التربية على حقوق الإنسان ودورها في بناء ثقافة الديمقراطيّة بالعالم العربي Human Rights Education and Its Role in Building a Culture of Democracy in the Arab World


   

التربية على حقوق الإنسان ودورها في بناء ثقافة الديمقراطيّة بالعالم العربي

Human Rights Education and Its Role in Building a Culture of Democracy in the Arab World

د. محمّد بالرّاشد، أستاذ باحث في علم الاجتماع/ مدير سابق بالتفقديّة العامّة لبيداغوجيا التربية/ وزارة التربية- تونس

Mohamed Berrached/ Tunisia

 مقال نشر في  مجلة جيل حقوق الإنسان العدد 38 الصفحة 11.

 

فكلّما أصبحت الديمقراطيّة عبارة عن تقنية، إلا ووقع تراجع في الكفاءة الديمقراطيّة

ادغار موران

   

Abstract:

Democracy has not been a pressing matter in the Arab world as it is today. This region’s nations have emerged calling for a democratic rule in which the sovereignty of the people and the supremacy of law prevails. Since democracy is a culture before being a mechanism of government and peaceful alternation of power, the consolidation of that culture requires considerable effort from various institutions, including the family, the media and particularly the school. In order for the latter to effectively manage in contributing to the consolidation of the culture of democracy as well as spreading it to the broadest range in Arab societies, it must search for an appropriate approach to localize and ingrain that culture. Perhaps one of the most prominent gateways for achieving this goal is human rights education, as spreading these rights and instilling them among individuals and societies facilitates the creation of a democratic culture.

Key Words: democracy, Culture of democracy, Human Rights, Human Rights education, political culture, life skills.

ملخص:

لم تكن الديمقراطيّة مطلبا ملحّا في العالم العربيّ مثلما هي عليه اليوم. فقد خرجت الشعوب في هذه المنطقة من العالم منادية بحكم ديمقراطيّ تكون فيه السيادة للشعوب، والكلمة العليا للقانون. ولما كانت الديمقراطيّة ثقافة قبل أن تكون آلية من آليات الحكم والتداول على السلطة، فإن ترسيخ تلك الثقافة يتطلّب جهدا كبيرا من مؤسّسات مختلفة منها الأسرة والإعلام وخاصة المدرسة. وحتى تستطيع هذه الأخيرة المساهمة بفعاليّة في ترسيخ ثقافة الديمقراطيّة ونشرها على أوسع نطلق في المجتمعات العربيّة، يكون عليها البحث عن مدخل ملائم لتوطين تلك الثقافة وتبيئتها. ولعلّ من أبرز المداخل لتحقيق ذلك الهدف التربية على حقوق الإنسان باعتبار أن نشر هذه الحقوق  وترسيخها لدى الأفراد والمجتمعات ييسّر بناء ثقافة ديمقراطيّة.

الكلمات المفاتيح: الديمقراطيّة- ثقافة الديمقراطيّة- حقوق الإنسان- التربية على حقوق الإنسان- الثقافة السياسيّة- المهارات الحياتيّة.

مقدمة

تعيش المنطقة العربيّة منذ ما يناهز العشر سنوات (بدء من نهاية 2010 وبداية2011) على وقع حراك اجتماعيّ غير مسبوق حمل عناوين عديدة. وقد بدا من الشعارات والمطالب التي رفعها المشاركون في الحراك في دول عربيّة مختلفة، وجود إجماع على مطلب الديمقراطيّة. فالشباب، من الجنسين- وهم الشريحة الأكثر حضورا في هذا الحراك في مراحله المختلفة (بدء بمرحلة تونس ووصولا إلى مرحلة السودان والجزائر)- بدوا حريصين على مطلب إرساء نظام ديمقراطيّ تتّسع فيه دائرة المشاركة في تدبير الشأن العام وصُنع السياسة العامة، بما يُنهي عقودا من الاحتكار لصُنعها من قبل النخب السياسيّة التي احتكرت المجال العام ولاسيّما الفضاء السياسيّ. لكن بقدر ما بدا المطلب صريحا وواضحا، بقدر ما بدت خُطى السير نحو الديمقراطيّة متعثّرة، وهو أمر يُفسّر بعوامل متعدّدة لا يتّسع المجال للتطرّق إليها كلّها، ولذلك سنقتصر في محاولة فهم وتفسير هذا التناقض الصارخ بين وضوح الطلب وتعثّر خطى السير باتّجاه إرساء الديمقراطيّة على عامل واحد نقدّر أنّ له تأثير في ارتباك المشهد بالمنطقة العربيّة اليوم ألا هو غياب ثقافة الديمقراطيّة التي تجعل من هذه الأخيرة أشمل من عملية تقنيّة تُختزل في انتخابات دوريّة، لأن من شأن أي مقاربة اختزاليّة أن تنحرف بالديمقراطيّة عن مسارها، وعن الأهداف الرئيسيّة التي حُدّدت لها، ولا أدلّ على هذه الانحرافات التي عرفتها الديمقراطيّة في  مسيرتها الطويلة من وصول النازيين إلى الحكم عبر الانتخابات (1933).

تفرض الحاجة إلى بناء ثقافة ديمقراطيّة في المجتمعات العربيّة المعاصرة، على مؤسّسات التنشئة الاجتماعيّة، وفي  طليعتها المدرسة، الاشتغال على تنمية تلك الثقافة بما ييسّر نشرها وترسيخها لدى الناشئة. وتعدّ التربية على حقوق الإنسان من بين المداخل الممكنة للمؤسّسة التربويّة للمساهمة في تنمية تلك الثقافة.

ولما كان الأمر كذلك، يكون من الوجيه التفكير في كيفيّة جعل التربية على حقوق الإنسان سبيلا ناجعا لإرساء الثقافة الديمقراطيّة المنشودة، دون أن يعني ذلك بالطبع أن المدرسة تحتكر التربية على حقوق الإنسان، أو بناء ثقافة الديمقراطيّة، وإنّما لها دور مهمّ  في تبيئة تلك الثقافة وتوطينها في فضاء ظلّ عصيّا عليها لفترات طويلة.

الإشكاليّة

لما كانت الديمقراطيّة بالأساس ثقافة فإن على مختلف مؤسّسات التنشئة الاجتماعيّة من أسرة ومدرسة …الخ  الاشتغال على تنميتها. وضمن هذا السياق تتبوّأ المؤسّسة التربويّة دورا مهمّا في توطين الثقافة الديمقراطيّة وترسيخها لدى الناشئة. ومن هنا بات من غير المقبول اختزال دور المدرسة في نقل المعارف إلى المتعلّمين وتأهيل هؤلاء للاندماج في الحياة العامة، الحياة المهنيّة على وجه الخصوص، فهي اليوم مدعوّة أكثر من أي وقت مضى إلى إكساب الناشئة قيم العيش المشترك وقواعده[1].

 بات من مهامّ المدرسة المؤكّدة والأكيدة العمل على نشر ثقافة الديمقراطيّة وترسيخها لدى الناشئة، بما يجعل من خرّيجيها قادرين على تقبّل الاختلاف والتنوّع في تجلّياتهما المختلفة (الدينيّة واللّغويّة والعرقيّة…)، والذهاب إلى الآخر وبناء جسور التواصل معه، رافضين بذلك شتّى ضروب التمييز، وكلّ أنماط التعصّب ومبرّراته، منفتحين على ذواتهم بقدر انفتاحهم على الآخر، الأمر الذي سيسهم في إرساء ثقافة التشارك والتسامح ويجنّب ساكنة المنطقة العربيّة ويلات انتهاكات حقوق الإنسان الفرديّة والجماعيّة، لا من قبل السلطة السياسيّة فحسب، بل أيضا من قبل الجماعات المتبنّية للعنف تحت يافطات مختلفة عبّرت في أغلبها، بل قل اتّفقت في مجملها على العودة إلى الانتماءات الأوّليّة (القبيلة/ العرش/ الطائفة/ المذهب/ المنطقة).

ومن هذا المنطلق يكون من الوجيه التساؤل: كيف تكون التربية على حقوق الإنسان أرضيّة لإرساء ثقافة الديمقراطيّة التي تتعالى بهذه الأخيرة عن تلك المقاربة الاختزاليّة التي تعتبرها آلية حكم لا غير من ناحية وتعمل على تأسيس ثقافة تحقق انتظارات الشباب في المنطقة العربيّة من ناحية أخرى؟ بلغة مغايرة، إذا كانت الديمقراطيّة ثقافة، بمعنى أنّها بناء سوسيو-نفسيّ يعطي ممارسات الأفراد والجماعات معنى، فكيف يمكن للمدرسة أن تساهم في بناء تلك الثقافة؟ وكيف تعدّ التربية على حقوق الإنسان سبيلا لتجذير ثقافة الديمقراطيّة؟

أهميّة الدراسة

تكمن أهميّة هذه الدراسة في كون هذه الأخيرة تروم البحث في العلاقة بين ترسيخ ثقافة الديمقراطيّة في المجتمعات العربيّة والتربية على حقوق الإنسان، بما يؤدّي من ناحية أولى إلى  البحث في أهميّة بناء ثقافة ديمقراطيّة بما هي منظومة قيم تعمل على ترسيخ الاختلاف والتنوّع والتعدّد والتسامح والتفاهم بين البشر، ومن ثم على مقاومة التعصّب والتطرّف وكلّ أشكال نبذ الآخر التي تُفقِد الديمقراطيّة جوهرها. ومن ناحية ثانية،  إلى كسر الطابع النخبوي الذي اصطبغت به الديمقراطيّة في العالم العربيّ والذي حوّلها في حالات كثيرة  إلى صراع ضيّق الدائرة بين سلطة سياسيّة تدّعي الديمقراطيّة ومعارضة تؤكّد على افتقاد تلك السلطة لكلّ مقوّمات الديمقراطيّة ف”الحركة الديمقراطيّة في الوطن العربي، بدون هذه التربية سوف تظلّ تجمّعا معزولا لفريق من المثقّفين الذي يرى فيهم الرأي العام في أغلبه أقليّة مثاليّة وحالمة، لا قوة حاملة لمشروع تحويل اجتماعيّ كبير وناجز[2]” .

لا تنشد المدرسة باشتغالها على التربية على حقوق الإنسان، فقط التعريف بتلك الحقوق وإنّما جعل تلك الحقوق محدّدة لمواقف الأفراد والجماعات من جهة وموجّهة لسلوكيّاتهم من جهة أخرى، فضلا عن كونها معيارا لتقييم أداء النظم السياسيّة. وعليه، ترمي الدراسة إلى تبيان كيفيّة جعل التربية على حقوق الإنسان عاملا ميسّرا لتبيئة ثقافة الديمقراطيّة في المنطقة العربيّة حتى تكون الأرضيّة ملائمة للقطع مع مختلف أوجه التسلّط، بمعنى أن الدراسة تروم إبراز  المعنى الذي ينبغي أن تكتسبه التربية على حقوق الإنسان لدى المتعلّمين والمتعلّمات حتى تكون فعلا سبيلا لبناء الثقافة الديمقراطيّة.

منهجيّة الدراسة:

 هذه الدراسة دراسة نظرية تحليلية هدفها الوقوف على العلاقة بين التربية على حقوق الإنسان وبناء ثقافة الديمقراطيّة.  بمعنى أنّنا اعتمدنا خلالها المنهج التحليلي الذي يمكّننا من فهم وتفسير تلك العلاقة. فالديمقراطيّة كمطلب ملحّ اليوم في العالم العربي تحتاج إلى ثقافة توفّر لها الأرضيّة الملائمة، ولا يكون ذلك إلا باشتغال مؤسّسات التنشئة الاجتماعيّة على تنمية تلك الثقافة، وفي طليعة هذه المؤسّسات المدرسة. علما وأنّه تمّت  الاستفادة من نتائج بحثين أولهما بحث ميدانيّ تمحور حول قيم المواطنة وحقوق الإنسان بالتعليم الإعداديّ والثانويّ بتونس بين النظريّ والواقعيّ، وثانيهما بحث أنجزه المعهد العربيّ لحقوق الإنسان بمناسبة عشرية الأمم المتحدة للتربية على حقوق الإنسان، وتمّ خلاله تحليل مضامين مجموعة من الكتب المدرسيّة في عدد من البلدان العربيّة.

1.المطلب الأوّل: لابديل على الديمقراطيّة

عرف العالم العربي في العشرية الأخيرة حراكا مجتمعيّا غير مسبوق، ميزته الرئيسيّة النزعة القويّة إلى تغيير تلك الأنظمة السياسيّة التي سادت منذ الاستقلال والتي لم تعد قادرة على تلبية حاجيات المواطنين وانتظاراتهم لاسيّما للشباب منهم. وبقدر ما نجح الحراك في زعزعة تلك الأنظمة السياسيّة بقدر ما وجد صعوبات كبيرة أعاقت إرساء النموذج الديمقراطيّ المطلوب والبديل. بمعنى أن ترسيخ الديمقراطيّة في العالم العربيّ اصطدم بغياب ثقافة تيسّر الانتقال لا من نظام سياسيّ إلى آخر فحسب، وإنما التحوّل من مجتمع يسوده منطق التجانس إلى مجتمع تعدّدي يقوم على احترام تدبير الاختلاف بطريقة سلميّة وبعيدة عن العنف والتسلّط الأمر الذي يحوّل الديمقراطيّة إلى ثقافة.

أ. الديمقراطيّة ثقافة

إذا كانت كثرة تداول لفظ الديمقراطيّة على ألسنة المختصّين وغيرهم توحي بوضوح المعنى، فإنّ ذلك الرأي لا يبدو صائبا، لأنّ “الديمقراطيّة ينطبق عليها الوصف البليغ “السهل الممتنع”، حيث يُخيّل للمرء عندما يرى الأكداس الهائلة من الكتب والدراسات والمقالات التي تناولتها، وكذلك عندما يستعرض التجارب المتنوّعة لتطبيق الديمقراطيّة، يخيّل إليه أن الكلام عن الديمقراطيّة تحصيل حاصل ولا يحتاج إلا إلى جهد الجمع والتبويب، خاصة وأن الكلّ يكاد يتّفق على تعريف واحد للديمقراطيّة يقترب من المعنى الحرفيّ لهذه الكلمة التي أتت من اندماج كلمتين من اللّغة اليونانيّة القديمة تعنيان “حكم الشعب”، فالكلّ يقرّ أنّ الديمقراطيّة هي حكم الشعب بالشعب وللشعب[3]“.

ليست الديمقراطيّة على تلك الدرجة الكبرى من وضوح المعنى مثلما تبدو للكثيرين من المختصّين ومن غير المختصّين، ولا أدلّ على أنّها حمّالة معاني من تلك الاستخدامات المتعدّدة لهذا اللفظ، فنحن نتحدّث عن الديمقراطيّة والديمقراطيّة التوافقيّة والديمقراطيّة التشاركيّة والديمقراطيّة الشعبيّة وديمقراطيّة الجوار وديمقراطيّة النخبة، بل حتّى عن الديمقراطيّة الدينيّة[4]…الخ، لا بل إن الديمقراطيّة ألصقت – في كثير من الأحيان- بنظم سياسيّة مختلفة، بعضها لا يمتّ لجوهر الديمقراطيّة بصلة. والأمثلة في هذا السياق عديدة وفي مقدمتها النظم السياسيّة العربيّة التي ظلّت سائدة لفترة طويلة. ولعلّ تعدّد المعاني هذا كان من بين العوامل التي شكّلت دافعيّة داخليّة لعالم الاجتماع الفرنسي آلان تورانAlain Touraine  ليضع مصنّفه الشهير الموسوم “ما هي الديمقراطيّة: حكم الأكثريّة أم ضمانات الأقليّة؟[5]” لاسيّما وأن توران اعتبر أن انهيار المنظومة السوفياتيّة ومنظومة دكتاتوريات أمريكا اللاتينيّة  أدّى إلى انتصار اقتصاد السوق أكثر منه لانتصار الديمقراطيّة[6].

إذا كانت الديمقراطيّة- ومثلما حدّدها مبتكروها اليونانيّون- نظام حكم، أو أسلوب حكم، يكون الشعب محوره، فإن هذا المعنى لم يعد كافيا اليوم، بمعنى أن الديمقراطيّة ” لم تعد تنحصر في مفهوم نظام الحكم، بل انتقلت لتصبح أسلوبا للممارسة السياسيّة، وصفة لأسلوب الحركة السياسيّة أو الاجتماعيّة لفرد أو مجموعة أو نظام، بل أصبحت نمط سلوك حياتيّ وصفة للعلاقات الاجتماعيّة بين الأفراد أو بين المجموعات أو داخل هذه المجموعات، فأصبح المرء يسمع عن أسلوب ديمقراطيّ للعمل السياسيّ وعن علاقات ديمقراطيّة بين القوى، وعن أسلوب ديمقراطيّ وعن الحوار…الخ[7]“. بمعنى أنّ الديمقراطيّة متعدّدة الدلالات في عالمنا الرّاهن، وأنّ هذا الطابع التعدّدي يُتيح مقاربتها على الأقلّ من زاويتيّن مختلفتين، حيث “باستطاعتنا أن نعرّفها تعريفا ضيّقا كإجراء يتمثّل في إمكانيّة اختيار الحكّام عن طريق انتخابات حرّة ونزيهة…، ولكنّ نجاح العمليّة الديمقراطيّة في المنطقة العربيّة مرهون بفهمها لا كوسيلة سلميّة لتعيين الحكّام فحسب، بل أيضا كقيم موجّهة لسلوك الأفراد والجماعات. ومن هنا تبرز أهميّة آليات التنشئة الاجتماعيّة كالمدرسة والأسرة ووسائل الإعلام والجمعيّات لدفع العمليّة الديمقراطيّة وتعزيزها[8]“.

بعبارة أخرى، إن الديمقراطيّة، وإن شملت – وهو أمر بديهيّ- انتخاب الحكّام، فإنّها لا تقتصر على ذلك، باعتبار أن الانتخاب مكوّن لا غير من مكوّنات الديمقراطيّة التي هي بالأساس “ثقافة بمعنى مجموعة من القيم والمعتقدات توجّه سلوك الأفراد حكّاما ومحكومين نحو تحقيق الصالح العام في إطار توافقيّ وسلميّ[9]“. بمعنى أن “الديمقراطيّة الحقيقيّة لا تنحصر في الانتخابات مهما كانت نزيهة وشفافة، كما أنّها ليست مجرّد “حكم أغلبيّة” …بل هي، أولا وقبل كلّ شيء، وسيلة لتمثيل الشعب وخدمة الشأن العام؛ أي أن آلية الانتخاب- على الرّغم من أهميّتها الإجرائيّة- لن تعبّر وحدها، حتى في أرقى الأنظمة الديمقراطيّة في العالم، عن “سيادة الشعب”…[10]“؛ والدليل ما تعرفه المجتمعات الغربيّة من صعود للتيّارات الشعبويّة التي تتبنّي قيما مضادّة في غالب الأحيان لقيم الديمقراطيّة.

وانطلاقا ممّا تقدّم نقول، إن “الديمقراطيّة ليست قرارا سياسيّا أو تشريعا دستوريّا أو قانونيّا، بل هي قبل كلّ شيء ثقافة وقيم ينشأ عليها أفراد المجتمع ويتّبعونها في سلوكياتهم اليوميّة وفي نظام تفاعلاتهم داخل المؤسّسات الاجتماعيّة والثقافيّة أولا، وفي مؤسّساتهم السياسيّة ثانيا[11]“. أي أن السياسيّ وعلى أهميّته يظلّ وثيق الصلة بأسلوب اشتغال المؤسّسات الاجتماعيّة والثقافيّة، فإن كانت هذه الأخيرة تنشر ثقافة الخوف والطاعة العمياء، فإن الحقل السياسيّ بدوره سيكون امتدادا للحقل الاجتماعيّ- الثقافيّ.

ارتبطت الديمقراطيّة بشكل الحكم، وطبيعة علاقة الأفراد بالسلطة السياسيّة، ولكن “الديمقراطيّة لا تعني هذا فحسب، ولا يقف مضمونها عند الإطار السياسيّ من شكل نظام الحكم ومن توفّر المؤسّسات السياسيّة كالمجالس النيابيّة والبلديّة والقرويّة، ومن قيام الأحزاب السياسيّة والتنظيمات العمّاليّة والمهنيّة، بل إنّ لها من وراء ذلك مضمونا أخلاقيّا يستمدّ مرجعيّته من منظومة من المبادئ والقيم المشتركة، يصدر عنها سلوك الأفراد والجماعات ، ويحكم تصرّفهم في هذا المكسب الثّمين، وكيفيّة تعاملهم مع المؤسّسات. من أجل ذلك يتحدّث المفكّرون السياسيّون عن “ثقافة ديمقراطيّة” وعن “بيئة ديمقراطيّة[12]“.

هكذا، لم يعد المعنى السياسيّ لوحده يعبّر عن الديمقراطيّة، وبالتالي فإن اختزالها في الانتخابات والتّداول السلميّ على السلطة يحمل ضربا من التعسّف، لأن من شأن ذلك أن يصيّر الديمقراطيّة  مجالا للتنافس غير النزيه، ونحن نسمع اليوم كثيرا عن تأثير المال الفاسد في الانتخابات (شراء الأصوات)، بمعنى أن من لم يتشبّع بثقافة الديمقراطيّة لن يتردّد في ممارسة سلوكيات مضادّة للقيم الموجّهة للفعل الديمقراطيّ (شراء أصوات الناخبين / بيعها) .

قد تفضي هذه النزعة الاختزاليّة، في نهاية المطاف إلى وصول من لا يؤمن بالديمقراطيّة إلى الحكم، فيستغلّ آلية من آليات الديمقراطيّة التي هي الانتخاب، ويكفي أن نُعيد التذكير بأن النازيّين وصلوا إلى الحكم عن طريق الانتخابات وأن الشعبويّين في أوروبا والغرب بشكل عام يستغلّون الديمقراطيّة لنشر أفكار كراهية الأجانب والوافدين (الغرباء).  فضلا عن ذلك كلّه  يمكن أن يؤدّي تغييب الثقافة الديمقراطيّة إلى تنمية ما يعبّر عنه في تونس ما بعد الثورة ب”السياحة الحزبيّة”، وهي مصطلح يعني انتقال نائب منتخب في مجلس النوّاب من حزب إلى حزب آخر ضاربا عرض الحائط بالعقد المعنويّ والأخلاقيّ الذي يربطه بالنّاخبين والذي يتمحور حول برنامج حزب معيّن وحول أهداف محدّدة وخيارات معيّنة قبل بها الطرفان الناخب والمنتخَب. ففي انتقال ذلك النائب إلى حزب آخر بعد حصوله على أصوات منحته مقعدا في البرلمان تجاهل لكلّ التزام يربطه مع ناخبيه، ودليل قاطع على غياب الثقافة الديمقراطيّة التي يُفترض أن تحكم تصرّفات المنتخَبين قبل الناخبين.

لقد جعل غياب الثقافة الديمقراطيّة الكثير من النوّاب متحرّرين من كل التزام يربطهم بناخبيهم، ومن ثم عجزوا عن أن يكونوا قدوة للناخبين ولا سيّما منهم الشابّات والشبّان الذين آثروا  لاحقا عدم المشاركة في الحياة السياسيّة في تونس (عبّر عنها ضعف نسب الناخبين من الشباب في انتخابات 2014 وفي الانتخابات البرلمانية لسنة 2019).

إن “الديمقراطيّة حق أصيل لكلّ مواطن وليست منحة يُمنّ بها على الشعب وينتقص منها[13]“. وهي فضلا عن ذلك وبالأساس “ممارسة يوميّة، سلوك يوميّ نلحظه ونقدّر من خلاله مدى تطوّر الثقافة السياسيّة وممارسات الأفراد والمجموعات في مجتمع ما[14]” . وبعبارة ثانية، إن الحكم على الديمقراطيّة لا يكون فقط بالاستناد على النصوص التشريعيّة ، ولا على الانتخابات كآلية لاختيار الحكومات، وإنّما على سلوكيّات الأفراد والجماعات والتي يفترض أن تعكس ثقافة الديمقراطيّة القائمة بالأساس على حقوق الإنسان (الحق في المشاركة/ الحق في  الانتظام السياسيّ والاجتماعيّ/ الحق في تعليم ذي جودة/ الحق في شغل يضمن الكرامة/ الحق في الاختلاف/ …الخ).

وبناء على ما سبق، فإن العمل على تكريس ثقافة الديمقراطيّة- التي هي صمّام الأمان الوحيد للمحافظة على ماهيّة الديمقراطيّة باعتبارها نمط حياة-  يترجم في مواقف يجسّدها ما يسمّى بالسلوك الديمقراطيّ، الذي يقوم على تفهّم الآخرين والتفاهم معهم وعلى تفادي اعتماد العنف سبيلا لحلّ الخلافات حتى تكون “الديمقراطيّة وسيلة لنموّ المجتمع وتقدّمه من حيث إنها تعقلن الصراعات المجتمعيّة بين مكوّناته وتوجّهها نحو حالة تنوعّ إيجابيّ بالنسبة لحركيّة الحياة فيه. الديمقراطيّة هي الانطلاق من تنوّع واختلاف مقبولين والاتّجاه نحو انسجام يضمن الحريّة والاختلاف ولا يتأسّس على قمعهما[15]“، وأنّه لا وجود للديمقراطيّة “خارج الاعتراف بتنوّع المعتقدات والأصول والآراء والمشاريع[16]“.

يقتضي الخروج بالديمقراطيّة من دائرة نظام الحكم إلى نمط حياة يقوم على التنوّع والاختلاف، وعلى تعدّد الآراء ووجهات النظر والمشاريع، تبيئة حقوق الإنسان وتوطينها لدى أوسع قدر ممكن من الناس من مختلف الشرائح الاجتماعيّة، وهو ما لا يتحقّق إلا من خلال التربية على حقوق الإنسان، لما للمؤسّسة التربويّة من قدرة على الوصول إلى كافة فئات المجتمع وشرائحه، ولما لها أيضا من قدرة على ملامسة البعد الوجدانيّ-السلوكيّ لدى الناشئة (الأهداف الوجدانيّة –السلوكيّة بلغة المختصّين في البيداغوجيا).

“يُشير بعض علماء السياسة إلى أن الديمقراطيّة ليست تعبيرا عن حقيقة  بنيويّة مؤسّسية فحسب، ولكنّها أيضا مجموعة قيم واتّجاهات ومشاعر تشجّع على الممارسة الديمقراطيّة الفاعلة من جانب الحكّام والمحكومين، وهذا ما يُعبّر عنه عادة بالثقافة السياسيّة الديمقراطيّة التي تتمثّل أهمّ عناصرها في الشعور بالاقتدار السياسيّ والإيمان بضرورة وجدوى المشاركة والتسامح المتبادل وتوفير روح المبادرة، ولا شخصانيّة السلطة والشّعور بالثقة السياسيّة[17]“، وعليه فإن “الديمقراطيّة تتطلّب ضرورة إشاعة روح التّسامح بين المواطنين والإحساس بالمساواة من خلال الممارسات والأفعال لا الأقوال، فالمعيار الحقيقيّ لوجود الديمقراطيّة في مجتمع ما ليس وجود مجموعة من الأفكار الهامّة والمبادئ الديمقراطيّة في دستور هذا المجتمع، وإنّما هو ممارسة النّاس الفعليّة لهذه الأفكار والمبادئ والحقوق، فالديمقراطيّة ممارسة[18]“.

وهكذا نخلص إلى أن الديمقراطية ثقافة وأن هذه الثقافة “تنهض على ثلاث قيم أساسية هي: التعدّدية والحرّية والعدل[19]“؛ وأن هذه القيم تتطّلب اكتساب الأفراد والمجموعات  قيم حقوق الإنسان والالتزام بها، فالعمل من خلالها على تحسين أوضاع الناس بعيدا عن كل تفكير اختزاليّ يجعلها تتّجه إلى خدمة فئات اجتماعيّة دون غيرها، أو يمكّن فئات من توظيفها لصالحها مستفيدة من نصوص تقرّ الديمقراطيّة ومن غياب ثقافة ديمقراطيّة تقوم على النقد والتواصل الفعّال وعلى عمليات كسب التأييد للقضايا الإنسانيّة والتنمويّة.

ليست “الديمقراطيّة الحقيقيّة وصفة جاهزة تُطلب من خبراء ومختصّين، ولا تقليدا لنماذج مسبقة، أو قرارا فوقيّا لسلطة متنفّذة، أو إملاء خارجيّا لجهات أو مراكز قرار مهيمنة على المستوى الدوليّ…الخ، وإنّما هي “ثقافة” بالمعنى الاجتماعيّ الشموليّ لمدلول الثقافة. إنّها منظومة متكاملة من القيم والرّموز والاتّجاهات والمعايير المواقف والتّصوّرات ورؤى العالم… يستلزم بناؤها، ضرورة استنباتها ذاتيّا، أي جعلها –ضمن سيرورة ممنهجة، إراديّة وقصديّة وهادفة من التربية والتعليم والتكوين، والتنشئة الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة-تنبثق من خصوصيّات الذات ومقوّماتها السوسيو -حضاريّة والتاريخيّة المحليّة منها والكونيّة[20]“.

ب.مطلب الديمقراطيّة يُعيد حقوق الإنسان إلى الواجهة في العالم العربي

  ترتبط “حقوق الإنسان مع الديمقراطيّة بأكثر من وشيجة. فهما معا مكوّنان أساسيّان للفكر السياسيّ للحداثة. وذلك من حيث إنّهما معا في سياق الانتقال من ارتكاز السلطة ونظام الحكم على أسس الشرعيّة التقليديّة  القائمة على حماية تراث الأجداد وحراسة الماضي والسهر على التقليد والتراث، إلى ارتكازها على معايير التمثيليّة الشعبيّة واستناد السيادة إلى الشعب واستمداد مشروعيّة الحكم من هذه التمثيليّة ذاتها[21]“. ولهذا لا غرابة أن تكون من بين الخصائص التي طبعت الحراك الذي عرفته المنطقة العربيّة الارتباط بين الديمقراطيّة وحقوق الإنسان.

من بين الخصائص المشتركة لدول العالم العربيّ في مرحلة ما بعد الاستعمار غياب الديمقراطيّة حتى غدا هذا الفضاء  في نظر الكثيرين عصيّا على الديمقراطيّة. وقد عبّر الباحث باقر سلمان النجّار عن ذلك بوضوح في كتابه المعنون “الخليج العربيّ والديمقراطيّة العصيّة[22]“بقوله “لقد عاشت الساحة العربيّة، من مؤسّسات وأفراد، حالة نفسيّة عربيّة يصعب فهمها بسهولة. فهناك خطاب سياسيّ ممتدّ على صعيد معظم الدوّل القائمة والحركات السياسيّة فحواه تغييب الديمقراطيّة. وتتنوّع الأعذار والحجج لهذه الظاهرة. فهناك من يعود إلى التراث، وهناك من يتحجّج بالأوضاع الاستثنائيّة للأمة والتي لا يبدو أن هناك أي نهاية لها، وهناك من يتعلّل بالتكوين الاجتماعيّ للبلد المعيّن. كما أن هناك فئة من المسؤولين والحزبيّين الذين يحملون قناعات عميقة ومتجذّرة ضد الممارسات الديمقراطيّة ويعتبرونها نوعا من الضعف والعقم، ولا شيء غير السيف يستطيع حلّ مشاكل البلد[23]“. ألم “يذهب البعض من مثقفينا إلى القول  إن الشعب العراقي بحاجة إلى حاكم “بطّاش” يقوده أكثر مما هو بحاجة إلى “الديمقراطيّة الغربيّة”، أولم يقل البعض من مفكّرينا إن ما يحتاج إليه الوطن العربي هو حكم “الدكتاتور العادل” وليس “الضعيف الديمقراطيّ”[24].

لقد شكّلت المنطقة العربيّة نوعا من الاستثناء بحسب عبارة الباحث الجزائريّ نورالدين ثنيّو[25]، وهو استثناء تجسّد حسب رأيه في “السلطويّة التي لازمت نظام الحكم العربيّ[26]“، بمعنى أنّ الخاصيّة الرئيسيّة التي طبعت نظام الحكم العربيّ هي السلطويّة التي أفضت إلى “مصادرة الديمقراطيّة، والحيلولة دون وصولها إلى حالة الوعي بها كفاعل سياسيّ- اجتماعيّ يمتلك القدرة على التغيير والإصلاح وإعادة النظر، فضلا على الإطاحة بالحكّام والمسؤولين الفاسدين، وإتاحة الفرصة للجميع للوصول إلى السلطة وتحمّل تابعاتها[27]“. و”بمعنى آخر، فقد تشابهت الأنظمة العربيّة، وهذه واحدة من أهم خصائصها السياسيّة الحديثة، في أنّها تصدّت للمسار التاريخيّ لامتلاك الوعي العربيّ لمنظومة الديمقراطيّة وحقوق الإنسان، تتطلّع به إلى الاستقلال، كما فعلت مثلا، الحركات الوطنيّة العربيّة زمن الاحتلال عندما استثمرت إلى حد الشهادة، مفاهيم الحريّة، المساواة، العدالة، الشرعيّة الديمقراطيّة…فقد تعامل النظام العربيّ مع هذه الحقائق السياسيّة الكبرى كمكاسب ومغانم حرب لا تقبل التعميم على سائر المجتمع[28]“.

لقد منعت الطبيعة التسلطيّة للأنظمة السياسيّة العربيّة أي انتشار لمنظومة قيم الديمقراطيّة وحقوق الإنسان، متذرّعة في ذلك بذرائع مختلفة أجملها الباحث التونسي مصطفى الفيلالي في ثلاث ذرائع، حين كتب قائلا  “إن في أوطاننا العربيّة- كما في غيرها من جهات المعمورة- أنظمة عديدة تعمد قصدا إلى تعطيل الممارسة، من جانب مواطنيها، لبعض حقوقهم المدنيّة، وللكثير من حرّياتهم السياسيّة، ويتسلّط هذا الحظر بالدرجة الأولى على حرّية التعبير والرأي وعلى حريّة الصحافة والنشر وتداول المنشورات، وعلى حق تكوين الأحزاب السياسيّة وحريّة الاجتماع. وقد يشمل الحظر أحيانا حريّة التنقّل والسفر…[29]“.

 ويكشف هذا الكلام كيف أدّى تغييب الديمقراطيّة إلى التضييق على حقوق الإنسان وانتهاكها بل إلى تغييبها. ويضيف الباحث “وتتعلّل هذه الأنظمة، لتبرير هذا السلوك بأنّه تعطيل استثنائيّ إلى أجل محدود، لخدمة مصلحة عامة يعطيها المجتمع أولويّة كبرى على ما سواها من مصالح، وأن ذلك الاستثناء من القاعدة هو من باب الضرورة التي قد توجب حظر المباح[30]“.

وفي شرحه لهذا التمشي يقول الباحث “نقتصر في توضيح هذا السلوك، على ثلاثة مبرّرات، لم تزل تتردّد في الخطاب السياسيّ في أوطاننا، وبخاصة من جانب الأحزاب الحاكمة، ونعني بها ذريعة النضج السياسيّ في عامة الأوساط الشعبيّة، لا في مستوى النخبة وحدها، ثم ذريعة الوحدة الوطنيّة وهاجس العداوات العشائريّة والطائفيّة والخلافات السياسيّة، وأخيرا ذريعة التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة وما تتطلّبه من تجاوز حرب الطبقات وتنافر المصالح[31]“. بمعنى أنّ وراء تغييب الديمقراطيّة ذرائع هي أولا غياب النضج السياسيّ الذي يخوّل للفئات الشعبيّة المشاركة في صُنع السياسات العامة، وثانيا الخوف من التفكّك وضياع الوحدة الوطنيّة وثالثا ذريعة التنمية الاقتصاديّة، لكن الباحث يخلص إلى القول “الحقيقة أن هذه الذرائع كلّها، وغيرها ممّا نتعرّض له، كخطر القوى الأجنبيّة المناوئة للدولة، إنّما هي تعلّة يتعلّل بها أفراد النخب المستأثرة بالحكم السياسيّ أو بالتفوّق الاقتصادي، لتعطيل الحقوق والحريّات دون جحدها أو إنكارها من حيث المبدأ[32]“. بعبارة أخرى، اتّخذت تلك الذرائع لمنع الأفراد من التمتّع الحقوق والحريّات التي هي جوهر الديمقراطيّة، دون أن يتمّ التنكّر لها، فتفرغ الديمقراطيّة بذلك من كل محتوى.

لم تكن النخب السياسيّة العربيّة الحاكمة مقتنعة بالديمقراطيّة، ولذلك عملت تحت ذرائع مختلفة على تحويلها إلى شعار لا غير، بعد أن منعت تمتّع الأفراد كما الجماعات بحقوقهم المختلفة، بمعنى أن الهواجس التي استندت عليها تلك النخب في إرجاء الديمقراطيّة هي حجج لانتهاك حقوق الإنسان ومن ثمّ لمنع المواطنين من لعب دور حاسم في الحياة العامة. ولا غرابة إذا، أن “قامت الحياة السياسيّة في كثير من أوطاننا، وخلال العقود الأربعة الماضية على الوحدانيّة، وحدانيّة الحزب الحاكم، حتى ولو قامت بالانشقاق عنه، أحزاب معارضة، ووحدانيّة البنية الهيكليّة داخل هذا الحزب، ووحدانيّة الزّعامة الفذّة، بالاعتماد على الشرعيّة التاريخيّة، فتنتج من ذلك كلّه وحدانيّة الفكر السياسيّ وما ينذر أن يصبح سلفيّة سياسيّة، أقصت كلّ مشاركة، ونبذت كلّ شورى، وعطّلت أبواب الاجتهاد وجنحت إلى تربية الناس على الاستقالة بعنوان ما يسمّى في لغة أحزابنا باسم “الانضباط”[33].

ظلّ حال الديمقراطيّة في العالم العربيّ على ما هو عليه إلى حين اندلاع الثورات العربيّة أو الحراك العربيّ مع نهاية 2010 ومطلع 2011 حين تنادت الجماهير مطالبة بجملة من الحقوق منها الكرامة والتشغيل والتنمية والعدالة الاجتماعيّة والمساواة والمشاركة في تدبير الشأن العام فضلا عن المشاركة في اختيار الحكّام والحق في تعليم ذي جودة يمكّن المتعلّمات والمتعلّمين من تنمية مهاراتهم وكفاياتهم ويحرّر طاقاتهم (ويتجلّى هذا الأخير في مطالب الإصلاح التربوي)…، لقد عبّر بعض الباحثين عن أهميّة ما حدث بالقول ”  فما بعد السلطويّة العربيّة هو بداية  “لاستقلال ثاني” يتحقق هذه المرة ليس ضد الاحتلال الأجنبيّ، بل ضد الاحتلال العربيّ المحليّ[34]“، بمعنى أنّها عمليّة تحرّر بالمعنى الشامل، تحرّر يتيح للأفراد الانتقال من طور الرعيّة إلى المواطنة، ويوفّر لهم الإطار المناسب لممارسة حقوقهم وأداء التزاماتهم. أي أن مطالب الحراك اتّجهت إلى تغيير الثقافة السياسيّة السائدة منذ الاستقلال، والقائمة على الطاعة والخضوع والمسايرة.

ولمّا كانت العلاقة وطيدة بين الديمقراطيّة وحقوق الإنسان، إذ أنّهما “مقولتان أساسيّتان تتكاملان من حيث إنّهما نواتان مركزيّتان للحداثة السياسيّة، ومن حيث أنّهما أداتان لتحقيق التحديث السياسيّ أي أداتان لنقل أسلوب الحكم من الشرعيّة التقليديّة إلى الشرعيّة التمثيليّة. فالديمقراطيّة ثقافة سياسيّة حداثية كاملة، تتضمّن تصوّرا محدّدا للسلطة وللعلاقة بين المجتمع والدولة. والعلاقة بين الدولة والمجتمع هي علاقة تمثيلية مبنيّة على التعاقد. والمؤسّسات المتولّدة عن هذه التمثيليّة معبّر عنها عن طريق الاقتراع العلني المباشر، وذلك باعتبار أن الشعب، في التصوّر الحديث للسياسة، هو مصدر كل السلط ومعيار شرعيّتها ومرجعها الأسمى. وفي هذا السياق تندرج ثقافة حقوق الإنسان، وخاصة منها الحريات العامة، كحريّة التعبير والانتماء والتصويت والترشيح، فهذه الحقوق / الحريات هي بمثابة مكمّلات للشرط الديمقراطيّ لضمان تمثيليّة أكثر شفافيّة لمطامح ورغبات المجتمع وإرادته[35]” . فإن المطالبة بالديمقراطيّة أعادت حقوق الإنسان إلى الواجهة، فالأنظمة السياسيّة العربيّة التي سيطرت لفترة طويلة عمدت إلى انتهاك كل الحقوق بلا استثناء (المدنيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة…)، ولذلك لم يكن غريبا أن تتصدّر حقوق الإنسان المختلفة المطالب، لأنّه لا معنى للديمقراطيّة بمنأى عن تمتّع الأفراد بحقوقهم.

 لقد بدا جليّا أن إرساء ثقافة الديمقراطيّة يقتضي ترسيخ حقوق الإنسان، تلك الحقوق التي لا تعترف بالمفاضلة بين مختلف مكوّناتها وأجيالها بل على العكس من ذلك تشدّد على ترابطها مثلما عبّر عن ذلك إعلان فيينا[36]. أي أن قناعة ما  ترسّخت لدى شرائح واسعة  في العالم العربيّ مفادها أن ذرائع الأنظمة السياسيّة التي عمدت إلى بناء مفاضلات بين حقوق الإنسان ليست إلا طريقة لانتهاك تلك الحقوق في مجملها وأسلوبا لتأبيد التسلّط. وفي المقابل، يتطلّب القطع مع التسلّط إرساء ثقافة ديمقراطيّة تضمن احترام حقوق الإنسان في مجملها بلا مفاضلة ولا تمييز بينها، ومثل هذه الثقافة تفرض على مؤسّسات المجتمع المختلفة العمل على نشر مبادئها وفي مقدمة هذه المؤسّسات المؤسّسة التربويّة ومن خلالها التربية على حقوق الإنسان.

  1. 2. المطلب الثاني: لا ثقافة ديمقراطيّة دون تربية على حقوق الإنسان

بات من المؤكد ان “إشاعة القيم الديمقراطية أو بالأحرى ثقافة الديمقراطيّة، تتطلّب جهدا متّصلا سواء في نظم الديمقراطيّات الراسخة أو الديمقراطيّات الجديدة [37]” ولذلك “ظهر مفهوم “تعليم الديمقراطيّة” من خلال الكتب والممارسات المدرسيّة وسائر أدوات التنشئة الاجتماعيّة والسياسيّة[38]“. وضمن سياق “تعليم الديمقراطيّة” هذا، حظيت التربية على حقوق الإنسان، ومنذ تسعينات القرن الماضي على وجه التحديد[39]، باهتمام كبير يعود إلى عوامل متعدّدة منها ما يتعلّق بالتيّار العالمي الذي أعقب انتصار دول أوروبا الشرقيّة للديمقراطيّة الغربيّة واتّجاهها إلى  القطع مع نظام الحزب الواحد، والأنظمة التوليتاريّة،  ومنها ما يتّصل بتوجّهات الأمم المتحدة التي أقرّت عشرية الأمم المتحدّة للتربية على حقوق الإنسان[40] ومنها كذلك ما له علاقة بتوجّهات المنظمات الاقليميّة مثلما هو شأن استراتيجيّة تطوير التربية العربيّة (الاستراتيجيّة المحدثة) التي أصدرتها المنظمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم (تونس2006)[41]، الأمر الذي يعني أن توجّها كونيّا للتربية على حقوق الإنسان صار علنيّا وصريحا مستفيدا كذلك من مكاسب حقوق الطفل، مثلما عبّرت عن ذلك الاتّفاقيّة الدوليّة لحقوق الطفل الصادرة سنة 1989 التي نصّت في المادة عدد 29 على أن يكون “التعليم الطفل موجّها نحو:

  • تنمية شخصيّة الطفل ومواهبه وقدراته العقليّة والبدنيّة إلى أقصى إمكاناتها،
  • تنمية احترام حقوق الإنسان والحرّيات الأساسيّة والمبادئ المكرّسة في ميثاق الأمم المتحدة،
  • تنمية احترام ذوي الطفل وهويته الثقافيّة ولغته وقيمه الخاصة، والقيم الوطنيّة للبلد الذي يعيش فيه الطفل والبلد الذي نشأ فيه في الأصل، والحضارات المختلفة عن حضارته،
  • إعداد الطفل لحياة تستشعر المسؤوليّة في مجتمع حرّ، بروح من التفاهم والسلم والتسامح والمساواة بين الجنسين والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات الاثنيّة والوطنيّة والدينيّة والأشخاص الذين ينتمون إلى السكّان الأصليّين،
  • احترام تنمية البيئة الطبيعيّة.

ويعبّر هذا التوجّه العالميّ عن قناعة بأن التربية على حقوق الإنسان من غايات المنظومة التربويّة الرئيسيّة، بل من الغايات الكبرى التي ينبغي الاشتغال عليها حتى يتسنّى تحويل تلك الحقوق إلى واقع يوميّ، بمعنى إلى ممارسة عمليّة وليس إلى معارف نظريّة جامدة. وقد مكّن هذا التوجّه من ناحية أولى من الاشتغال على السند الحقوقيّ، حيث خضعت المادّة الحقوقيّة لعمليّة النقل التعليمي- التعلّمي، ومن ناحية ثانية من نشر ثقافة الحق، وتجلّى ذلك في العالم العربيّ في المطالب التي رُفعت والتي جعلت الحراك الرّاهن مختلفا عن حراك سابق عرفته المنطقة العربيّة في ثمانينات القرن الماضي، والذي جاء في شكل ردّات فعل في بعض  البلدان العربيّة جاءت احتجاجا على ارتفاع أسعار المواد الغذائيّة[42]. بعبارة أخرى، جاء الحراك العربيّ الأخير معبّرا عن رغبة في تجديد العقد الاجتماعيّ وإعادة بنائه على أسس مغايرة للتي بُني عليها العقد السابق،  وهذه الأسس تتمثّل في حقوق الإنسان التي هي أساس المواطنة وعماد الديمقراطيّة.

لفهم الحراك الذي يعيش على وقعه العالم العربيّ، يكون من المهمّ الأخذ بعين الاعتبار عدّة عوامل منها تطوّر تكنولوجيا المعلومات والاتّصال ومنها قدرة الأجيال الشابّة على توظيف تلك الوسائط التقنية في المطالبة بالتغيير، ومنها أيضا فشل المناويل التنمويّة المتّبعة في العالم العربيّ والتي عجزت عن تلبية انتظارات الأجيال الشابّة وحاجياتها، وفي طليعة تلك الانتظارات والاحتياجات الرغبة في توسيع قاعدة المشاركة في تدبير الشأن العام بما يتيح للأغلبيّة المساهمة بفعاليّة وبنشاط في صنع السياسة العامة التي ظلّت محتكرة من قبل النخب التي فرضت نفسها وصيّة على الأغلبيّة.

ومن بين العوامل الأخرى التي لعبت دورا في هذا الحراك ثقافة الحقوق التي انتشرت في بعض المجتمعات العربيّة بسبب وسائل الإعلام وتكنولوجيا المعلومات والاتّصال، وكذلك بسبب التعليم والتربية على حقوق الإنسان. فقد سمحت مقابلات أجريناها مع مجموعات من أساتذة مادة التربية المدنيّة بتونس[43] بتبيّن تأثير التعليم المدرسيّ في نشر ثقافة حقوق الإنسان. حيث أجمع المدرّسون في المجموعات البؤريّة الثلاث focus groupes التي أجرينا معها مقابلات على أن وراء المطالب الحقوقيّة التي رُفعت في تونس إبّان حراك نهاية 2010 ومطلع 2011 كانت هناك خلفيّة حقوقيّة أسهت المدرسة التونسيّة في نشرها.

  يحتاج فهم دور المدرسة في نشر حقوق الإنسان وترسيخ ثقافة بالديمقراطيّة إلى بحث معمّق عن المعنى الذي اتّخذته هذه التربية الحقوقيّة لدى المتعلّمين كما لدى المعلّمين، لأنّ تأثير تلك المادّة الحقوقيّة يظلّ وثيقة الصلة بالمعنى الذي أُعطي لها وسيُعطى لها مستقبلا. وبتعبير ثان، قد لا يُفضي الاشتغال على المضامين والمحتويات الحقوقيّة إلى تبيئة الثقافة الديمقراطيّة في المجتمعات العربيّة إذا ما صار معناها مختزلا في مادّة دراسيّة تقدّم للتلاميذ على أنّها مضامين تحفظ وتُعاد إلى المعلّم يوم الامتحان.

لقد اشتغلت المدرسة – في عديد البلدان العربيّة – على حقوق الإنسان منذ التسعينات من القرن الماضي، في سياق موجة عالميّة لكن ذلك الاشتغال لم يكن في غالبه ناجعا بسبب عدم وضوح المعنى مثلما تبيّن ذلك دراسة تقييميّة أنجزها المعهد العربيّ لحقوق الإنسان وأعلن عن نتائجها مع انتهاء عشريّة الأمم المتحدة للتربية على حقوق الإنسان. فقد “انكبّ أكثر من ثلاثين باحثا على دراسة حوالي ست مائة كتاب من موادّ مختلفة، معتمدة في التعليم الابتدائي أو الأساسي[44]“. وقد شملت هذه الدراسة الموسّعة لاحقا (بين سنتي 2000 و2003) حوالي مائة كتابا من كتب المرحلة الثانويّة بعدد من الدول العربيّة (الأردن، الجزائر، سوريا، الكويت، لبنان، مصر، اليمن، تونس)[45].

كشفت هذه الدراسة الموسّعة عن ضبابيّة في معنى التربية على حقوق الإنسان، أجملتها الدراسة المشار إليها في النقاط الآتية[46]:

  • ضعف مساهمة البرامج ومحتوى الكتب في التربية السياسيّة على الديمقراطيّة بغياب الحقوق ذات المضمون السياسيّ، وهو ما لا يساهم في تنشئة أجيال تتحمّل مسؤوليّات المواطنة.
  • التناقض: تمجيد التسامح والتضامن بين الشعوب مع تفضيل أمّة على أمّة وتفضيل دين على دين، وكذلك الخلط الواضح أحيانا بين الوطن والنظام السياسيّ القائم.
  • الصورة الدونيّة للمرأة انطلاقا من المفاضلة الجنسيّة والثقافة الذكوريّة التي تسيء إلى العمليّة التربويّة بالتناقض الحاصل من تمجيد الأم ودونيّة المرأة وليس غريبا بعد ذلك أن يكون حظ النّصوص المختارة من مؤلّفات المرأة ضئيلا بما في ذلك ما يتعلّق بالمرأة ذاتها.

وإذا ما أضفنا إلى هذه الأعطاب التي حدّدتها دراسة المعهد العربيّ لحقوق الإنسان نقاطا أخرى تتّصل بالتمشيّات البيداغوجيّة في التربية على حقوق الإنسان والتي هيمن عليها التلقين والممارسات التقويميّة التي نزعت إلى الاستعراض والمقاربة التسييريّة (تدبير الشأن التربويّ يوميّا في الوسط المدرسيّ) التي جعلت الشأن التربويّ في الوسط المدرسيّ مسألة تهمّ الكهول فقط، بل في كثير من الحالات تعني الإداريين لوحدهم.

ونتيجة لما تقدّم صارت عبارة التلميذ محور العمليّة التربويّة شعارا لا غير.  وعليه باتت حقوق الإنسان-  حتى وإن تمّ إقرارها بصفة صريحة (المنهج الصريح)-  فاقدة لمعناها لدى متعلّمين جاؤوا للمدرسة بالأساس للحصول على شغل[47]، وأمام توجّه تربويّ اختزل معنى الفعل التربويّ في علاقة المدرسة بتحوّلات سوق الشغل وتغيّراته[48]. ولذلك أمكننا القول إن  التربية على حقوق الإنسان في معناها الرّاهن بالمؤسّسة التربويّة في الدول العربيّة لا يمكنها أن تكون أرضيّة صلبة لنشر ثقافة الديمقراطيّة.

على الرّغم من أنّ التربية على حقوق الإنسان اتّسمت بعدم وضوح المعنى، مثلما أسلفت الإشارة إلى ذلك، إلا أنّها أسهمت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في بعض البلدان العربيّة في رفع مطلب الديمقراطيّة الذي أعاد حقوق الإنسان إلى الواجهة. ومع ذلك فإنّ هذا التوجّه التربويّ لم يكن ناجعا بالقدر الكافي والدليل ضبابيّة المعنى المشار إليها أعلاه، بحيث تصبح الممارسة التربويّة مشبعة بالتناقضات التي يكون لها تأثير سلبيّ في تمثلات المتعلّمين للتربية على حقوق الإنسان. فالتلقين على سبيل المثال، حوّل المادة الحقوقيّة إلى مضامين تُحفظ وتُعاد عند الامتحان وكأن الهدف منها ليس بناء المواقف وتوجيه السلوكيّات بل استعراض المعلومات.

 أفقد اختزال الفعل التربويّ الحقوقيّ في أنشطة تعليميّة-  تعلّميّة هاجسها نقل المعارف والمضامين لا غير القيم الحقوقيّة كلّ دور لذلك الفعل في المساهمة في بناء ثقافة سياسيّة بديلة للثقافة السياسيّة التي عمدت الأنظمة السياسيّة العربيّة إلى تكريسها. بمعنى أن تناول حقوق الإنسان من زاوية كونها معارف نظريّة لا غير لا يعطيها المعنى الحقيقيّ الذي يجعل المتعلّم يرى فيها سبيلا لإرساء ثقافة الديمقراطيّة، بل يحوّلها إلى محتويات ومعارف لا يتعدّى الاهتمام به فترة الامتحانات.

يقتضي بناء ثقافة الديمقراطيّة الاشتغال على حقوق الإنسان بمنظور مغاير، أي بمنظور يُتيح للمتعلّم تنمية كفاياته النفسيّة والاجتماعيّةses compétences psycho-sociales[49] التي تخوّل له لاحقا الانخراط بفعاليّة في المجتمع لا في سوق الشغل فقط. بمعنى أن التحدّي الذي يُفرض على المدرسة هو أن تُعطي التربية على حقوق الإنسان معنى يكون موحّدا لدى مختلف الفاعلين التربويّين (التلاميذ/ المربّون/ الأولياء/ …) لأنّ هذا المعنى هو الذي ييسّر الانتقال بها من نقل المعارف حول حقوق الإنسان والديمقراطيّة إلى بناء ثقافة الديمقراطيّة، وهذا لا يتمّ إلا ضمن سياق تربويّ يكون مؤسّسا على جملة من الأبعاد التي سنحاول إجمالها في النقاط الاتية:

  • الديمقراطيّة ليست سلعة وليست معارف جامدة:

يقتضي هذا التصوّر ألا “يتمّ النّظر إلى الديمقراطيّة على أنّها “سلعة للتصدير والاستيراد”، أو حتى للنقل والتّحويل…- مع عدم الإلغاء الكلّي أو العدمي لبعض الفوائد الايجابيّة لهذه التبادلات- وإنّما يجب النظر إلى الديمقراطيّة على أنّها “ثقافة” بالمعنى الآنف، أي  قيم داعمة لتأصيل حقوق الإنسان، ولمسلكيات التسامح، وتقبّل التعدّد والاختلاف…وكلّ ما يساهم في بناء مواطنة citoyenneté  منفتحة على الذات وعلى الآخر في آن، منخرطة في “سيرورة مثاقفة” ذاتيّة وكونيّة وحواريّة ومتكافئة[50]“.

ومن هذا المنطلق، يكون من الواجب عند  بناء المنهج التربويّ الأخذ بعين  الاعتبار دور المؤسّسة التربويّة في إرساء تلك الثقافة، وفي تمكين المتعلّمين من الاطلاع على تجارب ديمقراطيّة مختلفة ومن ثمّ المقارنة بينها. ومثل هذا التوجّه يحتاج إلى عمق كبير في بناء المنهاج بحيث تُسهم المواد الدراسيّة المختلفة بشكل فعّال في إرساء تلك الثقافة. وبعبارة مغايرة، ينبغي “النظر إلى التربية…على اعتبار أنّها لا تشكّل مجرّد حقل للتعليم والتكوين والتنشئة وتأهيل الرأسمال البشريّ وفق توجّهات فكريّة وسياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة وحضاريّة معيّنة، ولا حتّى مجرّد مجل للترويض الايديولوجيّ والتدجين السياسيّ والثقافيّ …، وإنّما تشكّل السند المحوريّ لتشييد المشروع الديمقراطيّ بل والاجتماعيّ برمّته…[51]“.

إن اعتبار الديمقراطيّة مشروع مجتمعيّ، يجعلها حصيلة عمليّة بناء جماعيّ، ونتيجة ثقافة تقدّس التنوّع والتعدّد وتعمل على تجسيمهما في الواقع اليوميّ وفي الممارسات اليوميّة. وعليه، لا ينبغي أن يكون الفضاء المدرسيّ بمنأى عن الممارسة الديمقراطيّة، لأن تبيئة ثقافة الديمقراطيّة تقتضي أن تكون المؤسّسة التربويّة فضاء للتدرّب على ممارسة الديمقراطيّة، وهو ما يقتضي من المعلّمات والمعلّمين الانخراط الكامل في عمليّة توطين تلك الثقافة من خلال تدريب “المتعلّمات والمتعلّمين على ممارسة الأسلوب العلميّ في التفكير وقبول الرأي الآخر والتعايش معه، وعلى قبول نسبيّة الآراء، ومشروعيّة التناقضات[52]“.

يستدعي الإقرار بأن الديمقراطيّة مشروع مجتمعيّ يُبنى من المدرسة أن “تتحمّل تطوير مسيرة الديمقراطيّة داخل أسوارها من خلال تدخّلها القصديّ المدروس المخطّط ومن خلال تكوين الوعي بالقضايا الديمقراطيّة وتدريب التلاميذ والمعلّمين على السلوك الديمقراطيّ داخل حجرة الدراسة، ويتطلّب ذلك أن توفّر المدرسة المناخ الذي يسمح بالمشاركة وحريّة التفكير وتحمّل المسؤوليّة[53]“.

وحتى يمكن للمدرسة أن تكون نموذجا لاكتساب الديمقراطيّة، يجب عليها أن “تجعل تلاميذها يفهمون القضايا المحيطة بهم، ويفهمون على أساس من الممارسة وحلّ المشكلات ما هي حقوقهم وما هي واجباتهم. ويأتي ذلك من خلال كتابة لائحة المجتمع المدرسيّ أو إنشاء برلمانات للتلاميذ، ولعب الأدوار التي تحاكي المؤسسات الديمقراطيّة وممارسة تمرينات في  حلّ الصراعات حلاّ يبتعد عن العنف[54]“.

ضمن هذا السياق تكتسب التربية على حقوق الإنسان معنى مغايرا  للمعنى المتداول والذي بالكاد يختزلها في إكساب التلاميذ معارف تتّصل بحقوق الإنسان (المعنى/ التصنيف/ التطوّر التاريخيّ/ آليات الحماية)، إنّه معنى جديد وثيق الصلة بالديمقراطيّة كمشروع مجتمعيّ يقوم على نسبيّة الحقيقة، وتعدّد الآراء ووجهات النظر، وكذلك على فهم المحيط وقضاياه والعمل على إيجاد الحلول الملائمة لها ضمن ورشات تفكير جماعيّ، يكتسب من خلالها المتعلّمون من الجنسين كفايات العمل ضمن فريق ومهارات كسب التأييد لآرائهم ومواقفهم، ومهارات حلّ الخلافات بالطرق السلميّة…الخ.

إن للمدرسة دور محوريّ في بناء الثقافة الديمقراطيّة. وعليه، لا يكون الفعل التربوي محقّقا لذلك الهدف إلا عندما يكون المناخ المدرسيّ le climat scolaire ملائما لذلك. فالمسألة أعمق وأشمل من تقديم معارف حول الديمقراطيّة وحقوق الإنسان وهكذا فالمعلّم “يزوّد تلاميذه ليس فقط بالمعلومات والمعارف، وإنّما بالقيم والاتّجاهات الإيجابيّة[55]“. وهذا التحدّي لا يمكن التغلّب عليه إلا بتوفّر شروط منها الإقرار بأنّ التعليم حق، والعمل على توفير الظروف الملائمة لتمتّع المتعلّمين بذلك الحق.

  • التعليم حق وتجسيمه يحتاج إلى ثورة كوبرنيكية في البيداغوجيا

من المعلوم أن التعليم حق أقرّه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان منذ سنة1948 [56] ، وتلته نصوص دوليّة وإقليميّة ووطنيّة أخرى أكّدت بدورها على هذا الحق. ولكن لهذا الحق أهميّة خاصة،  فهو “أب الحقوق الأخرى، لأنّه لا حياة ولا حريّة ولا كرامة ولا شغل ولاعدل ولا مساواة ولا غيرها من تلك الحقوق، لإنسان لا يعلم، مادام جاهلا بالأساس لكلّ ما حوله…وكما يقال إن فاقد الشيء لا يعطيه…[57]“. أي أن التعليم حق مؤسّس لحقوق أخرى وبالتالي، فإن تفعيل هذا الحقّ لابد أن يُراعي جوهره وطبيعته اللذان يجعلان من التمتّع به شرطا لازما للتمتّع ببقيّة الحقوق مثل الحق في الصحة والحق في الشغل والحق في التعبير عن الرأي …الخ.

ولكن للحق في التعليم دلالة أخرى، ألا وهي أنّه حق للمتعلّم، وأن هذا الأخير يأتي إلى المدرسة ليس لأداء واجب وإنّما للتمتّع بذلك الحق، وبالتالي، فإنّ على المجتمع واجب تيسير الظروف التي تخوّل للمتعلّم التمتّع به. ومثل هذا المعنى يحدث تغيّرا كبيرا في النظرة إلى التعليم والتعلّم خاصة لدى المتعلّم صاحب الحق.

يستدعي هذا التوجّه القطع مع نظرتين:  أولاهما ترى في التعليم مكرمة من صاحب السلطان، وكأن التعليم فضل من الحاكم وليس حقّا، وأما الثانية فترى التعليم محض واجب على المتعلّمات والمتعلّمين القيام به.  ولا غرابة أن تصرّف بعض المربّين مع التلاميذ بناء على ذلك التمثّل  أي على أساس  أن هؤلاء المتعلّمين من الجنسين بصدد القيام بواجبهم الدراسيّ وليسوا بصدد التمتّع بالحق في التعليم، ولذلك يبيح أولئك المعلّمون لأنفسهم كلّ التصرّفات التي تُجبر المتعلّمين على القيام بواجباتهم بما فيها التعنيف الذي ظلّ لفترة قريبة جدّا عملا محبّذا حتى من قبل أولياء التلاميذ. وكانت نتيجة ذلك أن يأتي التلاميذ إلى المدرسة مُكرهين، فيظلّون ينتظرون ساعة الخلاص منها.

من بين دلالات القول إن التعليم حقّ، أن للمتعلّم مكانة مميّزة في الوسط المدرسي، وأنّ دور القائمين بالواجب (المربّون بمختلف أصنافهم ودرجاتهم) هو توفير الظروف المناسبة للتلاميذ لممارسة حقّهم في التعليم، سواء منها الماديّة أو النفسيّة، ويترتّب عن ذلك إحداث تحوّل في العلاقة التربويّة في مستويين اثنين على الأقلّ يتعلّق المستوى الأوّل بتغيير طبيعتها لتكون متعدّدة الأقطاب وليست ثنائيّة فقط، باعتبار أن تمتّع الطفل بحقّه في التعليم يحتاج إلى علاقة متعدّدة الأطراف أو إن شئنا إلى علاقة تقوم على التشارك بين المعنييّن بالمسألة التربويّة من أولياء وجمعيّات ومربّين بطبيعة الحال.

ويتّصل المستوى الثاني بالعمل على تبنّي وإرساء بيداغوجيا تفاعليّة تُساعد المتعلّمين على اكتساب كفايات متنوّعة (النقد- الإبداع- التواصل الفعّال- العمل ضمن فريق- كسب التأييد). بعبارة أخرى، طالما لم يُنظر إلى المتعلّمات والمتعلّمين على أنّهم يمارسون حقاّ في التعلّم والتعليم، ستظلّ العلاقات التربويّة ومن خلالها الممارسات عموديّة الطابع بشكل يغدو فيه التلاميذ مُكرهين على أداء دور لا يرغبون في القيام به، وهذا أحد أسباب أزمة التربية في المنطقة العربيّة في وقتنا الرّاهن.

يتطلّب الإقرار بأن التعليم حق مقاربة مغايرة لمنزلة المتعلّم في المدرسة ومن خلال ذلك للعلاقة التربويّة، بمعنى القطع مع صورة رُسمت في المخيال الجماعي للمتعلّم بالمدرسة وهو أنّه مدعوّ للامتثال لأوامر معلّميه وطاعتهم حتّى يتسنّى له النّجاح والارتقاء في مسيرته التعليميّة ومن خلال ذلك المهنيّة،  وهذه نقلة نوعيّة في طريقة اشتغال المنظومة التربويّة لابد من إحداثها إذا رغبت هذه الأخيرة في نشر ثقافة الديمقراطيّة وتجذيرها لدى الناشئة من خلال التربية على حقوق الإنسان.

يعتبر الباحث المغربي محمد مومن أن “التحوّل الجوهريّ في تاريخ البيداغوجيا يتمثّل في إزاحة المدرّس عن المكانة المركزيّة في العمليّة التعليميّة التعلّميّة، وإحلال التلميذ مكانه، والارتكاز على نشاطه وفعاليته[58]“، أي أنّ النظر إلى المتعلّم باعتباره صاحب الحق، يجعل مكانته مغايرة لتلك  القناعات التي أرستها منظومة التعليم التقليديّة والتي تنظر إليه فقط باعتباره قائما بواجب لا غير، قادما إلى المدرسة لأداء واجب التعليم والتعلّم وليس للتمتّع بالحق في التعليم والتعلّم. وبالتالي لا تكون التربية على حقوق الإنسان مجسّدة ومجسّمة للتعليم كحق إلا متى غيّرت من مكانة المتعلّم محدثة ما عبّر عنه البيداغوجي السويسري كلابريد E. Claprèdeب”الثورة الكوبرنيكيّة في التربية” تشبيها له بما حدث في علم الفلك، والذي أصبحت معه الشمس بدل الأرض هي مركز الكون[59]“.

يُملي اعتبار المتعلّم محور العمليّة التربويّة على سائر الفاعلين التربويّين لاسيّما المعلّمين، إعادة النظر في علاقتهم بالتلاميذ، بحيث لا يُكتفى بما تنصّ عليه النصوص المنظّمة للعمليّة التعليميّة- التعلّميّة وإنّما يتمّ العمل على ترجمة ذلك إلى ممارسة يوميّة، الأمر الذي يتطلّب الاشتغال على مستويات عدّة ؛ أوّلها إشراك المتعلّمات والمتعلّمين في وضع القوانين والمواثيق واللّوائح المنظّمة للعمل بالفصل كما بالمدرسة. وفي هذا البعد تنمية للسلوك التشاركي الذي سيكون له صدى لاحقا عند انخراط الفرد في الحياة العامة. قد يكون فضاء المشاركة الفصل، كما قد يكون النادي (نادي التربية على حقوق الإنسان/ نادي التربية على المواطنة/ نادي البيئة/ نادي الفنون…)، وفي كلّ الأحوال يصبح المتعلّم قادرا على تجسيم ما تعرّف إليه من حقوق. أما ثانيهما فهو تعزيز مكانة المتعلّم المركزيّة عمليّا على الصعيد البيداغوجيّ، حيث من الضروريّ تبنّي مقاربات بيداغوجيّة ترتكز على المشاركة النشيطة للتلميذة والتلميذ، وهو ما يفرض على المربّين الوعي بأنّ “الأطفال مشاركون فاعلون في تصوّرهم الخاص، وليسوا مجرّد مخلوقات متلقية يجب تحفيزها. وهذا يعني الاقرار بأن التعلّم، بصورة عامة، هو عمليّة فعل[60]“.

إن تجسيم مقولة محوريّة المتعلّم في العمليّة التربويّة لا يكون إلا بإرساء الطرق النشيطة les méthodes actives  التي “تجعل الطفل عنصرا نشيطا وفاعلا في العمليّة التربويّة عن طريق مجموعة من الأنشطة (اللّعب، الإنتاج، التعبير بالكلام والرسم، الرقص، الغناء، الخ.)[61]“. وهذا يعني أن العمليّة التربويّة تغطّي مساحة أكبر من الفصل، وتمتدّ إلى الحياة المدرسيّة وإلى النوادي التربويّة التي تنفتح على المحيط من خلال الزيارات التربويّة الميدانيّة التي تسهم في تعزيز تلك المكانة التي تمّ الاعتراف بها للمتعلّم.

إن التربية على حقوق الإنسان مغايرة تماما لنقل معارف على المتعلّمات والمتعلّمين حفظها والاستظهار بها يوم الامتحان، “يوم يكرم المرء أو يهان”، إنها  حق أولئك التلاميذ في معرفة الحقوق وممارستها في فضاء تربويّ يبدأ بالفصل ولا ينتهي عنده، حيث تكون النوادي التربويّة وأنشطة الحياة المدرسيّة المختلفة  مدخلا لممارسة حق التعليم، وجسرا مفتوحا يوطّد الصلة بين المدرسة ومحيطها، وبين المتعلّم ومجتمعه.

تذهب بعض الدراسات إلى أن “التعليم المدرسيّ سيحصل مستقبلا وبصورة أقلّ بين أربعة جدران المباني المدرسيّة، وسيكون أقلّ التزاما بأوقات المدرسة، بل ينبغي أن تفتح للتلاميذ امكانيات تربويّة مختلفة كثيرة في العوالم العمليّة للعمل والحياة العامة والسياسة من ناحية أولى، ولكن كذلك أماكن الثقافة والتربية التي تحظى بالتشجيع العموميّ… ومؤسّسات الرياضة وحدائق الحيوانات وحدائق المجاميع النباتيّة والحدائق العامة والقصور والرباطات وبالطبع العوالم الافتراضيّة التي لا تُقدّر للانترنت. إن المدارس التي هذا نوعها تتحوّل إلى مراكز ثقافيّة غير مقصورة على التلاميذ بل هي تكتسب أهميّة أوسع بالنسبة إلى الرأي العام. ذلك هو الأفق الديمقراطيّ وذلك هو نوع المشاركة العامة[62]“.

بعبارة أخرى، إن مكانة المتعلّم المركزيّة لا تكون فقط في فضاء المدرسة، بل أيضا في كل الفضاءات التي يستوجب أن تنفتح عليها تلك المؤسّسة التربويّة حتى تؤديّ دورها في بناء شخصيّة المتعلّم الفاعل القادر على المبادرة والواثق  من نفسه، والقادر على ممارسة النقد البنّاء وهذا هو جوهر التربية بشكل عام والتربية على حقوق الإنسان بشكل خاص.

أما المستوى الثالث ، الذي ينبغي الاشتغال عليه، فهو مستوى العلاقات التربويّة، وتحديدا مستوى ما يُعرف بالسلطة التربويّة. فنحن ندرك تمام الإدراك أن هاجس الانضباط والتحكّم في الفصل يطغى في الغالب الأحيان على الممارسة التربويّة بالمدرسة العربيّة إلى درجة أن كلّ تعليم يتّصل بالحقوق أو يلامسها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة يُفقدها كلّ دلالة.

يعدّ “البعد العلائقي الوجدانيّ محدّدا رئيسيّا لنوعيّة التعلّم، لأن التلميذ أكثر من ذات ابستميّة مجرّدة، فهو فرد/ شخص/ متعلّم، لا يتعلّم إلا ما يرغب في تعلّمه، ولا يتملّك إلا المعارف التي يجد فيها معنى، كما أن الارتقاء بأدائه يمرّ عبر تثمينه كشخص[63]“. لكن ماذا لو حُكمت هذه العلاقة بطابع تسلّطي؟ ألا نخشى آنذاك من ضياع معنى مكانة المتعلّم المركزيّة ومن فقدان التربية على حقوق الإنسان، والتربية على الديمقراطيّة كلّ معنى؟

تبدو الإجابة عن هذين السؤالين وغيرهما من الأسئلة ذات العلاقة على صلة وثيقة ووطيدة بمسألة السلطة  الديمقراطيّة في المؤسّسة التربويّة أي تلك “السلطة القائمة على الحوار والإقناع والتراضي واحترام إرادة الآخرين، ومستندة على أسس وقواعد تتماشى ومقتضيات “دولة الحق والقانون”، كما تنظّمها أحكام “العقد البيداغوجيّ” تماما مثلما  تنظّم السلطة الاجتماعيّة أحكام “العقد الاجتماعيّ”…لتهب التلاميذ، استنادا إلى تجربتهم الشخصيّة ومعيشهم اليوميّ معها الحق في إبداء رأيهم فيها والاعتراض عليها، وضبط مسارها وتصحيح ممارستها إن هي حادت عن الحدود المرسومة لها، ومالت إلى أن تصبح استبدادا وطغيانا، والسعي إلى تقنينها وعقلنتها، والعمل على دمقرطتها وأنسنتها للحدّ من الأضرار الجسيمة والنفسيّة والاجتماعيّة التي قد تتسبّب لهم فيها[64]” .

من  المهمّ التأكيد على أنه من الصعب إرساء سلطة ديمقراطيّة في تدبير المسألة التربويّة في أبعادها الإداريّة والبيداغوجيّة…الخ، لأن ذلك يتطلّب تكوينا من نوع خاص بالنسبة إلى المربّين، ويستدعي مقاربة تربويّة مغايرة  تأخذ بعين الاعتبار أن المدرسة وجدت لأجل المتعلّم، وأن هذا الأخير يحتاج إلى ما هو أعمق وأشمل من تقديم المعارف والمعلومات بما فيها تلك المتعلّقة بحقوق الإنسان بل قل تلك التي تتّصل بحقوق المتعلّم ذاته.

ضمن هذا السياق فقط، يكون للتربية على حقوق الإنسان معنى عند المتعلّمات والمتعلّمين، لأن “ما يتعلّم لا يمكن أن يتملّك من قبل الفرد إلا إذا كان يثير فيه بعض الأصداء، ويكتسب معنى لديه[65]“، أي أن التربية على حقوق الإنسان لا معنى لها إن لم تتمكّن من جعل المتعلّمين يجسّدون ذلك الحق في الفضاء المدرسي بالذات. وبعبارة ثانية، لن يكون المعنى ذاته بالنسبة إلى التعليم طالما ظلّ الفضاء الذي يحتضنه خاضعا لمنظومة ضبط تُغيّب الحق وتُعلي فقط من قيمة الواجب. وعلى هذا الأساس يكون من الضروريّ العمل على جعل الفضاء التربوي فضاء للحريّة، أي جعله مجالا لممارسة المتعلّمين لحقوقهم بما فيها حق اللّعب والترفيه وممارسة الهوايات فضلا عن الحق في اختيار ممثليهم في المجالس البيداغوجيّة/ التربويّة ، وهو ما يعني تغييرا لمقاربة تدبير الشأن التربويّ على مستوى المؤسّسة (الميكروMicro). فمن ذلك الفضاء تنطلق عمليّة نشر ثقافة الحق والمسؤوليّة لا ثقافة الطاعة والواجب فحسب. فالتعليم حق، وهذا المعنى لن يترسّخ بسهولة في المجتمعات العربيّة طالما اقتصرت العمليّة التربويّة والتعليميّة على أداء الواجبات المدرسيّة وطاعة المربّين، ولم تحصل تلك الثورة الكوبرنيكيّة المنشودة في الوسط التربويّ العربيّ.

أن يكون التعليم حقّا، فذلك يعني بالضرورة، أن التعليم ليس مجرّد حق، وإنّما هو قدرة على ممارسة ذلك الحق، تماما مثلما أن “الحريّة ليس مجرّد حق، وإنّما هي قدرة، ومعنى هذا أن أي حق لا يمكن ممارسته دون امتلاك الإنسان القدرة على تلبية متطلّباته والوفاء بشروطه[66]“. أي أنّه إذا كان الحق متاحا نظريّا لكل مواطن فإن ممارسته تتطلّب قدرات لا تتوفّر عند الجميع، ومن هنا يكون من الضروريّ أن تشتغل المدرسة على تطوير تلك القدرات التي تخوّل للمتعلّمين ممارسة حقّهم في التعليم.

يعود إدراك هذا “التمييز بين “الحق” و”القدرة” إلى الدراسة الرائدة للسير إيزيا برلين (1909-1997) في نهاية الخمسينات من القرن العشرين بعنوان “مفهومان للحريّة”، والتي أشارت إلى أن العبرة في فهم الحريّة لا تتوقّف عند التعريفات الدستوريّة والقانونيّة، أو على الإجراءات النظريّة الخاصة بممارستها؛ وإنما من الضروريّ إدخال عنصر القدرة على ممارستها[67]“. وهذا يعني أن التعليم ليس حقا نظريّا، بل هو بالأساس قدرة على ممارسة ذلك الحق، الأمر الذي يحتّم تحويل الفضاء التربويّ إلى فضاء تنمية تلك القدرات المتّصلة بالحق في التعليم. وعليه فتعليم حقوق الإنسان لا معنى له إن لم يكن للمتعلّم قدرة على ممارسة تلك الحقوق في الوسط التربويّ ذاته.

ج.التربية على حقوق الإنسان مدخل لبناء الثقافة السياسيّة:

تُثير علاقة التربية بالسياسة  في حالات كثيرة اللبس، حيث تُتّهم الأنظمة السياسيّة – في كثير من البلدان ولاسيّما في البلاد ذات الأنظمة السياسيّة التسلّطيّة – بتوظيف التربية لخدمة أجندتها السياسيّة ونشر أفكارها وايديولوجيّتها. ولعلّ مثل هذا التخوّف هو الذي يقف وراء تضمّن بعض الدساتير تشديدا على حياد المؤسّسة التربويّة عن التوظيف الحزبي . فعلى سبيل المثال نصّ دستور الجمهوريّة التونسيّة (2014) في فصله عدد16 على أن الدولة “تضمن حياد المؤسّسات التربويّة عن التوظيف الحزبيّ”.

وقد دفعت هذه التخوّفات الكثير من الأولياء إلى دعوة منظوريهم إلى  تجنّب الحديث في السياسة في المدرسة وخارجها درء لكلّ المخاطر المحدقة بهم. ولكن هذه التخوّفات لا تعني أن الفعل التربويّ لا يمتّ بصلة للثقافة السياسيّة. فالتنشئة السياسيّة هي من أبرز مهامّ العمليّة التربويّة. بمعنى أن الموكول للمؤسّسة التربويّة يتجاوز تمكين المتعلّمين والمتعلّمات من المهارات اللاّزمة للاندماج في سوق الشغل، إلى تمكينهم من تنشئة اجتماعيّة وسياسيّة تخوّل لهم المشاركة بفعاليّة في صنع السياسات العامة وتدبيرها. فالتنشئة السياسيّة هي “عمليّة تلقين لقيم واتّجاهات سياسيّة، ولقيم واتّجاهات اجتماعيّة ذات دلالة سياسيّة[68]“.

“تُكَوّنت الثقافة السياسيّة من مجموعة معارف ومعتقدات تسمح للأفراد بإعطاء معنى للتجربة الروتينيّة لعلاقتهم بالسلطة التي تحكمهم، كما تسمح للمجموعات باستخدامها كمراجع للتعريف بهويّاتها. إنّها تسمح إذن لكلّ منهم بتحديد موقعه في المجال المعقّد السياسيّ، وذلك من خلال تعبئة حدّ أدنى من المعالم، الواعية أو غير الواعية، التي ترشده في سلوكه: سلوكه كمواطن على سبيل المثال، أو سلوكه كناخب أو مكلّف بدفع ضريبة، الخ[69]“. بمعنى أن الثقافة السياسيّة ليست تعبئة ايديولوجيّة بل هي معارف وقيم واتّجاهات تمكّن الأفراد من إعطاء معاني لممارساتهم اليوميّة ذات العلاقة بالسلطة التي تحكمهم .

ليست الثقافة السياسيّة تعبئة حزبيّة وإنّما هي عمليّة منظّمة تهدف إلى إقدار الفرد على فهم دوره في علاقته بالسلطة، ومن ثم التصرّف بما يتلاءم مع تلك العلاقة. وقد تكون هذه الثقافة رعائيّة عندما “ترتبط ببنية تقليديّة غير مركزيّة إلى حدّ كبير[70]“. وقد تكون ثقافة خضوع عندما “تتعلّق ببنية سلطويّة وممركزة[71]“. وقد تكون ثقافة مشاركة “عندما تتعلّق ببنية ديمقراطيّة[72]“.

تستمدّ التربية على حقوق الإنسان أهميّتها في بناء الثقافة السياسيّة من كونها سبيلا لتوطين ثقافة المشاركة التي تجعل من الأفراد مواطنين قادرين “على التحكّم بمسيرة النظام بوسائل مختلفة كالانتخابات والتظاهرات والعرائض وتنظيم الأحزاب السياسيّة وجماعات الضغط والمصالح، الأمر الذي يعكس الدور الفاعل للمواطنين في إطار النظام السياسيّ وقدرتهم على التأثير في عمليّاته المختلفة[73]“. بمعنى لا تغدو التربية على حقوق الإنسان سبيلا لبناء الديمقراطيّة إلا إذا أسهمت في إرساء ثقافة المشاركة، لا ثقافة الطاعة ولا ثقافة الاستهتار واللامبالاة. بتعبير آخر، يكون للتربية على حقوق الإنسان معنى التربية على الديمقراطيّة متى كانت مجالا للمشاركة، والمشاركة كاللّغة تماما لا يتمّ إتقانها إلا بممارستها.

تكون التربة على حقوق الإنسان مدخلا لتبيئة ثقافة المشاركة عندما يصير الفصل فضاء لممارسة المشاركة والحوار وتبادل الآراء بكلّ احترام وهدوء وإنصات للآخر والعمل على فهم وجهة نظره، وعندما يكون  الاشتغال على المحتوى الحقوقيّ أشمل من أن يُختزل في مادة دراسيّة واحدة أو في أنشطة ذات صبغة واحدة. وتكون تلك التربية عاملا مساعدا لإرساء ثقافة المشاركة متى كان النادي التربويّ مجالا للإبداع ولممارسة النقد الهادف، وفضاء للحريّة المسؤولة. بعبارة ثانية، تُعتبر التربية على حقوق الإنسان عاملا مؤسّسا للثقافة السياسيّة عندما تغدو تلك التربية أشمل بكثير من تقديم معارف حول حقوق الإنسان، وحول المشاركة، وحول الأنظمة السياسيّة الديمقراطيّة وغير الديمقراطيّة، بحيث تصير سبيلا لاكتساب مهارات المشاركة وهي التفكير الإبداعيّ والتفكير الناقد والتواصل الفعّال مع الغير فضلا عن العمل ضمن فريق. إن اكتساب تلك المهارات هو الذي يعطي معنى للتربية عامة وللتربية على حقوق الإنسان خاصة، باعتبارها مدخلا لبناء ثقافة سياسيّة ديمقراطيّة، بمعنى أن تنمية ثقافة المشاركة هي محدّد أساسيّ لبناء ثقافة سياسيّة تنسجم وطبيعة المجتمع الديمقراطيّ، لأن هذا الأخير “ليس مجتمعا تسلطيّا ولا مجتمعيّا هرميّا، فوجهته وسياسته الاجتماعيّة لا يتمّ تحديدهما على مستويات عليا، ولا تفرض قرارات تلك المستويات العليا على القاعدة. بل على العكس من ذلك، يساهم مختلف الأفراد والمجموعات بفعاليّة في تشكيل المجتمع ويتقاسمون مسؤوليّة القرارات والإجراءات التي تسمح للمجتمع بالتقدّم والنموّ[74]“.

إن التربية بهذا المعنى تلامس جوانب مختلفة للحياة السياسيّة ولكن السؤال الجوهريّ يظلّ منزلة حقوق الإنسان في مختلف النظم السياسيّة. بمعنى أن بناء الثقافة السياسيّة لا يعني بالمرّة الاكتفاء بفهم الأسس التي نبيت عليها الأنظمة السياسيّة على مرّ التاريخ، ومنزلة الفرد في تلك الأنظمة، وإنّما بناء موقف من تلك الأنظمة استنادا إلى معيار مدى احترام حقوق الإنسان، وجهود تلك النظم في نشر ثقافة حقوق الإنسان وفي إرساء آليات حمايتها قانونيّا وثقافيّا.

يتطلّب هذا التوجّه التربوي مضامين معيّنة تيسّر للمتعلّمات والمتعلّمات فهم العلاقة الوثيقة بين النظم الديمقراطيّة وحقوق الإنسان في ترابطها وشمولها وكونيّتها. وقد يصطدم هذا التوجّه ببعض المواقف والأحكام إن لم نقل ببعض الصعوبات من قبيل علاقة حقوق الإنسان بالهويّة وبالهويّة الدينيّة تحديدا.

يستدعي هذا التوجّه أيضا الاشتغال على سلوكيّات المدرسّين وممارساتهم التربويّة التي يٌفترض أن تعكس قيادة ديمقراطيّة بمعنى قيادة تقبل تعدّد وجهات النظر، وتحترم التنوّع وتلتزم بما تبنّته الجماعة. أي أن جانبا مهمّا من التربية على حقوق الإنسان يمرّ عبر تمكين المتعلّمين من مهارات القيادة الديمقراطيّة وفي طليعتها مهارة العمل ضمن فريق وبروح الفريق، وهذا لا يتمّ نقله إلى المتعلّمين بمضامين معرفيّة ومعارف مجرّدة بل عبر المواقف والممارسة، ف”المربّي، المعلّم أو بالأحرى الكهل ينقل القيم من خلال مواقفه وسلوكيّاته. أليست المساواة قيمة؟ ليس من المجدي القيام بدرس في التربية المدنيّة أو الفلسفة حول هذا السؤال، وإنّما إذا رغبنا في أن تكون للمساواة قيمة عند الشباب فإنّه ينبغي ألا نتسامح مع أي مظهر من مظاهر الإقصاء وكره الأجانب والكراهية سواء على مقاعد الدرس أو في ساحة المدرسة[75]“.

لا تبدو المسألة هيّنة، لأن الممارسة التربويّة في الغالب الأعمّ، وفي العالم العربيّ تحديدا، لا تزال محكومة، بتصوّرات للقيادة مضادّة تماما لحقوق الإنسان، وأيضا لثقافة المساهمة أو المشاركة إن لم تكن محكومة  بتصوّرات تقوم على منطق الطاعة والامتثال الذي يتعارض تماما مع روح التربية على حقوق الإنسان. وبتعبير مغاير، إن تحويل الفصل كما النادي التربويّ إلى فضاء ديمقراطيّ – يحتضن حقوق الإنسان لا كمضامين معرفيّة فحسب، وإنّما باعتبارها قيما تكتسب فتوجّه المواقف والسلوكيات يستدعي القطع مع تصوّرات للسلطة حيث تكون العلاقة التربويّة عموديّة بالمعنى الذي يجعل من المتعلّم مدعوّا إلى الامتثال والطاعة اللذين لا يكفلان له فقط احترام المعلّم وإنّما أيضا النجاح الدراسيّ-  هو الكفيل بنشر ثقافة الديمقراطيّة انطلاقا من البيئة المدرسيّة.

يمكن للتربية على حقوق الإنسان أن تسهم في تجسيم ثقافة المشاركة وثقافة القيادة الديمقراطيّة متى تعالت عن تقديم تلك الحقوق في مضامين معرفيّة لا غير، ومتى حوّلتها إلى ممارسة يوميّة في أنشطة التعلّم كما في أنشطة الحياة المدرسيّة (النوادي التربويّة). بمعنى لا مجال لإرساء ثقافة سياسيّة تقوم على المشاركة والمسؤوليّة طالما لم يكن الفضاء التربويّ محكوما بمقاربة تتّجه إلى بناء الذات الفاعلة للمتعلّم أكثر منه إلى بناء مجموعة من التلاميذ المتجانسين الطيّعين. ومن هنا يكون للتربية على حقوق الإنسان دور محوريّ في تنمية ثقافة سياسيّة تقوم على محوريّة الفرد، وعلى القيادة الديمقراطيّة وخاصة على المبادرة الفرديّة التي تخدم الجماعة.

ليست الثقافة السياسيّة تعبئة حزبيّة أو ايديولوجيّة إنها طريقة أو أسلوب لنقل مجموعة من المعارف والمواقف والمهارات التي تشكّل أرضيّة لسلوكيّات الفرد في علاقته بالسلطة السياسيّة وبعمليّة صنع السياسة العامة. وبالتالي فإن التربية على حقوق الإنسان تعطي تلك السلوكيّات معنى لدى المتعلّمات والمتعلّمين. وكلّما ترسّخ ذلك المعنى كلّما تمّ ضمان بناء ثقافة سياسيّة تحترم مختلف حقوق الإنسان ولا سيّما منها حق المشاركة في تدبير الشأن العام بما يعنيه في ذات الوقت من قدرة على المبادرة ومن قدرة على تحمّل المسؤوليّة وحق الاختلاف.

ليست التربية على حقوق الإنسان استعراضا لمعارف حقوقيّة بل إنّ هذه الأخيرة لا تعدو أن تكون منطلقا لا غير لبناء مواقف تشجّع التنوّع والتعدّد واحترام الآخر، وعليه فهي نهج لتثمين المواقف والسلوكيّات العاملة على تنمية ثقافة المواطنة لا ثقافة الرعيّة. بعبارة مغايرة، تهدف التربية على حقوق الإنسان إلى المساهمة في بناء ثقافة سياسيّة  ديمقراطيّة من خلال مشاركتها الفعّالة في تكوين المواطن القادر على ممارسة مختلف أدوراه بفعاليّة. وضمن هذا السياق يكون التحدّي الأكبر هو إرساء مقاربة بيداغوجيّة تيسّر للمتعلّم لا اكتساب معارف فقط، وإنّما توظيف تلك المعارف في واقعه اليوميّ، أي تمكينه من ممارسة تلك الحقوق في الفصل كما في النادي ومن ثم في باقي  مؤسّسات المجتمع.

لكن كيف يمكن أن تكون التربية على حقوق الإنسان على ذلك النحو والدروس الخصوصيّة لا تترك حيزا زمنيّا  خاصا بممارسة تلك الحقوق؟ وكيف تكتسب تلك التربية ذلك المعنى والصراع بين المنهجين الظاهر والخفيّ قائم؟ وكيف تكون التربية على حقوق الإنسان سبيلا لإرساء ثقافة سياسيّة تقدّر التنوّع وتثمّن الاختلاف، وتشجّع مهارات النقد والإبداع ومنظومة التقييم تشتغل على تقييم بعد واحد هو المعارف ولا تلامس المجال الوجدانيّ –السلوكيّ إلا لماما؟ وكيف يمكن للمدرسة أن  تجسّم فضاء للتربية على حقوق الإنسان وهاجس المعلّم الوحيد إتمام البرنامج  الرسميّ وإعداد التلاميذ للامتحان وفرض الانضباط؟

إن هذه التحدّيات وغيرها تفرض نوعا من الممارسة التأمليّة في منطق اشتغال المنظومة التربويّة في مجملها، بمعنى أن التربية على حقوق الإنسان مقاربة أفقيّة تتعدّى تدريس معارف حقوق الإنسان إلى بناء فلسفة تربويّة تجسّم حقوق الإنسان في واقعه التربويّ اليوميّ، بحيث تُكفل المساواة بين الجنسين، والإنصاف بين المتعلّمين، فضلا تنويع  مسارات التواصل لا داخل الفصل فحسب، بل داخل الفضاء التربويّ في مجمله الذي ينبغي أن يتحوّل إلى مدرسة التواصلl’école de la communication بحسب عبارة آلان توران[76] ؛ وهي بذلك مقاربة لا تفصل المعارف عن المواقف والسلوكيّات، ولا تميّز بين الموادّ الدراسيّة ولا تغيّب طريقة التدبير الإداري للشأن التربوي. فبهذه المقاربة الشاملة يكون للتربية على حقوق الإنسان دور محوريّ في إرساء ثقافة سياسيّة منسجمة مع ثقافة الديمقراطيّة.

خاتمة

تبدو اليوم الحاجة ملحّة في المنطقة العربيّة لإرساء ثقافة الديمقراطيّة باعتبار أن المجتمعات العربيّة تعرف حراكا غير مسبوق بدت فيه الديمقراطيّة مطلبا صريحا وضمنيّا. فهذه الشعوب التي خرجت إلى الشارع مطالبة بحقوق إنسانيّة من قبيل الحريّة والكرامة والشغل، إنّما كانت في الواقع تطالب بإرساء الديمقراطيّة لا كنظام حكم بل أيضا كأسلوب حياة تُحترم فيه حقوق الإنسان بمختلف أنواعها وأجيالها بما يمكّن الجميع أفرادا وجماعات من العيش بكرامة وحرية. وحتى يتحقّق ذلك يكون من المهمّ التفكير في مدخل ملائم لإرساء ثقافة الديمقراطيّة، ولعلّ التربية على حقوق الإنسان من السبل القويمة التي يمكن التعويل عليها في نشر تلك الثقافة وترسيخها لدى الناشئة شريطة أن تلبّي بعض الشروط ألا وهي:

  • التعالي عن الرؤية التبسيطيّة للديمقراطيّة التي تختزلها في أسلوب حكم.
  • الاعتراف بأهميّة الثقافة الديمقراطيّة في تحويل الديمقراطيّة إلى نمط حياتيّ شامل وليس لآلية حكم فحسب.
  • الإقرار بالدور المحوريّ للمدرسة في إرساء ثقافة الديمقراطيّة ونشرها لدى الناشئة.

ويتطلّب تحويل الديمقراطيّة إلى ثقافة من المدرسة تغيير ا في طريقة اشتغالها بحيث:

  • لا يكتفى بالتنصيص في التشريعات على أن ترسيخ حقوق الإنسان من غايات التربية وأهدافها.
  • يتمّ الجمع بين النظري والعمليّ، فحقوق الإنسان بالأساس ممارسة وليست معارف، وما المادة المعرفيّة والمضامين إلا وسيلة لبناء مواقف تثمّن حقوق الإنسان وتجعلها عماد الديمقراطيّة.
  • العمل على تغيير منزلة المتعلّم في المنظومة التربويّة من متقبّل للمعارف إلى فاعل تربويّ له حقوق وواجبات، وله وجهة نظر ومسؤوليّة في الشأن التربويّ.
  • التأكيد على تنويع مداخل التربية على حقوق الإنسان وتبنّي بعضها من قبيل مدخل الكفايات النفسيّة الاجتماعيّة الذي يتيح للمتعلّمات والمتعلّمين اكتساب معاني تلك الحقوق والتدرّب على ممارستها، فضلا عن كونه يمكّنهم من تملّك مهارات التواصل الفعّال والحوار، والفكر الناقد إضافة إلى قبول الاختلاف …وهي مهارات أساسيّة للعيش في مجتمع ديمقراطيّ يحترم التعدّد والتنوّع ويرفض التعصّب.
  • اعتماد مدخل الكفايات النفسيّة الاجتماعيّة ينسجم من ناحية مع طبيعة التربية على حقوق الإنسان كتربية أفقيّة تشمل مختلف المواد ويتلاءم من ناحية أخرى مع غايات المدرسة في إعادة بناء العلاقات الاجتماعيّة على أسس أخلاقيّة تثمّن مبادئ من قبيل الاعتذار والتسامح واحترام الآخر والتسليم بحق الاختلاف، وهي أسس الثقافة الديمقراطيّة.
  • نجاعة هذا المدخل تشترط تكوينا نوعيّا للمدرّسين يخوّل لهم اكتساب كفايات القيادة الديمقراطيّة التي من شأنها أن تعطي المتعلّمين معنى لثقافة الديمقراطيّة.

 

قائمة المصادر والمراجع

باللغة العربيّة:

الكتب:

  • برو (فيليب)؛ علم الاجتماع السياسي، ترجمة محمد عرب صاصيلا، المؤسسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1427 ه/2006م
  • توران (آلان)؛ ما هي الديمقراطيّة: حكم الأكثريّة أم ضمانات الأقليّة، ترجمة حسن قبسي، بيروت دار الساقي، 1994
  • التريكي (فتحي) وآخرون؛ التربية والديمقراطيّة: اقطار عربيّة ومسلمة وأوروبيّة تتحاور، بيروت-تونس، الدار المتوسّطيّة للنشر، 2010م -1431ه
  • دوفيرجيه (موريس)؛ علم اجتماع السياسة، ترجمة سليم حداد، بيروت، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات النشر والتوزيع، 1421 ه/2001م
  • حمدي (عادل)؛ “من أجل تجويد أداء أساتذة التعليم الثّانويّ والإعداديّ: دليل الأستاذ إلى ممارسة أنجع”، الكاف، شركة الزرلي للطباعة، 2015
  • سبيلا (محمد)؛ زمن العولمة: فيما وراء الوهم، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، 2006
  • الشيباني (مصباح)؛ مآزق ثورة “الشعب يريد”: مقاربة سوسيولوجيّة في “عقل ما قبل الثورة“، قليبية، زينب للنشر، 2018
  • علي(نبيل)؛ الثقافة العربيّة وعصر المعلومات، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2001، عالم المعرفة عدد265
  • علوان (حسين)؛ إشكاليّة بناء ثقافة المشاركة في الوطن العربي، بيروت، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، 1430ه/ 2009م
  • العبدلي (سمير)؛ ثقافة الديمقراطيّة في الحياة السياسيّة لقبائل اليمن: دراسة ميدانيّة، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، سلسلة أطروحات الدكتوراه (62)، 2007
  • مجموعة من الباحثين؛ الديمقراطيّة وحقوق الإنسان في الوطن العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1984، سلسلة كتب المستقبل العربي (4)
  • مجموعة من المؤلفين، “حقوق الإنسان: الرؤى العالمية والإسلامية والعربية“، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2005
  • المعهد العربيّ لحقوق الإنسان؛ “حقوق الإنسان في المؤسّسة التعليميّة العربيّة: إشكالياتها وآفاق تطويرها”، تونس، المعهد العربيّ لحقوق الإنسان، 2004
  • مومن (محمد)؛ بيداغوجيا النظام التعليميّ المغربيّ في أعادها التمثليّة والتعليميّة والسلطويّة والعلائقيّة بين “التقليد” و “التحديث” الدار البيضاء، دار الثقافة للنشر والتوزيع 2016
  • ندوة الديمقراطيّة والتربية في الوطن العربيّ، أعمال المؤتمر العلميّ الثالث لقسم أصول التربية في كليّة التربية جامعة الكويت، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة 2001
  • النجّار (باقر سلمان)؛ الديمقراطيّة العصيّة في الخليج العربي، بيروت، دار الساقي، 2008
  • النقيب (خلدون حسن)؛ في البدء كان الصراع: جدل الدين والاثنيّة، الأمة والطبقة عند العرب، بيروت، دار الساقي، 1997
  • هلال (علي الدين)؛ الانتقال الديمقراطية: ماذا يستفيد العرب من تجارب الآخرين؟ الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، عدد 479، ديسمبر 2019
  • وقيدي (محمد)؛ البعد الديمقراطي، بيروت، دار الطليعة، 1997

 

المقالات:

  • ثنيو(نورالدين)؛ “الديمقراطية كفاعل في الحياة العربية “المستقلة” الراهنة، شؤون المتوسط، العدد140 ، خريف 2011
  • حمداوي(جميل)؛ أثر التقلّبات لسياسيّة العربيّة الراهنة في السلوك الاجتماعيّ (مقاربة سوسيو-سياسيّة)، شؤون عربيّة، عدد165، ربيع2016
  • الكوّاري (علي خليفة)؛ “ملامح ديمقراطيّة مع إرجاء التنفيذ (حالة قطر)، مدارات استراتيجية“، السنة الثانية، العدد التاسع، مايو/يونيو2011
  • لغوق ( الهاشمي)، “ثقافة الديمقراطيّة وسبل ترقيتها في المجتمع العربي“، مجلّة علوم الإنسان والمجتمع، العدد08، ديسمبر2018
  • مصطفى محسن؛ “التربية والديمقراطيّة وتحدّيات التنمية والتحديث في الوطن العربي”، علوم التربية، العدد13/2003
  • محسن (مصطفى)؛ إشكاليّة التربية على المواطنة وحقوق الإنسان بين آليات اشتغال الفضاء المؤسّسي ومكوّنات المحيط الاجتماعيّ”، كراسات مركز الدراسات والبحوث الاقتصاديّة والاجتماعيّة ، خارج السلسلة عدد4، تونس 2005
  • نوير (عبد السلام علي)؛ “الاتّجاهات المعاصرة في دراسة الثقافة السياسيّة“، عالم الفكر، العدد1، المجلد40، يوليو-سبتمبر2011
  • هلال (علي الدين)؛ “أزمة الأنظمة الفكريّة الكبرى المعاصرة: الديمقراطيّة الليبراليّة والرأسماليّة والشعبويّة“، التفاهم، عدد 63، السنة السابعة عشرة، شتاء 2019م- 1440ه
  • الوكيلي (عزيز)؛ “المدرسة ومنظومة القيم الكونيّة“، عالم التربية، عالم التربية عدد 21، 2012

 

دساتير:

دستور الجمهوريّة التونسيّة (جانفي 2014)

 

نصوص دوليّة وإقليميّة:

  • الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)
  • الميثاق الافريقي لحقوق الإنسان والشعوب (1981)
  • إعلان وبرنامج عمل فيينا (1993)
  • الميثاق العربي لحقوق الإنسان(2004).

باللغة الفرنسيّة:

الكتب:

  • Bassiouni (Ch) (Rapporteur général) : La Démocratie : Principes et Réalisation, Genève, Union Interparlementaire, 1998
  • Charlot (B) ; Les jeunes et le savoir : Perspectives internationales, Paris, Anthropos-Economica, 2001
  • Touraine (A) ; Pourrons-Nous vivre ensemble ? Egaux et différents, Paris, Fayard,1997

 

المقالات:

  • Cam (ph) ; Eduquer à la démocratie ; Diogène, N°224, 2008/4
  • Lamboy (B) &alt, Développer les compétences psychosociales, la Santé en action,N°431, Mars2015

على شبكة الانترنت:

 

[1]  عبّرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم عن ذلك بوضوح في تقريرها المعنون “التربية ذلك الكنز المكنون” والذي تمّ اعتماده منذ العام 1995 . وقد تضمّن التقرير أبعادا أربعة للتعلّم وهي: تعلّم لتعرف وتعلّم لتكون وتعلّم لتعمل وتعلّم لتشارك الآخرين، للمزيد حول دلالات هذه الأبعاد ومقاصدها، يرجى الرّجوع إلى نبيل علي؛ الثقافة العربيّة وعصر المعلومات، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2001، عالم المعرفة عدد265، ص-ص 300-321

[2]  برهان غليون؛ أزمة الديمقراطيّة وحقوق الإنسان في الوطن العربيّ، ضمن كتاب الديمقراطيّة والتربية في الوطن العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2001، ص 128

[3]  خالد الناصر؛ “أزمة الديمقراطيّة في الوطن العربيّ”، ضمن مجموعة من الباحثين: الديمقراطيّة وحقوق الإنسان في الوطن العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1984، سلسلة كتب المستقبل العربي (4)، ص28

[4]  أنظر على سبيل المثال؛ مسعود يورفرد؛ الديمقراطيّة الدينيّة في الفكر السياسيّ المعاصر، تعريب محمّد حسن زراقط، دار المعارف الحكميّة، 2008

[5]  آلان توران؛ “ما هي الديمقراطيّة: حكم الأكثريّة أم ضمانات الأقليّة، ترجمة حسن قبسي، بيروت دار الساقي، 1994

[6] Touraine (A) ; Les conditions, les ennemis et les chances de la démocratie, in Bassiouni (Ch) (Rapporteur général) : La Démocratie : Principes et Réalisation, Genève,  Union Interparlementaire, 1998, p 89

[7]  خالد الناصر؛ المرجع السابق، ص28

[8]  الهاشمي لغوق، “ثقافة الديمقراطيّة وسبل ترقيتها في المجتمع العربي“، مجلّة علوم الإنسان والمجتمع، العدد08، ديسمبر2018، ص79

[9]  المرجع نفسه، ص 81

[10]  مصباح الشيباني؛ مآزق ثورة “الشعب يريد”: مقاربة سوسيولوجيّة في “عقل ما قبل الثورة“، قليبية، زينب للنشر، 2018، ص40

[11]  المرجع نفسه، ص 38

[12]  مصطفى الفيلالي؛ “نظرة تحليلية في حقوق الإنسان من خلال المواثيق وإعلان المنظمات“، ضمن مجموعة من المؤلفين، حقوق الإنسان: الرؤى العالميّة والإسلاميّة والعربيّة، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2005، ص31

[13]  علي خليفة الكوّاري؛ “ملامح ديمقراطيّة مع إرجاء التنفيذ (حالة قطر)، مدارات استراتيجية“، السنة الثانية، العدد التاسع، مايو/يونيو2011، ص 123

[14]  مصباح الشيباني؛ المرجع السابق، ص39

[15]  محمد وقيدي؛ البعد الديمقراطي، بيروت، دار الطليعة 1997، ص-ص 34-35

[16]  آلان توران؛ المرجع السابق، ص 22

[17]  سمير العبدلي؛ ثقافة الديمقراطيّة في الحياة السياسيّة لقبائل اليمن: دراسة ميدانيّة، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، سلسلة أطروحات الدكتوراه (62)، 2007، ص- ص54-55

[18]  المرجع نفسه، ص 55، نقلا عن كمال المنوفي “الثقافة السياسيّة وأزمة الديمقراطيّة في الوطن العربيّ” في : الطاهر لبيب (وآخرون)؛ الثقافة والمثقف في الوطن العربيّ، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، سلسلة كتب المستقبل العربيّ، 1992، ص169

[19]  علي الدين هلال؛ الانتقال الديمقراطية: ماذا يستفيد العرب من تجارب الآخرين؟ الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، عدد 479، 2019ص19

[20]  مصطفى محسن؛ “التربية والديمقراطيّة وتحدّيات التنمية والتحديث في الوطن العربي”، علوم التربية،  العدد13/2003، ص –ص 59-60

[21]  محمّد سبيلا؛ زمن العولمة: فيما وراء الوهم، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، 2006، ص44

[22]  باقر سلمان النجّار؛ “الديمقراطيّة العصيّة في الخليج العربي”، بيروت، دار الساقي، 2008، وفي ذات السياق نجد مقالا للباحث الجزائري قوي بوحنية تحت عنوان: “المغرب العربيّ بين الإصلاح والاستعصاء الديمقراطيّ”، مجلة الديمقراطيّة، السنة الثالثة عشرة- العدد 49- يناير2013، ص-ص 112-123

[23]  وليد خدّوري؛ القوميّة العربيّة والديمقراطيّة: مراجعة نقديّة، ضمن علي خليفة الكوّاري (محرّر)؛ الديمقراطيّة والأحزاب في البلدان العربيّة: المواقف والمخاوف المتبادلة، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، مشروع دراسات الديمقراطيّة في البلدان العربيّة، ط2، 2001، 38

[24]  باقر سلمان النجّار، المرجع نفسه، ص 10

[25]  نورالدين ثنيو؛ “الديمقراطية كفاعل في الحياة العربية “المستقلة” الراهنة، شؤون المتوسط، العدد140 ، خريف 2011، ص145

[26]  المرجع نفسه، ص146

[27] المرجع نفسه، ص143

[28]  المرجع نفسه، ص144

[29]  مصطفى الفيلالي؛ المرجع السابق، ص30

[30]  المرجع نفسه، ص30

[31]  المرجع نفسه، ص30

[32]  المرجع نفسه، ص 35

[33]  المرجع نفسه، ص39

[34]  نورالدين ثنيو؛ المرجع السابق، ص148

[35]  محمد سبيلا؛ المرجع السابق، ص45

[36]  جاء في المادة 5 من إعلان وبرنامج عمل فيينا الذي اعتمده المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان في 25 يونيو/حزيران1993 ما يأتي ” جميع حقوق الإنسان عالميّة وغير قابلة للتجزئة ومترابطة  ومتشابكة…”

[37]  علي الدين هلال؛ المرجع السابق، ص 27

[38]  المرجع نفسه، ص 27

[39]  في الواقع بدأ التركيز منذ ستينات القرن الماضي على أن تكون التربية على حقوق الإنسان جزءا لا يتجزّأ من مهمّة المدرسة، وقد قاد هذا  التوجّه جان بياجيه Jean Piaget سنة1967 إلى دعم، بالتحديد، الجمعيّة الدوليّة للمدرسة كأداة للسلام L’association mondiale pour l’école instrument de paix (EIP)، والتي كان جعل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان متاحا للجميع ، أحد أوجه التجديدات  البيداغوجيّة، الهادفة إلى تشجيع النهوض بالتربية على حقوق الإنسان. للمزيد يرجى الرّجوع إلى :

Truchot (V) ; L’Ecole et les valeurs démocratiques ; portaileip.org/SNC/eipqc/publications/vero1.html

[40]  عشرية الأمم المتحدة للتربية على حقوق الإنسان امتدّت بين 1995 و2004، وقد سطّرت الأمم المتحدة عدّة أهداف لهذه العشريّة من أهمّها “تكوين مواطن حرّ، واع بحقوقه وواجباته، نشيط قادر على المساهمة في الحياة العامة، لا من خلال مؤسّسات الدولة فحسب، وإنّما كذلك من خلال جميع مؤسّسات المجتمع المدني الوطنيّة والعالميّة سواء أكانت جمعيّات إنسانيّة أم نقابيّة أم علميّة أم ثقافيّة…”. للمزيد حول هذه المسألة يرجى الرّجوع إلى عبد السلام السعيدي؛ تدريس مفاهيم حقوق الإنسان ضمن المناهج التعليميّة مع دراسة تطبيقيّة، الدار البيضاء، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2001، ص153 وما يليها.

[41]  خصّصت هذه الاستراتيجيّة الصادرة عن المنظمة العربيّة للتربية والثقافة  والعلوم  (تونس 2006)/ ص 98 ، مبدأ للتربية من أجل الديمقراطيّة وحقوق الإنسان، ويشمل بين مدلولاته ما يأتي:

  • أن تُعنى التربية بترسيخ مفهوم الديمقراطيّة وحقوق الإنسان لدى الناشئة في جميع مراحل التعليم.
  • أن تسهم الأنظمة التربويّة من خلال الممارسات والتطبيقات العمليّة على العمل الديمقراطي والاهتمام بحقوق زملائه ومن يعيش معهم في البيت والمدرسة والعمل وعدم الاعتداء على حقوقهم.
  • أن تهتمّ التربية بتنشئة الجيل على حبّ النظام واحترام القوانين باعتبارها الأدوات التي تضمن تطبيق الديمقراطية وتضمن حقوق الإنسان في المجتمع وعدم الاعتداء عليه.
  • أن تهتمّ التربية بتعريف الناشئة بالقوانين والتشريعات الوطنية والقومية والعالمية التي تعنى بالديمقراطية وحقوق الإنسان وشرحها لهم حسب مستوياتهم الفكريّة ومراحلهم العمريّة.

[42] عرفت تونس على سبيل المثال سنة 1984 احتجاجات عنيفة بسبب التّرفيع في سعر الخبز من 80 مليما إلى 170 مليما، الأمر الذي دفع برئيس البلاد آنذاك الحبيب بورقيبة إلى التّراجع عن القرار  وإلغاء الزيادة.

[43]  خلال بحث ميدانيّ شمل ثلاثة مجموعات بؤريّة بولايتي سليانة والكاف (الشمال الغربيّ التونسيّ) شدّد أفراد المجموعات وهم من المدرّسات والمدرّسين بالمرحلة الإعداديّة على الدور المهمّ الذي لعبته التربية المدنيّة في تونس في نشر ثقافة حقوق الإنسان منذ أن أدرجت بالمنهاج الرسميّ في الإصلاح الثاني الذي عرفته المنظومة التربويّة التونسيّة، علما وأن البحث أجري في ربيع  سنة 2019 .

[44]  المعهد العربيّ لحقوق الإنسان؛ حقوق الإنسان في المؤسّسة التعليميّة العربيّة: إشكالياتها وآفاق تطويرها، تونس، المعهد العربيّ لحقوق الإنسان، 2004، ص 5

[45]  المرجع نفسه، ص6

[46]  المرجع نفسه، ص6

[47]  عبّر عن هذا خلدون حسن النقيب بقوله: “وعندما جاءت مجانيّة التعليم، في بداية عصر الاستقلال، جعلت التعليم أكثر ديمقراطيّة من تعليم النخبة. ولكن الألوف المؤلّفة من التلاميذ الذين التحقوا بالمدارس، كان يحدوهم ليس طلب العلم فقط، إنّما حلم الترقّي في السلم الاجتماعيّ عن طريق الوظيفة الحكوميّة. ولذلك غلبت على مخرجات التعليم فئات تسعى إلى الوصول إلى وظائف معيّنة، كانت إما رمزا للمكانة الاجتماعيّة الأعلى أو مفتاحا للوصول إلى الثروة أو السلطة، أو كليهما… وهكذا يتضح لنا أن هذا المنطق الذي يربط بين التعليم والتوظيف، منطق أحادي البعد، يفسّر التعليم بحساب الكلفة الاقتصاديّة والفائدة الماديّة، قد يبلغ ضرره على المجتمع مبلغا كبيرا، لأن المسألة، بحسب هذا المنطق، لاتقف عند هذا الحدّ “، وبسبب ذلك يقترح النقيب “أولا تصحيح الاعتقاد الخاطئ للمدرسة الوظيفيّة، في أن وظيفة المدرسة هي تخريج حملة شهادات لشغل الوظائف الشاغرة”،  خلدون حسن النقيب؛ في البدء كان الصراع: جدل الدين والاثنيّة، الأمة والطبقة عند العرب، بيروت، دار الساقي، 1997، ص ص286 –288 -302 .

[48]  حول هذه الرؤية راجع؛ مصطفى محسن: “إشكاليّة التربية على المواطنة وحقوق الإنسان بين آليات اشتغال الفضاء المؤسّسي ومكوّنات المحيط الاجتماعيّ”، كراسات مركز الدراسات والبحوث الاقتصاديّة والاجتماعيّة، خارج السلسلة عدد4، تونس 2005، ص-ص 21-36

[49]  الكفايات النفسيّة الاجتماعيّة هي بالأساس ووفقا لمنظمة الصحة العالميّة قدرة الشخص على الحفاظ على حالة من الرفاه الذاتي التي تخوّل له الرد بإيجابيّة وفعاليّة على تحديات الحياة اليوميّة ومتطلّباتها. وتنقسم هذه الكفايات إلى كفايات اجتماعية ومعرفية ونفسيّة. للمزيد حول هذه الكفايات يرجى الرّجوع إلى:

Lamboy (B) &alt, Développer les compétences psychosociales, la Santé en action,N°431, Mars2015, p 10

[50]  مصطفى محسن، المرجع السابق، ص 60

[51]  المرجع نفسه، ص59

[52]  إلهام عبد الحميد فرج؛ “برنامج تدريبيّ مقترح لتنمية السلوك الديمقراطيّ والتفاعل الاجتماعيّ للمعلّم العربي“، ضمن ندوة الديمقراطيّة والتربية في الوطن العربيّ، أعمال المؤتمر العلميّ الثالث لقسم أصول التربية في كليّة التربية جامعة الكويت، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة 2001، ص 306

[53]  المرجع نفسه، ص306

[54]  المرجع نفسه، ص306

[55]  المرجع نفسه، ص307

[56]  جاء في المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ” لكلّ شخص الحق في التعليم، ويجب أن يكون التعليم في مراحله الأولى والأساسيّة على الأقلّ بالمجان، وأن يكون التعليم الأوّلي إلزاميّا، وينبغي أن يعمّم التعليم الفنّي والمهنيّ وأن ييسّر القبول للتعليم العالي على قدم المساواة التامة للجميع وعلى أساس الكفاءة…” . وفي ذات الاتّجاه نصّ الميثاق العربيّ لحقوق الإنسان على أن “لكل شخص الحق في التعليم” وعلى أن “تضمن الدول الأطراف لمواطنيها مجانيّة التعليم على الأقلّ في مرحلتيه الابتدائيّة والأساسيّة. ويكون التعليم الابتدائيّ إلزاميّا ومتاحا بمختلف مراحله وأنواعه للجميع دون تمييز” (من المادة 41 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان). وفي ذات السياق تضمّن الميثاق الافريقي لحقوق الإنسان والشعوب في مادّته عدد17 ما يأتي “حق التعليم مكفول للجميع”.  إلى جانب ذلك شدّدت الاتّفاقيّة الدوليّة لحقوق الطفل (1989) في المادة 28 على أن “تعترف الدول بحقّ الطفل في التعليم…”.أما بالنسبة إلى النّصوص الوطنيّة فيمكننا التوقّف عند الفصل 39 من دستور الجمهورية التونسيّة (26 جانفي2014) الذي نصّ على أن “التعليم إلزامي إلى سن السادسة عشرة” وعلى أن ” تضمن الدولة الحق في التعليم العمومي المجاني بكلّ مراحله، وتسعى إلى توفير الإمكانيات الضرورية لتحقيق جودة التربية والتعليم والتكوين…”.

[57]  محمد عزيز الوكيلي؛ “المدرسة ومنظومة القيم الكونيّة“، عالم التربية، عالم التربية عدد 21، 2012 ص 247

[58]  محمد مومن؛ بيداغوجيا النظام التعليميّ المغربيّ في أعادها التمثليّة والتعليميّة والسلطويّة والعلائقيّة بين “التقليد” و “التحديث” الدار البيضاء، دار الثقافة للنشر والتوزيع 2016، ص 54

[59]  المرجع نفسه، ص 54

[60]  المرجع نفسه، ص54

[61]  المرجع نفسه، ص55

[62]  اكرت ليباو؛ التربية الديمقراطيّة: آفاق بيداغوجيا المشاركة، ضمن: فتحي التريكي وآخرون؛ التربية والديمقراطيّة: اقطار عربيّة ومسلمة وأوروبيّة تتحاور، بيروت-تونس، الدار المتوسّطيّة للنشر، 2010م -1431ه، ص 446

[63]  عادل حمدي؛ من أجل تجويد أداء أساتذة التعليم الثّانويّ والإعداديّ: دليل الأستاذ إلى ممارسة أنجع، الكاف، شركة الزرلي للطباعة، 2015، ص 78

[64]  محمد مومن؛ المرجع السابق، ص 265

[65] Charlot (B) ; Les jeunes et le savoir : Perspectives internationales, Paris, Anthropos-Economica, 2001, p12

[66]  علي الدين هلال؛ “أزمة الأنظمة الفكريّة الكبرى المعاصرة: الديمقراطيّة الليبراليّة والرأسماليّة والشعبويّة”، التفاهم، عدد 63، السنة السابعة عشرة، شتاء 2019م- 1440ه، ص 108

[67]  ورد عند على الدين هلال؛ المرجع السابق، ص 108

[68]  عبد السلام علي نوير؛ “الاتّجاهات المعاصرة في دراسة الثقافة السياسيّة“، عالم الفكر، العدد1، المجلد40، يوليو-سبتمبر2011، ص28

[69]  فيليب برو؛ علم الاجتماع السياسيّ، ترجمة محمد رب صاصيلا، بيروت، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، 1427ه /2006م، ص 213

[70]  موريس دوفيرجيه؛ علم اجتماع السياسة، ترجمة سليم حداد، بيروت، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات النشر والتوزيع، 1421 ه/2001م، ص 94

[71]  المرجع نفسه، ص94

[72]  المرجع نفسه، ص94

[73]  حسين علوان؛ إشكاليّة بناء ثقافة المشاركة في الوطن العربي، بيروت، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، 1430ه/ 2009م، ص 19

[74] Cam (ph) ; Eduquer à la démocratie ; Diogène, N°224, 2008/4, p47

[75]Obin (J-P) ; Les valeurs et l’école, www.esen.education.fr

[76] Touraine (A) ; Pourrons-Nous vivre ensemble ? Egaux et différents, Paris, Fayard,1997, p-460


Updated: 2020-05-01 — 10:50
JiL Scientific Research Center © Frontier Theme