتصوراته على المرأة. ومن ذلك أن الفتاة هي التي تمنح الضوء الأخضر للفتى من أجل الكلام والتغزل بها –هنا لا نقصد التحرش- معناه أن الرجل يظل رهينا لإشارة المرأة من عدمها. ولكن تعميق التفكير حول هذه الفكرة يبرز لنا أن تلك السلطة التي تملكها المرأة تأتي من فكرة كونها ناقصة ومحتاجة لمن يقويها ويكملها، وبالتالي هي ليست سلطة بقدر ما هي بحث عن معالجة نقص فيها. لأنها بمجرد أن تسمح بكسر الحاجز الذي بينها وبين الرجل تصبح في وضعية ضعف مجددا؛ إما لكونها تخشى من فقدان من اعتبرته يقويها، أو لأنها، وهذا هو الغالب، مستبطنة لفكرة أن كلمة الرجل هي العليا وأن الرجل الذي لا يفرض سلطته على المرأة ليس رجلا كاملا ولا يحبها. هنا يصبح العنف الرمزي والمادي مقبولا من طرف المرأة.

هناك تمثل آخر مرتبط بما سبق، وهو أن المرأة مادية يمكن أن تتخلى في سبيل تحقيق مصلحة مادية عن أغلى ما لديها، أي جسدها. هذه الفكرة تكاد الردود المرصودة كلها تؤكدها، باعتبار أن الفتاة اليوم لن تهتم بالرجل الذي لا يملك سيارة وبيت.. غير أن الذي يقف وراء هذه الفكرة هو كيفية إدراك الفتاة لنفسها بالأساس وتمثلها لنفسها؛ فإذا كان المجتمع يعتبر أن الفتاة المحظوظة والناجحة هي التي تعثر على زوج جيد، فإن وضع تلك الشروط المادية كأساس – أي علاقة بالرجل – يعد من مخرجات ثقافة المجتمع ليس إلا. دون أن ننسى الدور الكبير الذي تلعبه ثقافة الاستهلاك في هذا الصدد، لأن المرأة والفرد بشكل عام في المجتمع الاستهلاكي اليوم أصبح يتجه نحو الاستهلاك المادي مستخدما كل الامكانيات المتاحة، ولا يستثنى الجسد من ذلك. حيث أصبح الجسد الأنثوي منذ بداية ثورة وسائل الاعلام والاتصال الحديثة الموضوع المفضل للمواد الاعلانية التي تتعامل معه بطريقة تشيئية يصبح معها مادة للاستهلاك كباقي المواد.[8]

خامسا: المرأة كمدنس مرغوب فيه:

في الثقافة الاسلامية –وفي كل ثقافات العالم تقريبا-نجد أن الأشياء والأماكن وغير ذلك من مكونات العالم يتم تقسيمها إلى مدنس ومقدس؛ فمثلا نجد المسجد كمكان مقدس يتموقع وسط المدينة ويحيط به باعة البخور والعطور وغيرها من الأشياء ذات الطابع المقدس أو النظيف، ثم كلما ابتعدنا عن المسجد وعن وسط المدينة نجد الأشياء المدنسة.[9] وتحظى عموما هذا التقسيمات للمدنس والمقدس بإجماع الناس، ويكون هذا الاجماع غالبا عن قناعة. غير أنه في نفس السياق كان ينظر إلى المرأة وخاصة جسدها باعتباره مدنسا، خاصة في المجتمعات العربية الإسلامية، ولكن هذا الجسد المدنس لا يعد مثل الأشياء التي ذكرت قبلا غير مرغوب فيها من طرف الجميع، بل هو مدنس محبوب ومرغوب فيه، ولو أن هذه الرغبة غالبا ما تشتغل بشكل خفي. غير أنه لو وقفنا هنا فلن نكون قد أضفنا شيئا يذكر، ولكن الأمر المهم هنا هو أن هذا التصور للمرأة لم يتغير إلى اليوم في مجتمع يعيش تحولات في ترسانته القانونية حول المرأة وكذلك في الخطاب السياسي. أي أنه في ظل تحولات عالمية ومحلية على مستويات عدة بما فيها قضية المرأة، لا زالت النظرة التي تعتبر المرأة كرمز للمدنس والناقص تشتغل بدينامية أكثر خطورة من ذي قبل؛ ففي السابق كانت المرأة مستبعدة من المجال العام وأيضا معلن نقصها و”نجاستها”، أما اليوم فالأمر مختلف إذ أنه يصرح في الخطابات الرسمية أنها مثل رفيقها الرجل لا يختلفان من حيث القيمة (الأخلاقية)ومن حيث القدرات.. ولكنها في واقع التمثل الذكوري لازالت ماكرة وناقصة. ومن الأمثلة على ذلك، من أصل عشرة أشخاص تسعة منهم يقرون بحرية الفتاة وحقها في أن تخوض في علاقة عاطفية بمختلف أشكالها، ويدفعون في إطار علاقاتهم مع الفتيات بالحرية الجنسية إلى أقصى حد، ولكن ذلك ليس اقتناعا منهم بذلك، بل فقط من أجل دفع الفتاة لعلاقة حميمة، لأنه يقر أنه لن يتزوج فتاة كانت في علاقة غرامية من قبل فما بالك بالتي خاضت علاقة جنسية وما يترتب عنها في معظم الحالات من فقدان غشاء البكارة. بل يصفون تلك الفتاة بالعاهرة، وينطلقون حين التفكير في الزواج للبحث عن فتاة “طاهرة” غير “مدنسة”. مفهوم المقدس والمدنس هنا له أهمية وقيمة تفسيرية كبيرة، إذ أنهما المعيارين الذين ينظر بها الرجل للفتاة. في حين نظرة الفتاة للرجل وكذلك نظرة الرجل لنفسه لا تتمان انطلاقا من هذا المعيار، بل إن العلاقات الحميمة قبل الزواج تعتبر في كثير من الّأحيان قيمة مضافة للرجل، خاصة إذا كانت تلك العلاقة تمت مع فتاة أجمل أو فتاة أجنبية.

سادسا: تعنيف المرأة واختلاف المعايير:

باستحضار التحليل السابق الذي سقناه في إطار حديثنا عن تمثلات الرجل حول المرأة، نجد أن تلك التمثلات في جوانب متعددة منها تتضمن امكانية ممارسة العنف على المرأة؛ تمثل المرأة كمخادعة مثلا يجعل الرجل لا يثق بها وبالتالي في سياقات معينة يعتقد أن استخدام العنف ضد المرأة أمرا مشروعا. ومن الأمثلة على ذلك شاب رأى فتاة بلباس صيفي يظهر صدرها وأجزاء مختلفة من جسدها تمشي مع صديقتها ضاحكة، ولما تصيد مرورهما من مكان فارغ حاول التحرش بها غير أنها قاومته مما ترتب عنه الكثير من السب والكلام الساقط. هذا الشاب حكم على الفتاة تلك انطلاقا من لباسها أنها عاهرة، وهو حكم مبني انطلاقا من تمثله للمرأة والمعايير التي تصنف المرأة انطلاقا من لباسها إلى محترمة ومتبرجة وعاهرة وهلم جرا، وبالتالي مقاومتها له أعطاها هو تفسيرات تندرج في إطار تمثله للمرأة كمخادعة، أي أنها فقط لم تقبل بتحرشه هو وستقبل بآخر يفوقه مكانة، في حين أنها عاهرة يجب أن تقبل به رغما عنها. هذا العنف يجد تفسيره السوسيولوجي فيما يمكن تسميته باختلاف/تضارب المعايير الاجتماعية داخل نفس الجماعة. فالرجل له معيار محدد للكيفية التي على الفتاة أن تلبس بها لباس معين لكل مكانة اجتماعية، وهو تمثل يستمد مشروعيته من الثقافة التقليدية، في حين الفتاة متشبعة بثقافة عصرية وبالتالي المعايير التي يحكم بها على الفتاة تختلف عن تلك التي تحملها وتتصرف وفقها هي. هذا التضارب حينما يحصل في مجتمع تسود فيه ثقافة دينية تكون نتائجه أكثر عنفا. فالدين في المجتمع المغربي، والمجتمعات العربية الاسلامية بشكل عام، يحضر بشكل عنيف لدى الطبقات الشعبية الأدنى وهو ما يسمى بالتدين الشعبي، حيث يقوم على تصورات نمطية ومبتذلة حول القيم الحقيقية التي تتضمنها تعاليم الدين الاسلامي. وإن كان الرجال يبيحون في العديد من الأحيان ممارسة العنف ضد المرأة، سواء بذريعة الشرف أو الوكالة أو غيرها، فإننا نجد أحاديث كثيرة تمنعه الرجال من الإساءة إلى النساء، أو ضربهن، أو الحجز عليهن، أو ممارسة غير ذلك من العادات والأعراف التي كانت سائدة في الجاهلية. هكذا نجد الحديث النبوي الذي يقول فيه الرسول: “لا يجلد أحدكم امرأته جلد البعير، ثم يجامعها في آخر يومه” وفي حديث آخر: “ما أكرم النساء إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم”.[10]استحضار هذه الأحاديث يأتي في إطار محاولتنا لرصد أهم التناقضات التي تنبني عليها السلطة والهيمنة الذكورية، حيث أنها تعيد بعض مبرراتها إلى الدين رغم أن ذلك غير صحيح.

في هذا السياق تؤكد جل الفتيات على أن لباس المرأة يجب أن يكون محتشما لأن المجتمع المغربي لا يقبل المظاهر الثقافية التي تنتمي للثقافة الغربية، وأن الشبان يعيشون نوعا من الكبت الجنسي، وبالتالي خروج الفتاة بلباس غير محتشم يرفع من نسبة تعرضها للتحرش.  غير أنه تبين انطلاقا من استخدام تقنية المقابلة أن الفتاة تعطي شرعية للمتحرش وحتى المغتصب الذي يعتدي على فتاة بلباس غير محتشم. هذا التمثل رصدناه بشكل كبير من خلال استخدامنا لتقنية تحليل المضمون، وهو ما يعني أن الفتاة نفسها لازالت تفكر بمنطق تفكير الرجل وهو ما يجعلها تدين الضحية دون المجرم، أي تدين طريقة لباس المرأة ولا تدين ممارسة العنف. وهو ما يعني أن المرأة استبطنت بنية التفكير الخاصة بالهيمنة الذكورية، وبالتالي رغم اعتقادها أنها تخارب تلك الهيمنة إلا أنها في الحقيقة تكرسها لأنها تفكر من خلال نفس أنماط تفكير المهيمن. وهنا يقع الخلط للباحثين أنفسهم وهو الأمر الذي كان بورديو مدركا له وموضحا.[11]

هنا أيضا نشير إلى أن العنف الرمزي الموجه نحو المرأة يمكن رصده كذلك في بعض الشتائم التي تردد في الشارع العام والتي عرف ترديدها ارتفاعا كبيرا في المجتمع المغاربي.[12]في الحقيقة إن المرأة بتوظيفها للشتائم التي يستخدمها الرجل تحاول أن تفرض ذاتها، وإن كان المجتمع لا يتسامح كثيرا مع ذلك، فإنها تقع في فخ الهيمنة الذكورية دون قصد لأن أغلب الشتائم تعطي أهمية للقضيب وتتحدث عن الشرج كنقيصة. وبالتالي حين تشتم المرأة باستخدام لكمات تحيل على الأعضاء الجنسية الذكورية فأنها تقر بأفضلية الرجل. وهنا يمكن أن يكون التحليل النفسي وعقدة فقدان القضيب لدى الفتاة كنظرية مفسرة لهذا الأمر.

خلاصة تركيبية:

في المجتمع المغربي اليوم توجد المرأة في معظم المجالات والإدارات العمومية، كذلك أصبحت تقوم بأدوار مهمة في عملية الانتاج والتنمية بمختلف أشكالها ومستوياتها. غير أن هذه النقلة النوعية على مستوى عمل المرأة ومشاركتها في عملية الانتاج والعملية السياسية إلى حد ما لم يرافقها تحول على مستوى الذهنيات والثقافة بشكل يجعل للمرأة مكانة توازي ما تقوم به من أدوار داخل المجتمع المغربي. لقد تغير الخطاب السياسي، وتغيرت طريقة معاملة المرأة في المناسبات والمؤسسات الرسمية، غير أنها لا تزال رمزا للمدنس والنقص والخداع في تمثل الرجل، وأحيانا في تمثلها هي نفسها. فالتحول الذي حدث على المستوى السياسي والحقوقي لم يصاحبه تحول على المستوى الثقافي كون هذا التحول لم يأت من قناعة سياسية ومجتمعية بقدر ما جاء نزولا عند المطالب التي ما فتئت المنظمات الحقوقية الدولية والدول الغربية تضعها كشرط أساسي لأي دعم مادي ولوجستيكي للمغرب. وبالتالي انفتحت الدولة في هذا المستوى وأتاحت للمرأة حقوقا كانت مسلوبة من قبل من أجل الحصول على المساعدات الدولية بالأساس. وبما أنه لم تواكب عملية التحول على المستوى القانوني بتحول في منظومة التربية والتعليم والتثقيف والخطاب الديني أيضا فإن المرأة لا تزال تحت وطأة التمثل الذكوري. وبالتالي فإن وجود منظومة قانونية تمتح من التصور الحداثي الغربي بالموازاة مع ثقافة تقليدية تتناقض مع روح الحداثة يخلق نوعا من الصراع والعنف تكون المرأة في كثير من الأحيان ضحيته المفضلة.

قائمة المراجع:

  1. آسية الهاشمي البلغيتي، نضال امرأة، في المجال الديني، سلا، أوبتيماسكربتوم المغرب، 1996.
  2. أسماء بنعدادة، المرأة والسياسة، ط1، الرباط، المعهد الجامعي للبحث العلمي، سلسلة أطروحات، 2007.
  3. بييربورديو، الهيمنة الذكورية، سلمان قعفراني، ط1، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2009.
  4. جينيفرسكيرس، الثقافات الحضرية في مدن الشرق، ليلى الموسوي، عالم المعرفة،العدد 308، الكويت، 2004.
  5. ميشيلفوكو، هم الحقيقة، الجزائر، منشورات الاختلاف، 2006.
  6. ميليساهاينز،جنوسة الدماغ، ليلى الموسوي، عالم المعرفة، العدد 353، الكويت،2008.
  7. AichaBelarbi, Le salaire de Madame, Casablanca, Le Fennec, 1993.
  8. FrédéricLebaron, La sociologie de A à Z, Paris, Dunod, 2009.
  9. ZahiaSmailSalhi, Gender and Violence in Islamic Societies, I.B. London. New York,Touris, 2013.
  10. JeanBaudrillard, La société de consommation : Ses mythes, Ses structures, Denoel, 1970.

[1]Voir:FrédéricLebaron, La sociologie de A à Z, édition Dunod, Paris, 2009, p103.

[2]ibid, p63.

[3]Voir:AichaBelarbi, Le salaire de Madame, édition Le Fennec, Casablanca, 1993, p5.

[4]ميشيل فوكو، 2006، هم الحقيقة. منشورات الاختلاف، الجزائر، ص42.

[5]ميليساهاينز،جنوسة الدماغ، ليلى الموسوي، 353، عالم المعرفة، الكويت، 2008، ص28.

[6]بييربورديو، الهيمنة الذكورية، سلمان قعفراني، المنظمة العربية للترجمة، ط1، بيروت، 2009، ص27.

[7]أسماء بنعدادة، المرأة والسياسة، المعهد الجامعي للبحث العلمي، سلسلة أطروحات، ط1، الرباط، 2007، ص18.

[8]Voir: Jean Baudrillard, La société de consommation : Ses mythes, Ses structures, édition Denoel, 1970, p200.

[9]جينيف رسكيرس، الثقافات الحضرية في مدن الشرق، ليلى الموسوي، عالم المعرفة، 308،الكويت، 2004، ص54-55.

[10]آسية الهاشمي البلغيتي، نضال امرأة، في المجال الديني، أوبتيماسكربتوم المغرب، سلا، 1996، ص162.

[11]بييربورديو، الهيمنة الذكورية، ص21.

[12]ZahiaSmailSalhi, Gender and Violence in Islamic Societies, I.B. Touris, London. New York, 2013, P221.


Updated: 2020-05-15 — 11:05
JiL Scientific Research Center © Frontier Theme