البطالة وأثرها على الفرد والمجتمع / هاشمي بريقل


مقال نشر بالعدد الثالث من مجلة جيل العلوم الإنسانية والاجتماعية ص 141، من إعداد الأستاذ هاشمي بريقل / أستاذ مساعد  -أ-  قسم العلوم الاجتماعية، جامعة تيارت، الجزائر.

للاطلاع على المقال وكل العدد يرجى الضغط على غلاف العدد: 

العدد  3 من مجلة جيل العلوم الإنسانية والإجتماعية

ملخص :

   البطالة مشكلة اقتصادية، كما هي مشكلة نفسية، واجتماعية، وأمنية، وسياسية، وجيل الشباب هو جيل العمل والإنتاج، لأنه جيل القوة والطاقة والمهارة والخبرة، و أن تعطيل تلك الطاقة الجسدية بسبب الفراغ، لاسيما بين الشباب يؤدي إلى أن ترتد عليه تلك الطاقة لتهدمه نفسياً مسببة له مشاكل كثيرة وتتحول البطالة في كثير من بلدان العالم إلى مشاكل أساسية معقّدة، ربما أطاحت ببعض الحكومات، فحالات التظاهر والعنف والانتقام توجه ضد الحكام وأصحاب رؤوس المال فهم المسئولون في نظر العاطلين عن مشكلة البطالة، وتؤكد الإحصاءات أنّ هناك عشرات الملايين من العاطلين عن العمل في كل أنحاء العالم من جيل الشباب، وبالتالي يعانون من الفقر والحاجة والحرمان، وتخلف أوضاعهم الصحية، و عجزهم عن تحمل مسؤولية أسرهم، كما تفيد الدراسات العلمية أنّ للبطالة آثارها السيّئة على الصحة النفسية، فنسبة العاطلين في أي مجتمع تعتبر مقياس هام لمستوى الصحة النفسية التي يعيشها السكان ،كما لها آثارها أيضا على الصحة الجسدية والاجتماعية، فالبطالة من المظاهر العالمية غير أن حجمها يتفاوت من بلد لآخر كما تتفاوت درجة المعاملة الإنسانية التي يتلقاها الفرد العاطل من مجتمعه.

   وسنحاول في هذه المداخلة توضيح بعض النقاط العالقة والمتمثلة في ما يلي:

أولا :

- مفهوم البطالة واقعها وكيفية قياسها؟

- ما هية الأبعاد السوسيواقتصادية  للبطالة وأساليب التعامل معها ؟

- ما هي أسبابها واهم آثارها على الفرد والمجتمع؟  

 ثانيا :

 –  واقع البطالة في الدول النامية.

 – البطالة في الفكر الاقتصادي وسبل علاجها.

-  أسباب البطالة في الجزائر وطرق معالجتها .

 وفي الأخير وضع أهم الإجراءات والاقتراحات الواجب إتباعها لمعالجة المشكلة.

 

مقدمة :

   تعتبر البطالة من المظاهر العالمية غير أن حجمها يتفاوت من بلد لآخر كما تتفاوت درجة المعاملة الإنسانية التي يتلقاها الفرد العاطل من مجتمعه، و نسبة العاطلين في أي مجتمع تعتبر مقياس هام لمستوى الصحة النفسية التي يعيشها السكان.

   من المعلوم أن البطالة مشكلة عويصة تعاني منها كل الشعوب على اختلاف مشاربهم وأجناسهم لكن هذا لا يعني أنه ليس هناك حل ناجع للحد من آثارها على المجتمع.

   الجدير بالذكر أن البطالة أصبحت تعد من أخطر المشكلات التي تواجه المجتمع الجزائري لكونها تشكل إهدار لعنصر العامل البشري مع ما يتبع ذلك من آثار اقتصادية و اجتماعية وخيمة كما تشكل بيئة خصبة لنمو الجريمة والتطرف وأعمال العنف وسببا رئيسيا في انخفاض مستوى معيشة الغالبية العظمى من المواطنين وفي تزايد أعداد من يقعون تحت خطر الفقر المطلق، فالبطالة مشكلة اقتصادية، كما هي مشكلة نفسية، واجتماعية، وأمنية، وسياسية. وجيل الشباب هو جيل العمل والانتاج، لأنه جيل القوة والطاقة والمهارة والخبرة. وإن تعطيل تلك الطاقة الجسدية بسبب الفراغ لاسيما بين الشباب يؤدي إلى أن ترتد عليه تلك الطاقة لتهدمه نفسياً مسببة له مشاكل كثيرة.     وتتحول البطالة في كثير من بلدان العالم إلى مشاكل أساسية معقّدة، ربما أطاحت ببعض الحكومات، فحالات التظاهر والعنف والانتقام توجه ضد الحكام وأصحاب رؤوس المال فهم المسؤولون في نظر العاطلين عن مشكلة البطالة.   

وتؤكد الإحصاءات أنّ هناك عشرات الملايين من العاطلين عن العمل في كل أنحاء العالم من جيل الشباب، وبالتالي يعانون من الفقر والحاجة والحرمان، وتخلف أوضاعهم الصحية، و عجزهم عن تحمل مسؤولية اُسرهم،كما تفيد نفس الإحصاءات العلمية أنّ للبطالة آثارها السيّئة على الصحة النفسية، كما لها آثارها على الصحة الجسدية.

   إذن ما المقصود بمصطلح البطالة وما أنواعها ؟ ما هي أهم الآثار الناجمة عن هذه الظاهرة؟

هل هناك آليات لعلاج مشكلة البطالة ؟

ما هي التحدبات التي تواجهها المنطقة العريبة والجزائر بالخصوص من جراء هذه الظاهرة ؟

كيف يمكن تفسير وتحليل واقع البطالة في الدول النامية والوطن العربي من وجهة نظر السوسيواقتصاديين؟

تعريف البطالة :

   قد يبدو للوهلة الأولى أن تعريف العاطل بأنه من لا يعمل هو التعريف الصحيح والكافي ،ولكن الحقيقة هو أن التعريف غير كاف وغير دقيق، فليس كل من لا يعمل يعتبر عاطلاً، كما أنه ليس كل من يبحث عن عمل يعتبر أيضاً عاطلاً، فدائرة من لا يعملون تعتبر أكبر بكثير من دائرة العاطلين.

 فعند إعداد الإحصاءات الرسمية عن البطالة لابد أن يجتمع شرطان أساسيان:

- أن يكون قادراً على العمل و بالتالي يخرج عن دائرة العاطلين كل من العجائز والمرضى.

- أن يبحث عن فرصة للعمل و بالتالي يخرج بذلك من دائرة العاطلين كل من الطلبة في المدارس والمعاهد والجامعات ممن هم في سن العمل، ولكنهم لا يبحثون عنه.

كما يخرج أيضاً بمقتضى هذا الشرط الأفراد القادرين على العمل ولكنهم لا يبحثون عنه لأنهم أحبطوا تماماً نتيجة لفشلهم السابق في الحصول على عمل.

 وكذلك يخرج من دائرة العاطلين أولئك الذين لا يبحثون عن عمل نتيجة لكونهم على درجة عالية من الثراء تجعلهم في غني عن العمل.[1]

مفهوم البطالة في الشريعة الإسلامية :

 فطنت الشريعة الإسلامية الغراء إلى مشكلة البطالة ، وبينت مفهومها وطرق الوقاية منها ومنهج الحد منها في إطار دقيق عز أن نجد له فلقد حث الإسلام أهله على العمل والكسب ونهى عن البطالة بقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة ( لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره ، فيتصدق منه ، فيستغني به عن الناس خير من أن يسأل رجلاً أعطاه أو منعه ذلك فإن اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول ) [2].

  • وطبقا لمنظمة العمل الدولية فإن العاطل عن العمل هو كل شخص قادر على العمل وراغب فيه ويبحث عنه ويقبله عند مستوى الأجر السائد ولكن دون جدوى.

و قد عرفت البطالة بأنها: “حالة خلو العامل من العمل مع قدرته عليه بسبب خارج عن إرادته ، أما منظمة العمل الدولية فقدعرفت المتعطلين عن العمل بأنهم:” الأشخاص الدين هم في سن العمل و الراغبون فيه و الباحثون عنه لكنهم لا يجدونه في فترة الإسناد “[3]

التعريف الإجرائي : البطالة هي كل إنسان قادرا على العمل ، راغبا فيه باحثا عنه، يقع في دائرة القوى المنتجة أي يكون عمره ما بين 15 و60 سنة مدربا على العمل أي له حرفة أو خبرة ما، و لا تتوفر لديه فرصة للعمل ولا يملك رأس مال نقدا كان أو عينا.

أسباب مشكلة البطالة :

   ترجع أسباب مشكلة البطالة في الجزء الأكبر منها إلى أسباب هيكلية تعود إلى طبيعة نمو الاقتصاد كاقتصاد نامي يعاني من اختلالات هيكلية داخلية وخارجية تتمثل في الاختلال في ميزان المدفوعات والاختلال في الموازنة العامة للدولة، إلى جانب وجود فجوة كبيرة بين كل من الإدخار والاستثمار وبالتالي الإنتاج والاستهلاك.

أسباب البطالة :

 ترجع الدول الحديثة أسباب البطالة إلى :

- التخلف الاقتصادي في الدول النامية وهو اجتماعي المنشأ،فكلما زاد التضخم السكاني زادت نسبة البطالة ارتفاعا، ذلك أن الزيادة السريعة في النمو السكاني وما ينشأ عن ذلك من خلل في التوازن بين قوى العرض والطلب وسوق العمل ،فالنمو السكاني يؤدي إلى زيادة نمو القوى العاملة .

- ندرة الموارد الاقتصادية أدت ندرة الموارد الاقتصادية إلى عدم وجود فرص وظيفية للعاطلين خاصة مع التحويلات الكبيرة التي يمر بها الاقتصاد العالمي وانعكاساته على الاقتصاد الوطني ، وهو الأمر الذي يشكل عبئاً إضافياً على الدولة في تمويل عمليات التنمية .

- عجز سوق العمل عن استيعاب الخريجين فهناك أعداد هائلة من الخريجين الحاصلين على مؤهلات بأنواعها المختلفة ومع ذلك يعجز سوق العمل عن استيعابهم .

- عدم تحديث وتطوير أساليب وطرق العمل ،وعدم التوسع في أماكن الإنتاج أو تنفيذ مشروعات جديدة .

- انتشار الأمية أو تدني المستوى التعليمي، الشيء الذي يحول دون وضع برامج للتدريب والتكوين طبقا لما يتطلبه سوق العمل المتجدد والمتغير باستمرار في ظل الطفرة التكنولوجية.

- توظيف وعمل بعض الشباب في أعمال وأشغال مؤقتة ولا تحتاج لخبرات وبأجور متدنية وبدون عقد وبدون تأمينات مما يزيد في تفاقم مشكلة البطالة .

- انتشار ثقافة احتقار العمل اليدوي العضلي والحط من شأنه، وفي مقابل ذلك تمجيد العمل الذهني المرتبط بالوظيفة العمومية .

- الرد على طالبي العمل بأن التوظيف قد توقف أو عدم وجود مناصب مالية أو قلة مناصب الشغل أو عدم توفر المنصب في الاختصاص المطلوب أو قلة الخبرة أو اشتراط الاعفاء من الخدمة العسكرية.[4]

- رغم ما تتمتع به الدول العربية من موارد بشرية فهي لم تصل إلى تشغيل كامل للقوى العاملة المتاحة بها حتى بالنسبة للدول خفيفة السكان مثل الكويت ،حيث وصل حجم البطالة بها إلى 8886 عاطل عام 1980.[5]

- عدم قدرة القوانين المنظمة للشغل على التحفيز على الاستثمار ،لأن المستثمر  يرى فيها إجحافا خصوصا عندما يقع اختلاف بين العامل ورب العمل ،ولذلك نجد بعض المستثمرين  يكتفون بتشغيل أفراد عائلاتهم ويرفضون توسيع مشاريعهم.لأن ذلك يتطلب المزيد من العمال وهذا يعني مزيدا من المشاكل القضائية .

 أنواع البطالة :

هناك عدة أنواع للبطالة خاصة تلك التي عرفتها البلدان الرأسمالية و التي نذكر منها:

البطالة الدورية :

   تنتاب النشاط الاقتصادي بجميع متغيراته في الاقتصاديات الرأسمالية فترات صعود و هبوط و التي يتراوح مداها الزمني بين ثلاث و عشر سنين ،و التي يطلق عليها مصطلح الدورة الاقتصادية ،و التي لها خاصية التكرار و الدورية، و تنقسم الدورة الاقتصادية بصورة عامة على مرحلتين : مرحلة الرواج أو التوسع ، و التي من مميزاتها الأساسية اتجاه التوظف نحو التزايد، إلى أن تصل إلى نقطة الذروة أو قمة الرواج، و التي تعتبر نقطة تحول ثم يتجه بعد ذلك النشاط الإقتصادي نحو الهبوط بما في ذلك التوظف، وتسمى هذه المرحلة بمرحلة الانكماش،و تبعا لدورية النشاط الإقتصادي، فإن البطالة المصاحبة لذلك تسمى بالبطالة الدورية [6].

البطالة الاحتكاكية :

   تعرف البطالة الاحتكاكية ، على أنها تلك البطالة التي تحدث بسبب التنقلات المستمرة للعاملين بين المناطق والمهن المختلفة، والتي تنشأ بسبب نقص المعلومات لدى الباحثين عن العمل، و لدى أصحاب الأعمال الذين تتوافر لديهم فرص العمل. وبالتالي فإن إنشاء مركز للمعلومات الخاصة بفرص التوظف من شأنه أن يقلل من مدة البحث عن العمل، و يتيح للأفراد الباحثين عن العمل فرصة الاختيار بين الامكانيات المتاحة بسرعة و كفاءة أكثر[7].

 

 

البطالة الهيكلية :

   يقصد بالبطالة الهيكلية ، ذلك النوع من التعطل الذي يصيب جانبًا من قوة العمل بسبب تغيرات هيكلية تحدث في الإقتصاد الوطني، والتي تؤدي إلى إيجاد حالة من عدم التوافق بين فرص التوظف المتاحة ومؤهلات وخبرات العمال المتعطلين الراغبين في العمل والباحثين عنه. فهذا النوع من البطالة يمكن أن يحدث نتيجة لانخفاض الطلب عن نوعيات معينة من العمالة، بسبب الكساد الذي لحق بالصناعات التي كانوا يعملون بها، وظهور طلب على نوعيات معينة من المهارات التي تلزم لانتاج سلع معينة لصناعات تزدهر. فالبطالة التي تنجم في هذه الحالة تكون بسبب تغيرات هيكلية طرأت على الطلب.

   كما يمكن للتكنولوجيا أن تؤدي إلى بطالة هيكلية. حيث من النتائج المباشرة للتطور التكنولوجي تسريح العمال وبأعداد كبيرة مما يظطرهم للسفر إلى أماكن أخرى بعيدة بحثا عن العمل أو إعادة التدريب لكسب مهارات جديدة، بالاضافة للأسباب السابقة يمكن أن تحدث بطالة بسبب تغير محسوس في قوة العمل والناتج أساسا عن النمو الديمغرافي و ما ينجم عنه من دخول الشباب و بأعداد كبيرة إلى سوق العمل وما يترتب عنه من عدم توافق بين مؤهلاتهم و خبراتهم من ناحية، و ما تتطلبه الوظائف المتاحة في السوق من ناحية أخرى[8].

   وإلى جانب هذا النوع أو مقارب له هو نوع البطالة الفنية التي تشير إلى إن التقدم العلمي- التكنيكي لابد وأن يترك آثارا جانبية على المجتمع وبالتالي فإن التطور التكنولوجي له تأثير في نشوء البطالة.

بالاضافة إلى الأنواع السالفة الذكر للبطالة، هناك تصنيفات أخرى للبطالة مثل:

البطالة السافرة و البطالة المقنعة :

   يقصد بالبطالة السافرة،حالة التعطل الظاهر التي يعاني منها جزء من قوة العمل المتاحة و التي يمكن أن تكون احتكاكية أو هيكلية أو دورية. ومدتها الزمنية قد تطول أو تقصر بحسب طبيعة نوع البطالة و ظروف الاقتصاد الوطني. وآثارها تكون أقل حدة في الدول المتقدمة منها في الدول النامية. حيث العاطل عن العمل في الدول المتقدمة يحصل على إعانة بطالة و إعانات حكومية أخرى ، في حين تنعدم كل هذه المساعدات بالنسبة للعاطل في الدول النامية[9].

   أما البطالة المقنعة، فهي تمثل تلك الحالة التي يتكدس فيها عدد كبير من العمال بشكل يفوق الحاجة الفعلية للعمل، أي وجود عمالة زائدة و التي لا يؤثر سحبها من دائرة الإنتاج على حجم الإنتاج، و بالتالي فهي عبارة عن عمالة غير منتجة[10].

البطالة الإختيارية و البطالة الإجبارية :

   تشير البطالة الاختيارية إلى الحالة التي يتعطل فيها العامل بمحض إرادته و ذلك عن طريق تقديم استقالته عن العمل الذي كان يعمل به. إما لعزوفه عن العمل أو لأنه يبحث عن عمل أفضل يوفر له أجرا أعلى و ظروف عمل أحسن، إلى غير ذلك من الأسباب، في كل هذه الحالات قرار التعطل اختياري.

   أما في حالة إرغام العامل على التعطل رغم أنه راغب في العمل و قادر عليه و قابل لمستوى الأجر السائد، فهذه الحالة نكون أمام بطالة اجبارية و مثال على ذلك تسريح العمال كالطرد بشكل قسري،و هذا النوع من البطالة يسود بشكل واضح في مراحل الكساد، كما أن البطالة الاجبارية يمكن تأخذ شكل البطالة الاحتكاكية أو الهيكلية.

البطالة الموسمية:

   وهذه البطالة غالباً ما تظهر في الأنشطة الإقتصادية الموسمية التي يقتصر الإنتاج فيها خلال فصل معين من السنة ،كما هو الحال في القطاع الزراعي وكذلك في بعض الصناعات ففي فصل الشتاء مثلاً غالباً ما يتعطل الفلاحين وعمال الصناعات الاستهلاكية الموسمية[11].

 

 

الآثار الناجمة عن البطالة :

   تشكل البطالة سبباً رئيسياً لمعظم الأمراض الاجتماعية في أي مجتمع ، كما أنها تمثل تهديداً واضحاً للاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ، فالبطالة بمعناها الواسع لا تعني فقط حرمان الشخص من مصدر معيشته ، وإنما تعني أيضاً حرمانه من الشعور بجدوى وجوده .

   وفي إجمال للآثار الناجمة عن البطالة يذكر أن معظم المشكلات الاجتماعية والنفسية والأخلاقية التي انتشرت في الآونة الأخيرة في بعض الدول العربية والإسلامية التي تعاني من مشكلة البطالة كانت البطالة هي العامل المشترك في خلقها واستفحال خطرها .

و يمكن تلخيص هذه الآثار في النقاط التالية:

الآثار الاجتماعية الناجمة عن البطالة :

تبرز لنا ظاهرة البطالة كتعبير عن سوء العلاقات الاجتماعية وإجحافها، كوجه آخر لسوء توزيع أو تقسيم العمل الاجتماعي، وسوء توزيع الدخل والثروة، على المستويين المحلي والوطني، وعلى المستوى العالمي بين الدول الغنية والدول الفقيرة، وبالتالي يتضح لنا أيضاً أن البطالة والقهر والحرمان التي تشكل آفات اقتصادية واجتماعية وأخلاقية معاً ليست نتيجة طبيعية للتقدم التاريخي، وبخاصة ليست نتيجة حتمية للتقدم العلمي والتقني، كما يزعم الفكر المحافظ المدافع عن المصالح والامتيازات المكتسبة ضد منطق العلم والتاريخ، وإنما هي ناجمة عن فساد وجور وخلل أساسي في النظام الاجتماعي السائد، في العملية الاقتصادية-الاجتماعية كلها الجارية اليوم في ظل العولمة وعلى جميع الأصعدة، الدولية والإقليمية والمحلية[12].

   إذ تترتب على البطالة مجموعة من الآثار الاجتماعية والنفسية ،حيث يشعر العاطلون بالإحباط واليأس وعدم الانتماء للدولة، فتنتشر الجريمة بأنواعها، وخاصة في صفوف العاطلين الذين لا يتلقون إعانة بطالة خلال فترة تعطلهم، ويكون واقع البطالة وما ينجم عنها نتيجة لفقدان مصدر العيش (الكسب) أشد على القطاعات الأضعف في المجتمع، وهم الفقراء والنساء، أضف لذلك الانحرافات الفكرية وانتشار الشعور بالحقد والبغضاء نحو الطبقات التي تحيا في بحبوحة من العيش، ومما هو جدير بالذكر انه كلما طالت فترة التعطل كلما صار ضررها جسيماً حيث تؤثر تأثيراً سلبياً على المواهب الفنية والعقلية للعامل فتضمحل مهاراته بل يفقد الإنسان ميزة التعود على العمل وإتقانه وينحط مستواه.

وتساعد البطالة على زيادة حالة ما يسمى بالتشرذم الاجتماعي، وتؤدي حالة التعطل الدائم والمؤقت عن العمل وما يصاحبها من مشكلات اجتماعية وضغوطات اقتصادية على إصابة غالبية الشباب المتعطل عن العمل بحالة من الإحباط الشديد المزمن وحالة من عدم الثقة بالنفس وخاصة لدى الشباب من حملة الشهادات المتوسطة والجامعية، مما يدفعهم هذا الشعور إلى التفكير جدياً بالانتقام من المجتمع الذي يرفض منحهم فرصة العيش الكريم، وتحسين أوضاعهم الاجتماعية، وتحقيق ذواتهم وتجسيد طموحاتهم من خلال تحصنهم بالعمل وأيضاً يدفعهم هذا الشعور إلى التفكير جدياً بالهجرة إلى مجتمعات أخرى.

جانب الصحة النفسية :

   تؤدي حالة البطالة عند الفرد إلى التعرض لكثير من مظاهر عدم التوافق النفسي والاجتماعي ، إضافة إلى أن كثيراً من العاطلين عن العمل يتصفون بحالات من الاضطرابات النفسية والشخصية فمثلاً ، يتسم كثير من العاطلين بعدم السعادة وعدم الرضا والشعور بالعجز وعدم الكفاءة مما يؤدي إلى اعتلال في الصحة النفسية كما ثبت أن العاطلين عن العمل تركوا مقاعد الدراسة بهدف الحصول على عمل ثم لم يتمكنوا من ذلك يغلب عليهم الاتصاف بحالة من البؤس والعجز

ويعد من أهم مظاهر الاعتلال النفسي التي قد يصاب بها العاطلون عن العمل .

- الاكتئاب : تظهر حالة الاكتئاب بنسبة أكبر لدى العاطلين عن العمل مقارنة بأولئك الذين يلتزمون بأداء أعمال ثابتة ، وتتفاقم حالة الاكتئاب باستمرار وجود حالة البطالة عند الفرد ، مما يؤدي إلى الانعزالية والانسحاب نحو الذات ، وتؤدي حالة الانعزال هذه إلى قيام الفرد العاطل بالبحث عن وسائل بديلة تعينه على الخروج من معايشة واقعه المؤلم وكثيراً ما تتمثل هذه الوسائل في تعاطي المخدرات أو الانتحار .

- تدني اعتبار الذات : يخلق العمل لدى الإنسان روابط الانتماء الاجتماعي مما يبعث نوعاً من الإحساس والشعور بالمسؤولية ، ويرتبط هذا الإحساس بسعي الفرد نحو تحقيق ذاته من خلال العمل ، وعلى عكس ذلك فإن البطالة تؤدي بالفرد إلى حالة من العجز والضجر وعدم الرضا مما ينتج عنه حالة من الشعور بتدني الذات وعدم احترامها .

جانب الصحة الجسمية والبدنية :

  إن الحالة النفسية والعزلة التي يعانيها كثير من العاطلين عن العمل تكون سبباً للإصابة بكثير من الأمراض وحالة الإعياء البدني كارتفاع ضغط الدم  وارتفاع الكولسترول، والذي من الممكن يؤدي إلى أمراض القلب أو الإصابة بالذبحة الصدرية، إضافة إلى معاناة سوء التغذية أو الاكتساب عادات تغذية سيئة وغير صحية .[13] الآثار الأمنية و السياسية:

   نلاحظ أحيانا بعض الفئات العاطلة و التي يكون قد نفذ صبرها ولم تعد تؤمن بالوعود والآمال المعطاة لها وهي ترفع شعار التململ والتمرد، و مع ذلك لا يمكن لومها ولكن لا يعني ذلك تشجيعها على المس بممتلكات الوطن وأمنه، ولكن لابد أن نلتمس لهم العذر، فمقابل مرارة ظروفهم هناك شواهد لفئات منغمسة في ترف المادة، ومن الطبيعي أن ينطق لسان حالهم متسائلا أين العدالة الاجتماعية والإنصاف؟ كما أن سياسة العنف المفرط في مقابل حركة العاطلين لا تخلق إلا المزيد من العنف والاضطراب وتفاقم الأزمة، فهناك حاجة إلى التعقل وضبط الموقف والنظر إلى القضايا من منظور واسع وبعين تقصي الأسباب في محاولة لتفهم موقف الآخرين ، حيث أن مبدأ إرساء العدالة الاجتماعية تملي على الجميع تكريس حق إبداء الرأي ورفع راية المطالبات بالوسائل السلمية المشروعة، كما أنها تلزم الأطراف المعنية متمثلة بالحكومة باحترام هذه الحقوق واتساع الصدر للآراء المختلفة، لأن المواطن في نهاية المطاف لا يطالب إلا بحق العيش الكريم والحفاظ على كرامته وإنسانيته في وطنه، وهي من جوهر حقوق المواطن والتي يجب على الحكومة أن تكفلها وتحرص عليها، لا أن تتكالب عليها فتكون هي والقدر مجتمعان على المواطن المستضعف.

الآثار الاقتصادية:

   إحدى نتائج ظاهرة البطالة زيادة حجم الفقر، الذي يعتبر أيضًا من العوامل المشجعة على الهجرة، ويقول الخبراء بأن مشكلة الهجرة إلى أوروبا تكاد تكون مشكلة اقتصادية بالأساس، فبالرغم من تعدد الأسباب المؤدية إلى هذه الظاهرة، إلا أن االدوافع الإقتصادية تأتي في مقدمة هذه الأسباب، ويتضح ذلك من التباين الكبير في المستوى الإقتصادي بين البلدان المصدرة للمهاجرين، والتى تشهد غالبًا افتقارًا إلى عمليات التنمية، وقلة فرص العمل، وانخفاض الأجور ومستويات المعيشة، وما يقابله من ارتفاع مستوى المعيشة، والحاجة إلى الأيدي العاملة في الدول المستقبلة للمهاجرين، حيث تقدر منظمة العمل الدولية حجم الهجرة السرية بما بين 10 – 15% من عدد  المهاجرين في العالم.. البالغ عددهم حسب التقديرات الأخيرة للأمم المتحدة حوالي 180 مليون شخص.

   أما فيما يتعلق بالآثار الاقتصادية للبطالة على المستوى الكلي فالكل يعرف أن أهم مؤشر في اتجاهات الطلب على العمل هو نموّ الانتاج، و بالتالي فإن تباطؤ النموّ الاقتصادي يعني ارتفاعا في معدّلات البطالة، وهكذا فإن الوضع في المنطقة العربية بصورة عامة و منذ التسعينات تلخص في ضعف أداء الانتاج مقارنة بنمو سريع في القوة العاملة، كما تبين الاحصائيات أن النمو في القوة العاملة قد فاق الزيادة التي طرأت على فرص التوظيف في المنطقة العربية[14].

البطالة في الدول النامية :

   تعتبر مشكلة البطالة في الدول النامية من المشكلات المستعصية ، ولذلك نجد أن معدلات نسبة البطالة فيها أكثر ارتفاعًا من الدول المتقدمة والدول الصناعية ،ذلك أن البطالة في الدول النامية تعد انعكاسا لمشكلة أكبر هي مشكلة التخلف في حين أن البطالة في حالة البلدان الصناعية تعبر عن أحد تناقضات التقدم الرأسمالي ،بالإضافة إلى أن البلاد تضع نظما للحماية الاجتماعية للعاطلين .

   مثل إعانات ومشروعات الضمان الاجتماعي وهي توفر حدودا دنيا إنسانية لمعيشة العاطلين ،أما في حالة الدول النامية فلايوجد مثل هذه الأنظمة الجبائية ،ومن هنا تكون البطالة معناها الجوع والحرمان والمعاناة والتسول .[15]

الجدول التالي يوضح معدلات البطالة في الدول النامية حتى سنة 1990 ­( % من قوة العمل )[16]

الدولة 1981 1985 1990
النيجر 39.9 56.3 46.8
جزيرة شيشل 3.8 22.5
الصومال 22.3
السودان 21.1
تونس 13.4

الملامح الاقتصادية المميزة لاقتصاديات الدول النامية :

- أهم ما يميز الدول النامية عمومًا هو ازدواج الهيكل الاقتصادي، أي وجود قطاعين أساسيين كل منهما بجوار الآخر و لكنهما يختلفان تماما في التنظيم و في وسائل الانتاج .

- الاعتماد الكبير على التجارة الخارجية  فكل أو معظم السلع الصناعية سواء الاستثمارية أو الاستهلاكية ذات مرجع خارجي .

- انخفاض الدخل القومي للفرد ، حيث أن الدخل القومي يمثل الناتج الناشىء من تفاعل و نشاط جميع القوى الإقتصادية في المجتمع مع ملاحظة الحرص التام في استخدام هذا المؤثر عند عمل المقارنات الدولية .

البطالة في الوطن العربي:

   تعتبر البطالة إحدى أخطر المشكلات التي تواجه الدول العربية، حيث توجد بها أعلى معدلات البطالة في العالم، وحسب تقرير لمجلس الوحدة الاقتصادية التابع لجامعة الدول العربية الصادر عام 2004 قدّرت نسبة البطالة في الدول العربية ما بين 15 و 20%، وكان تقرير منظمة العمل الدولية قد ذكر في عام 2003، أن متوسط نسبة البطالة في العالم وصل إلى 6.2% ، بينما بلغت النسبة في العالم العربي في العام نفسه 12.2%، وتتزايد سنويًا بمعدل 3%. وما يجعل هذه القضية من أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات العربية، هو أن 60% تقريبا من سكانها هم دون سن الخامسة والعشرين.

معدلات البطالة في البلدان العربية خلال الفترة 1984- 1993 :

   إن متابعة معدلات البطالة في البلدان العربية تعطي نسبا تقريبية ولا تمثل الحقيقة الكاملة ، وقد تتضارب الأرقام في بعض الأحيان بحسب التصريحات الحكومية أو تلك التي تجريها المنظمات المختلفة التي من شأنها متابعة أحوال البطالة في العالم العربي ، وتأتي فترات ترتفع فيها نسبة البطالة للظروف التي يمر بها كل بلد ، كما أن هناك أيضا فترات انقطاع المتابعة ، وسوف نحاول رصد ما تيسر لنا ابتداءً من 1981 ،و سوف يتضح لنا كيفية تفاقمت البطالة في بعض البلاد على مرور الزمن .

   ففي الأردن وصل معدل البطالة إلى 8.18 %من قوة العمل في عام 1991 ، وفي الجزائر ارتفع المعدل إلى 24.3% عام 1993،وفي المغرب ارتفع إلى 16%عام 1992 ، أما تونس 15% عام 1991 وفي جمهورية مصر وصل معدل البطالة إلى 17.5% طبقا للنتائج الأولية لبحث العمالة بالعينة للفترة 1989/1992 .[17]

الجدول يوضح معدلات البطالة في بعض البلاد العربية[18]

السنوات الأردن الجزائر تونس المغرب
1984 0.4 12.9
1985 6.0 9.8
1986 8.0
1987 8.3 21.4 14.3
1988 8.3 12.6 13.9
1989 10.3 18.1 13.4 19.3
1990 19.8 19.8 15.4
1991 18.8 20.7 10.0 17.3
1992 23.8 16.0
1993 24.3

   من خلال الجدول نرى بشكل عام زبادة معدلات الطالة من سنة إلى اخرى، مما يشير إلى خطورة المشكلة .

وتذكر الإحصاءات للسنوات الأخيرة أن معدلات البطالة بين الشباب بلغت مستويات غير مسبوقة فقد وصلت إلى  54.1% عام 2000 في الجزائر ،وفي لبنان ترتفع نسبة للشباب اليافع  (15-19)سنة إلى 28.6% لكنها تنخفض عند الفئة (20-24)سنة الى 17.8% وترتفع في المغرب إلى 38% وتبلغ نسبة 65%في البحرين وتقارب 40%في فلسطين [19].

و الواقع أن ظاهرة البطالة باتت تؤرق أغلب البلدان العربية، وتوضح إحصاءات منظمة العمل العربية مدى خطورة هذه الظاهرة على النحو التالي:

أ – تصل نسبة البطالة حاليًا إلى15% من إجمالي القوى العاملة العربية، أي ما يعادل حوالي 18 مليون عاطل يبحثون عن العمل و قادرون عليه و لا يجدونه، ويتوقع ارتفاع هذا العدد بالنظر إلى أن حجم القـوى العاملة العربية في ازدياد مطرد. ففي الدول العربية فرادى يتراوح معدل البـطالة في الفترة 2000-2003 ما بين 1.1 % و 3.9 % من إجمالي القوى العاملة في الكويت، والإمارات والبحرين وقطر، وما بين 26 % و 28 % في الجزائر والعراق وفلسطين. وتعاني فئة خرجي التعليم العالي من أعلى معدل للبطالة مقارنة بالفئات التعليمية الأخرى، واستفحلت هذه الظاهرة في العديد من الدول العربية؛ حيث تبلغ معدلاتها الضعفين في الأردن، وثلاثة أضعاف البطالة بين الأميين في الجزائر، وخمسة أضعاف في المغرب، وعشرة أضعاف في مصر. مما دفع بأعداد متزايدة من هذه الفئة للعمل خارج تخصصهم. ويتوقع أن يصل عدد العاطلين عن العمل إلى 25 مليونًا في العام 2010، فيما يقدر حجم الداخلين الجدد في سوق العمل العربية بنحو 3 ملايين عامل سنويًا، وتقدر حجم الأموال اللازمة لتوفير فرص عمل لهم 15 مليار دولار سنويًا.

ب – غالبية العاطلين عن العمل من الداخلين الجدد في سوق العمل، أي من الشباب، ويمثل هؤلاء تقريبًا ثلاثة أرباع العاطلين عن العمل في دولة البحرين و84% في الكويت، وما يزيد على الثلثين في مصر والجزائر. أما معدلات البطالة بين الشباب نسبة إلى القوى العاملة الشابة فقد تجاوزت 60% في مصر والأردن وسورية وفلسطين و40% في تونس والمغرب والجزائر.

جـ – تستحوذ دول اتحاد المغرب العربي على الجانب الأكبر من قوة العمل العربية بنسبة 37.8%؛ حيث يوجد بها حاليًا 33.5 مليون عامل، من المتوقع زيادتها إلى 47 مليونًا عام 2010، ثم دول مصر والأردن واليمن والعراق، وبها 25.2 مليونًا تصل إلى 35 مليونًا عام 2010 بنسبة 27.7 %، ودول مجلس التعاون الخليجي، وبها 8.3 ملايين تصل عام 2010 إلى 11.4 مليونًا بنسبة 9.3 % من قوة العمل، فيما يتوزع الباقي، وهم 22.6 مليونًا، على بقية الدول العربية، ومن المنتظر زيادتهم إلى 30 مليونًا عام 2010.

   وتتفاوت معدلات البطالة من دولة عربية لأخرى؛ ففي الدول ذات الكثافة السكانية العالية، ترتفع حدة الظاهرة؛ حيث تبلغ 20% في اليمن، و21% في الجزائر، و17% في السودان، و9% في مصر، و8% في سوريا. وفي المقابل تنخفض في دول الخليج العربي ذات الكثافة السكانية المنخفضة؛ ففي سلطنة عمان يوجد نحو 330 ألف عاطل عن العمل، وفي السعودية نحو 700 ألف، وفي الكويت يصل العدد إلى 3 آلاف فقط.

و كذلك ترتفع معدلات البطالة المقنعة في جميع الدول العربية، وتختلف دول مجلس التعاون الخليجي بالمقارنة مع بقية الدول العربية في كون أن معدلات البطالة المقنعة تتجاوز كثيرا معدلات البطالة السافرة بين المواطنين.

تحديات التشغيل والبطالة في الدول العربية :

   برغم أن المنطقة العربية من أسبق مناطق العالم النامي في استحداث وظائف جديدة، فقد استطاعت أن توجد سنويًا ما يزيد عن ثلاثة ملايين وظيفة جديدة، وهو إنجاز كبير، إلا أنه غير كاف، وغير متوازن في البلدان العربية، وتبقى المنطقة في عمومها محتفظة بأعلى معدلات البطالة بين مناطق العالم، إذ تجاوزَ معدلُ البطالة العامة فيها 14%، كما تبقى المنطقة ذات أعلى المعدلات في البطالة بين الشباب خاصة،إذ تجاوز معدلها 25%.

تحليل البطالة في الجزائر و الدول العربية :

   لعل الشيء المميز للاقتصاديات الدول العربية هو الارتفاع الغير العادي لنسب البطالة عن المعدلات العالمية حيث جاء في تقرير منظمة العمل العربية، لشهر مارس 2005، تم تقديم تصور متشائم لتطور معدلات البطالة في البلدان العربية. ويرى التقرير أن الوضع الحالي للبطالة هو الأخطر بين جميع مناطق العالم، وأنه يجب على الاقتصاديات العربية استثمار حوالي 70 مليار دولار، ورفع معدل نموها الاقتصادي من 3% إلى 7%، وخلق خمسة ملايين منصب عمل، حتى يتم تخفيض نسب البطالة إلى معدلات مقبولة أو طبيعية .

   و إذا استثنينا فلسطين و العراق أين تسود ظروف غير عادية، فإن كل الدول العربية تعرف نسب بطالة مرتفعة عن المعدلات العالمية، و هو أمر محير بالنسبة لبعض البلدان التي تتوفر على موارد معتبرة، حيث ترتفع نسبة البطالة في السعودية إلى حوالي 15%، وفي عمان 17.2%، وفي قطر 11.6% و كذلك بالنسبة للجزائر 23.7% في سنة 2003.

   و إذا ربطنا معدل النمو بانخفاض نسبة البطالة في الدول العربية فإننا نجد أن العلاقة تكاد تكون ضعيفة بين النسب العالية للنمو ما بين 4% و 6% و انخفاض معدلات البطالة ما بين 2% إلى 3% في غالبية الدول العربية.

   أما الجزائر فهي تعاني كبقية البلدان العربية من ارتفاع غير عادي في نسبة البطالة، و هو أمر يؤثر مباشرة على جهود التنمية و الانفتاح في الاقتصاد الجزائري، و لعل التعامل مع نسب بطالة مرتفعة يختلف كلية عن ما هو سائد في البلدان المتطورة أين تسود معدلات بطالة نوعا ما منخفضة[20].

و تحليل نسب النمو و البطالة بالنسبة للجزائر يبين اتجاهين رئيسيين:

- ارتفاع معدل النمو و ارتفاع نسبة البطالة في الفترة ما بين 1995 و 2000.

- ارتفاع معدل النمو و انخفاض نسبي في معدل البطالة في الفترة ما بين 2002 و 2005.

الاقتراحات :

 كيفية مواجه ظاهرة البطالة ؟

   باعتبار كون البطالة  تعد بمثابة قنابل موقوتة تهدد الاستقرار في العالم العربي، فإن المطلوب وضع إستراتيجية عربية شاملة في هذا الشأن منها آخذة في الاعتبار عدة أمور منها:

- تأهيل الشباب حديثي التخرج من أهم التحديات التي تواجه المؤسسات وأنظمة التعليم والتدريب في الدول العربية، حيث يفتقر كثير منها إلى العمالة المتخصصة في المجالات التي يحتاجها سوق العمل، مما يساعد في سد الفجوة بين العرض والطلب على العمالة.

- خلق قاعدة معلوماتية قومية للوظائف المطروحة والباحثين عنها، و هنا يمكن الاستفادة من تجربة بعض الدول الغربية في إنشاء بنوك قومية للتوظيف توفر قواعد معلومات ضخمة للوظائف الشاغرة في القطاعين العام والخاص، يتم تحديثها يوميا، وتكون متاحة من خلال مواقع إنترنت متخصّصة أو دليل شهري يوزع بمقابل مادي رمزي على الباحثين عن العمل.  

- تنظيم عملية استقدام العمالة الأجنبية وتقنينها، بحيث تقتصر صلاحيتها حصراً على الأجهزة المختصة فقط، وعدم تعدد الجهات والمصادر التي تقوم بذلك.

-  ترشيد عملية استقدام العمالة الأجنبية وذلك من خلال حصرها في مهن محددة.

- تحسين الأداء الاقتصادي العربي، وتحسين مناخ الإستثمار في الدول العربية، وإزالة القيود التنظيمية والقانونية التي تحول دون اجتذاب الأموال العربية في الخارج، والتي يقدرها بعض الخبراء بنحو 800 مليار دولار، ولا شك أن عودة هذه الأموال للاستثمار في الدول العربية سوف يساهم في كبح جماح مشكلة البطالة، ويساعد على توفير فرص عمل لا حصر لها للشباب العربي.

- إن تحقيق النمو الإقتصادي أمر لا غنى عنه من أجل تحقيق التنمية المستدامة والقضاء على البطالة والفقر في الوطن العربي والنمو الحالي يبين ضعف المستوى، ولن يتسنى تحقيق ذلك دون أن يكون هناك نمو في القطاع الخاص كأداة أساسية ورئيسية للنمو الاقتصادي ولتوليد فرص العمل، وإزالة كل ما يعترضه من عقبات وضرورة التركيز على المشروعات الصغيرة والمتوسطة والتي من شأنها تشغيل أكبر عدد ممكن من العاطلين  عن العمل.

- إن زيادة الإستثمارات تدفع إلى حل مشكلة البطالة التي يمكن أن تزيد من فرص العمل، ولاشك أن وجود عمالة متعلمة يعد مفتاحا للمساهمة في عالم يتسم بالعولمة، فخلق وظائف هي أولوية لا تسبقها أولوية ومن أجل توسيع الفرص لابد من خلق المناخ الذي يتمكن فيه القطاع الخاص و الاستثمارات الأجنبية في الإسهام للقضاء على هذه الظاهرة وتأمين فرص عمل، ولابد من وضع شرطا للقبول في قانون الإستثمار الجديد، وذلك بمنع الشركات الأجنبية  من استخدام الأيدي العاملة الأجنبية والإقتصار على العمالة الأجنبية المتخصصة و التي يحتاجها سوق العمل في الوقت الحاضر لحين إعداد وتدريب كوادر وطنية، وعلى أن  تعتمد على استخدام كثافة الأيدي العاملة في المشاريع.

- إنشاء هيئة أو مركز متخصص بالسكان النشطين اقتصاديًا وإيجاد قاعدة معلومات متكاملة تقوم توفر كافة البيانات عن سوق العمل وإجراء بحوث مسحية و إعداد الدراسات الخاصة  بالظاهرة حالياً وبناء التصورات المستقبلية والتي تساعد على وضع سياسات خاصة بالعمالة ولمجابهة المشكلة والإسراع في وضع الإستراتيجية لضمان توفر فرص العمل مستقبلاً وتحليل الآثار المختلفة للظاهرة وبرامج الحد منها.

- ضرورة مساهمة مؤسسات المجتمع المدني في تدعيم شبكات الأمان الاجتماعي وعقد ندوات فكرية وثقافية لتعريف المواطن بالآثار السلبية لتزايد حجم البطالة على مختلف جوانب الحياة، وكذلك أهمية دور وسائل الإعلام المختلفة.

- تمكين المرأة وتوظيف قدراتها ومشاركتها في الحياة العامة لتصبح عضوا فاعلا في المجتمع وزيادة مجالات فرص عمل المرأة باعتبارها طاقة كامنة مهدورة.

- تشجيع التعليم الفني المهني لكلا الجنسين وبيان أهمية التعليم المهني في تنمية المهارات والقدرات البشرية المعرفية والتقنية للعمالة وسيكون له دور هام في تجهيز العمالة لمواجهة التغيرات الهيكلية والتحولات التي طرأت على طلب اليد العاملة في سوق العمل،كما  يتطلب فتح مراكز تدريب لتمكين الاقتصادي للفرد وخصوصا فيما يخص الحاسوب واللغة  والذي يساعدهم في الحصول على عمل.

- نظراً لاختلاف التركيبة الحالية للسكان في الوطن العربي من حيث العدد، النوع، الجنسية، والتوزيع في المناطق فإن الواقع يتطلب أن تقوم الجهات المختصة بالعمل على إجراء دراسة مسحية شاملة للسكان، وذلك لما تقتضيه الظروف والدوافع الراهنة سواء ما يتعلق منها بالجانب الأمني، الاقتصادي، الاجتماعي والعلمي.

 -دعم عملية التدريب المستمر، وبخاصة التدريب التأهيلي والاستثمار فيه.

-دعم عملية التعليم المستمر للقوى العاملة، وبخاصة لمن هم دون الشهادة الثانوية.

خاتمة :

   يمكن القول بأن البطالة هي بقاء الفرد بلا عمل وعجزه عن الكسب بغض النظر عن أسباب ذلك ،كما أن البطالة تاريخيا تحكمت فيها ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية، وبالنظر إلى ما ذكر من أرقام فلا مجال للشك في أن البطالة قد تجاوزت الخطوط الحمراء خاصة في الوطن العربي ،فللبطالة انعكاساتها على المجتمعات ماديا ومعنويا وعلى جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ، مما يتوجب على الجميع أفرادا وحكومات الإسراع إلى تدارك المشكلة واحتوائها عن طريق إيجاد علاج مناسب لها للنهوض بالمجتمع ومؤسساته المختلفة. قائمة المراجع :

- عاطف عجوة : البطالة في العالم العربي وعلاقتها بالجريمة، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب ،الرياض، ،1985.

- أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي :الجامع الصحيح– تحقيق أحمد شاكر- باب ما جاء في النهي عن المسألة، حديث رقم 679 ، دار الكتب العلمية، بيروت.

- عباس صالح : العولمة وآثارها في البطالة والفقر التكنولوجي في العالم الثالث ، الاسكندرية ،مصر ،مؤسسة شباب الجامعة ،دط ،2004 .

- قاسيمي ناصر : خريجو الجامعة وسوق العمل ،رسالة ماجستير ،معهد علم الاجتماع ،جامعة الجزائر 1991 -1992 .

-  الخضري سعيد : أزمة البطالة وسوء استغلال الموارد العربية ، القاهرة،مصر ،دار النهضة العربية ،د ط ، 1989 .

- عبد القادر محمد علاء الدين : البطالة ، الاسكندرية ، مصر ، منشأة المعارف ،د ط ، 2003 .

- حسين عمر : موسوعة المصطلحات الإقتصادية ،جدة ،المملكة العربية السعودية ،دار الشروق ،د ط ، دت.

- الأشوح زينب صالح ، الاطراد والبيئة ومداواة البطالة ، القاهرة ، مصر ، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، د ط ، 2003 .

- ماهر أحمد : تقليل العمالة ، الإسكندرية ،مصر ، الدار الجامعية ، دط ، 2000 ، ص353 .

- فكري أحمد نعمان : النظرية الاقتصادية في الإسلام ، دبي ، الامارات العربية المتحدة ، دار القلم ، ط1، 1985 .

- مرسي كمال الدين عبد الغني : الحل الاسلامي لمشكلة البطالة ،الاسكندرية ، مصر ،دار الوفاء،ط1،2004، ص21.

- التقرير الإقتصادي العربي الموحد لعام 1996 ،نقلا عن كتاب الحل الاسلامي لمشكلة البطالة لمرسي كمال الدين عبد الغني ، ص23.

- محمد دمان ذبيح : الآليات الشرعية لعلاج مشكلة البطالة ،مذكرة مكملة لنيل شهادة الماجستير ، إشراف الدكتور حسن رمضان فحلة ، كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الاسلامية،جامعة باتنة ،2007- 2008 ، غير منشورة .

 

 

 

الإستخدامات والإشباعات الإعلامية لذوي الاحتياجات الخاصة بالجزائر

أ. بن سولة نورالدين / طالب دكتوراه إعلام واتصال تخصص : لغة وتحليل نقدي لوسائل الإعلام

جامعة عبد الحميد بن باديس، مستغانم، الجزائر

 

ملخص:

   أدى إدراك الفروق الفردية والتباين الاجتماعي بين أفراد الجمهور ، وإدراك السلوك المرتبط بوسائل الإعلام إلى ظهور منظور جديد للعلاقة بين الجمهور ووسائل الإعلام، وابتداءا من نهاية النصف الأول من القرن العشرين ظهر الاهتمام يركز على دراسة استعمال الجمهور لوسائل الإعلام من أجل إشباع رغباتهم وتلبية حاجاتهم انطلاقا من اختيارات عدة تمنحها لهم الوسيلة الإعلامية، ومن بين الفئات الاجتماعية التي تحتاج إلى رعاية واهتمام ودفع قوي لتنميتها واستغلال قدراتها هي فئة المعوقين ،والتي اخترناه لتكون موضوع دراستنا نظرا لخصوصيتها في المجتمعات بصفة عامة والمجتمع الجزائري بصفة خاصة بمعنى أن  هذه الدراسة تسعى لمعرفة الاستخدامات والإشباعات الإعلامية للفئات ذوي الاحتياجات  الخاصة الجزائرية ؟ وعن ماذا تريد الحصول من التعرض للمضامين الإعلامية؟ وفي المقابل هل استطاعت وسائل الإعلام الجزائرية أن تلبي وتشبع الحاجات الإعلامية لهاته الفئة ؟ أم أن فئة ذوي الاحتياجات  الخاصة تلجأ للإعلام الغربي والعربي لتلبية احتياجاتها الإعلامية ؟ أي هل تمكن الإعلام الجزائري من تأدية وظائفه الاجتماعية أمام فئة المعاقين  من خلال توفير المضامين الإعلامية التي تهمهم وتجذبهم؟

 

الكلمات المفتاحية : ذوي الاحتياجات  الخاصة،  الإستخدامات والإشباعات الإعلامية ،  الحاجات والدوافع .

 

مقدمة :

   نظرا للتطور المذهل للتكنولوجيا والتي شملت وسائل الإعلام وعظمت دورها في المجتمع ،أضحى الإعلام ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها في ظل أهداف الحكومات التي تسعى للرفع من مستوى مختلف الفئات الاجتماعية ثقافيا وعلميا ، وتحسين أوضاعها اجتماعيا واقتصاديا وتنمية السلوكيات والقدرات الفردية .

إن تعاظم أهمية الإعلام في المجتمعات راجع إلى قدرته على استيعاب اهتمامات وحاجات الفئات الاجتماعية، الأمر الذي دفع بالمؤسسات الإعلامية الكبرى في الدول الغربية وبعض الدول العربية إلى خوض غمار التخصص من خلال التركيز على مضامين إعلامية محددة لتلبية حاجات فئات محددة .

   فالمجتمع ليس شيئا واحدا، بل هو كل مركب من شرائح اجتماعية كثيرة متباينة الصفات والأوضاع والأفكار والأهداف والاتجاهات، وبالتالي يكون لزاما على وسائل الإعلام أن تقوم بصياغة رسائل إعلامية مناسبة لخصائص كل شريحة مستهدفة في إطار تحقيق أهداف ووظائف العملية الاتصالية والإعلامية .

   ومن بين الفئات الاجتماعية التي تحتاج إلى رعاية واهتمام ودفع قوي لتنميتها واستغلال قدراتها هي فئة المعوقين ،والتي اخترناه لتكون موضوع دراستنا نظرا لخصوصيتها في المجتمعات بصفة عامة والمجتمع الجزائري بصفة خاصة، حيث تسعى الدراسة في البحث عن الحاجات والاستخدامات الإعلامية للفئات الخاصة الجزائرية ومدى قدرة وتلبية الإعلام الجزائري لتلك الحاجات من خلال تبني قضاياهم وتناولها قصد تحسين صورتهم ومكانتهم الاجتماعية، أو بمعنى آخر مدى قيام الإعلام الجزائري بدوره ووظائفه اتجاه الفئات الخاصة.  

وعليه تظهر الحاجة لدراسة حول المضامين الإعلامية التي تجذب فئة ذوي الاحتياجات  الخاصة الجزائرية  والتي تكون حسب خصائصهم سواء الخصائص المشتركة بينهم وبين الفئات الأخرى، أو الخصائص التي تنفرد بها هده الفئة عن بقية الفئات، والتي تفرض عليها اهتمامات تسعى لإيجادها وحاجات خاصة تسعى لإشباعها من خلال المضامين الإعلامية، بمعنى أن هذه الدراسة تسعى لمعرفة الاستخدامات والإشباعات الإعلامية للفئات ذوي الاحتياجات  الخاصة الجزائرية؟ وعن ماذا تريد الحصول من التعرض للمضامين الإعلامية؟ وفي المقابل هل استطاعت وسائل الإعلام الجزائرية أن تلبي وتشبع الحاجات الإعلامية لهاته الفئة؟ أم أن فئة ذوي الاحتياجات  الخاصة تلجأ للإعلام الغربي والعربي لتلبية احتياجاتها الإعلامية؟ أي هل تمكن الإعلام الجزائري من تأدية وظائفه الاجتماعية أمام فئة المعاقين من خلال توفير المضامين الإعلامية التي تهمهم وتجذبهم؟

   فقد أدى إدراك نتائج الفروق الفردية والتباين الاجتماعي بين أفراد الجمهور، وإدراك السلوك المرتبط بوسائل الإعلام إلى ظهور منظور جديد للعلاقة بين الجمهور ووسائل الإعلام، وكما سبق الذكر فقد أدى هذا إلى التحول من فكرة الجمهور كعنصر سلبي إلى عنصر فاعل في انتقاء واختيار الرسائل والمضامين المفضلة من وسائل الإعلام ،وابتداءا من نهاية النصف الأول من القرن العشرين بدأ الاهتمام يركز على دراسة استعمال الجمهور لوسائل الإعلام من أجل إشباع رغباتهم وتلبية حاجاتهم انطلاقا من اختيارات عدة تمنحها لهم الوسيلة الإعلامية في حد ذاتها ،ولم يعد هناك حديث عن الآثار التي تخلفها وسائل الإعلام بقدر ما فتحت الدراسات الباب أمام مسألة اختلاف الاستعمالات بين الجمهور، إذ لا حظ النقاد أنه يجب النظر إلى الجمهور من منظور فردي، وذلك في حدود الاختلافات بين الاستجابات الناجمة عن الفروق الفردية المكونة للشخصية في حد ذاتها، ومن تم فإن استخدام وسائل الإعلام مرهون بالتباين في الحاجات والدوافع،التي ما هي في الأساس إلا مجموعة من القوى النفسية التي تساعد على تحديد سلوك الجمهور ،ويفسر التباين في سلوك التعرض بالكثافة الشديدة أو التعرض المحدود نتيجة عدم تلبية الوسيلة لحاجة أو حاجات لدى الفرد ،[21]فالسلوك الاتصالي هو جزء من السلوك الاجتماعي، ويختلف سلوك الأفراد في المجتمع باختلاف سمات وخصائص كل فرد ، سواء كانت ديمغرافیة أو فردية أو اجتماعية، كما تتدخل  مصالح واهتمامات الجمهور في تعرضهم لوسائل الإعلام،[22]وهنا نشير إلى أن خصائص الأفراد الأولية تؤثر على عادات اتصالهم وهذه الخصائص الأولية تتمثل في :

  • التعليم: حيث أكد هوفلاند HOVLAND أن هناك ارتباطا إيجابيا بين مقدرة الفرد الذهنية ودرجة استيعابه للرسالة الإعلامية، إذ أن جمهور وسائل الإعلام المطبوعة يحتاج إلى قدر معين من المهارات ،ولكن أي شخص تقريبا يمكنه أن يكون جمهور الراديو والتلفزيون، بمعنى أن هناك ارتباط بين التعامل مع الجريدة أو المجلة ودرجة التعليم.
  • العمر(السن) :بينت الأبحاث أن الأفراد الصغار يفضلون المواد الترفيهية أكثر من المواد الجادة،كما تبينت أيضا وجود ارتباط سلبي واضح بين صغر السن وسنوات مرحلة الشباب والاهتمام بالشؤون العامة، فالأفراد في سن الشباب يكونون عادة أقل اهتمام بالشؤون العامة ،وتشير الدلائل إلى انه كلما ارتفع السن تحول الاهتمام من الخيال إلى الموضوعات غير الخيالية.
  • الجنس : فالإختلاف بين الرجال والنساء له أهمية كبيرة حيث كشفت الدراسات أن النساء أقل اهتماما بالشؤون العامة مقارنة بالرجال، فالإناث يملن على قراءة القصص الخيالية في المجلات ، في حين يميل الذكور إلى قراءة المواد غير الخيالية .
  • الخصائص البيولوجية: فالخصائص البيولوجية ومكونات الشخصية الإنسانية لهم تأثير على طبيعة السلوك الإنساني، إذ أن البنيان العضوي للجسم يؤثر على طبيعة سلوكه وتصرفاته ونظرته إلى نفسه ونظرة الآخرين إليه، ويحدد طبيعة العلاقة القائمة بينه وبين غيره من الأفراد ، فقد يولد شخص ناقص التركيب البيولوجي أو مشوه الخلقة، وهنا يؤثر في علاقاته الاجتماعية بالآخرين ،فالانعكاسات التي تظهر في سلوك الفرد إنما مردها إلى تكوينه البيولوجي ،وهدا ما يجعل التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة أمرا بالغ الأهمية على مستوى الاتصال الشخصي، ومن خلال وسائل الاتصال  الجماهيري، فالإعاقة تولد إحساس بالنقص مما يدفع دو الحاجة الخاصة إلى الانسحاب من العلاقات الاجتماعية وتعويضها بالطريقة الاصطناعية من خلال وسائل الاتصال  الجماهيري.[23]

بمعنى أن كل مستخدم لديه سمات خاصة، فالخصائص السوسيوديموغرافية كالسن، الجنس ،الحالة العائلية … تسمح بتفسير السلوكات الفردية في علاقتها بالإعلام، ويتم  تشكيل الجمهور من خلال سمة  أو مجموعة سمات خاصة،كجمهور الأطفال، المسنين، الأشخاص المعاقين والمقارنة بين جمهور النساء والرجال … من جهة أخرى أدت المنفعة المرجوة من الاستخدام إلى التنويع في وسائل الإعلام والتنويع بين الطلب والحاجة للمعلومة،وهدا يعني تجدد في الاستخدامات والمستخدمين،فلا يوجد جمهور واحد بل عدة جماهير، إذ أن المنتجات والخدمات الإعلامية تقوم بتقسيم وتصنيف المستخدمين إلى جماهير متعددة .[24]

   من خلال ما سبق لاحظنا افتقار في البحوث العلمية الإعلامية بالجزائر التي تتناول فئة المعاقين الجزائريين  وعلاقتها بالإعلام الجزائري، على العكس من ذلك في بلدان الخليج والأردن  وغيرها من الدول العربية وحتى الأجنبية، إذ يوجد دراسات تتناول علاقة فئة ذوي الاحتياجات  الخاصة بوسائل الإعلام من مختلف الزوايا، سواء من المنظور التربوي التعليمي، أو من  منظور مسؤولية وسائل الإعلام اتجاه فئة ذوي الاحتياجات  الخاصة من خلال تسليط الضوء على قضاياهم أو غيرها من الزوايا التي عالجتها الأبحاث العلمية.

وفيما يلي نعرض مجموعة من الدراسات التي تصب في نفس الاتجاه :

دراسات حول الاستخدامات والإشباعات :أصبحت الدراسات حول الاستخدامات والإشباعات كتقليد في بحوث الإعلام والاتصال في السنوات الأخيرة ،وسنعرض البعض منها فيما يلي :

  • دراسة أسامة غازي المدني بعنوان» استخدامات الشباب السعودي الجامعي للمضمون السياسي للمدونات الإلكترونية و الإشباعات المحققة منها« [25]: وهي دراسة وصفية اعتمد فيها الباحث على منهج المسح الوصفي DESCRIPTIVE SURVEY ، والاستبيان كأداة لجمع المعلومات لعينة من مجتمع دراسة مشكل من 250 مفردة من الشباب الجامعي السعودي، وتم سحب العينة عن طريق توزيع دعوة للمشاركة في دراسة عن شبكة الانترنت بالكليات الجامعية بمدينتي جدة ومكة، وقد ارتكز الباحث في دراسته على نظرية الإستخدامات والإشباعات.
  • دراسة ميدانية للباحثة فوزية عبد الله العلي من جامعة الشارقة بعنوان استخدام المرأة الإماراتية للقنوات الفضائية بدولة الإمارات وهي دراسة استطلاعية  تتبلور مشكلتها في معرفة مدى تعرض المرأة الإماراتية للقنوات الفضائية وتلبية احتياجاتها في الحصول على المعلومات والمعرفة والترفيه ، والدور الذي يمكن أن تؤديه تلك القنوات في تزويد المرأة الإماراتية بما يمكنها من إشباع حاجاتها ودوافعها .

وقد اعتمدت الباحثة على منهج المسح من خلال القياس الميداني لعينة مكونة من 200 مفردة شملت النساء العاملات وربات البيوت بالإمارات، من طبقات اجتماعية واقتصادية مختلفة ومستويات علمية وعمرية مختلفة ومزجت بين الريف والحضر، وقد ارتأت الباحثة استخدام الاستبيان كأداة بحث يتم توزيعه على المبحوثين وقمن بملأه.

  • دراسة الدكتورة بارعة حمزة شقير تحت عنوان»استخدام أساتذة جامعة دمشق للانترنت  والإشباعات المحقة منها «[26] منشورة مجلة جامعة دمشق المجلد 25 العدد الأول والثاني سنة 2009 :

وتتحدد مشكلة الدراسة في معرفة مدى استخدام أساتذة جامعة دمشق للانترنت ودوافع استخدامهم لها والإشباعات المحققة من وراء هذا الاستخدام .

اتبعت الباحثة خلال دراستها على منهج المسح للكشف عن استخدامات أساتذة جامعة دمشق للإنترنت والإشباعات المحققة منها معتمدة على أداة الاستبيان QUESTIONNAIR ضمن مجتمع دراسة يتمثل في أساتذة جامعة دمشق في المراحل العمرية المختلفة ،الكليات العملية والنظرية ،المراتب العلمية المختلفة، وكانت العينة عشوائية لمئة مفردة موزعة على عدة متغيرات كالعمر وطبيعة الكلية، المرتبة العلمية، مستوى إتقان اللغات الأجنبية، المستوى الاجتماعي والاقتصادي، المهمة الإدارية.

وقامت الباحثة بدراستها في ضوء نظرية الإستخدامات والإشباعات.[27]

دراسات حول فئة ذوي الاحتياجات  الخاصة (المعاقين) :

  • دراسة رامي أسعد إبراهيم نتيل ومحمد وفائي بعنوان :”السمات المميزة لشخصيات المعاقين سمعيا وبصريا وحركيا في ضوء بعض المتغيرات “، تحت إشراف الجامعة الإسلامية ،غزة ،فلسطين.

انطلق الباحثان من الإشكالية التالية :ما السمات المميزة لشخصيات المعاقين سمعيا وبصريا وحركيا في ضوء بعض المتغيرات ؟

   هدفت الدراسة للكشف عن أهم السمات المميزة لشخصيات المعاقين سمعيا وبصريا وحركيا في ضوء بعض المتغيرات وهي الجنس، ونوع الإعاقة سمعية، بصرية، حركية، والسن، والمستوى التعليمي.

وقام الباحثان بتوزيع استمارة على عينة قصدية مشكلة من 577 معاق وهي تمثل نسبة 10% من مجتمع البحث الكلي (العدد الكلي للمعاقين ) ، منهم 192 معاق سمعي، 213معاق بصري،172 معاق حركي .[28]

   وتوصل الباحثان من خلال الدراسة إلى تحديد جملة من السمات الخاصة بكل فئة من فئة المعاقين حسب نوع الإعاقة سمعيا، بصريا، حركيا، على رأس هده السمات التي اشترك فيها المعاقون هي العدوانية بشكل كبير، ومن تم تلتها سمات الثقة بالنفس، الخجل، والتفاؤل والثقة بالآخرين والأمن والطمأنينة.[29]

دراسات حول الإعلام وذوي الاحتياجات  الخاصة :

  • دراسة لعلي بن شويل القرني بعنوان : “اتجاهات الإعلاميين السعوديين نحو ذوي الاحتياجات الخاصة :دراسة مسحية عن الصورة والاهتمامات في وسائل الإعلام السعودية”

   حيث تناقش الدراسة العلاقة بين وسائل الإعلام وموضوعات وقضايا ذوي الاحتياجات  الخاصة، أو بمعنى آخر تسعى الدراسة لتقصي اتجاهات الأسرة الإعلامية في المملكة العربية السعودية نحو الأشخاص ذوي الاحتياجات  الخاصة، للتعرف على علاقة هده الاتجاهات بالصورة التي ترسمها وسائل الإعلام عن هده الفئة.

اعتمد الباحث من خلال دراسته على المنهج المسحي على عينة بلغت 141 مفردة من الأسرة الإعلامية بما فيه الإعلام المقروء والمسموع والمرئي بالمملكة السعودية .

   وتوصلت الدراسة إلى أن اهتمام وسائل الإعلام بالمملكة السعودية في مجمله محدود ، ويأتي التلفزيون في مقدمة الوسائل التي تهتم و تعطي اهتماما بهده الفئة ،تليها الصحافة ثم الانترنت ، وتقدمت الإعاقة الحركية (الجسدية) على باقي الإعاقات ،وتقدمت موضوعات الوقاية من الإعاقة على باقي الموضوعات الأخرى في اهتمامات وسائل الإعلام السعودية .[30]

  • دراسة للباحثة سهير صالح إبراهيم تحت عنوان :»الاحتياجات الإعلامية والثقافية للمعاقين من برامج التلفزيون[31]«:حيث تتبلور مشكلة الدراسة في التعرف على احتياجات المعاقين المصريين الإعلامية على قنواته التلفزيونية الثمانية الأرضية ،وهي دراسة الأولى من نوعها في مصر ومن أوائل الدراسات في الوطن العربي من حيث تناولها لدور وسائل الإعلام في حياة المعاقين .

وهي دراسة من الدراسات الوصفية التي تهدف إلى تحديد احتياجات المعاقين من البرامج التلفزيونية  معتمدة على المنهج المسحي من خلال :

- مسح لعينة من البرامج التلفزيونية .

  • مسح لجمهور هده البرامج والمشكل من المعاقين المصريين.

التعليق على الدراسات السابقة :

   من خلال عرضنا للدراسات السابقة والتي قسمناها إلى ثلاث أقسام وهي الدراسات الخاصة بالاستخدامات والإشباعات، الدراسات الخاصة بفئة ذوي الاحتياجات  الخاصة من المنظور النفسي والاجتماعي، ودراسات متعلقة بالإعلام والمعاقين، يتبين هناك عوامل ومتغيرات تتدخل في عملية استخدام وسائل الإعلام ومضامينها المختلفة، ومجموع هده المتغيرات يولد نمط معين من الإستخدامات على غرار السن، المكانة الاجتماعية، الحالة العائلية، وغيرها ،وكل مجموعة من المتغيرات تخلق  نمط استخدامات مختلف عن  مجموعة أخرى من المتغيرات مثلا فئة إناث ماكثات بالبيت تختلف عن فئة الذكور العاملين، وفئة الذكور البطالين تختلف عن الفئتين السابقتين وفئة الأطفال تختلف عن الفئات السابقة وما إلى ذلك ،فكل شريحة اجتماعية لها نمط معين ومختلف من الإستخدامات باختلاف الاحتياجات  الاجتماعية والنفسية والثقافية لتلك الفئة، وهذا ما توصل إليه رواد نظرية الاستخدامات والإشباعات في علوم الإعلام والاتصال في منتصف القرن العشرين، والذي أصبح تقليد في دراسات الجمهور، لذلك نجد أن كل دراسة من الدراسات السابقة المتعلقة بالاستخدامات والإشباعات قامت على شريحة معنية أي على مجموعة من المتغيرات التي تختلف عن غيرها، على غرار دراسة غازي المدني التي تبحث في نمط استخدام الشباب السعودي للمضمون السياسي للمدونات الإلكترونية والإشباعات المحققة منها، ودراسة فوزية عبد الله العلي حول استخدامات المرأة الإماراتية للقنوات الفضائية بدولة الإمارات ،ودراسة بارعة حمزة شقير حول استخدام أساتدة جامعة دمشق للانترنت والإشباعات المحققة .

   في نفس السياق إطلاعنا على الدراسات المتعلقة بفئة ذوي الاحتياجات  الخاصة من المنظور النفسي والاجتماعي ، أي من زاوية الخصائص النفسية والاجتماعية لفئة المعاقين ،كشف لنا عن وجود فوارق نفسية واجتماعية لهاته الفئة عن غيرها من الفئات الأخرى، أي أن الإعاقة تفرض سمات نفسية واجتماعية معينة ومخالفة عن الأشخاص الغير معاقين، الأمر الذي شجعنا في دراستنا أكثر للتعرف عن نمط استخدامات هاته الشريحة للوسائل الإعلامية وفق المتغيرات السابقة الذكر (سن ، جنس …إلخ) إضافة إلى متغير الإعاقة ،ولقد تطرقت بعض الدراسات لهذا على غرار دراسة سهير صالح إبراهيم حول : ” الاحتياجات  الإعلامية والثقافية للمعاقين من برامج التلفزيون، ودراسة لعلي بن شويل القرني حول :”اتجاهات الإعلاميين السعوديين نحو ذوي الاحتياجات  الخاصة : دراسة مسحية عن الصورة والاهتمامات في وسائل الإعلام السعودية”، غير أن هده الاخيرة تناولت العلاقة بين الإعلام والإعاقة من منظور ممارسي مهنة الإعلام في حين أن دراسة سهير صالح إبراهيم تناولتها من جانبين، منظور وسائل الإعلام من خلال تحليل برامج تلفزيونية، ومنظور فئة المعاقين لتلك البرامج من خلال الاستبيان .

وعليه تميزت دراستنا عن الدراسات السابقة بما يلي :

  • تناولت المتغيرات المستخدمة في بحوث الاستخدامات والإشباعات على غرار السن، الجنس ..الخ، وربطتها بمتغير الإعاقة.
  • بحثت في نمط الاستخدامات والإشباعات لفئة المعاقين من منظور المعاقين أنفسهم من خلال توزيع استمارات .
  • تحديد المتغير الجغرافي بالجزائر ، حيث أنها تهتم بالمعاقين الجزائريين فقط ، وعلاقتهم بالإعلام الجزائري .

وعليه تتبلور إشكالية هده الدراسة كالآتي : ماهي استخدامات فئة ذوي الاحتياجات الخاصة للإعلام الجزائري ؟وهل يشبع الإعلام الجزائري حاجاتها الإعلامية ؟

وتنطوي هده الإشكالية على أسئلة فرعية هي كالتالي :

  • ما هي المضامين الإعلامية التي تجدب فئة ذوي الاحتياجات الخاصة الجزائرية ؟
  • ما هو موقع فئة ذوي الاحتياجات الخاصة من الإعلام الجزائري خارج نطاق المناسباتية؟*
  • هل المعاق الجزائري يتابع المضامين الإعلامية الجزائرية أم أنه يلجأ للإعلام الأجنبي والعربي؟
  • ماذا يتوقع المعاق الجزائري من وسائل الإعلام ؟

أهداف الدراسة :

تهدف الدراسة إلى:

  • تحديد الحاجات التي تدفع المعاقين بالجزائر لمتابعة المضامين الإعلامية.
  • ترتيب المضامين الإعلامية وفق اهتمام فئة ذوي الاحتياجات الخاصة الجزائرية وحسب مجالها ترفيهية، تعليمية، ثقافية، تربوية، إخبارية، الخ.
  • تحديد نسبة متابعة فئة ذوي الاحتياجات الخاصة للإعلام الجزائري .
  • تحديد وبلورة الإشكاليات المتعلقة بالإعلام والمعاق .
  • تأسيس قاعدة علمية للتعمق في أبحاث لاحقة تتناول دور وأهمية الإعلام اتجاه المعاقين .
  • مقترب الاستخدامات والإشباعات uses & gratifications:

   ترى هده النظرية أن الجمهور ليس مجرد عنصر سلبي في العملية الاتصالية، بل أن الأفراد هم الدين يحددون المضامين الإعلامية التي يتلقونها والتي يعتقدون أنها هي التي تلبي حاجاتهم النفسية والاجتماعية، وعليه فإن أفراد الجمهور مشاركون فاعلون في عملية الاتصال الجماهيري وهم يستخدمون وسائل الاتصال التي تلبي أهدافهم المتوقعة، كما يختلف استخدام وسائل الاتصال الجماهيري وفقا لتنوع التفاعل الاجتماعي والحاجات النفسية والاجتماعية للأفراد  والفروق الفردية بينهم،[32]والناس يقومون، باستعمالات واعية وإرادية لوسائل الإعلام  بغية الحصول على أشياء خاصة نصيحة مثلا، معلومة ،مساعدة، للترفيه، للتسلية، الخ…[33]

ويطلق على هذه النظرية كذلك بنظرية المنفعة حيث أنها تساءلت عن كيفية استفادة الجمهور من وسائل الاتصال الجماهيري لتحقيق الكثير من الإشباعات كالتعلم عن النفس وعن الآخرين والتعلم كيفية التصرف في مختلف المواقف،والاسترخاء والنسيان ولقضاء الوقت ، وفي هذه النظرية يعتبر الجمهور نشط من خلال تحديد الإشباعات التي يريد الحصول عليها.[34]

حسب willet، فإن نموذج الاستخدامات الإشباعات هو نتيجة لمزيج من التيار الوظيفي وعلم النفس، وقد ساهم في ظهور هدا النموذج عدة أبحاث ودراسات خلال الأربعينيات من القرن الماضي على غرار أبحاث إليهو كاتز LIHU KATZ ، جاي بلومر JAY BLUMER، فولكس FOULKS، كورفيتش GOUREVITCH [35]، دينيس DENIS MCQUAIL، كارل إريك  روزنغرين KARL ERIK ROSENGREN ، ويلبر شرام WILBUR SCHRAMM،[36]وغيرها من الدراسات التي كانت تسعى للكشف عن دوافع الأفراد لإستخدامهم وسائل الإعلام، على خلاف الدراسات التي سبقتها والتي كانت تركز على الآثار الناجمة من العملية الاتصالية وتجعل المرسل هو المتحكم والمتلقي هو المتحكم فيه،[37] وانعكست النظرة المعتادة لوسائل الإعلام ، التي تبحث فيما تفعل وسائل الإعلام  بالجمهور، إلى ماذا يفعل الجمهور بوسائل الإعلام .

   هذه الأبحاث حاولت ربط توقعات الاستهلاك واللذة و المتعة و الأثر من  خلال مؤشرات كمية،وهي أبحاث قائمة على مبدأ الانتقائية أو الاختيار، مع الأخذ في الحسبان حاجات وتطلعات الجمهور، وعليه فوسائل الإعلام تكون بمثابة  خدمات عمومية أين يقوم الجمهور باستخدام انتقائي .[38]

   لقد جاءت نظرية الاستخدامات الإشباعات مخالفة لما توصلت إليه نظريات التأثير المباشر، وحاولت تجاوز نظريات التأثيرات الغير مباشرة أو المحدود [39]، ذلك أن تأثير وسائل الإعلام لا يمكن أن يكون قوي ومباشر لوجود عقبات ولوجود تداخل ، ولأن عملية التأثير تستغرق وقت حسب ما أكده إليهو كاتز ELIHOU KAATZ.[40]وقد وصف كاتز kaatz  ، بلومر BLUMER ، و كورفيتش  gurevitch تيار الإستخدامات الإشباعات أنه محاولة لشرح ظاهرة من خلال الكيفية التي يستخدم فيها الفرد وسائل الاتصال لتلبية حاجاته وأهدافه، وحسب لينين فإن نموذج الاستخدامات الإشباعات يسمح للباحث في ميدان الإعلام والاتصال بإجراء دراسات من خلال الاحتياجات  والدراسات النفسية ، القنوات ،الرسائل والمضامين الاتصالية الإشباعات النفسية .

تجدر الإشارة إلى أن الفضل في إعطاء تسمية الاستخدامات الإشباعات uses & gratifications  تعود لـ إليهو كاتز ELIHOU KAATZ  سنة 1959مـ ، ومنذ نشأة هذا النمودج أصبح قاعدة هامة من نظريات الاتصال .[41]

 

خاتمة:

   كخلاصة لما سبق ذكره، فإن ضرورة تثمين الرصيد العلمي في حقل الإعلام بالجزائر تقتضي القيام بدراسات أكثر تعمقا للتعرف على العلاقة التي تربط بين الإعلام وفئة ذوي الاحتياجات  الخاصة، واستخدامات هده الفئة للإعلام في محاولة للرفع من قدراتها وتحسين أوضاعها ،لما يلعبه الإعلام من دور هام في المجتمع، ويؤديه من وظائف للربط بين مختلف الأنظمة الاجتماعية ،ورغم أن دراساتنا هده هي من الدراسات الوصفية إلا أننا نسعى من خلالها إلى تأسيس قاعدة علمية، يمكن أن تكون المنطلق لأبحاث لاحقة أكثر تعمقا للتعرف أكثر عن العلاقة بين الإعلام وفئة ذوي الاحتياجات  الخاصة .

 

قائمة المراجع :

  • حنان شعبان ،تطور دراسات جمهور وسائل الإعلام”من دراسات التأثير إلى دراسات التلقي “،مجلة الإذاعات العربية،اتحاد الإذاعات العربية،العدد 02 ،
  • منى سعيد الحديدي ،سلوى إمام على،الإعلام والمجتمع ،الدار المصرية اللبنانية ،طبعة 1،
  • Yves f.le Coadic :usages et usagers de l’information. édition nathan,paris.1997.
  • أسامة غازي المدني ،إستخدامات الشباب السعودي للمضمون السياسي للمدونات الإلكترونية والإشباعات المحققة منها،مجلة كلية الآداب جامعة حلوان،العدد 26،جوان
  • بارعة حمزة شقير،استخدام أساتدة جامعة دمشق للأنترنت والإشباعات المحققة منها: مجلة جامعة دمشق،مجلد 25 ،العدد الأول والثاني ،
  • رامي أسعد ابراهيم نتيل ،محمد وفائي ،غزة، المميزة لشخصيات المعاقين سمعيا وبصريا وحركيا في ضوء بعض المتغيرات،مجلة الجامعة الإسلامية (سلسلة الدراسات الإنسانية)،غزة ،فلسطين،
  • علي بالإلكترونية، اتجاهات الإعلاميين السعوديين نحو ذوي الاحتياجات الخاصة ،دراسة مسحية عن الصورة والاهتمامات في وسائل الإعلام السعودية: بحث مقدم للملتقى السابع للجمعية الخليجية للإعاقة عن “الإعلام والإعاقة “،المكتبة الإلكترونية ،مملكة البحرين،
  • سهير صالح إبراهيم،الاحتياجات الإعلامية والثقافية للمعاقين من برامج التلفزيون،مجلة الفن الإذاعي ،عدد 01 .
  • عبد الرحيم درويش،مقدمة إلى علم الاتصال، مكتبة نانسي،
  • الاتصال ،مفاهيمه،نظرياته، وسائله،دار الفجر للنشر والتوزيع ،
  • Dany therrien.le phénomène facebook usages et gratification : mémoires de maitrise. Faculté des arts, université ottawa.canada.2012
  • Eric maigret.soiologie de la communication et des médias.2eme édition. Armand colin.
  • أرمان وميشال ماتلار،ترجمة نصر الدين العياضي ،الصادق رابح.تاريخ نظرية الإتصال.
  • Armand, michèle mattenart.histoire des theories de la communication.casbah editions.

[1] –  عاطف عجوة : البطالة في العالم العربي وعلاقتها بالجريمة، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب ،الرياض ، ،1985،  ص 20.

[2]- أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي :الجامع الصحيح- تحقيق أحمد شاكر- باب ما جاء في النهي عن المسألة ، حديث رقم 679 ، دار الكتب العلمية، بيروت ،ص 226.

[3] –  عاطف عجوة : المرجع السابق ،ص22.

[4] – قاسيمي ناصر : خريجو الجامعة وسوق العمل ،رسالة ماجستير ،معهد علم الاجتماع ،جامعة الجزائر 1991 -1992 ، ص180 .

[5] –  الخضري سعيد : أزمة البطالة وسوء استغلال الموارد العربية ، القاهرة ،مصر ، دار النهضة العربية ،د ط ، 1989 ، ص 7 .

[6] – عبد القادر محمد علاء الدين : البطالة ، الإسكندرية ، مصر ، منشأة المعارف ،د ط ، 2003 ، ص 3 .

[7] – حسين عمر : موسوعة المصطلحات الاقتصادية ،جدة ،المملكة العربية السعودية ،دار الشروق ،د ط ، دت ، ص53 .

[8] – حسين عمر : المرجع نفسه ، ص 53 .

[9] – الأشوح زينب صالح ، الاطراد والبيئة ومداواة البطالة ، القاهرة ، مصر ، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع ، د ط ، 2003 ، ص 77 .

[10] – ماهر أحمد : تقليل العمالة ، الإسكندرية ،مصر ، الدار الجامعية ، دط ، 2000 ، ص353 .

[11] – فكري أحمد نعمان : النظرية الاقتصادية في الإسلام ، دبي ، الإمارات العربية المتحدة ، دار القلم ، ط1، 1985 ، ص 114 .

[12]-  ماهر أحمد : المرجع السابق ،ص 81 .

[13] –  ماهر أحمد : المرجع نفسه ،ص 81 .

[14] – ماهر أحمد : المرجع نفسه ،ص 83 .

[15] – مرسي كمال الدين عبد الغني : الحل الإسلامي لمشكلة البطالة ،الإسكندرية ، مصر ،دار الوفاء ،ط1،2004، ص21.

[16] – مرسي كمال الدين عبد الغني : نفس المرجع ، ص 21.

[17] – المرسي كمال الدين عبد الغني  : نفس المرجع ، ص23.

[18] – التقرير الإقتصادي العربي الموحد لعام 1996 ،نقلا عن كتاب الحل الإسلامي لمشكلة البطالة لمرسي كمال الدين عبد الغني ، ص23.

 

[19] – المرسي كمال الدين عبد الغني : المرجع السابق ، ص29.

[20] – محمد دمان ذبيح : الآليات الشرعية لعلاج مشكلة البطالة ،مذكرة مكملة لنيل شهادة الماجستير ، إشراف الدكتور حسن رمضان فحلة ، كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الاسلامية،جامعة باتنة ،2007-2008 ، غير منشورة ،  ص 47 .

[21] حنان شعبان ،تطور دراسات جمهور وسائل الإعلام”من دراسات التأثير إلى دراسات التلقي “،مجلة الإذاعات العربية،اتحاد الإذاعات العربية،العدد 02 .2012، ص 69- 70.

[22] سميرة بلغيثية ،الدراما التلفزيونية العربية وجمهور النساء الماكثات في البيت،مذكرة ماجيستر،جامعة الجزائر،2010-2011،ص 47.

 

[23] منى سعيد الحديدي ، سلوى إمام على،الإعلام والمجتمع ،الدار المصرية اللبنانية ،طبعة 1،2004،ص 94 – 100.

[24] Yves f.le Coadic :usages et usagers de l’information. édition nathan,paris.1997.p p 74-75.

[25] أسامة غازي المدني ،إستخدامات الشباب السعودي للمضمون السياسي للمدونات الإلكترونية والإشباعات المحققة منها،مجلة كلية الآداب، جامعة حلوان،العدد 26،جوان 2009.

 

[26] بارعة حمزة شقير، استخدام أساندة جامعة دمشق للانترنت والإشباعات المحققة منها: مجلة جامعة دمشق،مجلد 25 ،العدد الأول والثاني ،2009، ص 457- 466.

[27] بارعة حمزة شقير،مرجع سابق، ص 471- 474.

 

[28]  رامي أسعد ابراهيم نتيل ،محمد وفائي .غزة، المميزة لشخصيات المعاقين سمعيًا وبصريًا وحركيًا في ضوء بعض المتغيرات،مجلة الجامعة الإسلامية (سلسلة الدراسات الإنسانية)،غزة ،فلسطين.2007. ص 875.

[29] رامي أسعد إبراهيم نتيل ، محمد وفائي ،مرجع سابق،ص 913- 918.

 

[30] علي بن شويل ،اتجاهات الإعلاميين السعوديين نحو دوي الاحتياجات الخاصة،دراسة مسحية  عن الصورة والاهتمامات في وسائل الإعلام السعودية: بحث مقدم للملتقى السابع للجمعية الخليجية للإعاقة عن “الإعلام والإعاقة “، المكتبة الإلكترونية ،مملكة البحرين،2007،ص 2.

[31] . سهير صالح إبراهيم،الاحتياجات الإعلامية والثقافية للمعاقين من برامج التلفزيون،مجلة الفن الإذاعي ،عدد 01 ،ص 159- 168.

 

*وصفت ورقة الدكتور خالد القحص بعنوان  » الإعلام والإعاقة :علاقة تفاعلية ومسؤوولية متبادلة«   مقدمة إلى الملتقى السابع للجمعية الخليجية للإعاقة في مارس 2008 ، أسلوب وسائل الإعلام في التعامل مع قضايا المعاقين بالمناسباتية، أي أنها تناول قضايا الإعاقة بحسب المناسبات التي يتم عقدها والأنشطة التي تقوم بها الجمعيات دات الصلة بالمعاقين.

[32] عبد الرحيم درويش.مقدمة إلى علم الاتصال.مكتبة دنانسي،2005،ص 27.

[33] الاتصال :مفاهيمه،نظرياته، وسائله،دار الفجر للنشر والتوزيع ،2003، ص 43.

 

[34] عبد الرحيم درويش.مرجع سابق،ص 27.

[35]  Dany therrien.le phénomène facebook usages et gratification : mémoires de maitrise. Faculté des arts ,université ottawa.canada.2012 p p 24-30.

[36]  Eric maigret.soiologie de la communication et des médias.2eme édition. Armand colin.p71.

[37]  Dany therrien.ouvrage précedent.p p 24-30.

[38] Eric maigret. ouvrage précedent.p71.

[39] .أرمان وميشال ماتلار،ترجمة نصر الدين العياضي ،الصادق رابح،تاريخ نظرية الإتصال،طبعة 3،بيروت،المنظمة العربية للترجمة،ص 167.

[40] armand, michèle mattenart.histoire des theories de la communication.casbah editions.pp 87-88

 

[41] Dany therrien. Ouvrage précédent. p 24-30.


Updated: 2015-02-18 — 10:28

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme