التعصّب وتفسيراته النفسية- الاجتماعية Intolerance and its psychological and social interpretations


 

التعصّب وتفسيراته النفسية- الاجتماعية

الباحثة:فاتن السكافي/الجامعة اللبنانية، بيروت،لبنان

Intolerance and its psychological and social interpretations

Faten Ahmad SKafi Doctoral School of Literature, Humanities and Social Sciences

 Lebanese University

مقال نشر في   مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد 56 الصفحة 107.

 

 

 

 

ملخّص:

هدف هذا البحث إلى توضيح مفهوم التعصّب من خلال تعريفه وتناول الجانب النظري في تفسيره من الناحيتين النفسية والاجتماعية، خاصّة من خلال مدرسة التحليل النفسي، وبعض النظريات الاجتماعية كنظرية التصنيف إلى فئات والهوية الاجتماعية، كما تمّ إظهار العلاقة بين التفسيرات النظرية النفسية -الاجتماعية في بروز ظاهرة التعصّب.

الكلمات المفتاحية: التعصّب، التحليل النفسي، نظريات اجتماعية، التفسيرات النفسية-الاجتماعية.

Abstract:

The aim of this research is to clarify the concept of intolerance through its definition and to address the theoretical aspect in its psychological and social interpretation, especially through the school of psychoanalysis, and through social theories such as classification theory and social identity. The relationship between psychological and social explanations has also been shown in the emergence of the phenomenon of intolerance.

Keywords: intolerance, psychoanalysis, social theories, psychosocial explanations

 

 

مقدّمة:

يُعتبر التعصّب من أخطر المفاهيم التي تمّ تداولها على مرّ العصور، فهو من المفاهيم التي تُعبّر عن أحكام موجبة أو سالبة بصدد جماعات أو أشياء أو مفاهيم أخرى، كما أنّه يرتبط بالعنف والتطرّف والعدائية. فهو اتجاه سلبي إزاء جماعة ما، يقوم فقط على أساس عضويتهم في هذه الجماعة، وهو كاتجاه استعداد للإستجابة نحو مثير معّين بطريقة معينة نحو جماعة من الناس. وهو كمفهوم يتمثّل في الإدراكات التـي يحملهـا الفـرد تجـاه المجموعات الأخرى، والتي تتكوّن غالباً عن طريق استعداد نفسي للسقوط بالتعصّب، كما يُكتسب من خلال ما يتعرّض له الفرد في البيئة الاجتماعية من خبرات. وبالنسبة للتوجّهات التفسيرية للتعصّب: فهناك وجهة نظر التحليل النفسي، التي ركّزت على انغلاق الأفراد حول أنفسهم وفسّرت التعصّب بالاستناد إلى خلفية تحليل الحضارة كما اقترحها “فرويد”، وإلى العُصاب الذي ينطلق من الطفولة، وإلى أُحادية التفكير وخصائص اللاوعي و”كبش الفداء” ونزوتيْ الحياة (إيروس) والموت(ثاناتوس)، وطبيعة الترابط بين التعصّب وفكرة “التابو” التي تشكل منطلقاً لنزعة التعصّب، وبالنظر إلى حلم أو وهم الفردوس المفقود، الذي يفتح السبيل أمام احتمالات التعصّب والعنف. وبالنسبة لتفسيرات النظريات الاجتماعية للتعصّب، خاصّة حول العلاقات بين الجماعات فقد وضع ملامحها الأساسية “تاجفيل” وزملاؤه  (Tajfel et al.) ومنها عملية التصنيف إلى فئات ونظرية الهوية الاجتماعية. وبالاتجّاه نحو العلاقة بين التفسيرات النفسية والاجتماعية للتعصّب، نجد أنّ العلاقات بين الجماعات تعدّ بمثابة امتداد للعمليات السيكولوجية الخاصّة بالفرد في علاقته بالبيئة الاجتماعية وبالجماعة التي ينتمي إليها الفرد. والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه عند دراسة هذه العلاقة حول طبيعة التعصّب: هل يعدّ التعصّب ماهيّة فطريّة أم مكتسبة؟ هل التعصّب يرجع للاستعدادات النفسية أم للخبرات الاجتماعية أم لكلاهما؟

ونتناول بعد المقدّمة : تعريف التعصّب وشرح مفهومه، ثم بعض التفسيرات النظرية للتعصّب من ناحية نفسية واجتماعية، والعلاقة بين هذه التفسيرات النفسية والاجتماعية، تليها خاتمة تقدّم أهمّ الاستنتاجات النظرية.

أوّلاً : تعريف التعصّب

يُشتق مفهوم التعصّب في أصله الأوروبي من الكلمة اللاتينية Praejudicium  والتي تعني الحكم المسبق، وقد مرّ هذا المعنى بعدّة تغيّرات في معناه، تمثّلت على نحو ما يذكر “آلبورت”[1] في ثلاث مراحل، هي:

أ- المعنى القديم : ويقصد به الحكم المسبق الذي يقوم على أساس القرارات والخبرات الفعلية.

ب- وفيما بعد، اكتسب المفهوم في الإنجليزية معنى الحكم الذي يصدر على موضوع معيّن قبل القيام باختبار فحص الحقائق المُتاحة عن هذا الموضوع، فهو هنا بمثابة حكم متعجّل ومبستر Premature.

ج- وأخيراً، اكتسب المفهوم خاصيّة الانفعالية الحالية، سواء بالتفضيل أو عدم التفضيل، التي تصطحب الحكم الأولّي (المسبق) الذي لا يدعمه سنده.

ويشير “إيرليك”[2] إلى” أنّ التعصُّب اتجاه عرقي يتسم بعدم التفضيل”.

يعرّف “ولمان”[3] التعصّب بأنّه اتجاه يهيّء الفرد مسبقاً، ودون تقييم موضوعي، لتكوين أحكام موجبة أو سالبة بصدد جماعات أو أشياء أو مفاهيم.

ويعرّفه “بارون وزملائه”[4]    بأنّه اتجاه سلبي أو إيجابي إزاء جماعة ما ، يقوم فقط على أساس عضويتهم في هذه الجماعة، بمعنى أنّ المتعصّب يميل لتقييم أعضاء الجماعة  (موضوع التعصّب) بطريقة محدّدة (سلبية كانت أو إيجابية) فقط لمجرّد أنّهم ينتمون لهذه الجماعة وليس وفقاً لسلوكياتهم وخصائصهم الشخصية- إنهم مكروهون أو محبوبون لمجرّد أنّهم ينتسبون إلى جماعة اجتماعية محدّدة ليس إلاّ.

ويرى كل من “كينس جيرجين” و” ماري جيرجين [5] أنّ التعصّب هو استعداد للإستجابة بسلوك تفضيل أو عدم تفضيل تجاه فرد معين أو مجموعة من الأفراد. ويعرّفه كل من  “سيمبسون” و”ينكر” في قاموس أوكسفورد [6]بأنّه اتجاه عاطفي، جامد وهو استعداد للإستجابة نحو مثير معّين بطريقة معينة نحو جماعة من الناس.

يرى “كريتش” وزميلاه[7]  أنّ التعصّب اتجاه غير مرغوب نحو موضوع ما يميل أن يكون نمطاً جامداً، كما أنّه مشحون انفعالياً، وليس من السهل تغييره بالمعلومات المناقضة.

يعرّفه حامد زهران[8]  بأنّه اتجاه نفسي جامد مشحون انفعاليّاً، أو عقيدة، أو حكم مسبق مع أو- في الغلبة والتعميم- ضد جماعة أو شيء أو موضوع ولا يقوم على سند منطقي أو معرفة كافية أو حقيقة علمية، ومن الصعب تعديله، ويجعل الإنسان يرى ما يحب أن يراه فقط ولا يرى ما لا يجب أن يراه، فهو يعمي ويصم ويشوّه إدراك الواقع، ويعد الفرد أو الجماعة للشعور والتفكير والإدراك والسلوك بطرق تتفّق مع اتجاه التعصّب. فالاتجاه التعصّبي اتجاه نفسي جامد مشحون انفعالياً، أو عقيدة، أو حكم مسبق ضد، أو مع جماعة، أو شيء أو موضوع معين، ولا يقوم على سند منطقي، أو معرفة كاملة أو حقيقة علمية.

يعرّفه عبدالله[9]   بأنّه  ميل انفعالي ربما يؤدي بصاحبه إلى أن يفكر ويدرك ويسلك طرائق وأساليب تتفق مع حكم بالتفضيل، أو )في الغالب( عدم التفضيل لشخص آخر أو جماعة خارجية، أو موضوع يتصّل بجماعة أخرى، ويحدث هذا الحكم سابقاً لوجود دليل منطقي مناسب أو من دون أي دليل، وهو غير قابل للتغيّر بسهولة بعد توافر الدلائل المعارضة التي تشير إلى عدم صحته لأنه ينطوي على نسق من القوالب النمطية.

نُلاحظ أنّ الدلالة اللغوية للتعصّب لا تخلو من اقترانها بالفهم الجامد للنصوص والأفكار والمعتقدات. وتتضمّن معاني من معاني الثبات والجمود على الأصل اليابس  ما يرتبط بمعاني الإجماع والقسر التي تدني بكلتا الدلالتين إلى أحوال القمع الذي هو نتيجة لأصولية التعصّب، أو تعصّب الأصولية، في المدارات الفكرية المغلقة التي لا تقبل المغايرة والمخالفة وتستبعدهما دون تردّد…المدارات التي تعاقب المغاير أو المخالف بأي شكل من الأشكال العقابية التي تومىء إليها المعاني اللغوية لدلالة القمع، على اعتبار أنّ القرب من الأصل أو البعد عنه، كالتشّبه به أو الاختلاف عنه، المعيار الأمثل لإثبات القيمة الموجبة أو نفيها عن المُغاير[10].

ثانياً : مفهوم التعصّب

يتمثّل التعصّب في الإدراكات والمعتقدات والتوقعات التـي يحملهـا الفـرد تجـاه المجموعات العرقية المختلفة (أبو غالي،1999، 34)، والتي تتكوّن غالباً من طريق استعداد نفسي للسقوط بالتعصّب ونقص بالمعلومات بشأن الجماعات الأخرى. كما أنّ الاستعداد يتمثّل باتجاهات التفكير المتطرّف بشأن أفضلية الفئة التي ينتمي إليها، على الآخرين. كذلك تكون المعلومات المتعلّقة بالأشخاص والجماعات غير حقيقية أو ناقصة أو مشوّهة[11]. لا مناص من تمييز تعصّب الاعتقاد: بما هو انتساب غامض قليلاً أو كثيراً للأفكار والخيالات(التمثّلات) التي لا يمكن إثباتها أو نفيها، من الاقتناع: وهو يقين من النسق الوجداني المتضمن أحياناً تقديراً زائداً لبعض الحقائق. فالتعصّب عقلية، ذهنية، تتراءى وتتلاشى في بعض الكوكبات التاريخية. ويرتبط ظهوره بتأمل تاريخي (مثلاً انهيار بعض المثل المشتركة بين جماعة، وحتى بين مجتمع، إلخ…) في المقابل، على المستوى الفردي، يماثل التعصّب حالة نفسية يكون فيها الفاعل /الذات “مهووساً ” بشبكة تمثّلات تؤوِّل إلى إشغال كل الفضاء الذهني، مع استبعاد التطوّر السابق: يكون الأنا، بكيفية ما، مبلّلاً بالأفكار والتمثّلات التعصبية…[12]. كما أنّ الانفعال والعاطفة هما الشحنة التي تصحب رد فعل الفرد المتحامل المتعصّب، وهي أيضاً ذلك اللـون الذي بناء على درجة كثافته وشدته نسمي هذا السلوك أو ذاك تعصّب أو غير تعـصّب”.[13]

ثالثاً: التوجّهات التفسيرية للتعصّب

التفسير النفسي للتعصّب:

من وجهة نظر التحليل النفسي، إنّ انغلاق الأفراد حول أنفسهم والاعتداد المفرط ب”الذات” يؤدي بهم إلى التمحور حول أنفسهم والذي يأتي أساساً من أصل اعتقاد قائم على تصوّر التفوّق البيولوجي والذي يقود إلى تكوين قطبين لكل قطب أسسه وبراهينيه بأنّه الأفضل، وهذا يظهر في التعصّب العرقي أو التعصّب الديني[14]. لا يمكن فهم التعصّب إلا استناداً إلى خلفية تحليل الحضارة كما اقترحها “فرويد”، الذي شدّد على دور الثقافة في المصاعب التي يصادفها الناس[15] . فالأنظمة المنغلقة تبعاً لفرويد تولّد كثيراً من الأمراض النفسية ذات النمط الوسواسي- الخاضع.  فبعدما بيّن “فرويد” أنّ العُصاب ينطلق من الطفولة، عندما تتلاقى مستلزمات النزوات والدوافع مع أنا ضعيف غير مكتمل، غير قادر على المقاومة، وعاجز عن حل المشاكل التي يمكنه لاحقاً أن يجد حلّها…فالكائن البدائي الصغير يتعيّن عليه في قليل من السنوات، أن يتحوّل إلى كائن بشري متحضّر، وأن يقطع في زمن من المستبعد أن يكون قصيراً، جزءاً كبيراً من التطور الثقافي البشري. ولقد صارت هذه الظاهرة ممكنة بفضل الاستعدادات الوراثية، ولكنها لا تتحقّق أبداً تقريباً دون الاستعانة بالتربية وتأثير الأهل… وبالتالي من المناسب ألا يُنسى أيضاً، من بين الأسباب المحدّدة للعُصابات تأثير الحضارة ونفوذها، إن الرغبة في امتلاك أنا قوي، غير مكبوت، تبدو طبيعية، ولكن هذا الطموح، كما يعلمنا العصر الذي نعيش فيه، مضاد جوهرياً للحضارة. ويعتبر فقدان السعادة نتيجة لاشتداد الشعور بالذنب والخوف والقلق وانتشار الأمراض النفسية، يعتبر كل هذا هو الثمن الذي يدفعه البشر لقاء إنجازات الحضارة المادية. فهو في اهتمامه بهذا الظرف، يحاول تبيان منابع آلام الإنسان. يمكن التحدّث عن ثلاثة منابع لهذه الآلام تتضّمن: قوى الطبيعة المتفوّقة وفناء الجسد البشري وعدم اكتمال المؤسسات الاجتماعية. وكان المصدران الأوّلان لآلام البشرية مرتبطين بالطبيعة[16]. نبّه فرويد إلى “أن الحضارة عندما تتخطى المرحلة التي يكون فيها إشباع قسم من أفرادها، مشروطاً باضطهاد الآخرين، ربما اضطهاد الأكثرية، وهذا هو حال جميع الحضارات الراهنة، يغدو ممكناً فهم تعاظم عداء شديد، في قلب المسحوقين، للحضارة التي صارت ممكنة بفضل كدحهم، لكنهم لا يجنون من مواردها سوى نصيب ضئيل جداً. لا يمكن عندئذٍ ارتقاب وجود استبطان للمحظورات الثقافية لدى هؤلاء المقهورين، فهم بالأحرى أشدّ استعداداً لعدم الاعتراف بهذه المحظورات، وينزعون إلى تحطيم الحضارة نفسها، وحتى الإنكار المحتمل للأسس التي تقوم عليها”[17].

 وكذلك الأُحادية في التفكير والتي هي استبعاد للرأي المختلف أو المعنى المتعدّد والملتبس مصدر مولّد للعنف. إنّ صاحب العقل الأُحادي يفكر بقمع المخالف أو استئصال المتعدّد بقدر ما يقوم باختزال الواقع. الأُحادية في التفكير والعمل تحت شعار أوحد، هي بمثابة أفخاخ تلغم الحريّات، بقدر ما تؤول إلى عسكرة المجتمعات، خاصة عندما ترتدي عباءة القداسة وتتحوّل إلى صنمية فكرية أو عقائدية، كما يشهد على ذلك أصحاب المشاريع الإيديولوجية والبرامج السياسية [18]. إننا نرى الآخر عبر وساوس  اللاوعي وكوابيس الذاكرة أو أوهام العقل وعبر هوامات الرغبة وسلطة القوّة. ولذا نقيّم علاقتنا، بغيرنا أو بذواتنا، بحسب ما نحب ونعجب أو نكره وننفر[19]. من خصائص اللاوعي في التحليل النفسي أنه”ملجأ الخصّوصيات الفردية”، أو”سجل للسيرة الذاتية”، وحافظ لكل الدوافع النفسية المنسية. ويتكّون عادة من الغرائز البدائية والنزوات، ومن ممثلي الدافع الغريزي،أي المشتقات الغريزيّة للرغبة، ومجمل العمليات النفسية المكبوتة[20].

كما يُعتبر “كبش الفداء” بمثابة هدف بديل يوجه إليه الأشخاص سلوكهم العدواني دون أن يتوقّعوا أن يتلقّوا أي شكل من أشكال العقاب. وغالباً ما يؤدي الإحباط إلى العدوان، فقد حينما توجد أهداف بديلة مناسبة. ويمكن القول أن التعصّب والعدوان هنا يقومان بأداء وظيفة نفسية لأفراد الجماعة التي تعرّضت للإحباط، وفي الغالب تكون هذه الجماعة من جماعة الأغلبية أو ممن يتسمون بالقوة والنفوذ. إن عقدة “كبش الفداء” هي التركيز على عدو محدّد، داخلي أو خارجي ننتقل إليه ونسقط عليه كل شياطيننا الداخلية[21].

كما يقول “فرويد” بنزوتين أساسيتين توجّهان المتعصّب وتمدّانه بالطاقة والحيوية: نزوة الحياة (إيروس) ونزوة الموت(ثاناتوس). تقوم نظرية “فرويد” في صيغتها المكتملة على الاعتراف بالأهواء الجنسية والتدميرية أو “إيروس” و”ثاناتوس”: أي بنزوة الحياة ونزوة الموت بصفتهما في صراع دائب فيما بينهما، وهما تحدّدان النشاط البشري وتوجّهات تطور الحضارة. إن “اللبيدو” (الطاقة الجنسية الممّثلة لنزوة الحياة) في صراع مفتوح مع غريزة الموت في كل متعضّ. مهمة “اللبيدو” هي لجم نزوة الموت ومنعها من تدمير المتعضيّ، وذلك بتوجيه القسم الأكبر منها  نحو الخارج . فالنزوتان متفاعلتان داخلياً (الحب والموت) وخارجياً، ولا توجدان إلا في حالات نادرة بشكل صافٍ. إنّ هاتين النزوتين ترتكزان منذ الطفولة الأولى في العلاقات مع الوالدين، هذا التركيز النزوي في العلاقات الأولى وما يتّخذه من طابع متجاذب وجدانياً، يكوّن التصورات الأولى عن العلاقة (الصور الوالدية الأولى).هذه الصور بجانبها المحبوب، وبما تستقطبه من حقد، هي النموذج الأولي  لكل علاقة تالية، الصورة الجيدة أو الصورة السيئة[22].

لا بد من الإشارة في المفهوم الفرويدي  كذلك إلى طبيعة الترابط بين التعصّب وفكرة “التابو” التي تشكل منطلقاً لنزعة التعصّب والتابو، ، ويشمل ما يلي:

- الطابع المقدس(أو المدنّس) للأشخاص والأشياء.

- نوع التحريم الذي يترتب على هذا الطابع.

- النتائج المقدسة (أو المدنّسة) التي تنجم عن انتهاك هذا الخطر.

إن التابو يعني أن ثمّة أشخاص  أو أشياء غير حيّة قد أصبحت مقدّسة، أي غير قابلة للنقاش أو اللمس وإلا فالعقاب والتعذيب لمن يجروء على ذلك، ولذلك، فإن التابو ينطوي على دلالتين متعارضتين: من جهة أولى، دلالة الشيء المقدّس، المكرّس، ومن الجهة الثانية، دلالة الشيء المقلق، الخطر، المحظور، المدّنس.[23]

إنّ متابعة حلم الفردوس المفقود، ينزلق إلى الدخول في صراع مفتوح مع الآخر، ورفض الاعتراف بحقّه في الاختلاف والمغايرة، مما يفتح السبيل أمام احتمالات العنف. إنّ البحث عن أوهام ضروري بالنسبة إلى كثيرين. قد يخلق المرء لنفسه مطامح وأهواءً، هرباً من الضجر. وقد يلجأ البعض إلى “العظمة” أي أنّهم يتزودون بتشجيعات نرجسية، حين ينتسبون إلى جماعة تُعاش كجماعة عظيمة يتوصّل أفرادها إلى الحفاظ على توازنهم. والحال فإن الأوهام تخشى أن تغدو شريرة. إن نزوات الإنسان العدوانية ليست هي التي كلّفت التاريخ الحديث الثمن الأغلى، وإنما الاعتقاد الواهم، والإخلاص والتفاني، والتبعيّة المفرطة المندمجة مع قابلية الإيحاء؛ “الحروب المقدسة”، الجهادية. لقد أكّد “فرويد” أن الوهم لا مستقبل له[24].

التفسيرات الاجتماعية للتعصّب: وقد وضع ملامحها الأساسية وصاغها “تاجفيل” وزملاؤه[25] . وعميلة التصنيف هذه تعود للإدراك الاجتماعي المختلف بين الجماعات، والتحيّزات المعرفية المنظّمة التي تصاحب غالباً عمليات تكوين الانطباعات عن الأشخاص الآخرين، فحينما تقوم مجموعة ما بتكوين انطباع معين يحدث أن يؤدي لتكوين تشويهات عن الآخرين في الإدراكات مما يجعلهم يستجيبون غالباً لمعظم المنبّهات السائدة استجابات مفرطة، وتؤدي هذه المحاولات نفسها إلى حدوث التعصّب وتكوين القوالب النمطية[26].

وتهتم هذه النظريات بتطبيق أدوات ومناهج البحث المعرفية وبوجه خاص مقاييس زمن الرجع  والاستدعاء والتعرف على النسق الاجتماعي[27].

وتستند هذه النظرية تبعاً ل”تاجفيل” إلى ثلاثة فروض أساسية قام بصياغتها على أساس كل من الخبرة العملية والتعامل المثل مع الدلائل المستقاة من العمل التجريبي الذي قام به هو وزملاؤه وهذه الفروض هي:

- يمكن التعامل مع سمات أو خصال الشخصية على أساس أنّها أبعاد متصلة تماثل الأبعاد التي ننظر من خلالها إلى الطول والوزن.

- ترتبط هذه الأبعاد مثل الذكاء والكسل والأمانة وغيرها بصورة ذاتية من خلال الخبرات الشخصية والثقافية بتصنيف الأشخاص إلى جماعات وما دام لدينا معلومات نوعية ضئيلة عن أحد الأشخاص فإننا نميل إلى أن نعزو إليه مجموعة من الخصال مستمدة من معلوماتنا الخاصة عن عضويته في الفئة التي ينتمي إليها ويترتب على ذلك استنتاجان هامان هما:

- في المواقف الاجتماعية العديدة التي تتسّم بأشكال من الغموض في تفسيرها يكون من السهل ايجاد أدلّة مدعمة لخصائص الفئة المفترضة.

- حينما نواجه بالحاجة الى تفسير سلوك أعضاء جماعة معيّنة ككل نلتزم بأن نعزو هذا السلوك لخصائص الفئة المفترضة وهذا الاستنتاج ربما يكون أكثر أهمية من الناحية الاجتماعية.

حينما يرتبط التصنيف ببعد متصل يوجد لدى الأفراد ميل إلى المبالغة في الفروق بين الموضوعات التي تقع في فئات متميّزة على هذا البعد كما يوجد ميل الى تقليل هذه الفروق  داخل كل فئة من هذه الفئات.

أي أنّ نظرية الهوية الاجتماعية تفترض وجود “رجعة إستجابة” مستمرة في عملية التصنيف إلى فئات اجتماعية، حيث أن وجود أساس سائد للتصنيف إلى فئات اجتماعية، داخل محيط اجتماعي معين يغري الأفراد بأن يجعلوا عضويتهم في الفئة التي ينتمون إليها جزءاً من هويتهم الاجتماعية. هذا التوحيد بين العضوية والهوية يؤدي بهم بدوره، إلى أن يتبنّوا إستراتيجيات خاصة، في تعاملهم مع الأشخاص الآخرين، وهو ما يزيد من احتماليات التمييز بين الفئات الاجتماعية بطرائق تؤيّد جماعتهم الخاصة، وتدعم سيادتها أثناء عملية التنافس بين الجماعات. ويعني ذلك أن هناك عاملين مرتبطين بصورة وثيقة بتمثّل الأفكار الخاصة بالجماعة التي ينتمي إليها الشخص والجماعات الأخرى. الأول: يهتم بعملية تعلّم التقويمات (التفضيلات)، والثاني: يهتم بالتفاعل الدقيق الذي يحدث مبكراً في الحياة بين توحّد الطفل مع الجماعة التي ينتمي إليها وتأثير أفكاره في مختلف الجماعات –بما فيها جماعته والجماعات الأخرى- التي تُعد مقبولة بوجه عام في المجتمع[28].  وذلك إذا تحوّلت الفروق الغامضة في الخصائص بين الجماعات إلى فروق واضحة أو برزت فروق جديدة لم يكن لها وجود مسبق، فهي تمثّل ميولاً نحو التبسيط، أكثر من كونها مجرّد تقسيمات دقيقة للصفات، أو الخصال المميزة لكل جماعة  من الجماعات سواء كانت الداخلية أو الخارجية. بمعنى، نحن نقوم بكل موقف يرتبط بنا، بعملية تبسيط من خلال القوالب النمطيّة التي نكوّنها عنه. وبصورة نوعية فإن تعيين بعض المنبّهات كفئات مميزة يؤدي إلى تقليل الفروق المدركة بين هذه المنبّهات ضمن الفئة الواحدة ، بينما تبرز الفروق بين الفئات المختلفة،  ويقوم هنا مقدار “التشابه” في الخصائص المدركة بالدور الرئيسي[29].

ويكشف “تاجفيل” عن آثار التصنيف إلى فئات اجتماعية بصورة متسّقة، عن وجود علاقات متبادلة بين هذه العملية للتصنيف والنتائج المترتبة عليها، أي العلاقة بين تمايز جماعة معينة وفئات اجتماعية منفصلة يقلّل من إمكانية التمييز بين الأفراد داخل كل الفئات على حدة، ويعزز التمييز المدرك بين أعضاء مختلف الفئات. وبالتالي فإنّ تضمين مجموعة من الأفراد في فئة واحدة على سبيل المثال، يؤدي إلى إدراك للمصير المشترك بين أعضاء هذه الفئة [30].

وفي إطار التوجّه السلوكي لدراسة العلاقات بين الجماعات تعدّ هذه الظواهر بمثابة امتداد للعمليات السيكولوجية الخاصّة بالفرد في علاقته بالآخرين، مثل التجاذب والتعاون والموّدة والعداوة والكراهية . وبالتالي تكون دراسة العلاقات بين الجماعات، ببساطة، عبارة عن تطبيق خاص لسيكولوجية الشخصية أو العمليات القائمة بين الأفراد. ونستنتج من هذا التصور أن دراسة العلاقات بين  الجماعات، وما يحكمها من أشكال مختلفة من التفاعل تمثّلان موضوعاً خاصا تتفاعل فيه العمليات الخاصة بالفرد أو داخل الفرد، والأخرى الخاصة بالجماعة . وهذا يتيح الفرصة للوقوف على الكيفية التي تتشكل أو تتغير بها الإدراكات والتوقّعات المتبادلة بين الأفراد، وكذلك الاتجاهات وأشكال السلوك، من خلال وجود حدود بين الجماعات  تميز كل منها من الأخرى بشكل يحدّد هويتها بدقة[31].

العلاقة بين التفسيرات النفسية والاجتماعية للتعصّب: للاعتقاد وجهان، وجه سيكولوجي فردي ووجه سيكولوجي جماعي. أما الوجه الفردي فهو ارتباط المعتقد بالبنية النفسية لصاحبه حيث يصبح درعاً دفاعياً حامياً للأنا ضد مظاهر القلق والتوتر الناتج عن التخّلي عن هذه المعتقدات وإفساح المجال أمام القلق الناجم عن التكذيبات التي يحملها الواقع. المتعصّب ينشىء لنفسه منظومة من التمثّلات تكون بنيتها النفسية هي بنية الانحراف، والتي تعتبر هدفها أو موضوعها هو الحفاظ على المعتقد نحو وضد كل التكذيبات التي يكبدها الواقع، وذلك ليضمن حماية نفسه ضد مظاهر القلق. وضرورة الحفاظ على هذا المعتقد تولد آلية إنشطار الأنا[32].

ومن الأوهام الشائعة والمتفشية وهم المركزية والتفرد، وهو وهم فردي وجماعي، فالفرد المتعصّب والمنغلق على ذاته يعتقد أو يُخيل إليه أنّ عقيدته (أو دينه أو مذهبه) هي العقيدة الوحيدة الصحيحة، وأنه متميّز لأنه يعتنق تلك العقيدة. ونفس التصوّرات نجدها عند بعض الجماعات. وعندما تكون هذه التصوّرات الوهمية حية وقوية لدى الفرد فإنها تسهم في تماسك الأنا وتأكيد صلابته، وتمتينه في مواجهة العوائق الخارجية، والتشككات الداخلية[33].

والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه حول طبيعة التعصّب هل يعدّ التعصّب ماهيّة فطريّة أم مكتسبة؟

في معرض الإجابة عن هذا التساؤل يمكن الإشارة إلى بعض الحقائق التي تتعلّق بالتعصّب، ويمكن تلخيصها على النحو الآتي:

- التعصّب سلوك متعلّم وليس فطرياً.

- التعصّب يكتسب من خلال الاحتكاك بثقافة التعصّب ومن الممارسة الفعلية.

- التعصّب يرتبط بالجماعات، ولا يرتبط ضرورة بالأفراد.

- يوجد التعصّب ليشبع حاجات أو رغبات عاطفية (كالشعور بالتفوّق، وتبرير الفشل والإحباط، أو كمخرج للعداوة والعنف).

- وقد يساعد التعلّم وبعض أنماط الاتصال بين المجموعات في التقليل من حدة التعصّب إلى حد كبير عندما تعمل المجموعات معاً لنصرة قضية مشتركة[34].

ومن غير الطبيعي أن يعدّ الشخص أنّ كل ما يؤمن به هو جيّد وملائم أو كل ما يصرفه من أفعال تعدّ طبيعية ومناسبة. فالشخص الذي يولد في مجتمع ما وينمو وينشأ فيه على قيم وسلوكيات هذا المجتمع سوف يطوّر أشكال التفكير التي وّلد فيها، والتي تكون غير ملائمة للثقافات الجديدة. وبسبب هذا فالشخص الذي تعوّد على الثقافة التي ولد فيها فإنّه سوف يكون من الصعب عليه رؤية سلوكيات الناس من وجهة نظر الثقافات المختلفة لهؤلاء الناس، سوف ينظر إليهم من وجهة نظر مجتمعه.[35]

حاول “دكت “(2000)[36] صياغة إطار تكاملي يلخّص ما انتهت إليه التصوّرات المختلفة التي تفسّر كيف تنشأ الاتجاهات التعصبيّة وكيف تتطور:

- فثمة عمليات سيكولوجية أساسية يبدو أنّها تشكّل الاستعداد الإنساني الكامن للتعصّب. غير أنّ هذه العمليات لا تنشط ويتولّد عنها التعصّب إلا في ظل عوامل معينة في البيئة الاجتماعية، مما يشير إلى “الديناميات الاجتماعية” للتعصّب أو إلى التعصّب كمعيار اجتماعي يتحدّد بالمتغيرات بين الجماعية من قَبيل صراع المصالح أو علاقات القوة والمكانة. أما وقد اكتسب التعصّب داخل الجماعة خاصية المعيار الجماعي بفعل الديناميات الاجتماعية، فإنّ الجماعة تنقل التعصّب-بما هو معيار- إلى أفرادها من خلال وسائط معيّنة وآليات معيّنة، وهنا يبرز دور التنشئة الاجتماعية بميكانزماتها المختلفة ودور المجاراة كعمليتين قادرتين على تفسير كيف ينتقل التعصّب إلى الأفراد .

-ومع ذلك فإن التعصّب لا ينتقل آلياً وبنفس الدرجة إلى كل أفراد الجماعة، فالعوامل الفردية تحدّد أي الأفراد أكثر قابلية لتمثّل تعصّب الجماعة واكتسابه، وهنا تبدو أهمية الفروق الفردية كمحدّدات لمدى التهيؤ لاكتساب الاتجاهات التعصبية[37].

من هنا يمكن أن نفترض أن الأفراد ذوي الاتجاهات السالبة نحو أنفسهم قد تكون اتجاهاتهم سالبة نحو الجماعات الخارجية، ومن ناحية أخرى، ووفقاً للخاصيّة الوظيفية للاتجاهات، ووظيفة الدفاع عن الأنا، فإن الاتجاهات التعصبيّة تقي الفرد من المشاعر السالبة اتجاه ذاته عبر إسقاطها على الأشخاص الآخرين مثل جماعة الأقلية. وهذا يعود إلى أنّ أؤلئك الأفراد يشعرون بالإحباط والدونية وعدم الثقة بالنفس. وينسحبون من العلاقات الاجتماعية التي لم تشبع حاجاتهم لتقدير الذات[38] .

إنّ الميكانزم الأساسي الذي يمثل مفتاح التفسير للتعصّب هو اعتقاد أعضاء إحدى الجماعات أن حياتها مهددة أو مستهدفة من قبل جماعات أخرى. وهذا يعكس الاهتمام الجماعي للأفراد بمصيرهم العام ومستقبلهم[39].

خاتمة:

يُقصد بمفهوم التعصّب الحكم المسبق الذي يقوم على أساس القرارات والخبرات التي يتعرّض لها الفرد في حياته وهو اتجاه يتسم بعدم التفضيل، يهيء الفرد مسبقاً، لتكوين أحكام موجبة أو سالبة بصدد جماعات أو أشياء أو مفاهيم خارجية. وهو اتجاه سلبي إزاء جماعة ما، فالمتعصّب يميل لتقييم أعضاء جماعة ما بطريقة محدّدة فقط لمجرّد أنّهم ينتمون لهذه الجماعة وليس وفقاً لسلوكياتهم وخصائصهم الشخصية. وهو اتجاه نفسي جامد مشحون انفعاليّاً، ولا يقوم على سند منطقي، أو معرفة كاملة أو حقيقة علمية. ويتشكّل التعصّب عن طريق استعداد نفسي أولاً، يترافق مع خبرات اجتماعية مُكتسبة من الجماعة التي ينتمي إليها الفرد. وقد شدّد التحليل النفسي، على دور الثقافة في تشكيل التعصّب كالأنظمة المنغلقة فمن بين الأسباب المحدّدة للعُصابات تأثير الحضارة ونفوذها، فالحضارة بنظر “فرويد” عندما تتضهّد الأكثرية على حساب قسم معيّن من الأفراد يصبح لدى هؤلاء الأفراد المقهورين، نزعة عدائية إلى تحطيم الحضارة نفسها. كما ركّز “فرويد”على الأُحادية في التفكير التي تُعتبر مصدراً مولّداً للعنف، فصاحب العقل الأُحادي يفكر بقمع المخالف أو استئصال المتعدّد بقدر ما يقوم باختزال الواقع عبر وساوس اللاوعي الذي يتكّون من الغرائز البدائية والنزوات، ومجمل العمليات النفسية المكبوتة. فيُعتبر هنا “كبش الفداء” بمثابة هدف بديل يوجه إليه الأشخاص سلوكهم العدواني دون أن يتوقّعوا أن يتلقّوا أي شكل من أشكال العقاب، فعقدة “كبش الفداء” هي التركيز على عدو محدّد، داخلي أو خارجي ننتقل إليه ونسقط عليه كل شياطيننا الداخلية. وبالنسبة لنزوتي الحياة (إيروس) والموت(ثاناتوس)، فهما تبعاً ل”فرويد” في صراع دائب فيما بينهما، وهما تحدّدان النشاط البشري وتوجّهات تطور الحضارة. فاللبيدو في صراع مفتوح مع غريزة الموت في كل متعضّ ومهمّته هي لجم نزوة الموت ومنعها من تدمير المتعضيّ، وذلك بتوجيه القسم الأكبر منها  نحو الخارج، نحو العدو المفترض. أمّا عن طبيعة الترابط بين التعصّب وفكرة “التابو” التي تشكل منطلقاً لنزعة التعصّب والتابو، فتبعاً ل”فرويد”، تشمل  الطابع المقدس(أو المدنّس) للأشخاص والأشياء، ونوع التحريم الذي يترتب على هذا الطابع، والنتائج المقدسة (أو المدنّسة) التي تنجم عن انتهاك هذا الخطر. كما أنّ متابعة حلم الفردوّس المفقود، ينزلق إلى الدخول في صراع مفتوح مع الآخر، ورفض الاعتراف بحقّه في الاختلاف والمغايرة، مما يفتح السبيل أمام احتمالات العنف. إن نزوات الإنسان العدوانية ليست هي التي كلّفت التاريخ الحديث الثمن الأغلى بالنسبة ل”فرويد” ، وإنما الاعتقاد الواهم، والإخلاص والتفاني، والتبعيّة المفرطة المندمجة مع قابلية الإيحاء؛ “الحروب المقدسة”، الجهادية، حيث أكّد “فرويد” أن هذا الوهم لا مستقبل له. بالنسبة للتفسير الاجتماعي للتعصّب فهو يعود أولاً لعميلة التصنيف إلى فئات حيث تقوم مجموعة ما بتكوين انطباع معين يحدث أن يؤدي لتكوين تشويهات عن الآخرين في الإدراكات مما يجعلهم يستجيبون غالباً لمعظم المنبّهات السائدة استجابات مفرطة، وتؤدي هذه المحاولات نفسها إلى حدوث التعصّب وتكوين القوالب النمطية. وتستند هذه النظرية تبعاً ل”تاجفيل” إلى الخبرات الشخصية والثقافية بتصنيف الأشخاص إلى جماعات حينما يوجد لدى الأفراد ميل إلى المبالغة في الفروق بين الموضوعات التي تقع في فئات متميّزة عنهم. وتفترض نظرية الهوية الاجتماعية أنّ وجود أساس سائد للتصنيف إلى فئات اجتماعية، داخل محيط اجتماعي معين يغري الأفراد بأن يجعلوا عضويتهم في الفئة التي ينتمون إليها جزءاً من هويتهم الاجتماعية حيث يقلّلون من الفروق المدركة بينهم ضمن الفئة الواحدة،  بينما يُبرزون الفروق بين الفئات المختلفة. وتكون النتيجة تبعاً ل”تاجفيل” أنّ تمايز جماعة معينة ضمن فئة معيّنة يعزز التمييز المدرك بين أعضاء مختلف الفئات. وبالتالي فإن تضمين مجموعة من الأفراد في فئة واحدة على سبيل المثال، يؤدي إلى إدراك للمصير المشترك بين أعضاء هذه الفئة.

ونستنتج من هذا التصّور أنّ دراسة العلاقات بين  الجماعات، وما يحكمها من أشكال مختلفة من التفاعل تمثّلان موضوعاً خاصاً تتفاعل فيه العمليات الخاصة بالفرد أو داخل الفرد، والأخرى الخاصة بالجماعة. فالوجه الفردي هو ارتباط المعتقد بالبنية النفسية لصاحبه حيث يصبح درعاً دفاعياً حامياً للأنا ضد مظاهر القلق والتوتر الناتج عن التخّلي عن هذه المعتقدات وإفساح المجال أمام القلق الناجم عن التكذيبات التي يحملها الواقع. فالفرد المتعصّب والمنغلق على ذاته يعتقد أو يُخيل إليه أن عقيدته هي العقيدة الوحيدة الصحيحة، وهذه التصورات الوهمية تسهم في تماسك الأنا وتأكيد صلابته، وتمتينه في مواجهة العوائق الخارجية، والتشكّكات الداخلية. وفي معرض الإجابة عن التساؤل حول ماهيّة طبيعة التعصّب، سواء فطرية أو مُكتسبة، يشير “ألبورت” إلى أنّ التعصّب سلوك متعلّم وليس فطرياً، يُكتسب من خلال الاحتكاك بثقافة التعصّب وهو يرتبط بالجماعات، وفي نفس الوقت يوجد التعصّب ليشبع حاجات أو رغبات عاطفية (كالشعور بالتفوّق، وتبرير الفشل والإحباط، أو كمخرج للعداوة والعنف). فالاتجاهات التعصبيّة تقي الفرد من المشاعر السالبة تجاه ذاته عبر إسقاطها على الأشخاص الآخرين مثل جماعة الأقلية، فالميكانزم الأساسي الذي يمثّل مفتاح التفسير للتعصّب هو اعتقاد أعضاء إحدى الجماعات أنّ حياتها مهدّدة أو مستهدفة من قبل جماعات أخرى . وهذا يعكس الاهتمام الجماعي للأفراد بمصيرهم العام ومستقبلهم. وهذا الوهم يرتبط بالفردية والجماعية، فالذات هي موضوع العمليات التي تشكلها، والتعصّب يتشكّل كما يشير “دكت” من عمليات سيكولوجية أساسية يبدو أنها تشكّل الاستعداد الإنساني الكامن للتعصّب. غير أنّ هذه العمليات لا تنشط ويتولّد عنها التعصّب إلا في ظل عوامل معيّنة في البيئة الاجتماعية، ومع ذلك فإن التعصّب لا ينتقل آلياً وبنفس الدرجة إلى كل أفراد الجماعة، فالعوامل الفردية تحدّد أي الأفراد أكثر قابلية لتمثّل تعصّب الجماعة واكتسابه، وهنا تبدو أهمية الفروق الفردية كمحدّدات لمدى التهيؤ لاكتساب الاتجاهات التعصّبية.

قائمة المراجع :

المراجع العربية:

  1. إبراهيم، سلوى سلامة. ( 2005 ) نوعية الحياة المميزة للمبدعين في الأدب (رسالة ماجستير غير منشورة)، كلية الآداب، جامعة عين شمس، القاهرة، مصر.
  2. أبو غالي، عطاف.(1999) . العلاقة بين الاتجاهات التعصبية وأساليب المعاملة الوالدية كما يدركها الأبناء لدى طلبة الجامعة”. (رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة الأزهر)، غزة-فلسطين.
  3. بوتول، غاستون(1967). السلم المسلح. ترجمة أكرم ديري.بيروت : دار العصرية.
  4. حجازي،مصطفى(2006).الإنسان المهدور. بيروت: المركز الثقافي العربي.
  5. حرب، علي(2002).العالم ومأزقه . بيروت:المركز الثقافي العربي.
  6. الجزّار، هاني(2011). أزمة الهويّة والتعصّب: دراسة سيكولوجية الشباب. (ط1). القاهرة: هلا للنشر والتوزيع.
  7. دكت، جون (2000). علم النفس الاجتماعي والتعصّب. ترجمة عبد الحميد صفوت.(ط1). القاهرة : دار الفكر العربي.
  8. زهران، حامد عبد السلام (1984). علم النفس الاجتماعي. ط 3.عالم الكتب: القاهرة.
  9. عباس، فيصل(2017). سيكولوجيا التطرّف والإرهاب: الصهيونية والجماعات الإرهابية.(ط1). بيروت:دار المعارف الحكمية.
  • عبد الله، معتز سيّد (1989). الاتجّاهات التعصبّية وعلاقتها ببعض سمات الشخصية والأنساق القيميّة (رسالة دكتوراه غير منشورة)، كليّة الآداب ، جامعة القاهرة.
  • عبد الرحمن، سعد (1970). عملية التطبيع الاجتماعي وأزمـات التحامـل والتعصّب في مجتمعاتنا المعاصرة. مجلة عالم الفكر،1(1)، (يصدرها) المجلس الـوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت.
  • عصفور، جابر(2000). ضدّ التعصّب. القاهرة: الهيئة المصرية العامّة للكتاب.
  • العطيوي، محمد كامل(1990). الأمراض العقلية والنفسية. عمان: دار المسيرة.
  • كريتش وكريتشفيلد وبالاتشي (1993).سيكولوجية الفرد في المجتمع. ترجمة وإعداد حامد عبد العزيز الفقي وسيد خيرالله.(ط2).الكويت: دار القلم.
  • هاينال ، أندريه ومولنار، ميكلوس ودي بوميج ،جيرار(1990) . سيكولوجية التعصب، ترجمة خليل أحمد خليل. بيروت: دار الساقي.

References:

  1. Allport, G.(1958). The Nature of Prejudice, Garden City: Addison-Wesley Publishing Company, Inc,7.
  2. Baron,R.A.; Byrne,D.; & Johnson,B.T. (1998). Exploring Social Psychology,(4th ed.).Boston: Allyn & Bacon,127.
  3. Brewer, M. & Kramer, R.(1985). “The Psychology of Intergroup Attitudes and Behavior”, Ann. Rev. Psychol., 1985,36,219-243.
  4. Cashdan, E. (2001). Ethnocentrism and Xenophobia: Across-C Cultural Study , Current Anthropology , 42(5): 760-765.
  5. Ehrlick, H.(1973). The Social Psychology of Prejudice. London: John Wiley & Sons,8.
  6. FREUD, Sigmund (1912) . TOTEM et TABOU Interprétation par la psychanalyse de la vie sociale des peuples primitifs (Traduit de l’Allemand avec l’autorisation de l’auteur en 1923 par le Dr S. Jankélévitch. Impression 1951.) Une collection développée en collaboration avec la BibliothèquePaul-Émile-Boulet de l’Université du Québec à Chicoutimi Site web: http://bibliotheque.uqac.uquebec.ca/index.ht,29.
  7. Freud, Sigmund (1940). Me’e’d.Gallimard.,Paris,96.
  8. Freud, Sigmund (1957). The Psycho- Analytical Method and Mental Health , by W.Roland & D. Fairbairn First published: June 1957 https://doi.org/10.1111/j.2044-8341.1957.tb01945. Address delivered to the Summer School of the Davidson Clinic, Edinburgh, as an Opening Lecture on 26 July 1956,191.
  9. Freud, Sigmund (1971) . Malaise dans la civilization. e’ Paris :P.UF,32-33.
  10. Freud, Sigmund (1981). “le Moi et la ca”,in : Essais de psychanalyse ,e’d.Payot, Paris,107.
  11. Gergen, K.J., & Gergen, M.M. (1981). Social psychology. New York: Harcourt Brace Jovanovich.
  12. Kaës, R. (1980-1981). Éléments pour une psychanalyse des mentalités [Working with mentalisms in psychoanalysis]. Bulletin de Psychologie, 34(10-14),171.
  13. The Oxford English Dictionary: Simpson,J.A.; & Weiner, E.S.C. (1989). Oxford: Clarendon Press; New York: Oxford University Press.
  14. Sears, David O.(1985). Social Psychology.(5th) London: Prentice-Hall, Inc,21.
  15. Tajfel, H.(1969). “Cognitive Aspects of Prejudice”, J. Soc. Issues, 1969,25,236.
  16. Tajfel, H.(1973). “The Roots of Prejuduce: Cognitive Aspects”, In: P. Watson (Ed.), Psychology and Race, Chicago: Aldine Publishing Comany, 1973,52-53.
  17. Turner, J.C, (1984). Social identification and psychological group formation in H. Tajfel (Ed). The Social Dimention. European development in social psychology , 12, 518-538. Cambridge England: Cambridge University Press, 518-519.
  18. Walman ,B.B. (1973).Dictionary of Behavioral Science.New York: Van Nastrand,Reunhold CO,159.

[1] Allport, G.(1958). The Nature of Prejudice, Garden City: Addison-Wesley Publishing Company, Inc,7.

[2] Ehrlick, H.(1973). The Social Psychology of Prejudice. London: John Wiley & Sons,8.

[3] Walman ,B.B. (1973).Dictionary of Behavioral Science.New York: Van Nastrand,Reunhold CO,159.

[4] Baron,R.A.; Byrne,D.; & Johnson,B.T. (1998). Exploring Social Psychology,(4th ed.).Boston: Allyn & Bacon,127.

[5] – Gergen, K.J., & Gergen, M.M. (1981). Social psychology. New York: Harcourt Brace Jovanovich.

[6] -The Oxford English Dictionary:  Simpson,J.A.; & Weiner, E.S.C. (1989). Oxford: Clarendon Press; New York: Oxford University Press.

Sears, David O.(1985). Social Psychology.(5th ed.) London: Prentice-Hall, Inc,21.

[7]- كريتش وكريتشفيلد وبالاتشي (1993).سيكولوجية الفرد في المجتمع. ترجمة وإعداد حامد عبد العزيز الفقي وسيد خيرالله.(ط2).الكويت: دار القلم،146.

- [8]  زهران، حامد عبد السلام (1984). علم النفس الاجتماعي. ط 3.عالم الكتب: القاهرة،147.

[9] – عبد الله، معتز سيّد (1989). الاتجّاهات التعصبّية وعلاقتها ببعض سمات الشخصية والأنساق القيميّة (رسالة دكتوراه غير منشورة)، كليّة الآداب ، جامعة القاهرة،77.

[10] – عصفور، جابر(2000). ضدّ التعصّب. القاهرة: الهيئة المصرية العامّة للكتاب،32-33.

- [11] العطيوي، محمد كامل(1990). الأمراض العقلية والنفسية. عمان: دار المسيرة،70.

[12] -هاينال ، أندريه ومولنار، ميكلوس ودي بوميج ،جيرار(1990) . سيكولوجية التعصب، ترجمة خليل أحمد خليل. بيروت: دار الساقي،17.

[13] – عبد الرحمن، سعد (1970). عملية التطبيع الاجتماعي وأزمـات التحامـل والتعصّب في مجتمعاتنا المعاصرة. مجلة عالم الفكر،1(1)، (يصدرها) المجلس الـوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت،115-116.

[14] – عباس، فيصل(2017). سيكولوجيا التطرّف والإرهاب: الصهيونية والجماعات الإرهابية.(ط1). بيروت:دار المعارف الحكمية،96.

[15] Freud, Sigmund (1957). The Psycho- Analytical Method and Mental Health , by W.Roland & D. FairbairnW. First published: June 1957 https://doi.org/10.1111/j.2044-8341.1957.tb01945. Address delivered to the Summer School of the Davidson Clinic, Edinburgh, as an Opening Lecture on 26 July 1956,191.

[16] – Freud, Sigmund (1971) . Malaise dans la civilization. e’d. Paris :P.UF,32-33.

[17] – Freud, Sigmund (1971) . Malaise dans la civilization. e’d. Paris :P.UF,18.

[18] – حرب، علي(2002).العالم ومأزقه . بيروت:المركز الثقافي العربي،52.

[19]  -حرب، علي(2002).العالم ومأزقه . بيروت:المركز الثقافي العربي،66.

[20] – Freud, Sigmund (1940). Me’tapsychologie.e’d.Gallimard.,Paris,96.

[21] – بوتول، غاستون(1967). السلم المسلح. ترجمة أكرم ديري.بيروت : دار العصرية،137.

[22] Freud, Sigmund (1981). “le Moi et la ca”,in : Essais de psychanalyse ,e’d.Payot, Paris,107.

[23] FREUD, Sigmund (1912) . TOTEM et TABOU Interprétation par la psychanalyse de la vie sociale des peuples primitifs (Traduit de l’Allemand avec l’autorisation de l’auteur en 1923 par le Dr S. Jankélévitch. Impression 1951.) Une collection développée en collaboration avec la BibliothèquePaul-Émile-Boulet de l’Université du Québec à Chicoutimi Site web: http://bibliotheque.uqac.uquebec.ca/index.ht,29.

[24] Freud, Sigmund (1971) . Malaise dans la civilization. e’d. Paris :P.UF,43.

[25] Tajfel, H.(1969). “Cognitive Aspects of Prejudice”, J. Soc. Issues, 1969,25,236.

[26] Sears, David O.(1985). Social Psychology.(5th ed.) London: Prentice-Hall, Inc,403.

[27] Brewer, M. & Kramer, R.(1985). “The Psychology of Intergroup Attitudes and Behavior”, Ann. Rev. Psychol., 1985,36,219-243.

[28] Turner, J.C, (1984). Social identification and psychological group formation in H. Tajfel (Ed). The Social Dimention. European development in social psychology , 12, 518-538. Cambridge England: Cambridge University Press, 518-519.

[29] Tajfel, H.(1973). “The Roots of Prejuduce: Cognitive Aspects”, In: P. Watson (Ed.), Psychology and Race, Chicago: Aldine Publishing Comany, 1973,52-53.

[30] Tajfel, H.(1973). “The Roots of Prejuduce: Cognitive Aspects”, In: P. Watson (Ed.), Psychology and Race, Chicago: Aldine Publishing Comany, 1973,140.

[31] Brewer, M. & Kramer, R.(1985). “The Psychology of Intergroup Attitudes and Behavior”, Ann. Rev. Psychol., 1985,36,219-243.

[32] Kaës, R. (1980-1981). Éléments pour une psychanalyse des mentalités [Working with mentalisms in psychoanalysis]. Bulletin de Psychologie, 34(10-14),171.

[33] – عباس، فيصل(2017). سيكولوجيا التطرّف والإرهاب: الصهيونية والجماعات الإرهابية.(ط1). بيروت: دار المعارف الحكمية،138.

[34] -عباس، فيصل(2017). سيكولوجيا التطرّف والإرهاب: الصهيونية والجماعات الإرهابية.(ط1). بيروت:دار المعارف الحكمية،140.

[35] Cashdan, E. (2001). Ethnocentrism and Xenophobia: Across-C Cultural Study , Current Anthropology , 42(5): 760-765.

- [36]  دكت، جون (2000). علم النفس الاجتماعي والتعصّب. ترجمة عبد الحميد صفوت.(ط1). القاهرة : دار الفكر العربي.

[37] – الجزّار، هاني(2011). أزمة الهويّة والتعصّب: دراسة سيكولوجية الشباب. (ط1). القاهرة: هلا للنشر والتوزيع،11.

[38] – إبراهيم، سلوى سلامة. ( 2005 )  نوعية الحياة المميزة للمبدعين في الأدب (رسالة ماجستير غير منشورة)، كلية الآداب، جامعة عين شمس، القاهرة، مصر،16-18.

[39] – حجازي،مصطفى(2006).الإنسان المهدور. بيروت: المركز الثقافي العربي،68.


Updated: 2019-10-09 — 17:50

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme