الاتحــاد الأوربي بعـد خـروج بريــطانيا: بين تحديات الاستمرار ومخاوف التفكك / ابرادشة فريد


 الاتحــاد الأوربي بعـد خـروج بريــطانيا: بين تحديات الاستمرار ومخاوف التفكك

د. ابرادشة فريد أستاذ محاضر ـ أ ـ كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة المسيلة ـ الجزائر.

 مقال نشر في   مجلة جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية العدد 12   الصفحة 49.  

 

ملخص:

تتناول هذه الدراسة مشكلة في غاية من التعقيد، و التي تتمثل في قضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، هذا الإجراء الذي كان مفاجئا لكل الأوربيين، وسنعمل من خلال هذا المقال على تحليل مجموعة من الاسباب التي دفعت بريطانيا الى هذا القرار، وكذلكالإجراءات المتخذة من طرف باقي دول الاتحاد لاسيما في حال تفعيل المادة 50 من اتفاقية لشبونة، بالإضافة الى توضيح أهم السيناريوهات المستقبلية للعديد من الأطراف الفاعلة والتي لها مصالح على الساحة الاوربية وفي مقدمتهم أمريكا وروسيا، طبعا و من دون إهمال الدور الألماني ـ الفرنسيالمرتقب في غياب بريطانياعن الساحة الأوربية أو القارة العجوز.

 

مقدمة:

لم يشهد العالم عبر تاريخه الطويل تجربة اتحادية أنجح ولا أفضل من مبادرة الاتحاد الأوربي، ذلك التكتل الاقتصادي الضخمالذي عرفته القارة الاوربيةبعد أكثر من ثلاثين سنة من المفاوضات العسيرة،بهدف رسم خارطة حقيقيةللوحدة والاندماج ( 1957ـ 1992 ) وبالتالي بعد جهود متتالية أصبح هذا المسارواقعا مؤسسالوحدة اقتصادية ونقدية عملاقة غير مسبوقةفي تاريخ الأمم.[1] استمرت هذه الوحدة من بداية التسعينيات من القرن العشرين إلى غاية شهر جوان من سنة 2016، أين قررت بريطانيا ومنجانب واحدإجراء استفتاء شعبيديمقراطي حول التصويت على إجراءات الخروج من الاتحاد الأوربي في إطار ما صار يُعرف فيما بعدبـ: عملية البريكستBrexit، أو بريطانيا خارج الاتحاد الأوربي، وذلك لأسباب يبدوا أنها اقتصادية في الأساس، ولكن الأيام والاشهر القادمة هي الكفيلة وحدها بالإجابة الدقيقة على هذا السؤال الضخم، الذي تتفرع عنه الكثير من علامات الاستفهام، لكن حتما سيتبادر إلى ذهن أي واحد منا أو من المتتبعين للشأن الأوربي، تساؤلا عميقا مفاده لماذا سلكت بريطانيا هذا المسلك دون غيره؟ و ما هي الاستراتيجية البريطانية من تفعيل هكذا قرار؟ ولماذا فيهذا التوقيت بالتحديد؟ ـ هذا الاستفتاء الذي ظهرت نتائجه مخيبة لآمالمعظم الأوروبيين، وكذلك بالنسبة للملايين من البريطانيين، الذين لم يرغبوا بدورهم في فك حلقة الارتباط مع نظرائهم من دول القارة العجوز، لاسيماإذا علمنا أنهم يعادلون نصف تعداد المجتمع البريطاني،خاص إذا أخذنا بقواعد اللعبة الديمقراطية في التصويت، التي لا تلتفت الى عدد الممتنعين عن التصويت والذين في الحقيقة يمثلون نسبا لا يستهان بها على الاطلاق، ولعل نسب التصويت النهائية أكبر دليل على ذلك 52 % في مقابل 48 %، بمعنى لا فارق بين الفريقين.

إذن لقد صوت ما يقارب 52%  من البريطانيين على إجراءات الخروج في حين لم يصوت إلاّ 48%  على البقاء،  فكان الفريق الأول غامر السعادة، في حين أصيب الفريق الثاني بخيبة أمل لا مثيل لها، طبعا و في مقدمة هؤلاء حكومة جيمس كاميرون، التي كانت متفائلة بشأن الاستفتاء( * ) و في ظل غياب المعلومات الكافية لدى الطرفين الرافض والمؤيد بخصوص العديد من الإجراءات المعقدة للخروج من الاتحاد، لا يزال السجالقائما الى اليوم بين أعضاء الاتحاد والحكومة البريطانية الجديدة برئاسة رئيسة الوزراء تيريزا ماي من حزب المحافظين، ولهذا وفي انتظار الوصول إلى ذلك الوقت الذي قد يحدث فيه الانفصال بين الطرفين، هناك مجموعة من التساؤلات العميقة التي تطرح نفسها و بإلحاح والتي ستمثل محاور لدراستنا هذه، كما يجب أن نير الى أنه قد لا يوجد لبعض هذه التساؤلات إجابات آنية وواقعية إلاّ بعد سنوات، وهي كالاتي:

ـ هل سيتفكك الاتحاد الأوربي تباعا بعد خروج بريطانيا؟ أمأنّه سوف يكون دافعا للاتحاد والترابط أكثر؟

ـ هل ستستفيد بريطانيا من سياسة الخروج أمأنها ستكون أكبر الخاسرين؟ القرن

ـ ما هو موقع برلين بعد خروج بريطانيا من اتحاد أوربي ضعيف دون بريطانيا؟

ـ ما موقف روسيا من عملية خروج بريطانيا من الاتحاد؟ وكيفستتعامل مع الموقف الجديد؟

ـ ما موقف الولايات المتحدة من الوضع الجديد في أوربا؟ وما هي الإجراءات التي ستتخذها لمواجهة أي سيناريو محتمل؟

أولاـ ماهية عملية بريكسيتBrexit

     منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والمملكةالبريطانية المتحدة تحاول أن تُكيف مع تعاملاتها الاقتصادية والتجارية مع دول الاتحاد الأوربي، خاصة في مسألة إقامة العديد من الاتفاقيات والبروتوكولات التي بدورها كانت ممهدا لقيام منظمة أو مجموعة الاتحاد الأوربي،  ومن بين هذه الاتحادات؛ اتحاد غرب أوربا والذي تعود نشأته إلى ميثاق الاتحاد الغربي ( معاهدة بروكسل في 17 مارس 1948، ثم الاتحاد الأوربي للتبادل الحر في 20 نوفمبر 1959، لتأتي بعدها السوق الأوربية المشتركة، ومجلس التعاون الاقتصادي المتبادل، وطبعا كل هذه الاتفاقيات كانت بريطانيا العضو الفاعل فيها، ليس هذا بالكلام فقط وإنما واقعيا من خلال ما وصل إليه الاقتصاد البريطاني من تطور وقوة،و الذي يعتبر بحقأول اقتصاد في أوربا من حيث التفوق.[2]

إلى غاية ميلاد الاتحاد الأوربي الذي تمخض من رحم معاهدة ماستريخت 1992، هذه المعاهدة التي أسستلبناء اتحاد اقتصادي أوربي قوي، هذا الاتحاد الذي كان ممثلافي بداية المطاف بستة دول هي الدول المؤسسة، ثم انضمت إليه كل من الدانمارك وايرلندا والمملكة المتحدة عام 1973، وبعدها اليونان عام 1981، ثم البرتغال واسبانيا عام 1986، ليصل بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك دوله خاصة من شرق أوربا عام 1990 ليصبح عدد دول الاتحاد 27 دولة.[3] لكن رغم اكتمال قيام أركان هذا الاتحاد فقد بقيت بريطانيا متخوفة من احتمالات الأضرار التي قد تلحق بها، فبدأت تفكر بين الفينة والأخرى في إجراءات أكثر عملياتيةOpérationnels  من أجل الدفع الجيد بالاقتصاد اللندني نحو مستويات أعلى وأكبر مما هي عليه اليوم في كنف الاتحاد الأوربي، وبالتالي فبريطانيا منذ بداية تأسيسفكرة الاتحاد وهي تعمل انفراديا في العديد من القضايا، ولا أدل على ذلك من بقائها من حيث التعاملات المالية تتعامل بالجنيه الإسترليني حتى تبقى قيمته أعلى من العملة الجديدة اليورو، وبذلك سوف تكون متميزة عن باقي دول الاتحاد.

     أما بالنسبة للبريكسيت فإنّأول ما ظهر الجدل حولها في بريطانيا كان في أروقة حزب العمال البريطاني، وهوالتيار الذي تزعم الترويج لعملية الطلاقمن الاتحاد الأوربي،وقد استطاع التيار المحافظ أنيحشد ثم يستحوذ على تفكير الكثير من البريطانيين خاصة من كبار السن الذين لطالما شعروا بحاجة ملحة للعيش باستقلالية عن باقي دول الاتحاد الأوربي، ورغم الانتقادات التي قُدمت من طرف بعض الخبراء في الاتحاد فيما يتعلقبإجراءات الخروج ، و التي لم تكن في إطارها القانوني مضبوطة بالشكل الكافي، بحيث رأو بأنّ عملية الاستفتاء كانت يمكن أن تكون أفضل وأكثر ديمقراطية لو تم تحديد نسبة أكثر من 65% من المصوتين للخروج   ( *) أما أن يتم الأمر بفارق 1% أو 2%، فهذا الأمر هو ما جعل عملية الاستفتاء الأخيرة في بريطانيا لا تبدوا ملائمة للتعامل مع هذا الظرفالطارئ بالشكل المناسب، خاصة في مثل هذه الحالات التي هيحالة استفتاءوليست انتخاب برلمان أوحكومة، أين يمكن الحكم بهذه النسب ولو كانت بسيطة.[4]

فالاستفتاءReferendum باعتباره أهم صورة من صور العودة أو الرجوع إلى الإرادة الشعبية المباشرة، وبالتحديد في القضايا المصيرية التي تهمه، كأمن الوطن وتعديل الدستور…الخ، والتي تكون عادة بنعم أو لا، موافق أو غير موافق، فهو يعتبر رابطة وثيقة بتقرير الحالات المصيرية التي تواجه الدولة أو أحد قضاياها.[5] وهو نفس ما وقعت فيه بريطانيا مع دول الاتحاد الأوربيحينما أرادت هذه الأخيرة فرض منطق لم يكن مقبولا لدى البريطانيين، ليس كحومة فقط ولكن لدى عموم الجماهير البريطانية، ونقصد هنا مسألة استقبال اللاجئين وتمويل بعض الصناديق الأوربية لدعم سياسات معينة، والتي تعتبرها بريطانيا إهدارا غير مبرر للمال أو على الأقل هي سياسة غير متوافقة مع سياستها وتوجهاتها العامة.

     إنّ هذا الاستفتاء قد أبان على درجة كبيرة من النضج الانتخابي لدى الجماهير البريطانية، حيث جعلتهم يدركون بأنّ أي مسألة رئيسية في أي انتخاب تعني مصير الحكومة المقبلة هل هي عمالية أم محافظة، وما يدعم هذا الرأي هو ما قاله أستاذ القانون الدستوري آنفور جينينكز:” إنّ الناخب لا يصوت لمرشح، ولا حتى لحزب، بل لحكومة.”[6] ولذلك فإنّه بمجرد ظهور نتائج الاستفتاء على سياسةBrexitبدأت حكومة جيمس كاميرون التي كانت رافضة لسياسة الخروج، تشد حقائبها مغادرة نحو احتلال موقع حكومة الظل، و بالتالي فسح المجال أمام أعضاء الحزب الآخر الذي فاز بالاستفتاء ليكمل وينفذ استراتيجيات الاستفتاء على أرض الواقع.

ثانيا: الاتحاد الأوربي وبريطانيا: أسباب و مقدماتالانفصال

     لعل الكثير من المتشائمين من مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي يتخوفون من مسألة تفكك وتشرذم دول الاتحاد الأوربي، خاصة في حال عودة الأمور إلى ما كانت عليه إبان مرحلة الحرب الباردة، بل والخشية الكبرى أن يتصدر المشهد الأوربي الصراع التقليدي بين القطبيين النوويين العالميين، أمريكا وروسيا، ويستند هذا الفريق على مجموعة من الحجج التي يساند بعضها بعضا، وفي مقدمتها أنّ السياسات المحلية في دول الاتحاد هي التي تحتل الأولوية على حساب السياسات الكلية للمجموعة الأوربية، مما قد يدق ناقوسالخطر نحوإعادة فتح باب الانسحاب على مصراعيه، وذلك من خلال تسجيل حالات خروج جديدة لبعض الدول تباعا ، فيكون هذا الوضع أشبه بتتابع تساقط خرزات العقد عند تمزق الخيط الذي يربطها.

     كذلك ومن ناحية واقعية تعتبر المصالح الاقتصادية الرابط الوحيد الأكثر منطقية للربط بين دول الاتحاد إلى غاية اليوم، بينما تبقى المجالات الاخرى وفي مقدمتها السياسية والأمنيةتمثل نقطة الاختلاف والخلاف فيما بينها، وعلى سبيل المثال فقد ظهرت إلى الواجهة معضلة دفع المستحقات المالية لكل عضو من أعضاء الاتحاد،لتغطية المصاريف المتعلقة بالعديد من القضايا التي تهم الشأن الاوربي، ولذلك تقوم ألمانيا عادة بدفع وتغطية تلك المخصصات خاصة بالنسبة للدول التي تعاني من ضائقة مالية على غرار دول شرق أوربا الضعيفة، أما بريطانيا فهي تتعامل مع هذه الملفات بحساسية زائدة، وتعتبرها شأنا خارجيا لا يعنيها.

ـ في حقيقة الأمر فإنّ بريطانيا في مسألة ادعائها كثرة النفقات على المهاجرين النازحين من مختلف بقع التوتر في العالم وزحفهم نحو أوربا ومعارضتها على فكرة الكوتا في اقتسام أعباء المهاجرين، فإنّ قرارها هذا يعتبر غير منطقي و غير مؤسس على مستندات واقعية. و هو الامر الذي صار يشكل عاملا مؤرقا بالنسبة للحكومة البريطانية، ولعله النقطة الأساسية والحساسة التي اعتبرت القطرة التي أفاضت الكأس بشأن الخلاف الظاهربين الطرفين، ولهذا فقد كان رد الفعل البريطاني وقائيا ضد هذه الظاهرة، بمعنى حماية نفسها وشعبها وعدم تحمل كل تبعات وتكاليف تلك الهجرة غير المدروسة مستقبلا، ليس ماديا وحسب وإنما هناك الكثير من الآفات الاجتماعية التي ستهدد الأمن القومي، و بالتالي هذا ما يمكن أن نسميه بالمرحلة المبكرة لاستشعار الخطر عند صانع القرار البريطاني.[7]

ـ هناك من يرى بأنّ التهديدات الأمنية التي مست العديد من الدول الأوربية، إنما دلت على غياب أي تنسيق أمني بين دول الاتحاد، وبالتالي غياب فكرة العمل الجماعي وفق نظرة مشتركة للأمن الأوربي، وهو الأمر الذي سوف يكون عاملا مساعدا على زرع عقلية عدم الثقة بين دول الاتحاد.[8]وقد ظهر هذا جليا في قضية كوسوفو التي لم تستطع المجموعة الأوربية حلها، إلاّ بعد تدخل من حلف الناتو الذي تتزعمه أمريكا،إذن فهو سبب اخر للطلاق البريطاني ـ الأوربي.

ـ أيضا هناك نقطة أساسية قد لا يتنبه لها الكثير، ولكنها عنصر هام في معرفة بعض حيثيات الانسحاب البريطاني من الاتحاد الاوربي، وهو ما تعلق بالعملة الجديدة اليورو، حيث أنّ هناك رفض شعبي أوربي ومن غالبية دوله من مسألة العملة الموحدة، وذلك نتيجة لتدهور مستوى عملاتهم الأساسية، في مقابل اليورو الجديد، ولقد أكدت المقارنات التي عقدت بين النظام القديم والجديد، أنّ تلك الشعوب كانت أحسن حالا في نظام عملاتها القديمة من نظام اليورو الجديد، وبالتالي فقد تدهورت أحوالهم أكثر في ظل نظام الصرف الجديد، الذي لا تتماثل فيه اقتصاديات دول الاتحاد مع بعضها البعض فمنها المتطورة جدا ومنها الضعيفة، وبالتالي كيف تتساوى إمكانيات القوي مع الضعيف، وهو ما يعتبر حجة لبريطانيا لإكمال إجراءات الخروج عند مقارنتها بباقي دول الاتحاد.[9]

ثالثا: موقعالاتحاد الأوربي بعد خروج بريطانيا: بين سياسة فك الارتباطأو إعادةالبناءالاسراتيجي

     للإجابة على هذا السؤال فإنّه في اعتقادنا يحتمل طريقين؛ الطريق الاول وهو طريق إعادة بناء اتحاد أوربي قوي وذو استراتيجية بعيدة المدى تكون فيها بريطانيا رغم خروجها من هياكل الاتحاد إلاّ أنها ستبقى شريكا فاعلا في الكثير من القضايا الأساسية، وفي اعتقادنا يعتبر هذا الطرح الاكثر ترجيحا،بينما الطريق الثاني وهو طريق التفكك مرحليا بعد بداية ظهور النزعة الاستقلالية لبعض الأطراف الجديدة الراغبة في فك الارتباط، من خلال عدم التفاهم على التقسيمات الاقتصادية وكذلك حول مسألة الهيمنة الألمانية ـ الفرنسية على الاتحاد التي ستدفع بباقي الأعضاء في حال تضررهم الى اتخاذ مواقف مشابهة للموقف البريطاني، ولكن هذا الخيار يبقى مستبعدا على الاقل في المدى المتوسط أي العشر سنوات القادمة.

الطريق الأول: طريق بقاء الاتحاد بصلابة أكثر من ذي قبل

      يرى فريق من الباحثين والمختصين في الشؤون السياسية والاقتصادية وحتى الأمنية أنّ مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي لا تعني بالضرورة بداية تفكك الاتحاد في حد ذاته،واستمرار خروج أعضاء آخرين تباعا، بحكم أنّ هذا الخروج هو خروج اقتصادي بالدرجة الأولى ولا علاقة له بالنواحي الأمنية مثلا، وباعتبار أنّه خضع لإجراءات ديمقراطية، فإنه بالإمكان أن ترجع بريطانيا من جديد و عبر استفتاء جديد كالذي أخرجها منه،إلى أحضان الاتحاد.( *)  طبعا سيبقى هذا حسب رغبة الشعب البريطاني، ومعلوم بالضرورة أنّ هذه الدول وخاصة بريطانيا من أكبر الدول التي تمارس و تطبق الديمقراطية النيابية، والتي بدورها تتيح للشعب هامشا كبيرا من الحرية في حق ممارسة خصائص السيادة بواسطة الشعب مباشرة أو بتفويض لنوابه المنتخبين ديمقراطيا.[10]

     ولهذا فنفس المصوتون الذين صوتوا بنعم للانفصال والخروج قد يصوتون غدا أو فيما بعد بالرجوع والانضمام، ولا نستغرب هذا الإجراء في دول تعتبر الإرادة الشعبية شيئا مقدسا في كل أمورها، وهذه الديمقراطية التي يعني فيها قرار الشعب أنّ الإرادة الشعبية فوق كل اعتبار، وفيما يلي سوف نسوق مجموعة من المبررات التي تتوقع قوة أكبر للاتحاد حتى بعد خروج بريطانيا.

ـ بالنسبة للقضايا الأمنية مازالت بريطانيا وحلفائها الأوربيون متمسكون بفكرة الدفاع الجماعي المشترك ضد مختلف التهديدات، ولهذا فإنّ مسألة الأمن في اعتقادنا تعتبر الحافز الأول على عدم فك الارتباط بين الطرفين، على الأقل في المدى المتوسط وهو ما نلاحظه على عضوية بريطانيا في الحلف الأطلسي ومختلف قوات التدخل السريع في أوربا التي لم يأتي بشأنها أي قرار ولا تحرك، فالأمن شيء والاقتصاد شيء أخر. وكما قال الدكتور صلاح جرار أن سر قوة الغرب وتماسكهم هو تناسي كل خلافاتهم القديمة فيما بينهم من خلال نبش ذاكرة التاريخ عن كل الخلافات بينه وبين الاخر خاصة العرب والمسلمين، ولذلك سوف يستمر التحالف بين دول الغرب طالما أنّ المسوغ لذلك موجود.[11]

    كما أنّ الغرب يدرك بأنّ خروج بريطانيا سوف يفتح الباب واسعا أمام أعضاء الاتحاد للانسحاب تباعا، ولكن الأقوياء في الاتحاد كفرنسا وألمانيا سوف يمنعان فكرة حدوث هذا، طبعا حتى وإن تطلب الأمر التكفل بكل المصاريف، فزوال الاتحاد معناه ضعف الغرب وأوربا بالتحديد في ظل بروز قوى جديدة زاحفة كالصين والإسلام وغيرهما كثير مما تروج له وسائل إعلام الغرب بالتحديد، وفي المقابل هناك طرف آخر له من التأثير على السياسة الأوربية، تأثير الأب على أبنائه، ونقصد هنا الولايات المتحدة الأمريكية التي تتخوف دوما من عودة الدب الروسي وسياساته التاريخية في أوربا قاطبة، مما سيدفعها الى تدعيم امكانية استمرارية الاتحاد في مواجهة الخطر القادم من روسيا.

      ويبقى الأمر غير المفهوم تماما والمثير للجدل في السياسة العامة للاتحاد الأوربي اتجاه أمريكا، وكذلك من مسألة قوة الهيمنة الأمريكية السياسية والعسكرية عليها، لأنه على الرغم مما تبذله دول الاتحاد من مجهودات جبارة، إلاّ أن التعثر كان دائما مصير تلك الجهود، وأمريكا طبعا تخشى مستقبلا من مسألة بروز أوربا الموحدة والمستقلة عنها، ولذلك و من هذا المنطلق فمن مصلحتها تفكك الاتحاد وضعفه، ولكن من جهة أخرى هناك تخوف أمريكي شديد من عودة الخطر الشيوعي من جديد وما سوف يوظفه من سياسة استقطاب أيديولوجي، وبالتالي عودة الحرب الباردة من جديد، وهو الأمر الذي تخشاه أمريكا طبعا.[12]

    ولذلك من المرجح أن تميل أمريكا إلى تدعيم بقاء الاتحاد مع الإبقاء على نوع من الخلافات بين دوله، حتى تكون هي الحكم دائما، ولكن رغم كل هذاففي كلتا الحالتين التفكك أو الاتحاد سوف تدفع أمريكا فاتورة ضخمة سواء للإبقاء على الاتحاد أم لمواجهة أي خطر محتمل من روسيا وريثة الاتحاد السوفياتي، ولا يختلف اثنان على أنّ أمريكا سوف تنتهج النهج الأول ولو  تطلب منها ذلك دفع ميزانية ضخمة، في مقابل عدمالسماح بعودة النفوذ الروسي في أوربا .

الطريق الثاني: طريق فك الارتباط بين دول الاتحاد و احتمال عودة الحرب الباردة

     فعلا لقد بدأت عديد المعضلات وتبعات الخروج البريطاني من الاتحاد الأوربي تظهر إلى العلن، بحيث أنه بمجرد أن أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي قرار البدء في إجراءات الخروج يوم 29 مارس 2017، حتى قامت اسكتلندا بمطالبة بريطانيا بإجراء استفتاء لاستقلال بلادها عن التاج البريطاني و تفضيلها خيار البقاء ضمن الاتحاد الأوربي، وهو طبعا ما جعل رئيسة الوزراء البريطانية تلتقي نظيرتها الأسكتلندية:”نيكولا جيبيرسون” على جناح السرعة لإصلاح ما يمكن إصلاحه، ولتدارك ما يمكن تداركه، لكن الأخيرة حددت لبريطانيا أن يتم هذا الاستفتاء في غضون 2018 ـ 2019 على أقصى حد، لعدم اقتناعها بمبررات بريطانيا في انتهاج سياسة البريكسيت، وربما هو نفس المصير الذي قد يحدث مع ايرلندا التي تواجه بدورها مشاكل كبيرة بين شمالها وجنوبها خاصة إذا لم تسارع الحكومة البريطانية الى اتخاذ الاجراءات اللازمة والملائمة.[13]

و على العموم فإنّ هناك مجموعة من المؤشرات التي على أساسها ستؤدي عملية البريكسيتليس فقط الى خروج بريطانيا من الاتحاد، وإنما قد تؤدي ( في حال عدم علاجها ) الى تبعات ومعضلات جمة على أوربا قاطبة ومنها:

ـ برنامج خروج بريطانيا ليس إلزاميا، وبالتالي فإنّ باب العودة سيبقى مفتوح بنص الفقرة الاخيرة من المادة 50 من اتفاقية لشبونة، وهذا الامر قد يثير حفيظة المجتمعات الأوربية قبل الدول، باعتبار القضية ليست مجالا للتجارب، أو بمعنى آخر إذا لم تحقق بريطانيا من خروجها ما كانت تتمتع به في ظل الاتحاد سوف تعود مجددا وكأنّ الأمر لم يكن، وهذا الاجراء قد يعتبر لعبا واستخفافا بعقول البريطانيين والأوربيين معا، نظرا لحساسية الموقف ولتبعاته المالية والاقتصادية وحتى الاجتماعية.

ـ اسكتلندا التي عارضت فكرة البركسيتBrexit وأبدت رغبتها الكاملة في البقاء ضمن الاتحاد، يبدو انها أجبرت على تبني هذا الخيار ، مماسيخلق أو ينمي مجالا واسعا للاستقلالية والانفصال الاسكتلندي عن العرش البريطاني، و هو ما لا تريده بريطانيا أن يحصل طبعا، وبالتالي كيف ستواجه بريطانيا هذا الإشكال في حال معارضة اسكتلندا لإجراءات الخروج، وشروعها في تنظيم الاستفتاء للانفصال، فهذه القضية لم تحسم بعد.

ـ بريطانيا تعتقد حسب بعض المحللين السياسيين بأنّ مسألة خروجها من الاتحاد سوف يعيد لها مجد الإمبراطورية البريطانية القديمة المزعوم، ولكن زمن الإمبراطوريات قد ولى دون رجعة، والذي حل محله هو عالم يتجه نحو التكتلات، الذي لا مكان فيه للانفراد والتشرذم، ولذلك يقال في بعض البلاد العربية الشاة الشاردة عن القطيع هي الأكثر عرضة للذئب المفترس.[14]

وعلى سبيل المثال لا الحصر فإنّ أمريكا كأعظم دولة في العالم فهي لم تصل الى هذه المرحلة من التقدم والتطور لولا العديد من التحالفات التي تقيمها هنا وهناك، سواء في الشرق أو الغرب، في الشمال أو الجنوب، المهم أنها في النهاية تُبقي سيطرتها وعيونها مفتوحة على كل شيء، ولعل حجم الأساطيل والقواعد العسكرية للأمريكان في العالم هو أكبر دليل على أنّ العمل منفردا في عصر العولمة هو أكبر خطأ استراتيجي يمكن أن ترتكبه الدولة المعاصرة.

ـ كذلك هناك العديد من المتغيرات التي قد تكون عوامل حساسة دافعة نحو التفكك مثل قضية طلب بولونيا في شهر مارس 2017 الانسحاب من قوات التدخل الأوربية يوروكوربس، بالإضافة الى الأزمة الأوكرانية في شبه جزيرة القرم وانفصالها والتحاقها بالمعسكر الروسي مهما كانت الأسباب، طبعا كل هذه المؤشرات لن تكون مجرد أحداث عابرة، ولهذا فقد بدأت الدول الأوربية المشكلة للاتحاد تستشعر الأخطار المحتملة، ولهذا فقد قامت أمريكا بعقد قمة للحلف الأطلسي في بروكسل شهر مارس 2017 لدراسة الكثير من الملفات وفي مقدمتها هذا الملف الحساس. [15]

رابعا: خروج بريطانيا من الاتحاد: بينميزان الربح الاقتصاديوخسارة الحليف الاستراتيجي

    إنّ هذا الموضوع في الحقيقة يكتسي الكثير من الإشكالات خاصة وأنّ قضية خروج بريطانيا من الاتحاد فيها الكثير من الايجابيات على الاقتصاد البريطاني، ولكن لا ننسى أنّ هناك تبعات غير محتسبة قد تواجه الاقتصاد البريطاني خاصة إذا لم يتم التعامل معها بطريقة ملائمة ومتجانسة، هذا من جهة ومن جهة أخرى قد تظهر ظروف جديدة وطارئة يمكن أن تهدد بدورها الاقتصاد البريطاني وهذه التهديدات قد لا تكون في حسابات أي طرف، بالإضافة الى كونها قد تكون خفية وغير بارزة.

ـ الاقتصاد البريطاني في حال نموه وازدهاره،آليا سوف يحتاج إلى سوق خارجية لتصريف ذلك الفائض، وهو ما سيشكل عبئا في ظل الإجراءات الجمركية الجديدة التي سيفرضها الاتحاد الاوربي على جميع المنتجات والسلع البريطانية تحديدا، هذا طبعا في حال قبول باقي دول الاتحاد الأخرى التعامل مع بريطانيا، لأنهم قد يتخذون إجراءات عكسية عبر مقاطعة منتجات نظرائهم البريطانيين، وهو أمر محتمل، ومن ثمة سوف يكون الاقتصاد البريطاني أكبر الخاسرين، والغريب في المعادلة التجارية بين الطرفين أن حجم التبادلات التجارية كبيرة جدا، وهي لصالح بريطانيا كما تشير جميع الأرقام والإحصائياتـ [16]في هذا الصدد يرى أحد محللي قناة DWالألمانية الناطقة بالعربية أنّ المعاملات المختلفة بين بريطانيا والاتحاد الأوربي كانت دائما لصالح بريطانيا، ولذلك فإنّ مسألة خروجها من الاتحاد هي أشبه بالمغامرة التي لا يتوقع أحد مخرجاتها، وطبعا لا يعتقد أحد أن بريطانيا تريد لعب هذا الدور مع أعضاء الاتحاد الأوربي، لولا وجود استراتيجية بريطانية خاصة لا تريد الكشف عنها لكونها مصلحة قومية لبريطانيا دون سواها.[17]

ـ كذلك ما تغفله بريطانيا وهو ليس بالأمر البسيط، هوأنّ ما يقارب 2 مليون بريطاني يعملون في مختلف دول الاتحاد الأوربي، و3 ملايين أوربي يعملون في بريطانيا، طبعا وفي حال رجوع البريطانيين الى بريطانيا سيشكلون عبئا ثقيلا وخطرا ماليا على صناديق التأمين والتقاعد، وقد ينضمون لقائمة البطالة التي تعتبر عبء غير محتمل لأي دولة،وليس بريطانيا فحسب، وفي مقابل هذا فإنّ هناك سعيا ألمانيا فرنسيا مدروساللتكفل بالثلاثة ملايين أوربي من اللذين يحتمل رجوعهم من بريطانيا، لاسيما وأنّ العديد من الشركات الألمانية العملاقة وغيرها هي تشتغلأو بالأحرى لديها استثمارات ضخمةعلى الأراضي البريطانية.[18]

ـ بالإضافة الى ما تقدم، هناك الكثير من الشركات العالمية التي تشتغل في مختلف الصناعات، من خلال مصانع ومعامل ومخابر وبنوك…الخ فهي تتخذ من بريطانيامركزا رئيسيا للإنتاج والتسويق، هذه المصانع والشركات أو المؤسسات بحكم سياسة البريكسيت، سوف تسعى أو بمعنى أدّق ستكون مجبرة تدريجيا على الخروج باستثماراتها من بريطانياوإعادة توزيعها على باقي دول الاتحاد، طبعا بالنظر الى الضرر الذي سيلحق بها نتيجة عودة فكرة ارتفاع الضرائب و صعوبة الحواجز الجمركية التي عادة ما تعيق من حرية التجارة والمنافسة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ستنعكس تبعات هذا التحول سلبا على تسريح الآلاف وربما الملايين من العمال البريطانيين مما سيضاعف من حجم البطالة،وبالتالي قد يؤدي هذا الأمر إذا لم تتخذ بشأنه الاجراءات المناسبة الى العديد من الأزمات؛ الاجتماعية والاقتصادية ومخلفات كارثية كبيرة حتى على الأسر والعائلات.[19]وهو ما لا نعتقد أنّ الحكومة البريطانية قد لا تضع له ألف حساب.

ـكذلك ومن منطلق ديمقراطي فإنّ الذين صوتوا لخروج بريطانيا من الاتحاد سوف يسعون الى طرد الملايين من الأوربيين الذين يعملون في بريطانيا، وذلك لإعادة استيعاب العمالة البريطانية المسرحة من باقي دول الاتحاد، وبالتالي سيُفعِل ُالبريطانيون بذلك مبدأ مونرو الشهير أمريكا للأمريكيين؛ عبر شعار بريطانيا للبريطانيين، ومنه قد تقوم دول الاتحاد الأخرى بالتعامل بالمثل مع البريطانيين أي عبر تفعيل نفس المبدأ الاتحاد للاتحاديين، وهو ما قد يكون بدوره مدخلا لإعادة النظرة القطرية الضيقةعند الدول الاوربية في إشارة واضحة الى عودة النزعة القومية من جديد.

خامسا: كيفية تفعيل المادة 50 من اتفاقية لشبونة

    رغم السجال الكبير الذي جرى بين كبار المسؤولين في الاتحاد الأوربي وبريطانيا حول فكرة تراجع بريطانيا عن سياسة الخروج من الاتحاد، إلاّ أنها في نهاية المطاف قررت وبحزم وعلى لسان رئيسة وزرائها : تيريز ماي، وأمام البرلمان البريطاني بأن تُفعل رسميا المادة 50 من اتفاقية لشبونة التي سوف تتيح لها المفاوضات على إجراءات الخروج وكل تفاصيله، وعلى هذا الأساس فقد أعلنت رسميا يوم 29 مارس 2017 بَدْء المفاوضات مع الاتحاد الأوربي، اتفاقية Lisbonneالتي تتيح لأي عضو في الاتحاد الأوربي وعبر قرار أحادي إجراءات الخروج من الاتحاد، ولكن مع ضرورة المرور عبر مجموعة من الآليات والشروط والخطوات حتى لا تؤدي الى حدوث أي خلل أو حتى أضرار وتبعات اقتصادية من إجراءات هذا الانسحاب.[20]

وفحوى المادة 50 من الاتفاقية تنص على أنه على أي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي تبدي رغبة في الخروج من الاتحاد أن تحيط المجلس الأوروبي علما بذلك وأن تتفاوض على ذلك على أن لا تتجاوز مدة المفاوضات سنتين إلاّ في حالة موافقة جميع الدول الأعضاء الأخرى على قبول قرار تمديد هذه الفترة. بالإضافة إلى أنّ الدولة التي تريد الخروج لا يحق لها المشاركة في المشاورات داخل الاتحاد الاوروبي بخصوص هذا الموضوع. لأنه صار موضوعا لا يعنيها،وبعد ذلك يشترط أو يجب أن تحظى عملية الخروج“بأغلبية مشروطة” (أي 72 بالمئة من الدول الأعضاء الـ 27 المتبقين في الاتحاد الأوروبي مما يمثل 65 بالمئة من سكان دول الاتحاد) وكذلك بتأييد نواب البرلمان الأوروبي وذلك لأنها دول ديمقراطية ولا يمكنها تمرير أي قرار دون علم أو موافقة القاعدة الشعبية.[21]

أما رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي فقد طمئنت نظرائها الاوربيين بأنّ بريطانيا ستبقى أوربية رغم خروجها من الاتحاد ولذلك صرحتقائلة بأنّ قرار البدء الرسمي في عملية الخروج والمفاوضات بعد تسعة أشهر من الاستفتاء لا يعني بأي حال من الأحوال انعزال بريطانيا عن دول الاتحاد، بل على العكس من ذلك سوف تبقى أوربا أكبر شريك وحليف بالنسبة لبريطانيا، وذلك من خلال استمرار التعاملات التجارية والاقتصادية بين الطرفين وفك الرابطة بسلاسة.[22]

وبما أنّ الأرقام التي أوردها الاقتصاديون والمختصون في التجارة تدل على أنّ الميزان التجاري والتبادل الاقتصادي بين الطرفين هو لصالح بريطانيا، ولذلك فمن الخطأ طبعا أن لا تحسب بريطانيا لهذا العامل الحسابات الدقيقة، ولذلك فقد علق الرئيس الفرنسي: فرانسوا هولاند مباشرة بعد إعلان بريطانيا عن بدأ مفاوضات الخروج البريطاني من الاتحاد الأوربي بأنه لا اتفاقيات تجارية مع بريطانيا حتى تستكمل فكرة البريكسيت مسارها، وبالتحديد عند الخروج نهائيا، حينها فقط سوف تكون هناك اتفاقيات جديدة على أساس الوضع الجديد.[23]

سادسا: موقع برلين بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي

    إنّ بعض المحللين الاقتصاديين قبل السياسيين قد رجحوا فكرة أن تكون ألمانيا وفرنسا أكبر دولتين أوربيتين ستستفيدان من سياسة خروج بريطانيا الانفرادية من الاتحاد، لأنّ هناك محاولات وتجاذبات بين ألمانيا وفرنسا بصفتهما الدولتان المسيطرتان في أوربا،وذلك بهدف تقاسم مختلف الاستثمارات الاقتصادية والمالية التي سوف تخلفها بريطانيا في مختلف دول الاتحاد بعد قرارها الحاسم من الانسحاب، ولذلك فكلما تأخر البريطانيون في حسم قضية الخروج قانونيا سوف يكون هناك خسارة كبيرة على الاقتصاد البريطاني، إذن فمن مصلحة بريطانيا إكمال الإجراءات وإلاّ فإنّ التبعات سوف تكون مُكلفة أكثر.[24]

    وللمعلومة فإنّ علاقة بريطانيا بكامل أوربا هي علاقة يحكمها عالم الاقتصاد والمال، وليس هذا وليد ميلاد الاتحاد الأوربي بل يعود بالتحديد إلى أيام الحرب العالمية الأولى خاصة في العلاقة الخاصة بين بريطانيا وألمانيا، أين لعبت بريطانيا دورا محوريا في الضغط على الحلفاء في تخليص ألمانيا من معضلة التعويضات التي كانت تدفعها منذ العام 1919، والتي كانت تشكل حاجزا كبيرا أمام مصالحها الاقتصادية، ولم تتصرف بريطانيا هذا التصرف حبا في ألمانيا وإنما بهدف تحقيق مصالح اقتصادية،فمن خلال الكساد الذي عرفه الاقتصاد البريطاني جراء عدم قدرتها على تصريف منتجاتها في أوربا ونتيجة لغياب ألمانيا عن هذا الفضاءبسبب الحرب والعقوبات المشددة التي فُرضت عليها، وهو ما شكل خسارة للاقتصاد البريطاني، ولهذا تصرفت ألمانيا على هذا النحو.[25]

يؤكد بعض المتتبعون للشأن الأوربي بأنّ ألمانيا بقدراتها الاقتصادية والمالية الضخمة، هي من سيلعب دور القيادة leadershipالتي ستقود الاتحاد مستقبلا، وهذا الأمر واضح جدا لأنّ الواقع يؤكد بأنه في حال رفع الدعم الألماني للاتحاد سوف ينهار حتما، ولذلك فليس من الغريب أن تهيمن ألمانيا وتفرض سياستها على كامل أوربا، خاصة في قضية الهجرة ودعم الاقتصاد اليوناني وغيرها من القضايا التي لا يستسيغها البعض ولا يطيقها البعض الاخر لتكلفتها الكبيرة. إذنفإنّ هناك إجماعا كبيرا بشأن زعامة ألمانيا مستقبلا للاتحاد الأوربي خاصة من الناحية الاقتصادية، أما فرنسا فسوف تلعب دور الحليف الذي مازال يحتاج الى المزيد من الخبرة والتجربة التقنية والاقتصاديةالتي تتمتع بهما ألمانيا في سبيل تطوير اقتصاداتها وفي شتى المجالات، وهو نفس الرأي الذي دعا إليه الرئيس الفرنسي الجديد إمانويل ماكرون في أول لقاء له بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

     إذن بهذه الصفة ستقوم ألمانيا وفرنسا وحلفائها من الاتحاد بسحب جميع استثماراتهم ومشاريعهم الاقتصادية من بريطانيا وإعادة توزيعها على باقي دول الاتحاد وفقا لدفتر شروط ملائم لكل مجال، وكما هو معلوم فإنّ هذا الإجراء هو في صالح دول الاتحاد الأخرى، لأنّ الاستثمار في بريطانيا مُكلف جدا مما سيقلل من فاتورة التكلفة في حال نقلها إلى دول أوربا الوسطى؛ كالنمسا والمجر وتشيك وبلغاريا ورومانيا وغيرها، طبعا بهذا الإجراء ستربح ألمانيا أكثر مما كان عليه الحال في بريطانيا، ومعروف أنّ أجر العامل البريطاني مرتفع جدا مقارنة بنظرائه الأوربيين وهو أمر بديهي.

سابعا: موقف روسيا من عملية البريكسيت وسيناريوهات التعامل مع الوضع الجديد

معروف تاريخيا أنّ سياسة روسيا اتجاه الغرب كانت في الغالب متوترة، خاصة العداء الشديد بينها وبين بولندا والسويد وكذلك الإمبراطورية العثمانية، وذلك لعدة أسباب سياسية واقتصادية وكذلك دينية،كلها أمور برزت في سياسة روسيا اتجاه هذه المنطقة الحساسة من العالم، ولذلك فقد كانت هذه الدول في الحقيقة طوقا عازلا لروسيا عن باقي دول أوربا الغربية إلى غاية مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية أين تغير الوضع لصالح روسيا.[26]

ولما كانت السويد أكبر خطر داهم على روسيا فقد تحالف الروس مع الألمان ( بروسيا )، وهزموا كل من بولندا والسويد وقضوا على نفوذهما، وبهذا أصبحت روسيا القيصرية قوة لا يستهان بها في المنطقة. هذا الأمر كذلك جعل بروسيا الألمانية تخشى من القوة الروسية،فبدأت ألمانيا بعمل مخطط محكم لإضعافها اقتصاديا، فاضطر الروس الى التحالف مع كل من فرنسا وبريطانيا على التواليفي 1893 و 1907، في إطار تبادل المصالح ولتقويض النفوذ الألماني المتزايد خاصة بعدما نجح ملك بروسيا بسمارك في توحيد ولايات ألمانيا التي كانت مقسمة ومتنافرة، ولهذا فقد زاد طمعه في احتلال المزيد من الأراضي في القارة الأوربية وفقا لنظرية المجال الحيوي التي انتشرت في تلك المرحلة.[27]

      إذن فمنذ زمن بعيد وعين روسيا على سياسات أوربا والاتحاد الأوربي، و عندما اندلعت الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، استطاعت روسيا أن تفرض مخططا لتقسيم أوربا بينها وبين دول الغرب بقيادة أمريكا، و على هذا الأساس فإنّ روسيا ستكون أكبر المستفيدين من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، إذا تم توظيف ورقة القومية والأعراق وإضفاء النزعة القطرية لدى أعضاء الاتحاد الباقين، والسيناريو الأكثر صعوبةعلى الغربلو انتشرت بذور الخلاف بين الأوربيين على من يتولى الزعامة خاصة بين فرنسا وألمانيا، مما قد يعني سهولة عودة وإحياء خلافات الماضي، التي ستسهل المهمة أمام الدب الروسي ليستقطب من جديد دول أوربا الشرقية، وليس بالضرورة على نفس النهج الشيوعي الماضي ( سيناريو دول الستار الحديدي )، بل وفق متطلبات استراتيجية معاصرة.

    لقد قال آخر رؤساء الاتحاد السوفياتي: غورباتشوف: [28]” أنه من حق الشعب أن يختار الرأسمالية أو الاشتراكية، وهو سيد هذا الحق، ولا يمكن للشعوب، بل لا ينبغي لها أن تتبع لا مشيئة الولايات المتحدة ولا مشيئة الاتحاد السوفياتي.”ولقد اتضح من هذا المقال الذي جاء على لسان غورباتشوف أنّه مجرد تصريح إعلامي للاستهلاك، وأنّ الحقيقة غير ذلك تماما فالحرب الباردة صحيح انتهت، ولكن الحرب الأيديولوجية لم تنتهي، والحقيقة الأكيدة أنّ التطور التاريخي للعلاقات بين الدول والواقعية السياسية تفرض على كل نظام في العالم أن يتكيف ويدافع عن طروحاته ولو بتغير المواقف، ولذلك تسمى السياسة الجديدة التي تتبعها روسيا وريثة الاتحاد السوفياتي بـ : التفكير السياسي الجديد القائم على الانفتاح على العالم الخارجي.

    لكن العلاقات الدولية تؤكد بأنّ روسيا اليوم عاجزة على لعب مثل هذا الدور، نظرا للأزمات الاقتصادية والحدودية التي تعاني منها، وبالتالي فالدور الروسي لن يكون بهذا الشكل الذي تتوقعه بعض العناصر المبالغة في تضخيمها، ولا يجب أن ننسى أن هناك أقطابا عالمية جديدة توصف أيضا بالعملاقة قد فرضت منطقها النووي والاقتصادي على العالم كالصين والهند ودول النمور الآسيوية، و أيضا كوريا الشمالية وإيران، والأكثر من هذا وذاك أنّ أمريكا لن تقف مكتوفة اليدين، متخذةً وضع المتفرج على ما ستفعله روسيا، بل ستكون أول المعارضين لأي دور روسي في المنطقة وهو ما يظهر من التحركات المتتالية للحلف الأطلسي على جبهة أوربا الشرقية خاصة بعد اندلاع أزمة جزيرة القرم، وكذلك من خلال تأزم العلاقة بينهما بخصوص ما يجري في العراق وسوريا وحتى بخصوص ازمة الخليج بين الرباعي العربي وقطر بعد زيارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب للسعوديةفي ربيع 2017.

ثامنا: موقف الولايات المتحدة من الاتحاد الأوربي دون بريطانيا وسيناريوهات المواجهة

تعتبر تجربة الحرب العالمية الثانية وكذلك الحرب الباردة خير مثالين على عدم رغبة أمريكا في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، وذلك تخوفا من ثلاثة سيناريوهات أساسية يمكن تصورهما:

السيناريو الأول:

 الخشية من انفصال باقي أعضاء الاتحاد الأوربي تباعا، وعودة سياسة التحالفات التي كانت في أيام الحرب الباردة وهو طبعا ما تخشى أمريكا حدوثه، بل ستكون أمريكا مستعدة لدفع كل التكاليف وتغطية كامل الخسائر في مقابل عدم عودة الحرب الباردة، التي ستكون نتائجها حتما جد مكلفة، ولذلك فمن المحتمل عند بداية المفاوضات بين بريطانيا ودول الاتحاد أن تكون أمريكا لاعبا أساسيا فاعلا فيها، أو على الأقل سوف تعمل على توجيهها الوجهة التي تخدم مصالحها ومصالح حلفائها.

السيناريو الثاني:

التخوف من سيطرة ألمانيا على دول الاتحاد وجميع سياساته، وبالتالي عودة قوة وهيبة ألمانيا تدريجيا، واحتمال ظهور سياسة المجال الحيوي التي هي ثقافة وفلسفة ألمانية بحتة منذ عهد نيتشه و فيخته وصولا إلى هتلر، مما قد يعني عودة الحروب الأوربية ـ الأوربية من جديد.وفي حال رفض بريطانيا لكل للتوجيهات الأمريكية سوف تقوم أمريكا بعزل بريطانيا عن دول الاتحاد، وفي مقابل هذا سوف تدعم الاقتصاد الاتحادي لأوربا وتعطيه دفعة تنموية قوية ليتخلص من مختلف المشاكل والأزمات التي كانت تعترضه، أو بمعنى آخر سوف تلعب أمريكا دور بريطانيا التقليدي مما يعني تقويض النفوذ البريطاني في كامل القارة العجوز.

السيناريو الثالث

الخشية الأمريكوـ أوربية من تقرب روسيا من بعض دول الاتحاد خاصة ( دول شرق أوربا) وزرع ثقافة القطرية وإحياء سياسات القومية، التي قد تؤدي إلى إعادة ترتيب خارطة البيت الأوربي بشكل جديد، مغاير لكل التوقعات الغربية، خاصة وأنّ بعض الظروف قد توفرت، ومعلوم انّ الصراع يحرك العلاقات الدولية ويصنع أوضاعا جديدة كما تصوره نظرية القوة في العلاقات الدولية، كما أنّ قضية ضعف العملات المحلية في مقابل العملة الأوربية الموحدة اليورو، و أنّ الكثير من الدول والشعوب في أوربا صارت غير موافقة على السياسة المالية والنقدية في أوربا.ولهذا فمن مصلحة أمريكا أن لا تخرج بريطانيا من الاتحاد، وحتى وفي حال خروجها وانفصالها نهائيا، سوف تقوم أمريكا بإعادة مختلف التعاملات بين بريطانيا والاتحاد الأوربي كما كانت وأكثر، وربما قد تتحمل جزء كبيرا من التكاليف والمصاريف التي قد تهدد بعض دول الاتحاد الأوربي، وذلك بهدف الإبقاء على التكاتف الأوربي في مواجهة أي تهديد خاصة التهديد الذي تمثله روسيا، التي بدورها تبحث عن مصالحها، وهو أمر بديهي ومعروف في العلاقات الدولية.

     إذن مما تقدم فإنّ أمريكا كانت ومازالت ضد سياسة البريكسيتBrexit التي انتهجتها بريطانيا، حتى وغن لم تصرح بذلك بشكل رسمي، ولهذا فاسترتيجية أمريكا يحتمل أن تصنع وضعا جديدا في أوربا بين بريطانيا و باقي دول الاتحاد الأوربي، فحتى إذا لم تبقى بريطانيا كعضو كامل في الاتحاد، فإنها سوف تتخذ وضعا جديدا قريبا من وصف شراكة أو برنامج من البرامج الأمريكية للشراكة والتعاون، التي تقوم بها مع العديد من دول العالم، ( مثل برنامج الشراكة من أجل السلام PFP  الذي قدمه الحلف الأطلسي لدول أوربا الشرقية التي كانت أعضاء في حلف وارسو السوفياتي سابقا، وذلك بهدف إعادة تأهيلها في انتظار مرحلة قبولها كأعضاء كاملة العضوية ) ومن هذا المنطلق فليس غريبا أن نرى عودة بريطانيا مجددا إلى الاتحاد، أو كما أسلفنا سابقا عن طريق استفتاء كالذي ساهم في خروجها منه.

    إنّ هذا الواقع المحتمل قد تفرضه الديمقراطية كما قد تلغيه، والديمقراطية التي أخرجت بريطانيا من الاتحاد، هي التي قد تعيدها مرة أخرى، وبالتالي لا مكان للعواطف أو الحسابات الضيقة، وربما هذا ما لاحظه جميع المتتبعون في قضية البريكسيت وكيف أنّ حكومة جيمس كاميرون قد رحلت مباشرة بعد ظهور نتائج الاستفتاء، وباعتبار أمريكا منذ عهد الرئيس مونرو الذي أصدر في 2 ديسمبر 1823 وتصريحه الشهير الذي أعلن فيه أنّأي تدخل من طرف الأوربيون في القارة الأمريكية سوف تعتبره أمريكا عملا عدائيا سترد عليه بالقوة، وهو نفس ما ذهب إليه الرئيس الأمريكي روزفلت في تمجيد مبدأ مونرو حين أكد بأنّ مبدأ مونرو قد يضطر الو م أ الى لعب دور الشرطي في القارة الأمريكية، خاصة في ظل الأطماع الأوربية إزاء دول المنطقة المفككة كالنزاع الحدودي بين بريطانيا وفنزويلا، هذا النزاع الذي تدخلت فيه الولايات المتحدة وفرضت على بريطانيا القبول بها كحكم في النزاع، وفي الأخير ربحت فنزويلا ذلك النزاع بعد الضغط الامريكي على بريطانيا.[29]

     مما تقدم يجب أن نؤكد على أنّ الواقع الدولي وما يجري فيه من تفاعلات ليدل بكل وضوح على وجود قوة عالمية واحدة تسيطر على كل تلك التفاعلات، سواء السياسية أو الاقتصادية أو التجارية أو العسكرية …الخ، بحيث تقوم لوحدها بمراقبة جميع دول العالم، وخاصة المناطق التي تمثل مناطق نفوذ أو بؤر توتر محتملة، ولذلك فهي تمتلك من الإمكانيات ما يكفي و يزيد للعب هذا الدور ( البوليس العالمي )يقول أحد الباحثين الفرنسيين ( أنيا سبورامونيه ) مساندا هذا الطرح: ” على المستوى الجيو ـ سياسي تتمتع الولايات المتحدة الأمريكية بوضع موات لفرض الهيمنة، لم تشهده أي دولة من قبل… تعتبر القوة البحرية الأولى في العالم… تعتبر الدولة الوحيدة التي تملك أسطولا بحريا في كل المحيطات والبحار الرئيسية… “.[30]

     كما أنّ المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية قد أسست لنظرية براغماتيةقائمة على الإشراف والمراقبة لكل فواعل المجتمع الدولي، هذا الإجراء الذي يعتبر تاريخيا سببا أساسيا في قوة وكذلك في الحالات العكسية ضعف الدولة، ولعلنا بتصفح الأحداث التاريخية نجد أن معظم الحضارات في العالم قد ضعفت أو حتى زالت نتيجة عدم مراقبتها للدول الأخرى التي يحتمل أن تشكل خطرا عليها، سواء بعدم مواكبة التطورات التي قد ترجح ميزان القوة للدول الجديدة وخاصة المجاورة لها.[31] أو عن طريق الدخول في مرحلة البذخ والترف والخلود الى الراحة والدعة والسكون، دون الاهتمام بعناصر البقاء على أقوى حال، وهذه كلها أمور تحدث عنها العلامة ابن خلدون، وعند الوصول إلى تلك المرحلة التي ستكون حتما إيذانا بزوال الملك بعد انهيار البنيان الاجتماعي الداخلي للدولة، وتسرب الخوف إلى قلوب قادتها، وصعوبة استرجاع اوضاع القوة الماضية، والتمسك بالماديات لدى سكان الدولة جميعا حاكمين ومحكومين مما سيكون نذير انهيار حتمي لها.[32]

الخاتمة:

     في ختام هذه الدراسة نقول بأنه مهما قيل عن سياسة البريكسيتBrexitالتي انتهجتها بريطانيا منذ ما يقارب السنة مع دول الاتحاد الأوربي، إلاّ أنّه تبقى سياسة المصلحة العليا للدولة فوق كل اعتبار، وأنّ من المصالح الكبرى لأية دولة أن تعمل لصالح الإرادة الشعبية، وهو ما قامت به بريطانيا بطبيعة الحال تنفيذا لرغبة مواطنيها الذين قرروا الانفصال في الاستفتاء.

     كذلك مهما تكن الاحتمالات والسيناريوهات فيما يتعلق بقضية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، إلاّ أنّ الحكومة البريطانية لها من الخبرة والتجربة ما سيمكنها من الخروج من الاتحاد وبأقل خسائر ممكنة، بل وبأقصى قدر ممكن من الربح، و هو عكس ما كان يتصوره نظرائهم من دول الاتحاد الاوربي، لأنه وبمجرد إعلان رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي يوم 29 مارس 2017 بداية تفعيل المادة 50 من اتفاقية لشبونة، وقّعت بريطانيا مع دولة قطر في الخليج العربي اتفاقا تجاريا ثنائيابملايير الدولارات، وهو نفس ما حدث في الأزمة القطرية مع الرباعي العربي، ولهذا فالذكاء البريطاني سيستطيع أن يتكيّف ويتفاعل مع كل الظروف، وهو طبعا نفس الموقف بالنسبة لدول الاتحاد الأوربي الباقية التي لن تبكي على هذا الانفصال* بل سوف تعمل جاهدة على إكمال مسيرة الاتحاد ودفعه نحو الأفضلبل وأحسن مما كانت بريطانيا فيه، وهو الأمر الذي صرحت به كل من فرنسا وألمانيا عقب اتخاذ بريطانيا هذه الخطوة الانفرادية للخروج من المجموعة الأوربية.

     لكن رغم كل هذا التخوف من خروج بريطانيا من الاتحاد، إلاّ أنّ أمريكا وبصفتها حاملة مشعل الدفاع عن أوربا، سوف تبذل كل ما في وسعها لمنع أي ضرر قد يصيب الاتحاد الأوربي، وذلك لسبب بسيط لأنه يعتبر أفضل مضلة للوقوف أمام الأطماع الروسية التوسعية تاريخيا في المنطقة، ولهذا فالأمريكان سيستعملون أو بالأحرى سيبتكرون خططا استراتيجية مستقبلية لإعادة هندسة الخارطة السياسية والاقتصادية والعسكرية في كنف اتحاد أوربي دون بريطانيا وربما أقوى من ذي قبل.

 

_____________________________________

 

[1]ـ شوقي عطا الله الجمل و عبد الله عبد الرازق ابراهيم، تاريخ أوربا من النهضة حتى الحرب الباردة، ( القاهرة: المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، 2000 )، ص 304.

*قبل بداية إجراءات الاستفتاء كانت حكومة جيمس كاميرون الوزير الأول البريطاني سابقا تعتقد بأنّ الشعب البريطاني سوف يصوت لصالح البقاء في الاتحاد، ولكن عندما ظهرت نتائج الاستفتاء الشعبي الضخم، ولأنّ الديمقراطية والشفافية والأخلاق السياسية تجري في عروق الساسة البريطانيين فقد انسحب كاميرون وطاقمه من الحكومة فاسحين المجال أمام الذين فازوا بالاستحقاق وفي مقدمتهم رئيسة الوزراء الجديدة تيريزا ماي، لأنّ عدم ثقة الشعب البريطاني في الطرح الذي قدمه كاميرون اعتبره الأخير سحبا للثقة وفشلا في سياسته لإقناع الشعب البريطاني.

[2]ـ عبد الوهاب الكيالي، موسوعة السياسة، الجزء 1، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، د س ن،  ص ص 28 ـ 29.pdf

[3]ـ مارتين غريفيتش و تيري أوكالاهان، المفاهيم الأساسية في العلاقات الدولية، ترجمة مركز الخليج، الإمارات العربية ، ط 1، 2008، صص 30 ـ 31.pdf

* هناك إشكال كبير في قواعد اللعبة الديمقراطية، خاصة ما تعلق بالنسبة التي تحدد الفائز من الخاسر، لأنّ غالبا ما يكون الفارق بضعة أصوات أو حتى بفارق 1 بالمائة ثم يقول الفائز بالانتخابات أنا رئيس كل الذين انتخبوا وفي الواقع عندما ندقق في الأرقام نجد بأنّ 49 بالمائة هم ضده ولم يصوتوا عليه ولا على سياساته، في حين 51 بالمائة فقط هم الذين صوتوا عليه، ولذلك الأحسن أن يطلق على هذا النظام أو على الأقل هذه النسب؛ 51 بالمائة في مقابل 49 بالمائة ، النظام التنافسي وهو الأنسب، لأنّ الديمقراطية في تعريفها تعني حكم الشعب، ولكن النتائج تقول أنّ 49 بالمائة لم يصوتوا لصالح هذا الفائز .

[4]ـ مها صالح، ماذا بعد صدمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، حصة كوادريغا، يوم 01 جويلية 2016 على قناة D W الساعة 14.30 بتوقيت غرينيتش، 15.30 بتوقيت الجزائر.

[5]ـ إسماعيل عبد الفتاح عبد الكافي، معجم مصطلحات عصر العولمة، موقع الكتروني كتب عربية، د س ن ، د ب ن، ص 46.pdf

[6]ـ صالح جواد الكاظم و على غالب العاني، الأنظمة السياسية، بغداد: جامعة بغداد كلية القانون،  1990ـ 1991 صص 34 ـ 35.pdf

[7]ـ أحمد ياسين، قناة فرانس  France 24 يوم المشاهدة: 29 مارس 2017 الساعة 15. 15 بتوقيت لندن.

[8]ـ حصة كوادريغا السالفة الذكر، من قناة DWالألمانية الناطقة بالعربية.

[9]ـ عشر سنوات بعد انطلاق العملة الأوروبية “اليورو” أنظر موقع انترنت: http//www.france24.com/ar/20111226- يوم 7 أوت 2017

*تنص القفرة الخامسة من المادة 50 من اتفاقية لشبونة على أنه يمكن عودة الدولة التي قررت الخروج من الاتحاد الاوروبي الى عضوية الاتحاد، أنظر موقع انترنت: http://www.bbc.com/arabic/world-39328654تاريخ التصفح/ يوم 7 أوت 2017 .

[10]ـ حافظ علوان حمادي الديلمي، النظم السياسية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية، ط1، دار وائل للطباعة والنشر، عمان، 2001، ص ص 49 ـ 50.pdf

[11]ـ اسماعيل سراج الدين واخرين، أسس التحديث والتنمية العربية في زمن العولمة، ط1، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2009، ص 206.

[12]ـ  سميح عبد الفتاح، انهيار الإمبراطورية السوفياتية، ط1، ( عمان: دار الشروق للنشر والتوزيع، 1996)،  ص ص 218 ـ 219.pdf

[13]ـ قناة فرانس 24، الاخبار،تاريخ المشاهدة : يوم 28 مارس 2017 الساعة 12.30 بتوقيت الجزائر.

[14]ـ قال النائب البرلماني البريطاني جورج غالاوي أنّ كل ما يهم الغرب هو عدم توحد العرب وعدم اتفاقهم على كلمة واحدة، ولهذا فإنّ كثرة المفرقات سوف تحول دون إتمام مشروع الوحدة، وهذا ما يعني تدفقا كبيرا للنفط على الغرب وبأسعار منخفضة، ويضيف غالاوي بأنّ الاتحاد الأوربي يتحدث شعوبه 150 لغة عكس العالم العربي يتحدث لغة واحدة وهي في ذات الوقت لغة دينهم القرآن الكريم، كل هذه المميزات حقا لتبعث على الخيبة حينما لا تجد لها تطبيقا على أرض الواقع. أنظر الرابط علىاليوتوب: https://www.youtube.com/watch?v=VKL7X71uTV0

[15]ـ قناة المنار، موغيريني : خلاف في الاتحاد الأوروبي حول تمويل عملية محتملة لقوات الرد السريع، موقع انترنت: http://manartv.net/2080307

[16]ـقناة فرانس 24 الاخبار بالعربية، يوم المشاهدة: 31 مارس 2017 الساعة 15.00 بتوقيت الجزائر.

[17]ـ حصة كوادريغا السالفة الذكر.

[18]ـ  قناة فرانس 24، الاخبار، يوم المشاهدة: 29 مارس 2017، الساعة 15.00 بتوقيت لندن.

[19]ـ  قناة BBC بالعربية ، الاخبار، يوم المشاهدة:28 مارس 2017 الساعة 12.00 بتوقيت الجزائر.

[20]ـ قناةBBC بالعربية، الأخبار، يوم المشاهدة: 29 مارس 2017 الساعة 8.00 بتوقيت الجزائر.

[21]ـ قناة بي بي سي بالعربية، موقع انترنت: http://www.bbc.com/arabic/world-39328654تاريخ التصفح 7 أوت 2017

[22]ـ قناة فرانس 24، الأخبار بالعربية، يوم المشاهدة: 29 مارس 2017، الساعة 14.00 بتوقيت غرينتش.

[23]ـ قناة فرانس 24 الأخبار بالعربية، يوم المشاهدة: 31 مارس 2017 الساعة 15.00 بتوقيت الجزائر.

[24]ـ حصة كوادريغا السالفة الذكر.

[25]ـ عبد الوهاب الكيالي، موسوعة السياسة، الجزء 5، الدارالعربية للدراسات والنشر، بيروت، ص 506.pdf

[26]ـ عبد العزيز سليمان نوار و محمود محمد جمال الدين، التاريخ الأوربي الحديث من عصر النهضة حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، القاهرة: دار الفكر العربي، 1999، صص227 ـ 229.pdf

[27]ـ شوقي عطا الله الجمل و عبد الله عبد الرازق ابراهيم، مرجع سابق،صص 224 ـ 226.

[28]ـ سميح عبد الفتاح، انهيار الإمبراطورية السوفياتية، ط1، عمان: دار الشروق للنشر والتوزيع، 1996، صص 109 ـ 112.Pdf

[29]ـ عبد العظيم رمضان، تاريخ أوربا والعالم الحديث، من ظهور البورجوازية الأوربية الى الحرب الباردة، ج2، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، د س ن،  ص ص 159 ـ 160.pdf

[30]ـ عبد الفتاح مراد، العولمة والتنظيم الدولي المعاصر، الإسكندرية: دار الكتب والوثائق المصرية، د س ن، ص ص58 ـ 59 . pdf

[31]ـ مبروك غضبان، محاضرات في مدخل للعلاقات الدولية،جامعة باتنة الجزائر، ألقيت على طلبة اللسانس والماجستير، قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية، 2000 ـ 2001.

[32]ـ عبد الرحمان ابن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، ط1،  بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ، 2004،  ص ص 181 ـ 182.

*قامت إيطاليا بعقد صفقة بقيمة 5 مليار دولار وذلك عبر بيع 7 قطع بحرية ، المصدر قناة فرانس 24 شريط الاخبار يومي:4 و 5 أوت 2017.


Updated: 2017-12-17 — 18:18

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme