الاضطرابات اللغوية وتأثيرها على مهارتي الفهم والتذكر اللغويين


الاضطرابات اللغوية وتأثيرها على مهارتي الفهم والتذكر اللغويين

أ.د.عز الدين الزياتي/جامعة محمد الخامس ،الرباط،المغرب

أ.د.التهامي الحايني/ المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين،القنيطرة ،المغرب

مقال منشور في   مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد 45 الصفحة 49.

    ملخص:

نتناول في هذا المقال اكتساب الطفل/المتعلم مهارات التعلم اللغوي وشروط ذلك، وبعض العوائق التي من شأنها أن تعرقل عملية تعلمه اللغة العربية، ومن هذه العوائق الاضطرابات اللغوية. كما سنُغْني هذه الورقة بعرض نتائج دراسة ميدانية تطبيقية أجريناها حول تأثير الاضطرابات اللغوية على مهارتي الفهم والتذكر اللغويين لدى التلاميذ المصابين في مستوى السادس ابتدائي. وقد أتيحت لنا هذه النتائج اعتمادا على اختبارات مقننة تقيس هاتين المهارتين.

الكلمات مفتاحية: -مهارات التعلم –الاضطرابات اللغوية –الفهم –التذكر.

 

 

 

مقدمة:

تشكّل اللغة زاوية من زوايا النفس البشرية، ومقوِّما من مقومات القدرات الإنسانية، التي تجعل من الإنسان مبدعا ومفكرا متميزا، وكائنا معبرا عن فكر خلاق فريد. كما أن الكلمة تعتبر الوسيلة الوحيدة المثلى لإعرابه عما يخالجه من أفكار ورغبات. إلا أن إمكانيات الطفل الفنية ما تزال، في مجتمعاتنا، تحفّها الظلمة ويلفّها الجهل من كل جانب، إذ لم تُجْرَ بحوث رصينة تستهدف استكشاف هذه القدرات قصد تنميتها وتطويرها استنادا إلى مناهج علمية سليمة.

واهتمامنا بالطفل يجد تفسيره في كون الطفولة قوام قوة البشرية، إذ إن الأمم المتحضرة تُعنَى أيّما اعتناء بالأطفال، باعتبارهم ينبوعا ثرّا للإبداع وضمان الدوام والإستمرارية على درب التقدم والإزدهار. حتى غدَا أن درجة رعاية الأمم وعنايتها بأطفالها هي المقياس أو شهادة الجودة، التي تسمح لأمة من الأمم أن تنضم إلى نادي الدول التي بلغت شأوا عظيما في مراتب الرقي والتمدن.

واكتساب اللغة وارتقاؤها يعتبر أحد الموضوعات الهامة التي حظيت باهتمام كبير وبحوث متعددة في علم النفس الإرتقائي وعلم النفس اللغوي، ذلك أن اللغة واكتسابها خاصة إنسانية دون سواه من المخلوقات، إنها هي حدود مملكتنا، ولن تجرؤ بهيمة على اجتيازها، على حد تعبير فردريك ماكس موللر[1].

إن هذه العبارات تحصر اللغة على الإنسان دون غيره من الكائنات، إلا أننا نختلف في مستوى تحصيلنا لها ودرجة ضبطها واكتسابها. ولا شك أن هناك عوامل كثيرة تتحكم في ذلك، منها التربية المقدَّمة للطفل. فاللغة كما هو معلوم ليست مجرد رموز نعبِّر بها عن حاجاتنا، بل هي أيضا أداة للتفكير، بها نفكر وبها نعبِّر، وكل تفاوت في إتقانها قد تنجم عنه آثار نفسية وعاطفية وذهنية وتواصلية اجتماعية خطيرة…

ويأتي هذا المقال تلبية لهذا المطلب، سيما فيما يتعلق بالطفـل واللغة العربيـة الفصحى ومهـارات تعلمها وعلاقة ذلك بالاضطرابات اللغوية، وسننطلق في هذه الورقة من فرضية مؤداها أن الاضطرابات اللغوية تؤثر سلبا على مهارتي الفهم والتذكر اللغويين. ولروز هذه الفرضية وتمحيصها اعتمدنا اختبارات معدّة لقياس هاتين المهارتين.

1-تعريف الاضطرابات اللغوية:

و”الاضطرابات اللغوية هي اضطراب ملحوظ في مجال النطق أو الصوت، أو التأخر اللغوي، أو الطلاقة الكلامية، أو عدم القدرة على اللغة التعبيرية، أو الإستقبالية، لأسباب قد تكون بيولوجية أو أسرية أو نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية؛ مثل الحرمان البيئي أو المادي، بحيث يصبح الطفل بحاجة إلى برامج علاجية وتربوية متخصصة. وتصبح هذه الاضطرابات إعاقة إذا أصبحت عملية إرسال أو إستقبال اللغة عملية خاطئة (…) وإذا استدعت حالته انتباها سلبيا من الآخرين (…) ويكون لذلك علاقة بدرجة الصوت من حيث شدته، وارتفاعه أو انخفاضه، أو نوعيته، وتظهر في مجال الاتصال الاجتماعي مع الآخرين”[2].

ولقد ذهبت بعض الدراسات (لينبرغ 1967 Lenneberg) “إلى أن الطفل الذي لا يستطيع اكتساب لغته الأم لسبب من الأسباب (الصمم مثلا)، وذلك قبل أن يبلغ الاثنى عشر سنة، يضيع بكيفية نهائية القدرة على اكتساب الكلام”[3]، فإن الأمر، وبناء على هذا المعطى، يستدعي الاستشعار المبكر قصد المبادرة إلى التصدي لهذه المشكلة قبل استفحالها.

2-مهارات التعلم اللغوي:               

لقد أصبح التعليم والتعلم في الآونة الأخيرة يركز كل اهتمامه على المتعلم، بل يجعل منه محورا تدور عليه كافة الأطراف، من معلم ومادة ومنهج… فتخلى المعلم، بذلك، على جزء كبير من مهمته؛

التي حملها على عاتقه من[4]ذ أمد بعيد، وهو تلقين المعارف باعتباره المصدر الوحيد الذي لا محيد عنه ولا بديل، والمورد العذب الذي يرتوي منه كل المتعلمين، وذلك نتيجة طبيعية للطفرة التي شهدها عالم الإتصال والمعلومات، وما ترتب على هذا من تنوع لمصادر المعرفة والإطلاع.

ولهذه الأسباب أنيط بالمدرس دور جديد ينبغي عليه أن يعتاد عليه، وهو تزويد المتعلم بمجموعة من المهارات التي تخوله أن يحتك احتكاكا مباشرا مع المعارف والمعلومات، ويتكيف معها وفق اختلاف المواقف والحالات ومغالبة كافة أشكال الصعاب والتحديات. ليتسنى له بناء وجوده معرفيا وثقافيا وسلوكيا واجتماعيا… ذلك أن الاتجاه في التربية الحديثة يرمي إلى التمهير لا التلقين والتحفيظ.

وتُعرَّف “المهارة بأنها الأداء المتقن القائم على الفهم والاقتصاد في الوقت والجهد المبذول”[5]. أو هي في مجال اللغة قدرة الشخص على التعبير بسلاسة وطلاقة على ما يفكر فيه وبراعته في ذلك…

3-اكتساب الطفل للمهارة:

إن اكتساب الطفل للمهارة عملية لا تتم على الوجه الأكمل، إلا إذا توفرت شروط تساعده على ذلك، وقد حدّد الباحثون جملة من هذه الشروط نذكر منها:

أ-الممارسة والتكرار: فالممارسة لازمة لاكتساب المهارة، على أن هذه الممارسة يجب أن تكون بصورة طبيعية، وفي مواقف متنوعة، وذلك بدلا من التكرار الآلي نفسه. واكتساب المهارات اللغوية لا يمكن أن يتم إلا إذا كان المتعلم إيجابيا وحيويا، ومدرسو اللغة لا يمكنهم أن يعملوا على إكساب المتعلم هذه المهارات إلا إذا سمحوا له بأن يبحث وينقب ويعمل ويمارس ويحكم بنفسه، ولقد كان “بستالوتزي” ممّن أرسوا دعائم هذا الاتجاه، فها هو ذا يقول: “لِيَكنْ طفلك حرّا ما أمكن، دعه يرَ ويسمع وينظر وينهض ويتكلم، ليتعلم بنفسه ما لا يتعلمه من الآخرين بالتلقين والعبارة واللفظ”…

فلكي نُعَلم تلميذا ما الكتابة لا نجبره على الإصغاء لدرس في الكتابة، بل نضع بين أصابعه قلمًا. ومهما شرحت لإنسان ما كيفية قيادة السيارة لن يتمكن من قيادتها إلا إذا مارس القيادة عمليا، وعندما أراد “مانتور” أن يعلِّم “تيليمانك” السباحة ألقاه في اليمّ، ولكنه، ألقى نفسه معه أيضا، كي يراقب حركاته كلها ويحُول بينه وبين الغرق[6].

إذن، فلا بد من البحث عن الحلقة المفتاح التي يمكننا بواسطتها أن نُشرك المتعلم، كمنخرط في إجراء بناء المهارات؛ لأن عملنا على تقديم معنى جاهز غير كاف، بل من اللازم أن نبني معا هذا المعنى؛ أي أن نحضر مهارة حاملة لمعنى، إذ “إن التلميذ السعيد؛ هو التلميذ الذي يجد معنى فيما يتعلمه في المدرسة” حسب جاك ليفين  Jacques Lévine[7].

كما يجب على المدرس أن يأخذ المتعلمَ بعين الاعتبار، وأن يدرك حقيقة أنه إذا كان المدرس حُرّا في طرح الأسئلة، فإن المتعلم ينبغي ألا يكون أقلّ منه حرية في صياغة وتصور الأجوبة، وهو أمر نفتقده، للأسف، في ثقافتنا البيداغوجية…

 والتزام المدرس بهذا المبدإ، يجعل التلميذ أكثر حرية في المشاركة والتعلم، وهذا ما يقصده الكَنديون عندما يخاطبون الفرنسيين وينتقدون منهجهم في التدريس، بقولهم: “أنتم تحرُصون المجموعة، بينما نحن نشتغل في المجموعة”« Vous surveillez le groupe, nous, nous travaillons en groupe ». والعمل داخل المجموعات يتيح إمكانات هامة للتلميذ بأن يتفاعل وينسجم وينخرط في حوارات حية، وذلك عن طريق النشاط الهادف للتوصل إلى إنتاج جماعي، وتوزيع الأدوار، والتنسيق والتوافق في اتخاذ القرارات، وتنظيم العلاقات داخل العمل، والتواصل الحقيقي… وبهذا يكون الفصل -في مفهوم العمل داخل مجموعات- بمثابة مؤسسة مصغرة يجد فيها كل تلميذ مكانا له[8].

ب-الفهم وإدراك العلاقات والنتائج: إذ لا بد أن تكون الممارسة التي يقوم بها المتعلم مبنية على الفهم وإدراك العلاقات وتعرّف النتائج؛ لأن الممارسة من غير الفهم تجعل المهارة آلية لا تعين صاحبها على مواجهة المواقف الجديدة وحسن التصرف فيها.

ج-التوجيه: ويُعِين على اكتساب المهارة توجيهُ أنظار المتعلمين إلى أخطائهم، وتبصيرهم بنواحي قوتهم وضعفهم، وتعريفهم بأفضل الأساليب وأنجحها لإنجاز الأداء.

د-القدوة الحسنة: ومما يعين على اكتساب المهارة، أن يشاهد المتعلمون مَن يتقنون المهارات من زملائهم أو من مدرسيهم أو بطريق التسجيلات والمخابر اللغوية؛ لأن للقدوة الحسنة أثرا كبيرا في المحاكاة والتقليد وتحري الصحة والسلامة.

    هـ- التشجيع والتعزيز: فالتعزيز والنجاح يؤديان إلى تعزيز التعلم، وإلى تقدم ملموس في اكتساب المهارة، وإذا ما تكرر الأداء وأضحى مهارة تَمكنَ المتعلمُ من أن يقوم به بكل سهولة ويسر وعفوية، فعندها تتحول المهارة إلى عادة.

وفي ضوء المبادئ والأسس السابقة، نلاحظ أن المهارة اللغوية، لا يمكن أن تتكوّن إلا نتيجة الإعادة المتكررة. وأن المعرفة لا تكوِّن وحدها المهارة، وأن السيولة النطقية وممارسة اللغة بصورة عادة لا يمكن للمرء أن يصل إليها إلا إذا اكتسب المهارات؛ ذلك لأن التقدم من المعرفة إلى العادة عمل غير متفق مع الحقائق النفسية، فممارسة المهارات، تلك الأفعال المؤداة بمشاركة الوعي خطوة ضرورية لتكوين العادات التي تؤدى من دون حاجة إلى تفكير واع لأدائها بعد ذلك[9].

إلا أن النظام المدرسي التقليدي غالبا ما يكبح جماح التلميذ ويلجم لسانه عند محاولته تناول الكلمة، فقد جرت العادة ألا يتكلم عندما يشاء وبمبادرته الشخصية، وإنما يجب عليه أن يلتزم الصمت المطبق ليستمع فقط، ولا يحق له التكلم أبدا إلا عندما يُسأل. وهذا يحُدّ طبعا من حرية التلميذ في التعبير[10].

4-التدرج في تقديم المهارات اللغوية:

لقد كانت طريقة تدريس اللغة فيما سبق، تبدأ بتعليم التلاميذ الحروف الأبجدية منذ دخولهم إلى المدرسة، دون أن يسبق ذلك أي تهيئة، إلا أن الطرائق الحديثة في تعليم اللغة ترى أن هذا الأسلوب خاطئ، إذ إنه يعمل على تنفير الأطفال من جوّ المدرسة، لصعوبة الأحرف المقدمة بشكل مجرد. من هنا بُدئ بتعليم المحادثة في الأشهر الأولى؛ بُغية تعويد الأذن على سماع أصوات اللغة والتمييز بينها، وتوفير الجو الملائم لتِرداد هذه الأصوات والتراكيب اللغوية إلى أن تتم السيطرة عليها نتيجة لتكوّن العادات اللغوية، ثم ينتقل بعدها إلى تعليم القراءة فالكتابة من البنى والأنماط اللغوية التي سبق التدريب عليها شفويا.

والتدريب على المحادثة في الأشهر الأولى من دخول التلميذ إلى المدرسة يحقق نوعين من التهيئة؛ الأولى صوتية وتتمثل في تذليل صعوبات النطق عند المبتدئين، وتمرينهم على سماع الأداء اللغوي والنبرة الصوتية، فتألف آذانهم اللغة وأنماطها وصيغها. والثانية نفسية وتعمل على إزالة الخوف، وتكسر حدة الخجل والانطواء عند التلاميذ الذين يحسون بالوحشة والعزلة في الفترات الأولى من قدومهم إلى المدرسة… والمجتمعات البشرية عرفت عبر تاريخها اللغة المنطوقة قبل أن تعرف القراءة والكتابة، ومن هنا كانت الطريقة الحديثة تبدأ بسماع البنى اللغوية في أصواتها وتراكيبها ومعرفة معانيها ومدلولاتها أوّلا، ثم بتكرار هذه البنى ثانيا، وقراءتها ثالثا، ثم تثبيتها رابعا.

وثمة علاقة بين النظر والسمع في اكتساب القراءة في المراحل الأولى، وأثبت “جراي” أن حركات النظر والسمع غير المنتظمة تشكل صعوبة في اكتساب القراءة لدى الطفل، وأن الطفل الذي لا يستطيع أن يميز بدقة بين الحروف لا يُعدّ مهيأ للقراءة.

وأثبتت التجارب الحديثة للدكتور طوماطيس Tomatis الترابط بين اللفظ والسمع، وأن السمع السوي يؤدي إلى لفظ سوي، ولوحظ بوضوح أن الطفل الذي لا ينطق بسلامة لا يكون لديه سمع دقيق في الوقت نفسه، إذ إن القراءة تتطلب استعمالا وظيفيا لكل من حاستَيْ السمع والنظر، بالإضافة إلى النطق.[11]

5-أنواع المهارات اللغوية وطرائق اكتسابها:

ترى التربية الحديثة أن المهارات اللغوية تتمثل في المحادثة والاستماع والقراءة والكتابة، ولا تحدثنا الدراسات الأنجلوسكسونية إلا عن أربع مهارات لغوية، يجب التركيز عليها أثناء تعليم وتعلم اللغات، هي: الفهم والنطق والقراءة والكتابة، ذلك دون العمل على محاولة إبراز التدرج الذي تخضع له كل مهارة من هذه المهارات أثناء التعلم. كما أن أحدا من الباحثين في علم اللغة التطبيقي أو ديداكتولوجيا اللغات والثقافات، أو في ميدان السيكولسانيات أو السوسيولسانيات، لم يهتم بإدراج مهارة التذكر والاستظهار كمهارة لغوية أساسية في تنمية اكتساب اللغات والثقافات. حيث ثبت بأن هذه المهارة أيضا، يمكن تنميتها وتطويرها بواسطة تداريب وتمارين خاصة، وتبين بأن نموها وتطويرها نحو مستويات عليا، يلعب أدوارا حاسمة في تمكن المتعلمين من اللغة الهدف…[12] وسنقتصر في هذه الورقة، كما أسلفنا، على مهارتي الفهم والتذكر اللغويين.

5-1-مهارة الفهم:

كما ورد في مؤلَّف الباحث الأمريكي هايجر« Education for American democracy » بأن الفهم يقتضي إدراك أفكار الآخرين، والتعبير عن الأفكار الشخصية بطريقة منسجمة وواضحة. فأصبح الفهم حسب هذا التعريف مهارة استقبالية وإنتاجية في نفس الوقت، إلا أن الظاهر بأن الفهم كمهارة لغوية، أوسع من هذا التعريف المقتضب بكثير. وقد تناوله بالشرح والتحليل والتفصيل “بلوم” في مصنفه المشهور للأهداف التربوية.(Benjamin Bloom, taxonomie des objectifs pédagogiques, p.100) .

وهكذا، يمكن القول بأن عملية الفهم عملية ذهنية معقدة جدا، حيث لا يمكن حصر العوامل السيكولوجية والفيزيولوجية والمعرفية والعقلية، التي تتداخل وتتضافر لحصول وتحقيق الفهم، كما لا يمكن عدّ وإحصاء العوامل المتشعبة التي تحول دون حصوله وتعوقه لدى المتعلم. إلا أننا يمكن أن نكتفي بوصف ظواهر الأشياء وعوارضها، لنقول بأن عملية فهم المعنى اللغوي تتداخل فيها عدة مهارات وقدرات فكرية وذهنية أخرى، تختلف أدوارها حسب اختلاف المواقف والمقامات، واختلاف مؤهلات الأفراد…

ورغم القيام بعدة محاولات في البحث عن ميكانيزمات الفهم، والقيام بعدة تجارب لحل ألغازه وتوضيح جوانبه الغامضة، فما زالت لحد الآن عدة قضايا ترتبط به غامضة (…) كما أن البحوث المتعددة التي اهتمت بالفهم قد تمخضت عن نظريات متباينة، تفسر ميكانيزماته بأشكال وطرق مختلفة…

لكننا يمكن أن نقول بإيجاز؛ إن فهم التلميذ لتعبير لغوي يقتضي منه أن يكون قادرا على إنشاء عرض معرفي مطابق له، الشيء الذي يمكن أن نسميه الترجمة المطابقة لمضمونه، لكن المعطيات التي يعتمد عليها التلميذ في بناء الترجمة تتجاوز في أغلب الحالات المجال التعبيري في حد ذاته، وتتعداه إلى مجالات أخرى، حيث تتفاعل عدة متغيرات، ترتبط بالمقام التعبيري وغير التعبيري للخطاب. ومن هنا يتضح بأن المعارف الضرورية لتحقيق الفهم لا تقتصر على المجال التعبيري السيميائي، بل تتعداه إلى مجالات أخرى فوق لسانية. و(…) يمكن القول بأن نمو مهارة الفهم يساير –بعلاقة ترابط منتظمة- نمو السنّ العقلية للتلميذ[13]. وأن “خصائص الفهم (…) خصائص تتعلق بالأساس بالبنى الإدراكية لدى الشخص وحصيلته المعرفية، وكذا بنشاطه النقدي وسيرورته السيكولوجية؛ من إدراك وتحليل وحفظ واسترجاع وعرض… الخ”[14].

ولعملية الفهم استراتيجيات معرفية، يمكن حصرها في ثلاث وهي:

-انتقاء المعلومات: فحسب وينغراد (Wingrad, 1984) تسمح هذه الاستراتيجية بتمييز القارئ الجيد من غيره، وتُمكِّن القارئ من استخراج الأفكار الهامة، عبر تزويده بقائمة من الأسئلة.

-تنظيم المعلومات: إذ إن تنظيم المعلومات هو إجراء من الأهمية بمكان، فإذا كان لِكَمِّ المعارف التي يمتلكها الأفراد تأثير كبير على إنجازاتهم، فمن المحتمل أن تنظيمها يلعب دورا أهم. فتنظيم المعلومات يهم بناء علاقات بين الأفكار الأساس (Mayer, 1984) بهدف إيجاد تمثيل ذهني منسجم كَكُلٍّ متكامل.

-إدماج المعلومات: إذ إن إضافة المعلومات الراهنة إلى سابقاتها يشكل استراتيجية ناجعة للتخزين الجيد للمعلومات، واستثمارا للمكتسبات بشكل يسير جدا[15].

ولقد انصب اهتمام الأبحاث وتركيزها على ميكانيزمات التعرف على المفردات، فوُجد أن ثمة صعوبات منهجية وإجرائية فيما يتعلق بالتشخيص الدقيق لطبيعة هذه الصعوبات التي تعترض القارئ أثناء مباشرته لنص ما… وتؤكد أعمال تجريبية كثيرة بأن تحديد المفردات أو التعرف عليها يمثل عملية حاسمة في تفسير مشاكل فهم النصوص إلا أن هذا المعطى وحده غير كاف. ولمقاربة ذلك، نقترح هذه الحالات الثلاث:

-الحالة الأولى: وتمت معالجتها من قِبل سطانوفيتش (Stanovich, 1980)، وهي حالة يصعب علينا معها تحديد مكامن الصعوبة، هل تتجلى في تحديد المفردات، أم في النص من حيث مستواه وحمولته الثقافية. إذ يستلزم الأمر من القارئ أن يخصص حيزا زمنيا هاما من وقته وجهده كي يتعرف على المفردات المشكلة للنص، ثم تليها محاولة لفهم مدلول النص ومحتواه.

 يبدو أن القارئ هنا جيد على مستوى تحديد المفردات لكنه ضعيف من حيث إدراك المعنى، ذلك أن تحديد المفردات قد استنفذ كثيرا من قدراته، وكأن القارئ يتوفر على مصادر معرفية جد محدودة، يوزعها بين مختلف سيرورات قراءة نص ما، فهو يكرس طاقته في تحديد الكلمات فيَكلُّ ويشرذ ذهنه، لِيتعذر عليه بذلك فهم النص فهما جيدا. ومما سبق يمكن القول بأن الحالة الأولى، تبين أن سبب صعوبات فهم النصوص، يعود إلى مشاكل في التعرف على المفردات وتحديدها.

-الحالة الثانية: يتعلق الأمر بنصوص سهلة من حيث المفردات، ومع ذلك يتعذر فهمها (Healy 1982). فقد قام هذا الباحث باختبار 12 طفلا، تتراوح أعمارهم ما بين 5 و12 سنة. وقد أبان هؤلاء الأطفال كلهم على مستوى جيد في فهم المفردات دون صعوبة، لكن مستواهم في فهم النص كان جد ضعيف، وهذا حمَل الباحث على أن يستنتج بأن صعوبة الفهم عند هؤلاء الأطفال تتجلى في الربط بين مفردات النص.

-الحالة الثالثة: كحالة المتكلم الذي لا يتقن مثلا اللغة الفرنسية، فهو يختلف عن  حالة الفرنسي المتقن للغته، إلا أنه لم يفهم مقالا حول حرب لبنان على سبيل المثال، وهنا يجب ألا نحكم عليه بصفة القارئ الرديء لأنه لم يفهم هذا المقال، فهو يجيد الفرنسية ومستواه الثقافي جيد، لكن تعوزه المعارف المطروحة في هذا النص، وذلك لجهله بأسماء الأشخاص والأماكن الواردة والمصطلحات التقنية.

وهذا التمييز بين معرفة اللغة ومعرفة الموضوع هام جدا على المستوى العملي، فالطفل الذي أبدى صعوبات بسبب عدم اتقانه اللغة الفرنسية، مهاجر مثلا أو غيره… يجب أن نطور لديه في البدء المستوى اللغوي. أما الطفل الذي يتفوق لغويا ولم يتمكن من فهم نص حول حرب لبنان، فهذا في حاجة إلى دعم وإمداد بالمعارف التي تهم التاريخ والجغرافيا والسياسة الدولية، عوض إضاعة الوقت والجهود على المستوى اللغوي الذي هو في غنى عنه. وبعد أن يحيط بهذه المعلومات سيفهم النص جيدا، لكنه سوف يصادف صعوبات أخرى في نص آخر حول حرب ڤيتنام، إذا كانت معلوماته قاصرة حولها[16].

إذن، يمكن أن نقول إن الفهم بهذا التصور؛ هو أن نستوعب ما نقرأ أثناء عملية القراءة ذاتها، وأن نفهم الجملة وعلاقاتها بما بعدها وما قبلها. فهو نشاط عقلي مميز يقوم على إدراك الحقائق والنفاذ إلى جوهرها[17].

إلا أنه وعلى الرغم من الأهمية البالغة التي يكتسيها الفهم كمهارة أساس في التعلم، فإن عملية تدريسه وتنميته ليست في مستوى تطلعات الباحثين والمهتمين في الديداكتيك واللسانيات، ففي دراسة حديثة تمت فيها معاينة سلوك المدرسين أثناء درس القراءة، بالمدارس الابتدائية بالولايات المتحدة الأمريكية (Wendler&Samuels&Moore, 1989) توصلوا إلى أن الحيّز المخصص لتدريس استراتيجيات الفهم يظل جد محدود.

كما أنه لا توجد أوصاف دقيقة جاهزة تتيح للمدرسين اختيار التقنيات المُعينة على إجراءات الفهم، فقد لاحظ ويندلر (Wendler, 1989) ومجموعة عمله أنه حينما يُطلب من المدرس تقديم طريقته المثلى في تدريس الفهم، فإنه يلجأ إلى الأسئلة، وهي تقنية مفيدة، سيما بالنسبة للتلاميذ المتفوقين، الذين يبادرون إلى الإجابة بسرعة[18]

5-2-مهارة التذكر:

تعرف الذاكرة بأنها المقدرة على تخزين الأحاسيس والإدراكات واسترجاعها (…) وهي تتألف من ثلاثة أقسام، هي: وحدة استقبال المعلومات وتصنيفها، ووحدة تخزين المعلومات وتصنيفها، ووحدة استرجاع المعلومات واستدعائها. فالتذكر إذن هو استرجاع شيء تعلمناه من قبل مع تحديد في الزمان والمكان، كأن يقوم التلميذ بتلاوة قصيدة من الشعر سبق أن حفظها من قبل[19].

ولم تَعُد الذاكرة تلك القلعة المستعصية أو الوظيفة العقلية المستحيلة المنال، لكن وبالرغم من التقدم الحاصل فإن الباحثين لم يتوصلوا إلى حلّ كل الرموز والدواليب الدقيقة والميكانيزمات العَصَب حيوية المتعددة، والتعرف على الأنساق المتشابكة والمعقدة للذاكرة والتعلم، فمنذ حوالي أربعة عقود بدأ الباحثون في ميادين علوم الأعصاب (فيزيولوجيا الأعصاب وعلم النفس الفيزيولوجي وعلم جينات الأعصاب…) وعلوم النفس (علم النفس التجريبي وعلم النفس المعرفي…) في البحث عن مكونات الذاكرة التي تشكل إحدى الوظائف العليا للإنسان، والتي بدونها لا يمكن أن يكون له ماض يعتمده كمرجعية لحياته اليومية، ولا مستقبل يتوقعه انطلاقا من ماضيه وحاضره.

ويتسم البحث في هذه الميادين بمقاييس ومبادئ البحث العلمي المتداولة في جلّ ميادين العلوم البحتة. أما العلوم النفسية فقد اهتمت بدراسة السيرورات والآليات السيكولوجية الكامنة وراء معالجة المعلومات واكتسابها وتخزينها، وِفق محددات مضبوطة كمًّا وكيفا. أما الباحثون في ميادين علوم الأعصاب، فقد انصب اهتمامهم في البحث على الآليات والميكانيزمات والسيرورات العصب حيوية والعصب كيماوية والعصب تشريحية، التي تمكن الجهاز العصبي من معالجة المعلومات واختزانها واسترجاعها واستغلالها، للتعبير عن مشاعر ومواقف ومبادئ حياته، وأخرى لبناء أنماط سلوك فردي أو اجتماعي يمَكن الفرد من الشعور بأنه ينتمي إلى مجتمع أو مجموعة ما. وقد شكَّل البحث عن آثار الذاكرة والجزيئات الخلوية النشيطة بالجهاز العصبي-وما يزال- ميدانا خصبا في ميادين علوم الأعصاب…[20]

وذكر شارل سبيرمان Spearman: “إن الحوادث المعرفية تكوّن بحدوثها استعدادات تيسر تكرار الحوادث”، ولقد كان سبيرمان يرمي من وراء قوله هذا، إلى أن القوة الحافظة أو القوة العقلية تحافظ على المؤثرات اللاحقة الفعالة وتضمن دوام استمرارها، وإننا نعلم حقا أن خبراتنا الحاضرة كافة، إنما هي ملونة ومشكلة بالخبرة الماضية ومتصلة بها أشد الاتصال، وبهذه الخبرات التي تكون قد تركت بعدها استعدادات وآثارا في التركيب العقلي، وعلى ضوء فرضية الاستعدادات هذه، ننتجع تفسيرا لقدراتنا على تذكر الحوادث الماضية التي مرت بنا.

على أنه يجب ألا يغرب على البال بأن الإخفاق في التذكر لا يعني بحال من الأحوال؛ أن الاستعدادات لم تكن قد توطدت أو أنها غير فعالة. فلعلنا نخفق مثلا في استرجاع خبرة معينة أو التعرف على منظومة من المقاطع عديمة المعنى non-sens syllabes كنا قد تعلمناها في إحدى المرات وفي وقت من الأوقات، لكننا سنجد على وجه التأكيد، إذا نحن حاولنا، أن قليلا من التكرار والإعادة يمكننا من إعادة تعلم تلك السلسلة، وهذا برهان قاطع على أن وجود الاستعدادات وفعاليتها قائمان، وهما ناجمان عن التعلم المرتكز إلى الجهد والانتباه والإرادة…[21]

إن تحسين الذاكرة وتطويعها على الضبط والتحكم يخضع لعوامل شتى، لا يمكن حصرها أو تنميطها، ونكتفي هنا بعرض بعض منها: مراعاة القواعد الخاصة بالتعلم، وتحديد ما يرغب الفرد في تذكره، وتكرار قراءة المادة المرغوب تذكرها واسترجاعها وتسميعها وتلخيصها، وحصر الانتباه وتعلم المادة بِنيّة تذكرها، والتعلم الجيد في المحاولة الأولى[22].

إن التطور الذي شهدته التكنولوجيا السمعية البصرية قد دفع بالعديد من الباحثين إلى القيام بتجارب على الذاكرة (…) اعتمدت كلمات وجملا، فتوصلت إلى أن العرض السمعي كان أحسن وأنجع من العرض البصري، وإن كان اعتقاد الناس بخلاف ذلك. وتفسير ذلك أن ذاكرة الصورة لا تدوم إلا 250 إلى 500 جزء ألفي من الثانية، في حين أن الذاكرة السمعية تدوم قرابة ثانيتين إلى ثلاث ثوان، أي بعشرة أضعاف. إلا أن الباحث الانجليزي جون مورتن John Morton ينفي هذا الفرق بقوله: “إن المعلومات البصرية أو السمعية تتوحد بسرعة في حالة رمزية عليا نسميها الرمز المعجمي…[23]

ولقد أجريت تجارب كان الغرض منها تحرّي تفاوت الذاكرة المباشرة مع تفاوت العمر واختلافه، فوُجد أن الطفل أقلّ من الراشد قدرة في هذا السبيل، فقد وَجد الباحث النفساني مومان Meuman أن هناك تطورا بطيئا في الذاكرة المباشرة، يستمر حتى الثالثة عشرة من العمر، ويزداد هذا النمو بسرعة بين الثالثة عشرة والسادسة عشرة، ويزداد هذا التقدم في تطور الذاكرة ويضطرد حتى الخامسة والعشرين من العمر، عندما يبلغ المرحلة القصوى، وبعد ذلك يطرأ انحدار طفيف. ومن الملاحظ هنا هو أن الزيادة السريعة في هذه القدرة توافق حلول فترة المراهقة، وتصادف وقت حدوثها… ولقد توصل إلى أن الأشياء ذات المعاني تكون أرسخ في الذهن وتسهل إعادتها، ويتيسر استرجاعها أكثر من المقاطع الخالية من المعاني، وذلك لاهتمامنا بالنوع الأول، وعدم اهتمامنا بالمقاطع التي لا معنى لها. ويدخل في الذاكرة كذلك عامل نزوعي وجداني، وإن الاهتمام والإرادة Willing عنصران بالغا الأهمية في الاقتصاد بما يهم الذاكرة، وإن الحوادث التي نتذكرها بسرعة إنما هي تلك التي تمس انفعالاتنا وعواطفنا، وخاصة عاطفتنا الذاتية التي تتصل باعتبار الذات[24].

6-دراسة انعكاسات الاضطرابات اللغوية على مهارتي الفهم والتذكر اللغويين:

انطلقنا من إشكالية تتساءل عن مدى انعكاسات الاضطرابات اللغوية على مهاراتي الفهم والتذكر اللغويين عند الطفل المصاب؟ والأمل يحذونا لمعرفة ما إذا كانت هناك فروق جوهرية على هذا المستوى بين التلاميذ المصابين والتلاميذ الأسوياء، بُغية التحسيس بمدى خطورة الاضطرابات اللغوية على مهارات التعلم. وتنبع أهمية هذا الموضوع من ارتباطه بالطفل والتعلم اللغوي والاضطرابات اللغوية؛ إذ ما فتأت الدراسات تؤكد على ضرورة القيام بدراسات معمقة حوله لاستكناه ما استغلق منه وكشف خباياه. وقد شملت الدراسة النهائية 204 تلميذا من مدارس التعليم الابتدائي مستوى السادس بالمغرب. قسمناهم إلى مجموعتين متساويتين من حيث العدد والجنس؛ مجموعة تجريبية وتضم التلاميذ الذين يعانون مظهرا من مظاهر الاضطرابات اللغوية، ومجموعة ضابطة تشمل التلاميذ الأسوياء.

وقد قمنا بوضع اختبارات لقياس مهارة الفهم اللغوي وآخر لقياس مهارة التذكر اللغوي، وهي اختبارات تتمتع بقدر من الثبات والصدق والموضوعية. يضم الاختبار الأول أربعة اختبارات فرعية هي اختبار المفردات اللغوية، واختبار الأضداد، واختبار المتشابهات اللفظية ثم اختبار التراكيب اللغوية والأمثال. أما اختبار التذكر اللغوي فيقيس قدرة التلميذ على التذكر اللغوي على المدى القصير، واستوحيناه من اختبارات مركز الأبحاث بباريس Centre d’études-paris لقياس الذاكرة.

وقد أسفرت الدراسة عن نتائج مهمة نقدمها فيما يلي:

6-1-نتائج اختبارات الفهم اللغوي:

بالنسبة لاختبار الفهم اللغوي بفروعه الأربعة، خلصنا بعد تحليل انجازات التلاميذ إلى وجود:

  • قصور في تصور وإدراك مفهوم الترادف.
  • فقر وشحّ في الرصيد المعجمي.
  • ضعف على مستوى التحصيل في اختبارات المفردات اللغوية، والأضداد اللفظية، والمتشابهات اللفظية، والتراكيب اللغوية والأمثال.
  • ذكاء عام يتميز بالتدني، إذا سلّمنا بأن اختبار المفردات اللغوية يقيس مستوى الذكاء، حسب تصور وكسلر الذي استقينا منه هذا الاختبار.
  • فقر في حصيلة المعلومات اللفظية والأفكار.
  • قصور في إدراك وتصوُّر مفهوم التضاد.
  • ضعف في القدرة على إدراك وتمثـُّل بعض المفاهيم؛ كالأوزان والمسافات والفضاءات والأمكنة والأزمنة والألوان والحواس والقدرة على القياس وإقامة العلاقات المنطقية.
  • التدنّي الواضح في تكوين ما يسميه مايمان وشافر ورابابورت وكرونباخ المفهوم اللفظي.
  • قصور في فهم علاقات المشابهة/المتشابهات اللفظية.
  • الإلمام الضعيف بالتراكيب اللغوية والأمثال إحدى مكونات اللغة العربية الفصحى وثقافتها.
  • عدم القدرة على تفسير معاني الكلمات (في الترادف، أو التضاد، أو المشابهة، أو التراكيب والأمثال) انطلاقا من السياق.

وفي المقابل، فإن نتائج الأسوياء تختلف كثيرا عن نظرائهم من المصابين، وذلك على مستوى الاختبارات جميعها.

كما سجلنا ملاحظات أخرى تتعلق بعينة التلاميذ المصابين، منها:

  • التلطيخ والتسطير ثم التشطيب وإعادة التسطير؛ وهي سلوكات يمكن أن تكون ناتجة عن التردد والتلكؤ في الإجابة، مع صعوبة اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
  • من بين الاحتمالات التي يمكن أن توضع لتفسير العدد الكبير من الأجوبة البيضاء في مجموع اختبارات الفهم اللغوي، خاصة منها البنود الأخيرة في قائمة بنود الاختبارات؛ البطء والتأخر والتردد في انجاز الأعمال. وهكذا فقد بلغت نسبة البنود البيضاء أو التي لم يُجِب عنها المصابون لا بالخطإ ولا بالصواب 9.89%، في حين بلغت لدى الأسوياء 0.59% وهو فارق شاسع جدا يُدلّل على ما بين العينتين من تفاوتات في الانجاز على هذا المستوى أيضا.
  • ضعف التركيز، وتمثله المظاهر التي تحدثنا عنها، سيما التشطيب والتردد، وذلك في مقابل الأسوياء الذين يتميزون بالنظافة والأناقة في العمل، إضافة إلى التنظيم وعدم التردد في اختيار الجواب. وهي عوامل لا يمكننا إلا أن نأخذها بعين الاعتبار في التعلم، نظرا لما لليقظة والانتباه والتركيز من دور فعّال في عملية تعليم اللغات وتعلمها.

وبعد أن أجرينا المعالجات الإحصائية اللازمة، ومنها اختبار “ت” (t-test)، ثبتَ أن الفروق بين متوسطات المصابين والأسوياء على قدر كبير من الدلالة وذلك لصالح الأسوياء؛ بمعنى أن هذه الفروق لا ترجع إلى عامل الصدفة، بل تحدث نتيجة نسق مضطرد ومنتظم يكون عامل الاضطرابات اللغوية سببا وحيدا فيه، عِلما أننا قمنا بعزل باقي العوامل الأخرى، وهو ما يؤكد أن التأثير السلبي للاضطرابات اللغوية على مهارة الفهم اللغوي.

6-2-مناقشة نتائج اختبار التذكر اللغوي:

يُجْمِع العديد من الباحثين على أن العوامل التي تؤثر في التذكر والاحتفاظ والاسترجاع، هي نفسها التي تؤثر على الاكتساب والتعلم من منظور معرفي.

وسنعرض هنا بإيجاز نتائج تحليلنا لاختبار التذكر اللغوي، والتي أسفرت عن التالي:

  • يتم تذكر المفردات المتداولة بالنسبة للفئتين معا، والأسهل نطقا بالنسبة لعينة المصابين.
  • اتضح تأثير الاضطرابات كذلك في البطء الملحوظ الذي يسم عملية قراءة النص/الاختبار من قِبل المصابين، مما يحول دون قراءتهم لهذه المفردات المطلوب تذكرها مرات متعددة، وقد لمسنا ذلك في المرحلة التشخيصية. وعلى العكس من ذلك، فإن الأسوياء يكررون القراءة في هذا الوقت المحدود مرات ومرات، مما يجعل استضمارهم للنص أكثر سهولة.
  • كتابة الكلمات في غير مواضعها: فعلى الرغم من تذكر المصابين بعض المفردات، إلا أنهم كثيرا ما يعجزون عن وضعها في مكانها السليم، دون مراعاة لاختلال المعنى. فيُحتمَل أن يجد ذلك تفسيره في عدم التركيز، حيث “يلعب الانتباه والتركيز دورا مهما في تخزين الذكريات في ذاكرة المتعلم”[25]، وربما لارتباط هذا أيضا بضعف القدرة على الفهم؛ ذلك أنه لو تمّ فهم النص فهما جيدا، لسعَوْا إلى وضع هذه الكلمات حيث يستقيم المعنى.
  • أخطاء في كتابة الكلمات المتذكَّرة: مثل: “نقود” التي تصبح “نوقد” و”أقبل” التي تصير “أقبال”… وكأنهم يحاكون طريقة نطقهم لهذه الألفاظ.
  • إيراد كلمات لا وجود لها في النص/الاختبار، وغالبا ما لا نجد لها أي علاقة معنوية تربطها بالنص المقترح.
  • كتابة كلمات ليس لها معنى؛ مثل: مساحده”، و”التزر”… وهي “سلوكات” تؤشر على وجود خلل ما في الذاكرة اللغوية لهذه الفئة.
  • التلطيخ الملفت للنظر، كدأبهم في اختبار الفهم اللغوي، إذ سجلنا كثرة التشطيب، والتردد في وضع الكلمة المناسبة، وهي مؤشرات على عدم التركيز وضعف الثقة بالنفس. كما سجلنا رداءة الخط ورسم الحروف وغياب الحسّ الجمالي لدى المصابين. علما أن مهارة الكتابة تعتمد على مجموعة من المهارات الجسدية والنفسية الأولية؛ كالانتباه والتمييز السمعي والبصري، وقوة الذاكرة السمعية والبصرية…
  • قلب الحروف والحذف وإهمال التنقيط، مع كثرة الإجابات البيضاء التي بلغت نسبتها لدى المصابين 39.80%. وهو أمر قلّمَا يوجد له مثيل لدى الأسوياء من التلاميذ، الذين لم تتجاوز النسبة لديهم 17.25%.
  • وفيما يتعلق بالجانب الكمي، وجدنا أيضا فرقا شاسعا بين المجموعتين. فقد بلغ متوسط البنود التي تمّ تذكرها في صفوف المجموعة الضابطة 6.70 وهو ما يمثِّل ضِعف ما حصّلت عليه المجموعة التجريبية. وهذا يبين أن قدرة الذاكرة اللغوية تختلف تبعا لمتغير الإصابة.

وتشير دراسات في علم النفس إلى أن النسيان يعتبر دفاعا نفسيا[26]؛ ذلك أن الإنسان غالبا ما ينزع إلى نسيان أو تناسي الأحداث واللحظات والصور والكلمات… التي تقضّ مضجعه وتؤلمه. ألاَ يكون نسيان بعض مفردات اختبار التذكر اللغوي نوعا من الدفاع النفسي الذي يروم نسيان المفردات والأصوات التي تسبب المشقة والحرج أمام الآخرين نظرا لصعوبة نطقها؟ ويؤيد هذا الطرح “نظرية الكبت”، ذلك أن مدرسة التحليل النفسي ترى أننا ننسى عن طريق كبت ما لا نريد أن نتذكره، وما لا نهتم به، أو ما يثير لدينا ألما، وعلى هذا يكون الكبت نسيانا تلقائيا، له وظيفة حيوية؛ هي حماية الفرد مما ينغصه أو يؤلمه…[27]

لقد أوضحت النتائج المتوصل إليها في اختبار التذكر اللغوي أن هناك فروقا جوهرية بين قدرات التلاميذ المصابين والتلاميذ الأسوياء، وهي فروق دالة كما تبين بعد إجراء اختبار “ت” (t-test).

ومما تقدم يظهر جليا مدى تأثير الاضطرابات اللغوية على مهارات التعلم اللغوي لدى الطفل المصاب، ولربما كان تأثيرها شاملا بالنسبة لباقي المواد الأخرى، فقد اتضح بعد المعالجة الإحصائية لبعض المعطيات التي تضمنتها استمارة ملحقة بالاختبارات حول كل تلميذ، أن هناك تفاوتات على مستوى الأعمار أيضا؛ إذ إن المصابين أكبر سنّا، وبعد استقراء المعطيات تبين أن السبب يعود إلى فوارق في عدد سنوات رسوب المصابين والأسوياء، كما أن معدلات الدورة الأولى من السنة الدراسية أقل من نظيرتها لدى الأسوياء. وهو ما يتماشى مع نتائج الاختبارات السالفة، وينذر بتفاقم خطير قد يستفحل في غياب تربية لغوية سليمة ليصبح تأخرا دراسيا أو فشلا ذريعا يهدد هذه الفئة من المجتمع.

  خاتمة:

إن النتائج التي أسفرت عنها هذه الدراسة تبين أن الاضطرابات اللغوية تنعكس سلبا على مهاراتي الفهم والتذكر اللغويين لدى المصابين، وقد تجلى هذا في فقر رصيدهم المعجمي وضعف حصيلة المعلومات اللفظية والأفكار وفي قصور إدراكهم لتصور الترادف والتضاد، وصعوبة إقامة العلاقات المنطقية والمعنوية، مع إظهار مشاكل في التذكر اللغوي وتشويش واضح تمثل في سرعة النسيان أو إيراد كلمات أخرى لا علاقة لها بالمفردات الواردة في الاختبار أو قلب للحروف أو حذفها… وهو أمر ينبغي عدم الاستهانة به في غياب أي إشارة في المناهج الدراسية في جلّ الدول العربية إلى التربية الخاصة وما تقتضيه من تكوين للمدرّسين؛ ليطّلِعوا على أبجديات التعامل مع ذوي الاضطرابات اللغوية، سيما وأن أغلب حالاتهم لا تستدعي نقلهم إلى مدارس لذوي الاحتياجات الخاصة، بل إن حالتهم تستدعي فقط نوعا من العناية بهدف تصحيح اختلالاتهم النطقية، وإعطائهم وقتا يتناسب وقدراتهم، والاستماع لهم لا تهميشهم أو السخرية منهم، كما يجب تكثيف الأبحاث في هذا المجال وإقامة روابط وجسور بين أسَر الأطفال المصابين والطبيب والمدرس وتهييء الظروف المناسبة لهم ليشعروا بالتوازن النفسي وحُب المادة المدروسة ومُدَرِّسها، فـ”التلميذ السعيد هو التلميذ الذي يجد معنى لما يتعلمه في المدرسة” حسب جاك ليفين Jacques Lévine 1996. إن أي خلل أو تقصير قد تترتب عليه عواقب نفسية واجتماعية وخيمة، فهذه الفئات تختزن طاقات جبارة وجب استثمارها.

قائمة المراجع:

  1. بوشوك، المصطفى بن عبد الله. (1994). تعليم وتعلم اللغة العربية وثقافتها: دراسة نظرية وميدانية في تشخيص الصعوبات – اقتراح مقاربات ومناهج ديداكتيكية –بناء تصنيف ثلاثي الأبعاد في الأهداف اللسانية. الطبعة الثانية، الرباط، الهلال العربية للطباعة والنشر.
  2. بيت كوردر. (أبريل 1990). ماذا تعني الأخطاء اللغوية للمتعلمين؟ ، ترجمة الشامي موسى، المجلة المغربية لتدريس اللغات، العدد2، الهلال العربية للطباعة والنشر، الرباط.
  3. بن الفقيه، العربي. (أكتوبر 2001). “الدماغ والبحث عن آثار الذاكرة”. مجلة علوم التربية، العدد21، مطبعة النجاح الجديدة.
  4. الجسماني، عبد العلي. (1994). علم النفس وتطبيقاته الإجتماعية والتربوية. الطبعة الأولى، بيروت، لبنان، الدار العربية للعلوم.
  5. الدريج، محمد. (1992). نحو بيداغوجية جديدة للتعبير: مقتضيات دراسة النصوص. الدليل التربوي، تدريسية النصوص. إشراف محمد الدريج، تأليف جماعة من الأساتذة، الجزء الثاني، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة.
  6. كورباليس، مايكل. (2006). “في نشأة اللغة، من إشارة اليد إلى نطق الفم”. ترجمة محمود ماجد عمر. عالم المعرفة، عدد 325، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، شركة مطابع المجموعة الدولية.
  7. محمد، أحمد السيد. (1998). اللسانيات وتعليم اللغة. كلية التربية، جامعة دمشق، سلسلة الدراسات والبحوث المعمقة. تونس، سوسة، دار المعارف للطباعة والنشر.
  8. مطاوع، ابراهيم عصمت. (2002). التنمية البشرية بالتعليم والتعلم في الوطن العربي. الطبعة الأولى، القاهرة، دار الفكر العربي.
  9. نبيل، عبد الهادي. عمر، نصر الله. سمير، شقير. (2000). بطء التعلم وصعوباته. عمان، الاردن، دار وائل للنشر.
  10. السيد، محمود أحمد. (1988). اللغة تدريسا… واكتسابا. الطبعة الأولى، الرياض، المملكة العربية السعودية، دار الفيصل الثقافية.
  11. العزة، سعيد حسني. (2002). المدخل إلى التربية الخاصة للأطفال ذوي الحاجات الخاصة: المفهوم، التشخيص، أساليب التدريس. عمان، الدار العلمية الدولية للنشر والتوزيع، ودار الثقافة للنشر والتوزيع.
  12. الشنطي، صالح محمد. (1996). المهارات اللغوية، مدخل إلى خصائص اللغة العربية وفنونها، الطبعة الرابعة، دار الأندلس للنشر والتوزيع.
  13. الخولي، محمد علي. (د.ت). المهارات الدراسية. الرياض، المملكة العربية السعودية، مكتبة الخريجي.
  • BELLENGER, Lionel. (2001). L’excellence à l’oral: développer son charisme. Collection Formation permanente .E.S/T. éditeur.
  • Bourdin, Dominique. (2004). De l’oubli, Dynamique du fonctionnement psychique. ARMAND COLIN Editeur, Paris.
  • De Vecchi, Gérard. Carmona-Magnaldi, Nicole. (1996). Faire construire des savoirs. Hachette éducation.
  • Jacques Deschênes, André. (1990/1991). Les entretiens Nathan, La lecture : une activité stratégique. Québec, Canada.
  • -Lieury, Alain. (1997). Mémoire et réussite scolaire. 3ieme édition, Dunod, Paris.

Yves, Jean. More, Tadié. (1999). Le sens de la mémoire. Editions Gallimard.

[1]  – كورباليس، مايكل. (2006). “في نشأة اللغة، من إشارة اليد إلى نطق الفم”. ترجمة محمود ماجد عمر. عالم المعرفة، عدد 325، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، شركة مطابع المجموعة الدولية، ص37

[2]- العزة، سعيد حسني. (2002). المدخل إلى التربية الخاصة للأطفال ذوي الحاجات الخاصة: المفهوم، التشخيص، أساليب التدريس. عمان، الدار العلمية الدولية للنشر والتوزيع، ودار الثقافة للنشر والتوزيع، ص ص180-182

[3] – بيت كوردر. (أبريل 1990). ماذا تعني الأخطاء اللغوية للمتعلمين؟ ، ترجمة الشامي موسى، المجلة المغربية لتدريس اللغات، العدد2،  الهلال العربية للطباعة والنشر، الرباط، ص26

[5] – محمد، أحمد السيد. (1998). اللسانيات وتعليم اللغة. كلية التربية، جامعة دمشق، سلسلة الدراسات والبحوث المعمقة. تونس، سوسة، دار المعارف للطباعة والنشر، ص88

[6] – السيد، محمود أحمد. (1988). اللغة تدريسا… واكتسابا. الطبعة الأولى، الرياض، المملكة العربية السعودية، دار الفيصل الثقافية، ص84

[7] – De Vecchi, Gérard. Carmona-Magnaldi, Nicole. (1996). Faire construire des savoirs. Hachette éducation, p9

[8] Ibid,PP253-254

[9] محمود السيد، سبق ذكره، ص88.

[10]-BELLENGER, Lionel. (2001). L’excellence à l’oral: développer son charisme. Collection Formation permanente .E.S/T. éditeur, p21

[11] -محمد السيد، سبق ذكره، ص ص87/121

[12] -بوشوك، المصطفى بن عبد الله. (1994). تعليم وتعلم اللغة العربية وثقافتها: دراسة نظرية وميدانية في تشخيص الصعوبات – اقتراح مقاربات ومناهج ديداكتيكية –بناء تصنيف ثلاثي الأبعاد في الأهداف اللسانية. الطبعة الثانية، الرباط، الهلال العربية للطباعة والنشر، ص242

[13] المرجع نفسه، ص ص243/244

[14] -الدريج، محمد. (1992). نحو بيداغوجية جديدة للتعبير: مقتضيات دراسة النصوص. الدليل التربوي، تدريسية النصوص. إشراف محمد الدريج، تأليف جماعة من الأساتذة، الجزء الثاني، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، ص8

[15] – Jacques Deschênes, André. (1990/1991). Les entretiens Nathan, La lecture : une activité stratégique. Québec, Canada, PP37/38

[16] Ibid, p54

[17] ينظر: -الخولي، محمد علي. (د.ت). المهارات الدراسية. الرياض، المملكة العربية السعودية، مكتبة الخريجي، ص95). و-الشنطي، صالح محمد. (1996). المهارات اللغوية، مدخل إلى خصائص اللغة العربية وفنونها، الطبعة الرابعة، دار الأندلس للنشر والتوزيع، ص148

[18] Deschênes, Op. Cit., p42-29

[19] – ينظر: -نبيل، عبد الهادي. عمر، نصر الله. سمير، شقير. (2000). بطء التعلم وصعوباته. عمان، الأردن، دار وائل للنشر. و- مطاوع، ابراهيم عصمت. (2002). التنمية البشرية بالتعليم والتعلم في الوطن العربي. الطبعة الأولى، القاهرة، دار الفكر العربي، ص269

[20] – بن الفقيه، العربي. (أكتوبر 2001). “الدماغ والبحث عن آثار الذاكرة”. مجلة علوم التربية، العدد21، مطبعة النجاح الجديدة، ص22

[21] – الجسماني، عبد العلي. (1994). علم النفس وتطبيقاته الإجتماعية والتربوية. الطبعة الأولى، بيروت، لبنان، الدار العربية للعلوم، ص126

[22] عصمت مطاوع، سبق ذكره، ص ص272-269

[23] -Lieury, Alain. (1997). Mémoire et réussite scolaire. 3ieme édition, Dunod, Paris, pp7/8

[24]  – الجسماني، عبد العلي. (1994). علم النفس وتطبيقاته الإجتماعية والتربوية. الطبعة الأولى، بيروت، لبنان، الدار العربية للعلوم، ص 129

[25]- Yves, Jean. More, Tadié. (1999). Le sens de la mémoire. Editions Gallimard, p117

[26] – Bourdin, Dominique. (2004). De l’oubli, Dynamique du fonctionnement psychique. ARMAND COLIN Editeur, Paris, P1

[27] علي الخولي، يبق ذكره، ص ص95/96


Updated: 2018-09-27 — 12:40

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme