الإيجاز من التّرف البلاغيّ إلى الانتحار الدّلاليّ : قراءة في تغيّر مراسم التقبّل / يوسف رحايمي


 

الإيجاز من التّرف البلاغيّ إلى الانتحار الدّلاليّ : قراءة في تغيّر مراسم التقبّل

أ.يوسف رحايمي ـ جامعة تونس، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس

 مقال نشر في  مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية العدد 40 الصفحة 69.

    الملخّص:

يسعى هذا المقال إلى تعقّب ظاهرة الإيجاز في الثّقافة العربيّة بدءاً من حضورها في عُرْفِ التّفكير البلاغيّ القديم وصولاً إلى تمظهراتها الحادثة في عصرنا هذا، ويركّز بالأساس على مراسم تقبّلها التي شهدت تحولاً عميقًا في بنية التّفكير نتيجة لما تحقّق من تطور علمي أحدث ثورة في المفاهيم والأفكار، اقتضت من الباحث اليوم أن يفككّ أسسها ويستثمرها في قراءة جملة من القضايا، ولعلّ أهمها قضية “الإيجاز في اللّغة” التي تستدعي النّظر ولاسيما في مضمونها الدّلالي الذي نرى فيه “انتحاراً لغويًّا” في يومنا هذا (عصر المكتوب الرقمي) خلافاً لما شهده من عمق في المعنى في بدايات التّأسيس الأوّل (البلاغة العربية).

الكلمات المفاتيح:

         الإيجاز- مراسم التقبّل- الشفاهية- الترف البلاغيّ- الانتحار الدّلاليّ- المكتوب الرقميّ-بلاغة الإشهار

 

توطئة:

يظفر المتتبّع لأقدم الإشارات في تاريخ الإبداعات البشرية الدّالة على الاهتمام بفنّ الكلام وضروبه، والمستقصي للحوادث العابرة الدّائرة في هذا الإطار بلحظات بارقة تدلّ على قِدم الانشغال بمبحث الإيجاز وأصالته في الفكر البشري سواء كان ذلك مع البدايات الضّاربة في تاريخ الثقافات من مثل الثقافة اليونانية أو في تاريخ الثقافة العربيّة وعلومها ولاسيما في توجّهها البلاغيّ.

ويعدّ الإيجاز طريقاً من طُرق القول البليغ يركبه المتكلّم لدواع وأسباب عدّة ترتبط أحيانا بالبعد الجمالي في الخطاب، وتكون أحيانا أخرى شديدة الصلة بطبيعة الثقافة وما يحيط بها من ملابسات تاريخية وثقافية، ونزعم من خلال هذا المقال أنّ الإيجاز باعتباره طريقاً في القول قد مرّ بتحولات عميقة شكلاً ومضمونًا، وهي تحولات ارتبطت في أساسها بالمرجعيّة المعرفيّة التي تحرّكها بحيث نراه اليوم ضرباً من الانتحار الدّلاليّ الفقير من حيث المعنى بعدما كان يعيش ترفًا بلاغيًّا وصل إلى حدّ للبلاغة، وبه تقوم وعلى أساسه يُضبط بليغ القول، وقد حفّزنا إلى فتح أبواب هذا الموضوع المعقّد في وجه منه، بعض من مظاهر الإيجاز في القول في حياتنا اليومية شفوياً كان أو مكتوبا، لاسيما ما نلتمسه اليوم في المكتوب الرقميّ من مثل مواقع التّواصل الاجتماعي التي تعتمد القول المُوجز أساسًا في بناء خطابها.

  1. في تاريخية الإيجاز وارتباط بليغ القول به.

إنّ الدّارس للغة العرب يقف -بدون عناء- على أنّها لغة إيجاز بامتياز، فلم يعدْ من شكّ أنّ بليغ الكلام “ما قلّ ودلّ” وأنّ الكلمة الواحدة قد تختزل الكثير وتحمل في طياتها مضموناً يشدّ خيال المرء عند سماعها وتقحمه مجال التّأويل، وعليه فإنّ الإيجاز دليل على قدرة بلاغية عالية ارتأينا في هذا المقال أن ننعتها “بالتّرف البلاغيّ”[1].

وإذا ما اقتفينا آثار هذه اللّغة منذ بدايات عهدها في العصر الجاهلي مرورا بصدر الإسلام نجد أنّ أهلها شديدو الحرص على الإيجاز في لغتهم، وقد كانوا يعمدون إلى حذف الحرف والكلمة والجملة إذا ما وجدوا أنّ المعنى قام بدونها، ويقتصرون على الإشارة والتّلميح، وهذا ما نلمسه في أمثالهم السائرة وخطبهم المتقطّعة إلى فواصل كثيرة.

وقد حظي الإيجاز تدريجيا باهتمام من أهل البلاغة، فالمتصفّح لمتون البلاغة العربيّة تعترضه كثافة التّعريفات التي خصّ بها البلاغيّون العرب البلاغة، والملاحظ في كل ذلك أنّ هذه التعريفات التي ارتبطت بالقول البليغ كانت تتسم بتحوّل من علم إلى آخر، فلا ريب أنّ البلاغة العربيّة قد مرت بتحولات تاريخية أثّرت كبير الأثر في وضع حدّ لها.

وإذا ما عدنا إلى تفحّص تفاصيل الدّرس البلاغيّ، وبالاعتماد على مؤشرات محدّدة سنتبيّن هذا التطوّر أو التقدّم لاسيما في مستوى المصطلحات المضبوطة والمفاهيم الحافة، وباعتبار أنّ النّشاط البلاغيّ في فترته الأولى كان مشتتاً وغير متآلف فإنّنا سنقف على مؤلف الجاحظ “البيان والتبيين” الذي يعدّ بمثابة النّص المؤسّس للقضايا البلاغيّة، ومن ثمّ سنحاول التّطرق لبعض من البلاغيّين ورؤيتهم لقضايا الإيجاز في القول، وهي خطية زمنية نتقيد بها للوقوف عند تاريخية هذا المبحث وتوافق طرحه مع طبيعة الثقافة آنذاك.

من هذا المنطلق يعتبر تفكيك رؤية الجاحظ للقول البلاغيّ نقطة انطلاق لمباشرة قضايا الإيجاز، فالجاحظ ومن خلال مصنفه “البيان والتبيين” قد حشذ لنا جملة من تعريفات سابقيه من نحويين ومتكلمين، ونقف في هذا الصدد على ما يهم عملنا هذا، وهو تعريف الجاحظ للبلاغة بكونها إيجازًا و اختصارًا في القول.

بدءاً نُلفت النّظر إلى حدّ الإيجاز لغة واصطلاحا حتى نستطيع بناء صورة عامة عنه تمكّننا من تعقّبه عند البلاغيّين العرب وتبين خلفياتهم في بناء تعريفاتهم، فقد جاء في لسان العرب لابن منظور أنّ الإيجاز لغة: « وَجُزَ الكَلاَمُ وجازةً و وجزًا و أوْجَزَ: قلَّ في البلاغة أوجَزَهُ: اختصره، قال ابن سيدة: بين الإيجاز والاختصار فرق منطقي ليس هذا موضعه»[2]، أما اصطلاحا فهو: « أداء المقصود من الكلام بأقل من عبارات متعارف الأوساط»[3].

وتعود الإرهاصات الأولى لظاهرة الإيجاز إلى حديث الجاحظ في كتابه”البيان والتبيين”عن أخبار تعكس حدّ البلاغة بكونها الموجز من القول، من بين ذلك هذا الحديث، يقول: « قال معاوية: ما تعدّون البلاغة فيكم؟ قال: الإيجاز، قال له معاوية: وما الإيجاز؟ قال صحار: أن تجيب فلا تبطئ، وتقول فلا تخطئ، فقال له معاوية: أو كذلك تقول يا صحار؟ قال صحار: أقلني يا أمير المؤمنين، ألا تبطئ ولا تخطئ»[4]، وللجاحظ إشارات واضحة تترجم اعتبار البلاغة هي الإيجاز في القول يقول: «(…) حدثني صديق لي قال: قلت للعتابي: ما البلاغة؟ قال: كل من أفهمك حاجته من غير إعادة ولا حسبة ولا استعانة فهو بليغ…»[5]، ومنها أيضا ما أورده من قول الأعرابي: « قال لي المفضّل بن محمّد الضبيّ: قلت لأعرابي منّا: ما البلاغة؟ قال لي الإيجاز في غير عجز والإطناب في غير خطل»[6].

وفي ضوء هذا يتبيّن لنا أنّ الجاحظ وهو يتحسّس حداً واضحاً دقيقا للبلاغة لم يخرج عن تأثيرات ظاهرة الشفاهية في تلك الفترة وما وافقها من وجوب صرْف النّظر إلى اللّفظ والعناية به أكثر من اهتمامه في علاقته بالمعنى وأبعاد ذلك، ولعلنا ها هنا نلتمس ظلال الدّرس النّحويّ الذي على ما يبدو لا يزالُ ملتبساً بقضايا الدّرس البلاغيّ مما جعل محتوى هذه التّعريفات فيها ما خرج عن حيز النص وتعلّق بمسائل هي نوعا ما أبعد عن المشاغل البلاغيّة الصِّرْفة، وتدور في مجملها حول الإفهام والفهم والبيان والإفصاح والإبلاغ بما هو إيصال مقصد، فلا نجده في الأعم الأغلب يُشير إلى خصائص النّص إنمّا يُلحّ على أن يتوفّر بين طرفي الخطاب تناسب وتوافق يسمح بتحقيق التّواصل بينهما، وذلك كأن يكون المتكلّم قادراً على الإبلاغ والسامع مهيأ للامتثال لما يُقال له. وإنْ عاينّا الظاهرة من وجهة نظر لسانية حديثة -وإن شئت قلْ تداولية- فإنّنا واجدون الجاحظ في صُلْب قراءة من نوع تحليل الخطاب تهتم بطرفي الخطاب من باثٍّ و متقبّل ويسير تحت ظلال مقولة “لكل مقام مقال”.

وفي هذا الإطار الذي ننزل فيه الجاحظ ضمن مقاربة القول الشفوي تقول الأستاذة نور الهدى باديس    :« إنّ في حرص الجاحظ على تقديم تعريفات يعلي جلّها من قيمة الإيجاز وحسن وقع الكلام في الآذان لأكبر دليل على أن هذه الشروط هي شروط كل كلام شفوي يخضع لقواعد معينة ولأغراض مقصودة»[7]، ومن المولعين بالإيجاز الذين ذكرهم الجاحظ جعفر بن يحي الذي كان يقول لكتّابه: « إن استطعتم أن يكون كلامكم كله مثل التوقيع فافعلوا»[8].

ولعل إشادتنا بالجاحظ في هذا المستوى دليل على قيمة هذا الرجل الذي مجّدته جُلّ الكتب البلاغيّة فهو بحكم موقعه والفترة التاريخيّة التي جاء فيها كان مسكوناً بهاجس المشافهة توّاقا لعوالم الكتابة، ولهذا كانت تعريفاته للبلاغة مرتبطة بالطّابع الشفويّ القولي، تقول باديس: « ولهذا بدا لنا الجاحظ في مؤلفاته مترددا بين الموقفين أحيانا، تتجاذبه غالبا نوازع الشفوي باعتباره ممثلاً أساسيا لمرحلته ولأوج ذيوعه وطغيانه وأحيانا أخرى يبدو واعيا بالمرحلة الجديدة التي تقتضي الانتقال إلى ثقافة الكتاب ودورها في تخليد ما تعجز عنه الذاكرة»[9].

ولم يكنْ الجاحظ منفردا في إيراد قيمة الإيجاز وارتباط حدّ البلاغة به وإنّما كان رائدًا في لفت النّظر لهذا المفهوم، فنحن نجد لدى الرماني وابن المعتز والجرجاني و السكاكي إشارات إلى قيمة الإيجاز في البلاغة، واعتبارهم “البلاغة لمحة دالة” تقول الكثير بالقليل وترتكز على الإيحاء والتّلميح، فكل من نحا في هذا الاتجاه يؤكّد على التّقليل في اللفظ مع إشباع المعنى، فصاحب كتاب “نكت إعجاز القرآن”  يقول عن الإيجاز إنّه: « تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى، إذا كان المعنى يمكن أن يعبّر عنه بألفاظ كثيرة ويمكن أن يعبّر عنه بألفاظ قليلة، فالألفاظ القليلة إيجاز»[10]. وفي هذا الملمح اتجاه واضح نحو الإعلاء من قيمة المعنى وإعطائه حظوة خاصة، وهو كما أشرنا في عنوان مقالنا بمثابة “الترف البلاغيّ” –إنْ صحّ التوصيف- أي هو ترف في المعنى يشحذ كامل الحجج لإثبات المضمون في مقابل سطوة الشكل والصورة واللفظ التي تُوهم دائما بأنّها لبّ الكلام.

ولا يمكن أن نمرّ مرور الكرام في حديثنا عن ظاهرة الإيجاز دون التوقّف عند رؤية عبد القاهر الجرجاني، فهذا الأخير يُفرد باباً للإيجاز، والأهمّ في كل ذلك بالنسبة لصاحب دلائل الإعجاز أنّ الإيجاز في المعنى وليس كما يدّعي أصحاب اللفظ، حيث يرى أنّه لا جدوى من تقليل المعنى وتكثيره في مستوى بنية اللفظ والأصوات، « لأنّه لا معنى للإيجاز إلاّ أن يدلّ بالقليل من اللّفظ على الكثير من المعنى، وإذا لم تجعله وصفا للفظ من أجل معناه، أبطلت معناه، أعني أبطلت معنى الإيجاز»[11]. ومن هذا المنطلق فإنّ الجرجاني ينظر للمسألة من بعد يتجاوز حدود البعد الكمي الذي وُجِد عند البلاغيّين قبله، ويؤسّس لإيجاز المعنى، وفي هذا السياق رأت باديس أنّ الجرجاني قد « فضّ الإشكال فضّا نظريا وحسم التردّد بين الاعتبار الكمي والاعتبار المعنوي الاستدلالي بالإيجاز بإقراره أنه لا علاقة بين بلاغة الإيجاز وكم اللفظ وإنّما المسألة عنده ترتبط ارتباطا مباشرا بالقدرة على بناء نص مكثّف فيه وجوه من المعاني الكثيرة يصل إليها القارئ بوجوه الاستدلال والتأويل»[12]

صفوة القول فيما أوردناه في تتبعنا تاريخية الإيجاز هو أنّ النظرية البلاغيّة العربيّة منذ بدايات التّأسيس كما رأينا مع مصنف “البيان والتبيين” وصولاً لعبد القاهر الجرجاني أو فيما ترجمه فيما بعد السكاكي في مصنفه مفتاح العلوم، قد أعطت الإيجاز حظّا وافراً من القراءة، وقد رأينا أنّ الاهتمام به في البداية ارتبط بطبيعة ثقافة المشافهة في تلك الفترة ولاسيما فيما حدثنا عنه الجاحظ من أخبار، والحاصل أنّ هذا التّأسيس التاريخيّ والنّظريّ لبعد الإيجاز في القول ساعدنا كثيراً للتفطّن إلى جملة من القضايا، سنحاول التّطرق لها في ثنايا بحثنا هذا، خاصة فيما يتعلّق بحياتنا اليومية وبعض من نماذج الحديث الموجز الذي اجتاح مسارات قولنا وأصبح متحكمًا فيها وربما ذلك راجع إلى طبيعة الثقافة الجديدة المرتبطة بالعولمة وخطيتها السريعة.

لقد مكّننا الوقوف على تاريخية الإيجاز وارتباط حدّ البلاغة به من التماس اهتمام العرب به سواء كان ذلك على مستوى التّنظير أم في حدود ما هو معروف في حياتهم اليومية، وقد مثّلت هذه اللمحة التّاريخية بمثابة العودة إلى الإطار النّظريّ العامّ الذي تتحرك في إطاره هذه الظاهرة، وسنرى الآن كيف أنها شديدة الصّلة بطبيعة الثقافة ومرتبطة ارتباطا كبيرا بتغير مراسم التقبل.

  1. الإيجاز بين المشافهة والمكتوب.
    • الإيجاز والمقام الشفوي.

يمكننا أن نلتمس علاقة الإيجاز بالمقام الشفوي في كثير من المواضع، سنركز في هذا الإطار على مقام الخطب وما يتجلى أيضا في الأمثال والحكم، ويعود ذلك إلى طبيعة هذه المقامات التي تقتضي مُوجز القول وأقله جذبًا للمتلقي وتأثيرا فيه من ناحية، وإلى قدرة المتكلّم في ذلك السياق من ناحية أخرى، وهذا من الأهمية بمكان باعتباره يعكس لنا طبيعة الثّقافة العربيّة في القديم القائمة أساسا على المشافهة في القول، ويمكّننا في الإطار نفسه من رصْد التّحولات الحادثة لهذه الثقافة لاسيما ما نراه اليوم في “الثقافة السيميائية” -إنْ صحّ التوصيف- والمرتكزة بدرجة أولى على العلامة أو الصورة.

بالعودة إلى المناخ الثّقافيّ العربيّ وبالخصوص علم البلاغة نلحظ -وبدون عناء- اعتناء العرب بظاهرة الإيجاز المتجسّدة في الملفوظ الشفويّ ومقاماته، وهذا ليس بالأمر المخفي عند كلّ المهتمين بهذا المجال، فنشأة القول الموجز تحدّدت معالمها ضمن ثقافة المشافهة التي تعتمد بالأساس على النقل والأخبار والخطب أكثر مما هو موجود في الكتب ومدون في الصحف.

ترتب على ذلك، أنّ الخطب أكثر المقامات ملاءمة لنشأة هذه الظاهرة وأخصبها لنموها وتطورها، وقد رأينا كيف ركّز الجاحظ على هذا الجنس في تمرير فكرته عن الإيجاز، لاسيما في بحثه عن خصال الخطيب كالعيّ والحصر…إلخ، ويعود ارتباط هذه الأجناس بالشفويّ إلى أسباب عديدة منها أنّ مقام المشافهة لا يحتمل الإطناب، بحيث تكون اللمحة الدّالة هي طريق الإقناع، ولكنها لمحة مشحونة بالمعنى وليست مجرّد علامة تختزن فقراً دلاليًّا كما هو الحال اليوم مع التقنيات الحديثة.

تبعا لذلك، اقتضت مراسم الشفاهية مثل هذا النوع من الخطاب الدّال والموجز في الوقت نفسه، فلا المتكلّم يملُّ ولا الخيوط النّاظمة للفكرة تغيب، وهذا في الحقيقة جانب تداوليّ هام، يكون فيه المتكلّم مراعيا لحال مخاطبه حريصاً على شدّ انتباهه بغية تحقيق التّواصل النّاجح، ونشير في هذا السياق – وبدون ادعاء- أنّ المتكلّم قديما سواء كان خطيباً في مقام مشافهة أو كاتباً في مقام نص، يحمّل ذلك البعد البلاغيّ الجماليّ في الخطاب المشحون بالمعنى والمحقّق للتواصل الهادف، وهذا لا يجب أنْ يفهم منه بكونه انتصاراً للإيجاز البلاغيّ القديم على حساب الإيجاز اليوم، وإنّما هو نوع من التّشخيص لما حدث من تهشيم للمعنى نتيجة العولمة.

ويمكن أن نذهب بعيدا لمعاينة نماذج أخرى اقتضت الإيجاز في الخطاب الشفوي، من مثل الحكم والأمثال، فهذه الأشكال الوجيزة عادة ما تكون على صورة ألفاظ متخيّرة ومتناسقة موجزة ومختصرة إلاّ أنّها تختزن معاني عميقة ومؤثرة تتعلّق بحدث ما أو مناسبة، ولهذه الأشكال مقاماتها، فهي عادة ما ترتبط بالنصح، وقد وقع استعمال هذه النماذج في القرن الرّابع الهجري مع أبي حيان التوحيدي في مؤلفه “الإمتاع والمؤانسة” بحيث: « يكون فيها اللفظ مقتضبا والحرف محتملا محفوظا والمرمى لطيفا، والتلويح كافيا والإشارة مغنية والعبارة سائرة».[13]وقد أشار محمد العمري إلى قيمة المثل في عملية الإقناع واعتبره “دعامة كبرى من دعائم الخطابة”.[14]

ومن هذا المنطلق يشير أبو حيان في ثنايا تعريفه لها إلى أنّها أشكال قادرة على الإبلاغ لما فيها من إيحائية تُغني عن الإطالة والإسهاب وتؤسّس للقول الموجز الفاعل في ذات المتقبّل والمؤثر فيها، وتتقاطع الأمثال والحكم مع الإيجاز في قدرتها على أداء المعنى، وهو ليس معنى كما جاء واتفق، وإنّما هو بنية مؤثرة لها أسسها وآلياتها وتزخر بالمعنى الدّال برغم شحّ الشكل -إنْ صحّ التعبير- وهو شحُّ يعكس قدرة بلاغية من المتكلّم أو الناظم أو الباث في مقابل نباهة المخاطَب المؤول الذي يجد مسافة للقراءة عكس ما نراه اليوم في مراسم التّقبل الحديثة التي نزعم أنّها تعكس واقعا دلاليا رديئا، فهل ستتغير صورة الإيجاز في ظلّ مراسم جديدة للتقبل أم أنّنا أمام إيجاز مصطنع خاوٍ من الدّلالة؟

2.2.  الإيجاز وتغيّر مراسم التقبّل: في ظلّ الخطاب الإشهاري والمكتوب الرقمي.

يبدو لنا جليا من خلال مقاربتنا لظاهرة الإيجاز في المدونة البلاغيّة العربيّة القديمة في المكتوب منها والمنطوق أنّ هذه الظاهرة كانت تتغيّر بتغير مراسم التقبّل والمقامات التي تتنزل فيها، فلئن كانت حاضرة في المكتوب، وهو ما التمسناه من خلال التّعريفات التي وضعت للبلاغة استناداً إلى هذه الظاهرة بذهاب البعض إلى أنّ البلاغة كامنة في الإيجاز، وهو ما يعكس مركزية الإيجاز ميزة في الكلام البليغ الراقي ووسيلة للبلوغ بالعبارة درجات أرقى من التعبيرات البسيطة أو السمو بها عن الكتابة في الدّرجة الصفر -إنْ صحّ التعبير- فلئن كان ذلك فإنّها في المنطوق كانت أجلى و أوضح لما يقتضيه مقام المشافهة، ونقصد هنا على وجه التّحديد المقام الخطابيّ وذلك لما أسلفنا ذكره من وجوب مراعاة مقتضى حال السامع والمتكلّم على حدٍّ سواء بغية الحفاظ على سلامة النّص (الرسالة) ونيل المقاصد المرصودة سلفاً، وحتى يحصد السّامع (المتقبل) من الخطيب (الباث) إفادة.

ونتيجة لذلك، فإنّ التحوّل من مقام المكتوب إلى مقام الملفوظ لا يمسّ النّص في حدّ ذاته وبشكل مباشر بل نحن نتبينه من خلال تغيّر التّعامل مع هذا النص، وهذا التّعامل نفسه مما يمكّن من رصد لحظات التّحول في مراسم التقبّل، ومهما يكن من أمر فإنّ التحوّل الذي طرأ على هذه المراسم كان لا بدّ له من أن يؤثّر بشكل أو بآخر في أطراف الخطاب بدرجة أولى وفي عناصر الخطاب ككل في درجة ثانية، غير أنّ هذا التّأثير لم يكن ليقطع خيوط التّواصل بين المشافهة والمكتوب ولا أن يجعلهما مرحلتين منفصلتين متعاقبتين، وإنّما هما مرحلتان أو مظهران متداخلان متعايشان من الصعب على الباحث أن يضع لهما حدودا فاصلة مميزة.

هذا الوقوف على تغير مراسم التقبل مهمٌّ في معالجة قضية الإيجاز ومراحل تطوره، لاسيما وأنّه سيفتح لنا المجال لدراسته اليوم ضمن الخطاب الإشهاري والمكتوب الرقمي، ولا شكّ أنهما مقامان يتبنيان الخطاب الموجز ويعتبرانه أسًا من أسس الخطاب النّاجح.

2.2.أ . الإيجاز في الخطاب الإشهاري والنفاذ إلى غرائز المتلقي.

نقف الآن بعد ما تحصلنا عليه من نتائج بسيطة في تعقبنا لظاهرة الإيجاز في البلاغة العربية قديماً وعلاقتها بالمكتوب والمنطوق وتغيرها بتغير مراسم التقبّل، لنعاينها اليوم في ظلّ تغيّر المراسم وظهور وسائط رابطة بين الباثّ والمتقبّل التي ستؤثر حتماً على الرسالة مضموناً وشكلاً أكثر مما كان الأمر مع وساطة الكتاب أو الخطبة المباشرة.

وإذا كانت الرسالة قديماً مقصورة على شكلين: فإمّا أن تكون منطوقة أو مسموعة (شفوي/مكتوب)، فإنّها اليوم يكفي أن تظهر في شكل آخر مرئي فيتحول الخطاب بمقتضى هذا من اللّسانيّ (مكتوبا/منطوقا) إلى خطاب سيميائي القائم على الصورة وعلى جملة من الوسائط الأخرى.

ولعلنا نلاحظ حضور ظاهرة الإيجاز خاصة في كل من الخطاب الإشهاري القائم على الصورة والعبارات الموجزة لمقتضيات الغاية التي يحددها الباثّ (المروّج) مسبقا، ونجد هذه الظاهرة كذلك في المكتوب الرقمي مثل:book »   face » والمرتبطة أساسا بالحاجة إلى التّواصل السريع الذي يَنفذ مباشرة إلى ذهن المتلقي، والذي يتلاءم مع روح العصر القائم على السرعة في تبليغ المعلومة. ولا يعني هذا النوع من التّواصل – برغم نجاحه اليوم- أنّه إيجاز بليغ وإنّما نراه يهدّد صرح هذه اللغة وكيانها.

أما إذا نظرنا في الخطاب الإشهاري بغية استجلاء هذه الظاهرة، فإنّنا أولاً لا بدّ أن نسلّم أن الصورة الإشهارية هي في حدّ ذاتها رسالة تتضمن مقاصد وغايات متعددة، لعل أبرزها هو سرعة بلوغها للمتقبل وسهولة استيعابه لها “وهضمه” لمحتواها إنْ بوعي أو بغير وعي؛ ذلك لأنّ الإشهار يعدّ فعلاً لغويًّا يحترم شروط الخطاب من باثّ ورسالة ومتقبل.

ولمّا كانت للصورة هذه الأهمية في فهم الخطاب الإشهاري الموجز غالباً جاءت اللسانيات والسيميائيات لتهتم بالخطابات بصفة عامة، وتدرس الدّوال اللّغويّة والبصريّة بصفة خاصة، ومن أشهر من اعتنى بدراسة الصورة الإشهارية في الغرب على المستوى السيميائي هو رولان بارت الذي اهتم كثيراً ببلاغة الصورة وأولى عنايته بها.

وقد أقرت هذه الاتجاهات في مجملها بوجوب أن يكون الخطاب الإشهاري مقنعاً مخبراً ومفسراً بالإضافة إلى كونه موضحاً مبرزاً للحاجيات التي يمكن إرضاؤها في موضوع اقتناء البضائع كما يجب أن يكون في جميع هذا مكتسبًا لصفة الترميز والإلماح والإيحاء أو الاقتراح غير الإلزامي حتى ينفذ إلى غرائز المتقبل اللاواعي دون إدراكه وفهمه، ونستشف من كل ذلك أنّ روح الإيجاز كامنة في بلاغة الصورة والإشهار هذه، بحيث تكتنز كثيراً من الدّلالات، وتعبر بالقليل عن الكثير، وهذا ما يمسى بالوظيفة “التضمنية”عند جاكبسون التي تدور أساسا حول توجيه الخطاب إلى المتلقي بصورة تضمنية تخاطب ذكاءه أو عاطفته.

إذا كان ذلك كذلك يكون الإيجاز خير آلية لمخاطبة عاطفة المتقبّل من جهة أن غايات الخطاب نفعية ترويجية بالضرورة، ومن جهة أخرى مخاطبة ذكائه باعتبار أن صفتَي الإلماح والترميز ملازمتان لأسلوب الإيجاز تبلغان بالمتقبّل حدّ البحث وهو يحاول فكّ هذا الخطاب عن خصائص المنتوج المعروض عوض أن يكون المروّج هو السّاعي لنشر مميزات منتوجه، وهكذا تكون آلية الإيجاز في الخطاب الإشهاري على درجة من الفاعلية، حدّ قلب الأدوار بين الباثّ والمتقبل في إنشاء الرسالة فتنتقل من “باثّ” يعرض خصائص منتوجه عن طريق الكلام والمدح لإقناع المتلقي بقبولها إلى “باثّ” يكتفي بحثه على البحث في خصائص هذا المنتوج، إذ كلّ خفي أكثر جذباً للبحث عنه واكتشافه.

ووفق هذا الاعتبار تكون الرسالة الاشهارية متأرجحة بين التّصريح والإيحاء وتشغيل بلاغة اللّسان والصورة والتركيز على المقصدية الإقناعية والتّأثيرية فتصبح الرسالة الإشهارية الجيدة هي تلك التي توجز في ذاتها بلاغة غنية جيدة وتطرق بدقة، وبكلمة واحدة في الغالب، والخطير في بلاغة الصورة على إيجازها – وهذا ما يهمنا- أنّها تقوم بنوع من المباغتة للمتلقي بحيث لا يجد الوقت الكافي لقراءة الأشياء الممثلة أمامه باعتبار أنّ «دلالة الصورة أمر يأتي من الصورة ذاتها دونما استعانة بمعرفة سابقة يمكن أن يوفرها التسنين الثقافي»[15]، وقد أشار حميد الحمداني إلى قيمة الإيحاء في الصورة الإشهارية ودورها في «تخدير الانتباه العقلاني للمستهلك».[16]

وبالاعتماد على الصورة الإشهارية التي تعتمد بدورها جملة من الآليات، وهي الحذف والإيجاز والتوريد والتكتم، نلخص من كل هذا إذن إلى أنّ ظاهرة الإيجاز في الخطاب الإشهاري كانت وما تزال من أهم محدّدات نجاح هذا الخطاب على المستويين التّواصليّ اللّغويّ و المنفعي التّجاريّ، وبناء على هذا، فالإيجاز يتواصل كخطاب فاعل في الواقع اللّغويّ غير أنّه واقع جديد له آلياته وظروف نجاحه، وضمن هذا ننزّل تصورنا بكون الإيجاز قد شهد تحولات عميقة في صورته وصور تقبّله، وفي تقديرنا أنّ هذا التّحول جدير بالاهتمام لاسيما في قضية المعنى، بحيث يلحّ علينا تساؤل عميق: أنحن أمام إيجاز زاخر بالمعاني مُعبر عن اللمحة الدّالة كما قال صاحب البيان والتبيين، أم نحن أمام انتحار دلاليّ نرى فيه قوالب لغويّة جوفاء وإنْ أوهمتنا أنّها غير ذلك؟

نؤجل الإجابة عن هذه الأسئلة ونلفت النظر إلى نوع آخر من الإيجاز اليوم، وهو المكتوب الرقمي بحيث لا نجد فيه اختلافاً كبيراً باستثناء ما يدخل ضمن أسباب توظيف هذه الظاهرة وأشكال تمظهراتها إذ سنلاحظ انتقالاً من باثّ له غايات منفعية ومتقبّل يقع عليه فعل الإقناع، إلى علاقة تشاركية نوعاً ما، بحيث نجد الباثّ والمتقبل ينخرطان في دائرة تواصلية واحدة يكون الإيجاز فيها غاية كل منهما في الوقت نفسه.

2.2.ب. الإيجاز في المكتوب الرقمي وبداية تشكيل وعي جديد.

سنحاول في هذا العنصر أن نتعقب ظاهرة الإيجاز في المكتوب الرقميّ الذي يمثّل اليوم الحلقة الأقوى في التعبير والتواصل، بحيث يمثل حجر الأساس الذي تنظم وفقه خطابات البعض ومن خلاله تتحرك الأطر الذهنيّة وتنعكس فيه وجهات النّظر أكثر من أي خطاب آخر، ولما كانت فضاءات المكتوب الرقمي تتسع باتّساع شبكات التّواصل فإنّنا ارتأينا أنْ نشتغل على نموذج face book »  « ونشير منذ البداية إلى أنّ هذا المكتوب الرقمي إمّا أن يكون غربيا لفظا وكتابة وإمّا أن يكون اللّفظ عربيا خُطّ بحروف لاتينية، وقد دعانا لذلك اجتياح هذا النموذج التّواصليّ لمسارات حياتنا والواقع اللّغويّ منها بصفة خاصة، وإيذان ببداية تأسيس وعي جديد.

إنّ المتصفح لأغلب صفحات التّواصل الاجتماعيّ ولاسيما face book »   « يلاحظ -وبدون عناء- نزوع مستعمليه إلى الاختصار والإيجاز في الكتابة الذي يصل أحيانا إلى حدّ الغموض والإلغاز، ومن مظاهر ذلك:

  • توظيف المختصرات l’ abréviation »  » بكثافة كإلقاء التحايا أو ردّ السلام، وعادة ما يكون ذلك باستعمال تقنية الكتابة اللاتينية، بحيث تصبح Salut في عرف هؤلاء وتخاطبهم Slt، وتصبح  vous plait s’il في شكلها المختصر Svp، ولكَ أن تلاحظ تعبيرات الحمد والشكر كيف تغيرت وأصبحت مختصرة اختصاراً غريباً بحيث تمثل هذه الحروف الثلاثة HMD انعكاساً لحالة كاملة يختزلها الإنسان، والأمثلة في هذا السياق تطول.
  • مرحبا       salut                  Slt
  • من فضلك              s’il vous plait                  Svp
  • الحمد لله                         HMD

والملاحظ في هذه الاختصارات ضمن منظومة التقنية الرقمية في كامل تمظهراتها اليومية أنّها تحمل كثافة رمزية، وهي تقارب اليوم ما يسمى في البحث التّداوليّ بالفعل أو الإنشاء أي قدرة هذه التّعابير على تجسيد الشيء في لحظة التكلّم ذاتها، فعندما تقول الحمدلله بهذه الصيغة المختصرة HMD فأنت تعكس فعلاً لغويًّا يكتنز في داخله حالة بأكملها، ومن خلالها يفهم مخاطبك مقصدك دون عناء بعد أن احترمتما عقد التّوصل بينكما أو ما أطلق عليه غرايس “بمبدأ التّعاون” principe de coopération، وهو قانون مفاده: « لتكن مساهمتك في المحادثة موافقة لما يتطلبه منك في المرحلة التي تجري فيها ما تمّ ارتضاؤه من هدف أو جهة للمحاورة التي اشتركت فيها»[17].

وهذا في الحقيقة يترجم البعد التّداوليّ الذي يتجاوز مستوى البُنى إلى الغوص في العلاقات بين المتخاطبين، إلاّ أنّنا نشير إلى أنّ في هذا النوع من الإيجاز مخاطر كبيرة على اللغة باعتبار أنّ هذه الطريقة في الكتابة تهدّد عرش المعنى وتحول التّخاطب إلى نوع من الترميز والإيحاء المفرغ.

  • ومن المظاهر الأخرى التي تعكس سمة الإيجاز في المكتوب الرقمي هو توظيف الرموز والاختصارات وآليات التنقيط La ponctuation » « والاكتفاء مثلا بالتعليق بـــ ؟؟؟؟ أو بــــ !!!!! بحسب الرسالة الصادرة عن الباثّ والوظيفة المزاجية للمتقبل.

وقد تتسع مظاهر هذا الإيجاز في المكتوب الرقمي لعديد من التّشكلات التي يضيق المقام لذكرها كلّها واستجلائها جميعا، والمهمّ في كل ذلك أنّ الجامع بينها هو قدرتها على التّعبير بأقل ما يمكن فهي مشحونة بالترميز والإيحاء، والطّريف في قراءة هذه الظّاهرة أن قيمتها ما تزال حاضرة برغم تغيّر مراسم التقبّل والوسائط بين طرفي الخطاب (الباثّ/المتقبل)، ولذلك وجب النّظر في بعض أسباب هذه الظاهرة التي نراها قد انعكست سلباً على طبيعة الخطاب باعتبارها ساهمت في تفريغ المعنى من دلالته، وقد وصلت -في بعض الأحيان- إلى تمييع اللّغة والإضرار بها، فنحن بهذا نتّجه إلى “أفواه ملطخة” لا تجيد كلامًا، يقول حنا عبود في هذا السياق:«إنّ معسكر العولمة يعدّ العدة لقيام نظام من دون كلام».[18]

  1. هل يمكن الإقرار بانتحار الدّلالة مع الإيجاز اليوم؟

لا ندّعِ من خلال هذا التساؤل بأنّنا نمتلك إجابة واضحة حول انتحار الدّلالة مع الإيجاز في المكتوب الرقميّ، ولكن لدينا حدوس – وقد يخالفنا فيه البعض- بكون المكتوب الرقميّ، وإنْ كان طريقا من طرق القول الموجز الذي به نحقّق التّواصل بأدنى مجهود، فإنّنا نرى فيه تهشيماً للمعنى وانتحاراً للدّلالة، فليست الأساليب المختصرة التي تعرضنا إليه آنفاً صورة من صور الإيجاز الذي نعرفه، والذي به نحقق المعنى الكثير بألفاظ قليلة، وإنّما هي صورة من صور الفقر الدّلالي المعبّر في جوهره عن فشل التّواصل وسقوطه فيما يمكن أنْ نعبّر عنه بــ ” موت المعنى”.

ولكي لا يبقى كلامنا في مستوى التعميم المخلّ فإنّنا ارتأينا أن نتعقّب هذه الظاهرة في الأسباب والدواعي التي تحرّكها وتضمن لنا سلامة الطرح، وقد وجدنا أنّها دواع ذاتية ترتبط في وجه منها بطبائع مستخدمي مواقع التّواصل الاجتماعيّ، ومنها ما هو مرتبط بأسباب تقنية تواصلية حينا، ومنها ما هو من صلْب المنظومة المعرفيّة السائدة في ذلك الواقع.

تستوقفنا على سبيل الذكر لا الحصر بديهية أصبحت في يومنا هذا مسلّمة، مفادها أنّ الناس قلّما يقرؤون المحتوى المكتوب في التّواصل الاجتماعي، وحديثنا هنا يقصد القراءة المتأنية التي تتوقّف عند دلالات النص وتنفذ إلى عمقه ومقصوده، تبعا لهذا، تكون هذه المسلّمة دليلاً على نوع من المزاجية في مباشرة “معنى الشيء” برغم أنّ المكتوب الرقمي يقدّم لنا مادة جاهزة تتسم بالإيجاز ولكنّه إيجاز مخلّ.

وإذا صحّ هذا، فإنّنا أمام خطاب يُوهم بأنّه دالّ ومكتنز بالمعنى في حين نكون أمام منتوج لغويّ مفتقر للمعنى، وممّا يدعم كلامنا في هذا السياق ما أثبتته الدّراسات العلميّة الحديثة من كون العين البشرية وهي تنتقل بين أرجاء الصفحة الرقميّة تتوخى مبدأ المسح والالتقاط، فهي تمسح النصوص بحركات سريعة شبيهة بالقفز على الأسطر والفقرات، وعلى هذا الأساس فهي تنخرط في صلْب الإيجاز في القراءة دون أنْ تكون فاعلة في إعادة إنتاج النص من خلال التّأويل، وهذا في اعتقادنا وجه من وجوه الانتحار الدّلاليّ الذي صدّرنا به عنوان ورقتنا.

إنّ سلوكاً هكذا لا يمكن وصفه إلاّ بالاستعجال، نعم إنّ متصفّح الانترنت اليوم وهو في رحلة البحث عن المعنى ودلالة الأشياء ليس إلاّ كائناً نافذ الصبر لا يملك القدرة على فكّ رموز الخطاب الرقميّ، مما يجعله يتبنى آلياته كما هي، وهي آليات قائمة على سجن المعنى في قوالب جاهزة يخيّل للقارئ أنّها تؤدي وظيفة الإبلاغ في حين هي مجرّد انعكاس لواقع مادي يتّسم بالسرعة ولا يأبه لقيم العبارات ومخزونها الدّلاليّ.

وبناء على هذا، فكأنّنا سائرون إلى “بلاغة العولمة”  كما يحلو لـ”حنا عبود” تسميتها، إنّها بلاغة جديدة تفرضها القوة العالمية وإنْ كان ذلك على حساب المعنى، فهي نتاج لواقع اجتماعيّ جديد يأبى الخطب والمسامرات باللغة ويفرض نسقاً جديداً «يتوقع فيه أن تقرأ الإنترنت باللغة التي تشتهي ولو كانت لغة نوح أو حتى لغة ميتوشالح، أو ربما لغة حمارة بلعام(…) المهم أن ترى وأن تسمع وهم سيوفرون لك اللغة التي تريد»[19]

والحاصل أنّنا مع الإيجاز طريقاً في القول نشهد تحولاً في الخطاب له آلياته ومراسمه التي يتنزّل فيها، وهو تحوّل يمكن أن نفهم منه أنّنا:

  • انتقلنا من الإيجاز المكتنز للمعنى الثّري بالدّلالة إلى الإيجاز الذي يعكس قصوراً في توظيف الخطاب ويبرهن على هشاشة المنتوج اللّغويّ.
  • انتقلنا من مقامات تقبّل تفاعلية (البلاغة العربية القديمة) يكون فيها للمتلقي دور في إنتاج النّص إلى مراسم تقبّل لا يمتلك فيها المتلقي مساحة للتأويل، وإنّما تمارس عليه نوع من السّلطة الخطابية لما في الوسائل الحديثة من قدرة على التأثير.
  • انتقلنا من إيجاز بلاغي فيه “ترف في المعنى” إلى انتحار دلاليّ وقع فيه تهشيم المعنى وإفراغه من مضمونه الحضاري.

ختاما نقول:

لم يكنْ الإيجاز مجرّد ظاهرة من جملة الظّواهر البلاغيّة التي عرفتها البلاغة العربيّة قديما وإنّما كانت أعقد من ذلك وأكثر تركيباً، فكانت تتفرّع عنها عدّة فروع وتقسيمات فكان هناك إيجاز حذف وآخر إيجاز قصر…إلخ، ولعلّ ما ميّز هذه الظاهرة أنها ارتبطت في عمقها بالمقام الشفوي غير أنّها في جميع ذلك كانت تصدر عن باثّ مخصوص ومتقبل مخصوص وبنص مخصوص في مقام مخصوص أيضا، وكانت في كلّ مرّة تحافظ على ثقافة حضورها رغم التّغيرات الطارئة في عناصر الخطاب، وقد تبيّن لنا ذلك في تواصل بروزها في زمننا هذا من خلال الخطاب الإشهاري والمكتوب الرقمي، غير أنّه تواصل نعتقد أنّه أضرّ باللّغة أكثر مما نفع برغم فاعلية هذا الخطاب واكتساحه للبنى الفكريّة اليوم بحيث نجد له حضوراً قويًّا وصل في كثير من الأحيان إلى طمْس هوية الكتاب وتعويضه بالصورة والرمز، وهذا في اعتقادنا راجع إلى طبيعة ثقافة العولمة والتّقدم العلمي.

بناء على هذا، يمكن الإقرار بأنّنا أمام ثبات للبنى الفكرية (اللسانية) سواء متكلّم القرن الأوّل للهجرة أو متكلم هذا العصر، فنحن أمام ظواهر لسانية تنبئ عن خيط واصل في بنية منطق التّفكير اللساني عند العرب التي تنحو به إلى خطاب الإيجاز وتنفر من عوالم الإطناب، غير أنّنا ننبه أنّ ظاهرة الإيجاز الرقمي اليوم لا بدّ أنّ تجد حظّها في القراءة تحت منطلقات اجتماعيّة ونفسيّة بما يسمح لفكّ شفرة خطابها التي حاولنا من خلال ورقتنا هذه أنْ نفتش في آلياتها و منطلقاتها التي تحرّكها، فنحن بهذا قد نكون فتحنا ورشة عمل في قضايا الخطاب البلاغيّ الرقمي نبتغي من يكمل العمل فيها بما يفيد البحث اللغوي عامة والعربي بصفة خاصة.

  • المصادر والمراجع:
  • ابن منظور، أبو الفضل جمال الدّين، (1997)، لسان العرب، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى.
  • التوحيدي أبو حيان، الإمتاع والمؤنسة، صححه وضبطه وشرح غريبه أحمد أمين وأحمد زين، بيروت، منشورات دار مكتبة الحياة.
  • الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر،(1998)، البيان والتبيين، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي القاهرة، الطبعة السابعة.
  • الجرجاني عبد القاهر، (2004)، دلائل الإعجاز، قرأه وعلق عليه محمود محمد شاكر، الناشر مكتبة الخانجي القاهرة ، الطبعة الرابعة.
  • الرماني أبو الحسن علي ابن عيسى، النكت في إعجاز القرآن، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، حققها وعلّق عليها محمد خلف الله أحمد و محمد زغلول سلام، دار المعارف بمصر القاهرة، الطبعة الثالثة، د.ت.
  • العمري محمد، (2015)، في بلاغة الخطاب الإقناعي، مدخل نظري وتطبيقي لدراسة البلاغة العربية، إفريقيا الشرق.
  • باديس نور الهدي، (2005 )، بلاغة المنطوق وبلاغة المكتوب دراسة في تحوّل الخطاب البلاغيّ من القرن الثالث إلى القرن الخامس للهجرة، مركز النشر الجامعي، تونس.
  • باديس نور الهدى، (2008)، بلاغة الوفرة وبلاغة الندرة، مبحث في الإيجاز والإطناب، الطبعة الأولى
  • بنكراد سعيد، (2012)، السيميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها، دار الحوار للنشر والتوزيع، سورية-اللاذقية، الطبعة الثالثة.
  • حمداني حميد، مدخل لدراسة الإشهار، مجلة علامات، مكناس، المغرب، العدد 18، السنة 1998م
  • عبود حنا، (2007)، البلاغة من الابتهال إلى العولمة، منشورات اتحاد كتاب العرب، دمشق.
  • غرايس بول، (1975) المنطق والمحادثة ، ترجمة محمد الشيباني، سيف الدين دغفوس، ضمن إطلالات عن النظريات اللسانية والدلالية في النصف الثاني من القرن العشرين، بإشراف عز الدين المجدوب، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، بيت الحكمة، 2012، الطبعة الأولى.
  • السكاكي أبو بعقوب يوسف،(1987)، مفتاح العلّوم، ضبطه وكتب هوامشه وعلّق عليه نعيم زرزور ، دار الكتب العلمية بيروت- لبنان، الطبعة الثانية.

[1] نقصد من مصطلح الترف البلاغيّ -كما شئنا أن نسميه- أنّ الإيجاز مثّل في القديم  (البلاغة العربية) صورة من صور الإبداع في القول لدرجة ارتباط حدّ البلاغة به، وبالتالي فإنّ الترف هنا يعني الوصول بالشيء إلى مصاف الحسن بخلاف ما قد يفهم من دلالة هذا المصطلح على كونه إفسادًا في غير محلّه، فهو ترف يعبّر عن إشباع المعنى برغم قلة اللفظ الحامل له.

[2]ابن منظور ، لسان العرب، مادة وجز ، ج6،  ص403.

[3]السكاكي، أبو يعقوب، مفتاح العلوم، ص 277.

[4]الجاحظ، البيان والتبيين ج1، ص 96.

[5] السابق، ج1، ص 113.

[6]السابق، ج1، ص 97.

[7]باديس نور الهدى، بلاغة المنطوق وبلاغة المكتوب، ص 184.

[8]الجاحظ، البيان والتبيين، ج1، ص 115.

[9]باديس نور الهدى، بلاغة المنطوق وبلاغة المكتوب،  ص 194.

 [10]الرماني أبو الحسن، النكت في إعجاز القرآن، ص 76.

[11]الجرجاني عبد القاهر، دلائل الإعجاز، ص 463.

 [12]باديس نور الهدى، بلاغة الوفرة وبلاغة الندرة، ص 63.

 [13]التوحيدي أبو حيان الإمتاع والمؤنسة.

[14]العمري محمّد، في بلاغة الخطاب الإقناعي، ص 85.

[15]بنكراد سعيد، السيميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها، ص 117.

[16]حمداني حميد، مدخل لدراسة الإشهار، ص 81.

[17]غرايس بول، المنطق والمحادثة (1975)، ترجمة محمد الشيباني، سيف الدين دغفوس، ضمن إطلالات عن النظريات اللسانية والدلالية، ص 618.

[18]عبود حنا، البلاغة من الابتهال إلى العولمة، ص 185.

[19]عبود حنا، البلاغة من الابتهال إلى العولمة، ص 176.


Updated: 2018-05-10 — 19:11

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme