الأنثى من الهامش إلى المتن / قراءة في رواية سلطانات الرمل للكاتبة لينا هويان الحسن / غانية غطاس


 

الأنثى من الهامش إلى المتن / قراءة في رواية سلطانات الرمل للكاتبة لينا هويان الحسن

أ.غانية غطاس ـ جامعة البعث ، حمص  / سوريا .

مقال نشر في  مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية العدد 40 الصفحة 121.

    ملخّص :

من المعروف أنّ المرأة قد استطاعت أن تأخذ لنفسها حيّزاً مهمّاً و مغايراً في الخطاب السرديّ المعاصر ، خاصّة في العقود الأخيرة ،  و ذلك في سياق محاولاتها الهادفة إلى استكشاف ذاتها العميقة ،  و إثبات كينونتها في ظلّ مجتمع ذكوريّ يسعى إلى تهميشها و تذويب كيانها الخاصّ .

و في نصّ ( سلطانات الرمل ) للكاتبة السوريّة لينا هويّان الحسن ،  سنحاول كشف توجّهات السرد ،  و معرفة إلى أيّ مدى استطاعت الكاتبة أن تحقّق ذاتها من خلال هذا النشاط الإبداعيّ ؟ ، و ذلك من خلال محاورته ،  و استكشاف خصوصيّته،  مستعينين بأدوات نقديّة حديثة تكشف عن أنساقه الثقافيّة المضمرة و الصريحة .

الكلمات المفتاحيّة :

الأنثى المتمرّدة ،  سلطويّة الأنثى ،  السرد العنكبوتي ،  أنثى بيولوجيّة ،  أنثى اجتماعيّة ،  أنثى ثقافيّة .

In the modern narrative discourse, it is well known that woman have been able to acquire and take up a different and important portion especially in recent decades. That were in the context of their attempts to explore their deep selves and to prove their own existence in a male society that seeks to marginalize the woman and dissolve its own entity.

In the text “Sultanat al-Raml” by the Syrian writer Lina Hoyan al-Hassan, we will try to find out the directions of the narration, and know to what extent the writer was able to achieve herself-realization through this creative narration ?    And by debating and dialogue, discovering its own privacy, using a new criticized means in order to reveal its hidden and explicit cultural attitude.

 

 

تمهيد :

لم تسجّل الرواية النسويّة السوريّة حضوراً كثيفاً في القرن العشرين، إذ بلغت (70) رواية من أصل (583) رواية ، منذ أوّل رواية سوريّة عام (1865م) حتّى عام (1999م)([1]) ، و إن دلّ ذلك على شيء ، فهو يدلّ على الصعوبات النوعيّة الخاصّة التي كانت تواجه الأنثى الكاتبة ، و المتمثّلة في البيئة الثقافيّة و الاجتماعيّة التي وجدت فيها ، ممّا أثر أيضاً في كمّ الإنتاج ، فبعض الروائيات توقّفن عن الكتابة عند أوّل رواية لهنّ أو الثانية . فالرواية النسويّة السوريّة ظهرت بعد (85) عاماً من بداية نشوء فنّ الرواية في سورية ، على يد وداد سكاكيني في روايتيها ( أروى بنت الخطوب/ 1950) ، و ( الحب المحرّم/ 1952) ، لتقتحم بهما عالم الرواية ، منتقلة في رحلتها من سلطة التحريم إلى مرحلة تأسيس أدب يعبّر عن مشاعرها و تطلّعاتها ، لتنتقل بعدها إلى دائرة التمرّد على القوى التي تكبّلها ، و تعرقل تحرّرها و خلاصها الفكريّ و الجنسيّ – على عكس الإرهاصات المبكّرة التي كانت تقدّم المرأة على أنّها ليست خصماً للعادات و التقاليد – ، لتقدّم الأنثى بعد ذلك في تسعينيّات القرن المنصرم خطاباً مختلفاً هو خطاب الأنثى المتمرّدة على الثقافة المجتمعيّة ، ” فأصبحت البطلة الأنثى تستبدل قيماً بقيم ، و هي تسوق الأحداث للتعبير عن أفكارها و رؤاها و تجاربها ، و ليس ذلك فحسب ، بل غدت تجاهر بما كان محظوراً عليها الاقتراب منه”([2]) ، كما ذهبت في بعض الأعمال إلى مدى بعيد في التجريب على مستوى اللّغة و تقنيّات السرد ، فأثارت اهتمام النقد ، الذي أطلق على أدب الأنثى هذا بالأدب النسويّ ، نسبة إلى مفهوم (النسويّة- feminism) الذي عرّفته (سارة جامبل) على أنّه :” مصطلح يشير إلى كلّ من يعتقد أنّ المرأة تأخذ مكانة أدنى من الرجل في المجتمعات التي تضع الرجال و النساء في تصانيف اقتصاديّة أو ثقافيّة مختلفة ، و تصرّ النسويّة على أنّ هذا الظلم ليس ثابتاً أو محتوماً ، و أنّ المرأة تستطيع أن تغيّر النظام الاجتماعي و الاقتصاديّ و السياسيّ عن طريق العمل الجماعيّ”([3]).

بذلك يكون الأدب النسويّ هو : ” البناء النصّيّ الذي تصوغ فيه الكاتبة موقفها الأيديولوجيّ فيما تخصّ علاقتها بذاتها و بالآخر ، مستثمرة أدوات إنتاج الخطاب و تقنيّاته الفنّيّة من سرد و وصف و حوار و تناصّ ، لإنتاج واقع ممكن وفق أنساق الثقافة التي تتبنّاها الكاتبة “ ([4]) .

هذا المصطلح قد لقي اهتماماً و عناية خاصّة مع ظهور مصطلح أعمّ و أشمل، هو مصطلح (النقد الثقافيّ) ، الذي كان ظهوره ملحّاً في عالم النقد ،  لأننا لا يمكن دراسة النصّ بمعزل عن أبعاده الثقافيّة و الاجتماعيّة و السياسيّة و الاقتصاديّة . فبآليّات هذا النقد و أدواته نتتبّع الثقافة التي تمارس سلطتها على السلوك الإنسانيّ الإبداعيّ، و ردّة فعل النصّ الإبداعي عند مقاومته للثقافة، أو الخضوع لها ،  و هذا ما سنعتمد عليه في هذا البحث من خلال الدراسة التطبيقيّة لكشف أثر الثقافة في النصّ ، خاصّة فيما يتعلّق بثنائيّة ( الذكورة و الأنوثة ) ، و لمعرفة ما آل إليه الخطاب النسويّ في الألفيّة الثالثة!

الموضوع :

لقد بدأت النسويّة الجديدة بتجلّيات حديثة، جعلتها تتحوّل من محاولات نقل ثنائيّة ( الذكر والأنثى ) من منطقة مفاضلة الذكورة إلى منطقة الحياد ، إلى محاولات عكس القضية ، إذ لم يكتفِ أنصار النسويّة الجديدة بالحياد إنّما حاولوا إعلاء الأنوثة على الذكورة كنوع من التعويض عن مرحلة التهميش الطويلة التي أغرقت الأنثى بمحرّماتها . و نحن في قراءتنا لرواية (سلطانات الرمل ) للكاتبة لينا هويّان الحسن([5]) ، سنحاول معرفة إن كان هذا النصّ قد تبنّى فكر النسويّة الجديدة ؟ ، و هل استطاعت الأنثى فيه احتلال المتن و إسكان الذكر في الهامش ، أم بقيت هي أسيرة الهامش  ؟!.

نجد الأنثى في هذا النصّ تستخلص لنفسها أكبر مساحة ممكنة في السرد لإثبات كيانها ، لتعكس علاقتها به من خلال ثلاث مناطق ( الإنتاج ، الموضوع ، التلقّي ) مترابطة بحسب ما يقتضيه المنطق .

فنحن نواجه نسقاً موازياً للمنتجة المتمرّدة ،  التي يتسلّل تمرّدها إلى خطوط سردها ،  إذ نلاحظ أنّ حضور الأنثى كان رئيساً في النصّ ،  لتستغرق النسْويّة هذه الرواية بداية و نهاية ،  إذ إنّ المنتجة أنثى ، و الموضوع أنثويّ في جملته ابتداء بعتبته الأولى ( العنوان الخارجيّ ) ، و الذي يوحي بأنّنا سندخل نصّاً يذوب فيه فنّ الرواية مع فنّ السيرة الذاتيّة لإناث تمّ نقلهنّ من هامشٍ طال زمن المكوث فيه إلى متن حرّم عليهنّ ولوجه منذ زمن ،  لتمنحهنّ الكاتبة صفة لا طالما بقيت حكراً على الرجل العربيّ لمدّة طويلة ،  و هي السلطنة .

و المتابع لتردّد العنوان الخارجيّ في المتن الداخليّ . يرى أنّ السلطانات هنّ عشر نساء عنون السرد معظم فصوله بأسمائهنّ،  أمّا عناوين الفصول الأخرى ،  إذا ما ذِكْرَ الرجل فيها فكان ذكره هذا مرتبطاً بذِكر هؤلاء النساء ،  مثل ( سكرى . طراد) أو ( نسل السلطانات ) باستثناء شخصيّة ( جرجس ) ، الشخصيّة الذكوريّة الوحيدة التي رفعها السرد عنواناً داخليّاً إلى جانب السلطانات ، فقد وجدته المنتجة مثالاً ( للذكر الصالح ) الذي كان عوناً للأنثى في نيل حريّتها ،  عندما احتضن (عنقا) ضحيّة القهر المجتمعيّ ،  و علّمها الكتابة و التمريض و حبّ الحياة ،  لذلك لجأ السرد إلى إعلائه على غيره .

و ما بعد العنوان ،  و قبل دخول عوالم السرد و فضاءاته ،  يطالعنا إهداء الكاتبة الموجّه إلى ”  شمّ الأنوف .. من الطّراز الأوّل “([6]) ، ليرسم الإهداء لنا مع العنوان ،  و نحن لم نبدأ قراءة الرواية بعد ،  صورة نسوة ملامحهنّ مرسومة بالكبرياء و العزّ ، إذ يتردّد الإهداء لاحقاً في المتن الداخليّ ،  من خلال تكرار مفردة ( أنف ) واحد و عشرين مرّة ،  لتنفلت كلمة (أنف) من مدلولها البيولوجيّ ،  و تتوسّع دلالتها لتعبّر عن عظمة و جاه و نفوذ جماعات سكنت باديتنا ،  و تفرّدت بثقافة أعلت من شأن نسائها – بالنسبة إلى ذلك العصر- ،  فهم قوم ” مصنوعون من الأنوف …”([7]) شعروا بالضيم حينما قالت لهم المدنيّة : ” لا داعي لأن تكون مشرئبّ الأنف ،  لقد ولّى زمن (شمّ الأنوف من الطراز الأوّل) نهائياً “([8]) ، و ” صارت الأنوف من الآن و صاعداً موجودة فقط لتدنسّ بما لا يعنيها ، و لتملي الأقلام ما يجب أن تتضمّنه التقارير الأمنيّة”([9]) ، كما أصبح العالم ” يوحّد الأنوف بخيط و مقصّ ،  و بقطبة و قطبتين تخرج أنفاً جديداً ،  أنفاً محايداً  “([10]). لكنّ القارئ للرواية لا يراها كغيرها من الروايات ، كما هي حال الأنوف ، فلقد استطاعت الكاتبة أن تتخم هذا النصّ بالأنثربولوجيا و التاريخ و السياسة و الثقافة ، راسمة وقائعه و أحداثه على طرف الصحراء ، إلاّ أنّ المخيال السرديّ قد نجح في خطفها صوب فضاءات متغيّرة ( كبيروت ، و دمشق ) لنشهد صراعاً خفيفاً بين البادية و المدينة من جانب ، و بين الثقافة الفحوليّة و النسق الأنثويّ المهمّش من جانب آخر، ليكون الصراع الأخير قد أفضى إلى شطر الواقع إلى (متن و هامش) ، و الذي احتلّ فيه الذكر المتن ،  و دفع بالأنثى إلى هامش لا تطيق المكوث فيه ،  ممّا جعلها تقرّر إلغاءه مع الثنائيّة التي ينتمي إليها، و ذلك من خلال عدّة إجراءات لجأ إليها السرد لتعديل هذه الثنائيّة ،  و نقل الأنثى من الهامش إلى المتن ،  و ذلك كتعبير عن رغبة السرد في الخلاص من سلطة الذكر و الاستحواذ على هذه السلطة ، و قد بدأ بمايلي :

1- تمرّد الأنثى ضدّ السلطة الذكوريّة : و المتمثّلة – غالباً – بالأب و الزوج ،  إذ آمنت الأنثى أنّ حرّيّتها أغلى ما تملكه ،  و لنيلها عليها تخطّي جميع الحواجز و الأعراف المجتمعيّة التي تحاصرها ، من دون أن تأبه للمصير الذي سيواجهها ،  “فالذاكرة البدويّة حافلة بقصص النساء اللّواتي أكلتهن الوحوش بسبب نوبة كبرياء ،  إثر مشادة مع الزوج ، يأنفن النوم لليلة واحدة على ضيم و ذلّ و تكون النتيجة موتاً بين براثن البرية “([11])  .

2- تشويه الذكر : و هي تقنيّة نسويّة يثبت التمرّد الأنثوي من خلالها حضوره ، إذ تتعمّد تقديم الأنثى دفقة تشويهيّة للذكر، من خلال إظهار ممارساته العدوانيّة ضدّ المرأة ، فلقد أعطى الرجل نفسه سلطات تجاوز الشرع والعرف و القانون ، فالقانون الذي يسير وفقه هو قانون ذاتيّ – بالغالب – نابع من جبروته الذي يبيح له التحكم في حياة الآخر لاسيّما الأنثى.

إذ يسرد المتن حكايات نساء قتلن أو واجهن الموت على يد رجال عائلاتهنّ ، ( فسلطانة ) النوريّة قُتلت على يد إخوتها بداعي الشرف ، و ( مير ) واجهت الموت المتمثّل بسكاكين إخوتها ، عندما هربت بعيداً رافضة الزواج من الرجل الذي أحضرته لها زوجة أبيها ، و ( فكرى ) اُغتصبت من قبل ابن زوجها ، و ( منوى ) كادت تُقتل بيد أبيها حينما امتنعت عن الزواج من رجل أراده لها ، أمّا (عنقا ) فلقد ضربها زوجها مراراً ، حتّى إنّها قد أجهضت مرّتين من جرّاء الضرب المبرح ، في حين سبقت ممارسات زوج ( إبريز ) الساديّة غيرها في التسلط العدوانيّ على الغير ، إذ ” لم تستوعب الأساليب الغريبة التي بدأ يمارسها معها في الفراش ، و راح يجبرها قبل أن يضاجعها على تغطيس نصفها الأسفل في ماء ممزوج بمحلول يدفع عضلة رحمها على التقلّص ،  هو يتلذّذ و هي تتألّم “([12])، و تبعاً لذلك يكون استحضار النصّ للظواهر السلبيّة في الذكر،  إجراء تمهيديّاً لإعلاء الأنوثة على الذكورة ، و من ثمّ السعي للاستحواذ على السلطة .

- تغييب الذكر بالموت : لقد قاد تمرّد الأنثى على الذكورة و رفضها لها ،  إلى محاولة تغييبها في السرد ، ربّما ذلك ردّ فعل مضادّ للثقافة التي جعلت المتن مخصّصاً للذكر ،  بينما نقلت الأنثى إلى الهامش . و كان الهدف من هذا التغييب هو نقل الذكر لا إلى الهامش فقط ، بل إلى هامش الهامش ، إلى عالم الموت أحياناً ، لتستأثر هي وحدها بالحاضر و المستقبل . فمعظم الذكور – الشخصيّات الرئيسة أو الثانويّة ،  أو حتّى من ناب عنهم كلمة رجال أو عشيرة .. – قد أُميتوا و هم في مقتبل العمر ،  في حين غُيّب بعضهم بالسّفر الذي يعتبر أحد أسماء الموت في التراث الصوفيّ .

و اللّافت أيضاً أنّ تغيّيب الذكر هذا لم يكن بفعل القدر أو المرض . بل حدث بفعل الأنثى التي أقصت كلّ ذكر توتّرت علاقتها به ، ( فمعزّز ) أقدمت على قتل ( زوجها سرور و ابنه حازم ) بدافع الغيرة من ضرّتها ( بوران ) ،  في حين لقي الكثير من الرجال مصرعهم أثناء حرب عبثيّة شنّت ” منشان عيون قطنة  ” ([13])،  و من أجل ( حمرا ) عندما غزا أحمد بيك قبيلتها ، حيث إنّ ” كلّ عبيد أبيها قتلهم البيك و جندل واحداً من أشقّائها و عقيد حرب قومها ، و أخذ ( حمرا ) معه مكرّساً بذلك حقيقة أنّ الحبّ كلمة مكتوبة على أسلحة المحاربين و تيجان الملوك و على روائع سرديّات الزمن ، و على كلّ أشكال الحياة المتألّقة ، يوجد للحبّ أثر من دمّ  “([14]) .

أمّا ( إبريز ) فكانت السبب الرئيس في مقتل ( عمر ) ،  في حين كانت ( سكرى ) هي الدافع الذي انتحر (عاشق ) من أجله .

فهذا الشكل من أشكال التخلّص من الذكورة ، هي ظاهرة لافتة في السرد النسويّ – عموماً- ،  يمكننا أن نطلق عليها تسمية ( السرد العنكبوتيّ ) ، ” نسبة إلى فعل أنثى العنكبوت التي تقتل ذكرها بعد أن تنتهي من تلقيحها . إذ تنسج الأنثى حول الذكر خيوطها،  لتمتصّ حاجاتها منه ،  و عندما تنتهي مهمّته تعمد إلى التخلّص من سلطته تدريجيّاً سواء بتشويهه داخليّاً و خارجيّاً ،  أو بإلحاق العجز به ،  و إن لم ينفع ذلك تسعى إلى قتله ،  لتمتلك هي هذه السلطة كبديل عنه ، معوّضة ما فاتها في مرحلة التهميش “([15]).

4- سلطويّة الأنثى : أخذت الأنثى المتمرّدة تبحث عن حقوقها الاجتماعيّة التي استأثر بها الذكر ،  تعويضاً من السرد للأنثى عن المرحلة الزمنيّة الطويلة التي كانت فيها زمام المبادرة و السيادة من نصيب الذكر وحده . و قد تجلّت سلطويّة الأنثى في النصّ في عدّة نقاط :

* لم تعد الأنثى في علاقتها مع الذكر تتلقّى أوامره و أفعاله ، بل أصبحت هي من يتحكّم بعلاقتها مع الرجل الشرعيّة و غير الشرعيّة مع الرجل ، كما أصبحت صاحبة المبادرة مع الذكر دون انتظار مبادرته كما هو سائد في ثقافتنا ،  فبدلاً من أن يكون الذكر صاحب الحقّ في إنشاء علاقته مع الأنثى و تعدّدها ، أضحت السلطانات هنّ مالكات هذا الحقّ ، و حمرا أولهنّ ، فلقد طلبت يد أحمد بيك ، ” فمع أحد أولئك الشعراء ، أرسلت ( حمرا ) في طلبه دون أن يرفّ لها جفن . ضدّ القدر، ضدّ المنطق ، لا فرق ، لا يهم ، كانت تريده بكلّ ما أوتيت من شغف و مكر و ثبات أعصاب .

و وصلت أشهر رسالة حبّ في تاريخ البدو ، قصفته ( حمرا ) برسالة حبّها و بادلها الفتنة عن بعد ، و جهّز ( أحمد ) بيك الأبو ريشة أربعين فارساً يعدون وراءه في أشهر رحلة عرفتها البادية لجلب عروس “([16]) ، فلا العادات و لا الدماء التي هُدرت من أجل ذلك ، أوقفت حمرا عن مراسلة أحمد بيك . لتحذو مراية حذو أمّها أيضاً ، إذ ” لم تقبل ( مراية ) الإهانة و عادت إلى ذويّها ، و طلبت من شقيقها الأمير ( الذبلان ) … أن يطلّقها في الحال من ردينيّ الذي يشكّ بإخلاصها له ، و لتعاقبه أكثر أرسلت وراء ( جدعان ) ليتقدّم لها و كان لها ما أرادت “([17]).

* منح السرد الأنثى حرّيّة الزواج ممّن ترغب به ،  و حقّ الطلاق متى تشاء ،  فمنوى تركت زوجها و طلّقته لتتزوّج بابن عمّها الذي طالما أحبّته ، كذلك سكرى الأولى ، و سكرى الثانية ، و مرايا ، و قطنة ، و عنقا ،  و إبريز كلهنّ تركن أزواجهنّ و لحقن بالرجل الذي أحببنه . كما أنّ الأنثى سمحت لنفسها بتعدّد العلاقات داخل الإطار الشرعيّ ( الزواج ) و خارجه إرضاء لرغبات الجسد ،  و كأنّ ذلك ردّ فعل على ظاهرة تعدّد الزوجات ، فسلطانة المغنّية و فكرى تعلّمتا كيف ترضيان جسديهما من دون أن تبخلا عليه بشيء . كلّ تلك اللحظات الهاربة للجسد من سطوة الرقابة المجتمعيّة ، رسمتها لينا هويّان الحسن بلغة مكثّفة شعريّة أمام جماليّاتها ، فربطت بين الجسد و النبات و الشجر و المطر ، كتعبير عن شدّة الانفعال ، و قوّة الإحساس بالتجربة ، و الترابط الدلاليّ بين الجسد و هذه الأشياء الحيّة ، التي ترينا حقيقة الحياة و الذات العاشقة ، ” كلبلابة شقيّة تتسلّق جسد شجرة ، تنمو ، تحيط بالشجرة ، تتعمشق عليها بكلّ ما أوتيت من حيل الالتفاف و الدوران ، هكذا كانت (سكرى ) مع جسد ( طراد ) . هو كان بارعاً بالانهمار ، كالمطر ، بدأت حركاته مثل حبكة رواية مرتّبة و مفهومة ، و كلّ أجزاء جسدها التي بلغتها يديه أصبحت أكثر جمالاً”([18])  .

* أمّا في سياق استحواذ الأنثى على السلطة الذكوريّة ،  ظهر نموذج الأنثى المنتقمة في السرد ،  و التي تأخذ حقّها بيدها ،  و حقّ الرجل أيضاً إن لزم الأمر ،  كشكل من أشكال الرفض لوصاية الذكورة عليها ،  و قلب الوصاية من الذكر إلى الأنثى، ( فمراية ) ثأرت لأخيها المغدور غير آبهة بقرارات كبار الرجال في العشائر ، و لا بأهوال الحرب التي قد ستشتعل بسبب انتقامها هذا ، كما ثأرت ( حمرا ) لأمّها من قاتلتها .

لتكون هذه السلطة التي امتلكتها الأنثى بعد التهميش ،  ذات وقائع تدميريّة ، تأجّج حرباً ضروساً في مواضع شتّى من الرواية ،  فالكثير من الأمّهات ممّن ” ثكلتهنّ ( حمرا ) بسبب خفقة قلب ،  لذلك سمّيت حمرا الموت “([19]) ،  و ” كثيرون هم الذين مات آباؤهم و إخوتهم ( منشان عيون قطنة ) عندما التهبت فتوتها البهيّة ،  وروت الصّحراء بالدّماء من تدمر حتّى حدائق بغداد “([20]). هذا الدمّ الذي سال بسبب بعض السلطانات ، اختار لهنّ المخيال السرديّ لونه القاني لتتزيّن به،  كانعكاس لنا عن عمق الخراب النفسيّ المتولّد من الرغبة في الثأر من المحيط ، و من الماضي بشكل عام ، ” أنا هي الحرمة ( الحمرا ) حرمة الدِّما ،  انظرن كم هي فاتنة  “([21]).

و ما يلفت الانتباه أيضاً ، أنّ السرد عمد أيضاً إلى التخلّص من بعض شخصيّاته النسويّة بطريقة غريبة ،  فلقد ماتت حمرا بداء غامض ،  و قطنة اختفت وراء تلال الرمال ،  و منوى توفّيت إثر مرض خبيث أصاب حنجرتها ،  و معزّز توفّيت و هي في طريقها إلى الحجّ قبل وصولها الديار المقدّسة ، و إبريز بفراقها عمر فارقت الحياة ،  و كأنّ ذلك كلّه قد أتى عقاباً من الثقافة لهنّ ،  على الواقع التدميريّ الذي تسبّبن به ،  و هنّ يسرن بحريّة في طريق الحبّ .

فالسلطة التي مُنِحت للأنثى بطاقتها التدميريّة ،  مُنحت لها أيضاً بطاقتها البنائيّة ،  فكما أشعلت الأنثى الحروب ،  أطفأتها أيضاً ، ” فثمّة معادلة تقول : الحسناوات يشعلن الحروب و يكنَّ سبباً في السلام “([22]).  فما حاصرها زمناً طويلاً هو الآن بين يديها ، و ما منعها من إنتاج نصّ يعبّر عنها و عن تطلّعاتها ،  ها هو الآن ممنوع من المشاركة في سردها .

*دفع الرجل للاعتراف بتفوّق الأنثى من خلال بعض الوقائع في النصّ : فهذه الرواية مثال للنصّ النسويّ الذي امتلكته الأنثى بجميع جوانبه ،  تاركة بعض شخصيّاتها الذكوريّة تساهم في إنتاج سردها بقدر محدود لا ينتقص من حقّها في إنتاجه، فالفسحة السرديّة الضئيلة التي منحتها للذكر تعادل ما منحها إيّاه قبلاً في نصوصه التي لم تنصفها البتّة . كما أنّها و إن بدت مجالاً يعبّر فيها الذكر عن كينونته ،  إلّا أنّها في الحقيقة تصبّ في مصلحة الأنوثة ، إذ تقوده فيها للاعتراف بتفوّق الأنثى ،  هذا ما لاحظناه في حديث الأمير ( محمود ) الذي أقرّ فيه بأنّ : ” إناث الجوارح مثل نسائنا أدهى منّا نحن الرجال “([23]) ، لتترك الكاتبة ( لطراد ) ، ” عرّاب التذكّر”([24]) مهمّة تسجيل و توثيق تاريخ السلطانات ،  كتصريح بإعلاء الأنوثة ، إذ كتب الحوادث كلّها معتمداً على تقنيّة الاسترجاع ، التي تعود بنا إلى الماضي ، و إن كانت العودة إليه غير محقّقة واقعيّاً ، فإنّ المقصود هنا هي ( الاستعادة السرديّة ) التي تسكن المخيّلة ، و التي تخرج في بنية صياغيّة تعتمد على الفعل الماضي المشحون بذكريات نساء قد ربط بينهنّ قانون الوراثة ، و الذي كان معدّلاً ثقافيّاً ، إذ عدّلته بعض الإناث ( الحفيدات ) استكمالاً لتمرّد الأمهات و الجدّات الخارجات عن كلّ القوانين التي حدّدت علاقاتهنّ مع أنفسهنّ و مع الرجل ،  فهي لم تعد مقتنعة بدورها التقليديّ القديم الذي أعطاها إيّاه المجتمع ،  و عليها أن تظهر إبداعها و قدرتها على قيادة الكثير من الأعمال ،  رافضة وصاية الرجل و دوره كعائل وحيد لها.

* منح الأنثى حقّ القراءة و التعليم و القدرة على التنبّؤ بالمستقبل : فلقد أخذ هذا التمرّد شكلاً جديداً حينما تعلّمت (عنقا) القراءة، و خطّت أوّل عبارة استطاعت قراءتها ، و هي : ” تعرفون الحقّ و الحقّ يحرّركم “([25]). فالحقّ هنا هو المعرفة و العلم ،  و هو مفرد حقوق ،  أي أنّ العلم واحد من الكثير من الأشياء التي يجب على الأنثى أن تمتلكها ، حتّى تمتلك حرّيّتها . و هذا الحقّ مقدّس يستمدّ قدسيّته هذه بكون العبارة هي آية مقدّسة مأخوذة من إنجيل يوحنا يقدّس الحريّة فيها و يقدّس طريق الوصول إليها .

إضافة للقراءة ، منح السرد (عنقا) ما يميّزها أيضاً ، و هو القدرة على التنبّؤ و رؤية المستقبل ، و التي بها دفعت بالأحداث للابتعاد عن الخطّيّة في الزمن ، و جعلت القارئ يتعرّف على بعض الوقائع قبل حدوثها ، كتلك التي حدثت عندما أتى حازم بيك لخطبة سكرى من أهلها للمرّة الثانية ، ” رفضوا ، تحديداً بعد أن استخدمت أمها (عنقا – شمس) ملكاتها التنبؤيّة، …لمحت أفعى حمراء تدخل غارها ، و رأت أن البيك سوف يكون سبباً في موت ابنتها  “([26])، و بالفعل صدقت النبوءة.

*التفوّق الكمّي و الكيفيّ للأنثى : لقد شكّلت أسماء العلم طقساً من طقوس النصّ ،  لأنّ الشخصيّات كثيرة من ناحية ،  و لها أهدافها الاجتماعيّة من ناحية أخرى ،  فجاءت الأسماء مدهشة في دلالاتها الإشاريّة و مؤثّرة فيما يخصّ أعلام النساء،  حتّى إنّ بعضهنّ قد حملت أكثر من اسم ، ( فشمس ) هي ذاتها ( عنقا ) و( ليز ) ،  و ( ملكشاه ) هي ( سكرى ) . ” ففي رأي أهل الصحراء على الأسماء أن تشبههم . أن تكون مثلهم . و للأسماء لديهم شروط ،  و ظاهرة قلب الأسماء أو تعديلها أو تغييرها ليست موجودة إلاّ عندهم ..”([27]) ، فهم ” مباشرون و صريحون عندما يختارون أسماء الإناث : فهدة ،  زبدة ، نجمة ، فضّة ، زينة ، ثريا…”([28]). لتستغلّ النصّيّة ذلك و تستعين بطقس الأعلام  في سعيها لتعديل الواقع الذكوريّ و إعلاء الأنوثة على حسابه ، من خلال التفوّق الكمّي لصالح الأنثى ،  لعلّ هذا التفوّق الكمّي يغدو تفوّقاً كيفيّاً في الواقع.

هكذا كان السرد في رواية ( سلطانات الرمل ) معنيّاً بإنتاج التمرّد أكثر من عنايته بإنتاج أيّ شيء آخر ، حاملاً إيّاه بعيداً عن الثوابت الثقافيّة التي أنهكت الفرد – لاسيّما الأنثى – ،  و قد امتدّ هذا التمرّد إلى الشكل الفنّيّ ،  فلقد حدّثته الكاتبة لتستوعب الرواية أكبر عدداً ممكن من الشخصيّات ، و لتتعمّق في الأحداث في أضيق مساحة سرديّة ممكنة ، إذ تمّ التحديث من خلال عبور النوعيّة في السرد ، الواضحة أوّلاً في الدفقات الشعريّة ، التي تجعل المتلقّي يقف عند الدّوال لكشف دلالاتها الكثيفة ، ثمّ ثانياً في المجموعة القصصيّة التي تتكامل فيما بينها ، و تجتمع بخيوط تحفظ لها نصّيّتها الروائيّة ، ليكون هذا التحديث تعبيراً عن أنّ الأنثى أصبحت تمتلك جميع الفضاءات الأدبيّة للتعبير والبوح ، و تستطيع تطوير هذه الفضاءات و التمرّد على قوالبها المحفوظة .

كما نجد أنّ عملية القصّ قد اختلط فيها الماضي بالحاضر ، و تداخل الواقع فيها بالخيال ، من خلال الاسترجاعات و الإبطاءات و الاستباقات التي خرقت التراتبيّة الزمنيّة للسرد ، إضافة إلى خضوعها للدفق الشعوريّ الغنائيّ و الانفعالات و توارد الخواطر ، لتتجاوز الشعريّة الشخوص ، و الزمن ، و المكان الذي نراه مصبوغاً بقدر من الذاتيّة على خلاف ما اتّسم به عموماً بالموضوعيّة .

لقد تكلّمت الكاتبة بجرأة عن كلّ شيء ، فحضرت السياسة بقوّة في ثنايا الرواية ،  ذلك الغمار الذي حُرّم على المرأة خوضه لسنوات طويلة ،  و الذي انشغلت عنه فيما بعد بقضيّة المساواة ، كما أنّ الرواية لم تكتفِ بهذا العالم وحده (عالم البداوة )،  إنّما انزاحت أيضاً إلى المدينة في أجيال لم تترك الصحراء نهائيّاً ،  و إنّما شكّلت لها المدينة وجهة أخرى ،  فلقد أرادت أن تقترب من عالمنا أكثر ، عالم المدينة الذي هو صورة متطوّرة بفعل التغيّير الذي أصاب الإنسان عن الصورة الأصل و هي البادية ،  فالمكان أضحى توأم الزمان هنا ، و شكّلا باتّحادهما الزمكانيّة ، التي نظّمت علاقة الماضي بالحاضر .

لكنّنا نرى أنّ الكاتبة قد ربطت تمرّد الأنثى بالمكان ( البادية ) أكثر من المدينة ، ” المكان الذي يعطيك حرّيّة إلى حدّ العصيان “([29]). فصعوبة الحياة و قساوتها تجعل من نسائها متمرّدات صبورات على كلّ شيء إلّا الظلم ، ” ففي المدينة يمكن للرجل أن يشبّه أنثاه بالفراشة ،  لكن في الصحراء لا يمكن ذلك ،  الفراشة لها عادة الموت على حافة الضوء . أيضاً يمكن في المدن للنساء أن يشبهن النرجس ،  و النرجس لا ينبت في الصحراء .. هناك تغدو المرأة نبتة شيح ،  أشواك كثيرة، زهرة صغيرة منمنمة تبزغ بحذر شديد ،  تصبر على الفقر و صعوبة العيش و الجوع لكن لا تصبر على الضيم ، و لا تقبل تسوية تتعلّق بكرامتها ، أنفها فقط يهمّها أن يظلّ ناهضاً “([30]) .

لتبدو البادية كأنثى أولى و خام ،  و بؤرة للأحداث التي تنطلق منها الشخوص لتعود إليها في زمن دائريّ ،  فنسل السلطانات خرج من الصحراء إلى المدينة ،  لكنّه بقي يبحث في ذاته عن بادية تمنحه حرّيّة الجدّات ،  تلتقط الروائيّة من فضائها خيوط سردها لتجمعها في رؤية انفراجيّة ،  اتّضحت في عبارتها الأخيرة : ” لا زالت شقائق النعمان تبزغ في الربيع . لتثير فكرنا خلال لحظة فيها نؤكسد الذاكرة ،  و نقرأ القادم “([31]).  و كأنّ المخيال السرديّ هنا أراد أنْ يطرحَ رؤية جديدة لواقع البدو يحفظ ما خزّنته الذّاكرة من ثقافة و قيم وأخلاق ،  و يضيف لها المعارف الّتي تشرّبها ( طراد ) و جيله من المدينة كي يختار ما يراه مناسباً لرحلة الحياة القادمة ، لعلّ الثقافة لا تحتفظ إلّا بالجميل من الأمس و اليوم ،  و تعيد عوالم انزاحت عن المعروف ،  و نساء ممتلئات بالحرّيّة و العنفوان لا نجدهن الآن ، نساء لم يقبلن تشيؤهنّ ،  و لا قمعهنّ ،  نساء جئن من التاريخ ، و من كتب المستشرقين الذين انبهروا بهنّ و حملوهن معهم داخل كتبهم إلى الغرب .

مكوّنات الأنثى السرديّة في النصّ :

السلطانات في النصّ ، كباقي شخصيّات أيّة رواية ، تتحرّك داخل أنساق الموروث الثقافيّ غير المنظورة ، إمّا تخضع لها ، أو تتمرّد عليها ،  مع ملاحظة ازدياد وتيرة التمرّد في الكتابات النسويّة التي تنتمي إلى الفترة الأخيرة ،  و ذلك مع ازدياد انفتاح الأنثى على مجالات الحياة كافّة و وعيها التامّ بمتطلّباتها و حقوقها . لذلك سنسعى إلى الكشف عن هذه الأنساق التي كان لها أثر كبير في تكوين الشخصيّة السرديّة و تحديد اتّجاهاتها المعرفيّة و الفكريّة و السلوكيّة .

و بنفس التداخل الذي لاحظناه في المناطق الثلاثة سنلاحظه في التكوين الأنثويّ الذي يحلّ في هذه المناطق ، إذ إنّ الأنثى بتكوينها البيولوجيّ لا يمكن أن تنفصل عن واقعها و أنساقه الاجتماعيّة و الثقافيّة التي بدورها لن توجد فعليّاً بدون ذات تتفاعل معها سلباً أو إيجاباً . فالإنسان كائن اجتماعيّ ثقافيّ يؤثّر في بيئته و يتأثّر بها إيجابيّاً ،  لذلك نجد الأنثى السرديّة قد حضرت من خلال التكوين الثلاثيّ لها : الأنثى البيولوجيّة ، و الأنثى الاجتماعيّة ، و الأنثى الثقافيّة .

  • الأنثى البيولوجيّة :

الكثير من النصوص الروائيّة قد تمحورت حول الجسد و تحوّلاته ، و خاصة الجسد الأنثويّ ، الذي – غالباً – يقدّمه السرد النسويّ بفروقه النوعيّة التي تضمن له التفوّق على نظيره الجسد الذكوريّ ، باعتبار أنّ الأنثى هي أصل الحياة ، و هي الخبيرة بحقيقته عند تقديمه ، لأنّه عندما يكون مصدر الإنتاج ذكراً ، تتحوّل المرأة حينها إلى صورة مادّيّة يتحسّسها من بعيد .

و نصّ ( سلطانات الرمل ) قدّم الأنثى البيولوجيّة من خلال عدّة سياقات ، متابعاً إيّاها على مستويين :

أ- تقديم الجسد بطبيعته الفطريّة .

ب- تقديم الجسد بحالته المصنّعة الطارئة  .

لقد كان لكلا المستويين آثاره النفسيّة المنعكسة سلباً أو إيجاباً ، و إن كان الأثر السلبيّ يصاحب الجسد البيولوجيّ بشكل أشدّ ، و ينمو بنموه ، فهو يرافق الأنثى في كلّ مرحلة عمريّة ، ليبلغ أوجه في مرحلة البلوغ ، عندما تجبر الأنثى على الامتثال لقوانين المجتمع الصارمة . إلّا أنّنا نجد نصّ ( سلطانات الرمل ) قد وظّف الفارق البيولوجيّ بين الذكر و الأنثى ، كفارق تفاضليّ يعلي الأنوثة على الذكورة ، و ليس العكس ،  و ذلك عبر جرعة زائدة من الجمال الخارجيّ ، لتظهر بعض الإناث كنموذج خالد للجمال البشريّ ، فالعيون و البشرة و الشعر و القدّ ، كلّها كانت سبباً في إشعال نيران الحرب و سقوط مئات القتلى من الرجال ، ” فأيّ أزل ذلك الذي اكتسحته حمرا و أدهشتنا نحن الفانون ؟! “([32]) ، فلقد كانت ” جميلة و ذكيّة ، أيّ خطراً صافياً يمشي على قدمين “([33]) ، أمّا عنقا فطلّتا البهيّة ، كانت تجعل الناس كحال الذين ” رأوا الموت ماثلاً أمامهم بهيئة ظبي مرعب الكمال “([34]).  في حين قطنة عندما ” بلغت العشرين كانت أينما مشت سحلت وراءها العيون.. و كأنّ الزمن ذاته يقول لك : اصغِ قبل أن تنتظر ، فالجمال قد يخضلك بالعمى و يغافلك وحش القدر الخرافيّ و تتلوّى و تشابك المصائر تحت دواليب السراب ..” ([35]) ،  و ” منشان عيون قطنة “([36])  أقيمت الغارات بين قوم قطنة و قوم عشيقها طراد ، راحت ضحيّتها العديد من الرجال .

و الملاحظ أنّ الكاتبة عند وصف جمال سلطاناتها ، قد حمّلت أوصافهنّ الكثير من الشعريّة ، التي جعلتها تضجّ بالحياة من خلال الأبعاد الدلاليّة و الترميزات التي أعطيت لها ،  فالمرأة الدمشقيّة الراقية ( بوران ) ” كانت أثيريّة كالهواء شذيّة كوردة ، رقراقة كالماء ، مفعمة ، متفتّحة ، في عينيها وثبات فرس ، مشرقة مثل شجرة مشمش “([37]).

فجمال المرأة بشكل عامّ هو ما يؤسّس هويّة الأنثى في السرد التي يتّخذ شكله النهائيّ في الإغراء. لذلك نجد أنّ الأنثى لم تكتف بطبيعتها الفطريّة ، بل عملت على استدعاء وسائل مساعدة لإنتاج الغندرة و الأنوثة ، يمكن أن نقول عنها : إنّها (أنوثة مصنّعة ) ، لكي تخدم المرأة في مواجهتها للذكورة ، فهي تنمّي ظواهرها الإيجابيّة ، و تجعلها أكثر ثقة بذاتها ، فإناث النصّ قد اهتممن بأجسادهنّ و جمالهنّ الذي أسر الرجل و أثّر فيه . حتّى ظُنّ أنّ أنوثتهنّ هذه من قوّة وقع تأثيرها قد امتزجت بالسحر وأنبتت شيئاً أسطوريّاً . فحمرا ” البعض قال إنّها كانت ساحرة حرقت حافر حمار وحش وسحقته و اكتحلت به ، هكذا قالوا عن سرّ نظرتها الذبّاحة ، جسدها كان خالياً من الشعر مثل مرآة ، بنات عمّها قلن أنّها صنعت خلطة من مخّ أرنبة و مرارتها ، تحول دون إنبات الشعر المنتوف . و حمت بشرتها البيضاء القرنفليّة من النمش الذي تسبّبه شمس الصحراء بمرهم ، قيل إنّها كانت تصنعه من مرارة ذئب مخلوطة بالورس . و من دمّ أفعى و زيت نبتة صحراويّة صنعت ما يجعل شعرها طويلاً كثيفاً لا يمكن لأنثى أخرى أن تنافسها بطول جدائلها “([38]) .

و اللّافت أنّ أدوات تصنيع الأنوثة التي قدّمت بها الأنثى نفسها تقديماً إغوائيّاً عالياً للطرف الآخر ( الذكر ) ، تتمثّل في الآتي:

فأوّل ما لجأ السرد إليه من أدوات الغندرة هي الّلون الأحمر بوصفه أكثر الوسائل إغواء للرجل و عاملاً مهمّاً في إخضاعه و السيطرة عليه ،” لقد أصبح عند الأنثى يقين – من مخزونها الثقافيّ – أنّ اللّون الأحمر هو الذي يضفي على الأنثى الحياة في مواجهة الذكر “([39]). لذلك سعى السرد إلى تسمية سلطانته الأولى ب( حمرا ) فهي و أثناء سعيها نحو الحياة و الحرّيّة أثكلت الكثير من الأمّهات ، في حين تزيّنت قطنة به لمزيد من الثقة و التحدّي على إنتاج خراب الآخر و الرغبة في الانتقام ، “فعقب مذبحة أخرى فعلها ( طراد) بحقّ عشيرة الزوج خرجت (قطنة) إلى النساء اللواتي تجمّعن أمام خيمتها و قد ارتدت الحرير الأحمر القاني ، و هي تصيح بهنّ بثقة: ” انظرن ، أنا هي الحرمة ال( حمرا ) حرمة الدِما “([40]) ، أمّا فكرى فكانت تعتمد على طلاء أظافرها باللون الأحمر لمواجهة الحياة بعد وفاة زوجها ، بالمقابل فإنّ سكرى الثانيّة كانت ” تتعمد تلوين شفاهها بالأحمر مثل شيء يومض كصدمة”([41]) .

فإذا كان اللون الأحمر يربك الآخر و يوتّره ، و يغذّي رغبته ، فإنّ العطر أيضاً له الأثر ذاته ، لذلك استثمرته الأنثى عاطفيّاً لتوقع الرجل بسطوته ، فكانت بوران ” أوّل من حصل على ماكينة خياطة سنجر و عطر شاليمار من غيرلان ، و أوّل علبة عطر من الكريستال مزودة برشاش كانت وقتها اختراعاً محض باريسيّ حصلت عليه…”([42]) . هذه الأنوثة الراقية و المكلفة، أورثتها بوران لحفيدتها سكرى الثانية ، التي كانت ” شهيرة بعشقها للثياب و الموضة ، تحديداً بعد أن افتتحت أوّل وكالة لأفخر العطور الفرنسيّة و محلاً للألبسة المستوردة من أهمّ الماركات … لوّنت شعرها بالأشقر الغامق ، اكتسى وجهها بمكياج ينادي بالالتباس ، تدرّجات البيج و الألوان الترابيّة مع أشقر و تسريحة من خصلات ملفوفة على شكل أساور ذهبيّة لمّاعة تصنع امرأة سرابيّة مخصّصة للحيرة ، النظر إلى وجهها أصبح مغامرة بلا بوصلة … اقتصرت أزياؤها على أقمشة بألوان النمور المرقّطة و المخطّطة و بألوان أفاعي البوا و الأناكوندا ، مستعيدة زمن المرأة الوحشيّة الكاسرة التي لا تخبّئ انفعالاتها إنّما تعلنها و بشراسة لا مخاتلة أو مواربة “([43])  .

إضافة إلى عمليّة التجميل التي نحتت بها سكرى أنفها من جديد ، قد اتّخذت أساليب التجميل ، دلالات أخرى خرجت بها من نطاق الغندرة ، و تعدّتها لتعبّر عن الحالة المزاجيّة للأنثى ، مخبرة بها عن نفسها ، عن حزنها عن قوّتها و جرأتها ، عن تمرّدها ، فعلاً لقد أضحى تصنيع الأنوثة مرآة تعكس ما يعتري الأنثى من مشاعر في الداخل ، أو كلام تريد الكشف عنه بصمت ، ” فنّ حقيقيّ أصبح المكياج ، ساعي بريد يوصل رسائل لا تُحكى لكن تُعرف”([44]). حيث إنّ ” الثياب و المكياج و لون الشعر و تسريحته ، طلاء أظافرها و إكسسواراتها ، كلّها مفردات من قاموس أنوثتها ، إن علم الرجل أسرارها تعلّم فنّ فتح الأقفال ، و الألوان يمكن أن تكون عناوين لما تريد قوله .. تحبّك بالأحمر و تكرهك بالأصفر و تموّه بالرماديّ و حين تخلط الألوان فليحذر الرجل “([45]) .

  • الأنثى الاجتماعيّة :

لقد حضرت الأنثى فيما سبق بوصفها منتجاً بيولوجيّاً محايداً ، أمّا – هنا – فالسرد يقدّمها عندما تدخل بجسدها الحياديّ تحت نفوذ السلطة الاجتماعيّة ، لتتراكم عليه أعراف البيئة الاجتماعيّة و تقاليدها و تحاصر كينونتها الأنثوية و تصادر مباهجها ، فلقد استمدّت هذه الأعراف و التقاليد شرعيّتها من الموروث الاجتماعيّ الذي يعطي للذكر حضوراً متعالياً و متسلّطاً على حساب حضور الأنثى الذي يتحوّل إلى حضور مقموع مهمّش .

إذ نجد سطوة السلطة الاجتماعيّة المتمثّلة بالأب واضحة على مسار حياة بناتهنّ ، ” فالرجل يعتبر جسمه لو كان كائناً مستقلّاً يتّصل مع العالم اتّصالاً حرّاً خاضعاً لإرادته هو .. بينما يعتبر جسم المرأة شيئاً حافلاً بالقيود التي تعرقل حركة صاحبته”([46]) ، لذلك يعتبر الأب نفسه الأصل و المعلّم و الأكثر حنكة ، و على ابنته أن تحذو حذوه في كلّ شيء و تطيع أوامره ،  فبحسب قول الغذاميّ : ” مرّ بنا قول ابن المقفّع أنّ الأوائل أكبر أجساماً و أرجح عقولاً , و بما أنّهم كذلك فهم بالضرورة النسقيّة أعلم و أحكم . و هذا تصوّر نسقيّ متجذّر حتّى لنجد المثل الشعبيّ الذي يقول : أكبر منك بيوم أعلم منك بسنة ، فالأكبر هو الأعلم ،  و جاءت مقولة ما ترك الأوّل للآخر شيئاً..”([47]) ، لذلك نرى الأبّ يتفرّد بقراراته دوماً ، خاصّة إذا ما تعلّق الأمر بزواج إحدى بناته، فلقد ” رفض ( متعب) تزويج ( قطنة ) ( لطراد ) ، و عمد إلى تقليدٍ بدويّ صارم يؤكّد الرفض المطلق  (اذهب ، و لا ترجع ) ذلك لما ابتعد ( طراد ) حوالي خمسين خطوة عن البيت رفع (متعب) مسدسه و أطلق ثلاث طلقات نحو السماء، رسالة على الطريقة البدويّة تقول : ( إذا عدت ستقتل ) خلالها لم يلتفت (طراد)”([48])، فلقد كان الأب متعب قد ” أعطى كلمته لشيخ عشيرة (الرولة) أكبر عشائر عدوتهم للدودة (عنزة) ، و عرفت الصحراء أشهر مهر دفع لعروس “([49]) ، متجاهلاً بذلك إرادة ابنته و مشاعرها و حقّها في اختيار شريك حياتها ، ليحذو حذوه أبو منوى ، فلقد ” كانت منوى مغرمة بابن عمّها ( النوريّ ) ، لكن الأبّ زوّجها لشيخ عشيرة أخرى في منطقة الفرات كان يكبرها بأكثر من ثلاثين سنة ، عضواً في المجلس النيابيّ و يتزعم عدّة عشائر زعامة مطلقة”([50])  .

يمكننا القول أنّ الأبّ قد قايض ابنته بالمال أو السلم ـو النفوذ عندما زوّجها برجل طاعن في السنّ و متزوّج . أمّا حازم بيك الذي أحبّ سكرى و رفضه أباها و عشيرتها كلّه ، و زوّجوها لغيره ،  خطفها فيما بعد و تزوّجها ، و عندما أصبح له ابنة،  نراه قد اقتطع جزءاً من ذاكرته أو تناساها بدافع ثقافيّ مازال يغرّد داخله بصوت عالي ، ليعيد ذات الموقف الذي عانى منه يوماً ، إذ رفضه تزويج ابنته بمن تحبّ ، فلقد ” رفض (حازم) بيك مراراً طلبه الزواج بسكرى التي شبَّت و هي مغرمة به . و ذات يوم أعلن أنّه سيزوّج (سكرى) واحداً من معارفه الأثرياء”([51])  .

و من هنا تحوّلت بعض النصوص إلى نوع من التنفيس عن القهر الاجتماعيّ الذي لاحق المرأة منذ صغرها بطقوسه التعسفيّة، و التي من غير الممكن تخطّيها ، لأنّه بذلك يعني الموت أو الإقصاء .

الأنثى الثقافيّة :

” و هي الأنثى التي شكّلتها الثقافة بكلّ أبعادها المادّيّة و الروحيّة ، إذ يتدخّل في هذا التشكيل العادات و التقاليد و الأعراف و التنشئة البيئيّة و الأسريّة “([52])  ، و التي تبني مع بعضها جداراً ثقافيّاً يحجز خلفه الأنثى  و يفصلها عن وعي الذات و العالم . فالأنثى هنا إذاً هي ناتج طبيعيّ عن المستويين السابقين ( البيولوجيّ و الاجتماعيّ ) ، و بمعنى آخر تكون الأنثى الثقافيّة ناتجة عن ميراثين : ” ميراث بيولوجيّ محايد ، و ميراث اجتماعيّ بفاعليته الموغلة في الزمن “([53]) .

ممّا جعل الإجراءات السرديّة تقدّم الأنثى الثقافيّة و هي تمشي في مسارين :

  • الأوّل : يتحكّم بها القهر و يسكت صوتها الأنثويّ المتمرّد ، سانحاً للصوت الثقافيّ أن يعلو بمخزونه التراكميّ ، ممّا يدفعها مجدّداً إلى منطقة الحريم .
  • الثاني : يتداخل مع الأوّل ، لكنّه يقاوم القهر في المضمر محاولاً احتلال المتن ، لأنّ أنساق الثقافة و محرّماتها تحاصره ، لذلك فإنّ تتبّعه يكون من خلال رصد الإشارات الخفيّة في النصّ .

و كلا المسارين قد سلكتهما الأنثى ، لكن بهيئتين متناقضتين :

الأولى : الأنثى النمطيّة : و هي المغلوب على أمرها ، ممّن تسيّرهم الثقافة كيفا اتّجهت ، من دون أن تبدي أيّ اعتراض أو تذمّر لأيّ عرف أو تقليد اجتماعيّ سائد ، إذ تبدو هذه الأنثى في أهمّ ملامحها أنّها خاضعة للذكر خضوعاً مطلقاً ، لا تعترض على تصرفات الذكر ، طيّعة لأوامره ، فهي تشعر بأنّها ضعيفة و بحاجة لحماية الرجل ، لذلك نجد مفهوم (ستر البنت) و تهيأتها لخدمة رجلها منذ سنّ مبكّرة. و في النصّ أمثلة كثيرة عن هذه الأنثى. لكنّ اللّافت أنّ هذه النوع من الأناث قد أغفل السرد اسمها ، و سعى بسرعة إلى التخلّص منها و تغييبها عن النصّ ، ربّما رغبة منه في تغييبها عن الواقع أيضاً.

كما استحضر السرد نموذج المرأة الجلّادة ، المتشرّبة لثقافة الفحولة ، و الساعية لقهر الأنثى ( أنثى ضدّ الأنوثة ) ، إذ إنّ: ” الذكورة تفرض نفسها على المرأة إلى درجة أنّ النساء أنفسهنّ ساهمن في هذا التحويل المستمرّ باتّجاه الذكورة “([54]) ، و الخالة خير مثال لهذه الأنثى ، فهي التي أرغمت مير ابنة زوجها على الزواج ممّن لا تريد ،  كذلك زوجة الأخ التي حاولت قتل عنقا ، لتحشد الزوجة الثانية ( الضرّة ) طاقاتها كلّها في محاولات قتل و أذيّة الزوجات الأخرى كمعزز و ضرّات فكرى.

الثانية : الأنثى المتمرّدة : و هي التي وعت كينونتها و غاية وجودها الإنسانيّ ، فقادها السرد من الخضوع إلى التمرّد ، لتسلك طريقاً مغايراً عمّا رسمه المجتمع لها ، على الرغم من وعورته التي شكّلتها محرمات الثقافة و محاولات الذكورة الساعية إلى تهميشها. غير أنّ حدّة التمرّد أو درجته تختلف باختلاف الظروف التي تحيط بالأنثى .

فالأنثى المتمرّدة يستهدف حضورها النصّيّ تعديل كفتيّ الثنائيّة ( الذكر- الأنثى ) ، و قد لا يقتصر هذا التعديل على توازن الطرفين ، بل إمالة الكفّة لصالح الأنوثة باعتبارها المصدر الوحيد لاستمرار البشريّة .

هذا التمرّد وجدناه عند حمرا ،  و مراية ،  و قطنة ،  و منوى ،  و سكرى ، اللّواتي خالفن أعراف القبيلة في ما يخصّ الهوى و الجسد ،  لتكمل كلّاً من عنقا و فكرى و سكرى الثانية مسيرة أمّهاتهنّ في التمرّد ، إذ اقتحمن مجال العمل ،  و أثبتن كيانهنّ الذي طالما اُعتبر المنزل ميدان عمله الوحيد ، ” فالنساء ينسجن التاريخ أكثر ممّا يفعل الرجال ، أو كما تتوهّم غالبيتهم”([55]) ، و ربّما جاء ذلك لإعلان ” المستقبل المؤنّث “([56]) ، ” فثمّة إناث خلقن لتخلي لهنّ النجوم مكاناً “([57]). لأنّهنّ حاملات القيم و حافظات النسل و الملكيّة و الشرف ،  و لأنهنّ من ينخس المتخاذلين من الرجال ، و يقيّم أداءهم في الحرب ، فيصبغن الضعفاء و الجبناء بصباغ المواشي ، و لأنهنّ السلطانات المتمرّدات ، الحرّات اللواتي ينزحن عند الظلم حتّى لو أكلتهن وحوش الصحراء ، فكلّ محاولاتهن في فكّ الأغلال عن أنوثتهن ،  إنّما هي محاولة للخروج من الإطار المتحجّر الذي شكّلته إملاءات و شروط العقل الذكوريّ النمطيّ .

إذ نجد أنوثتهنّ تزداد في البروز و الانكشاف مع طغيان ضمير ( أنا المتكلّمة ) و ( هي الغائبة ) ، و هي “خاصيّة التمحور على الذات “([58]) ، إذ يختزل الضمير الحضور الوجوديّ للأنثى في صراعها اليوميّ مع التهميش الذي يطاردها في الحلم و اليقظة , و يتشكّل في أكثر من شكل و صورة .

فنرى الأنثى مع ضمير  (أنا) المنتهي بألف المدّ تترافق مع حسّ الشموخ في التعبير عن الذات الذي طالما حرمت منه ، فبه تثبت وجودها الذي تنكّرت له و شكّكت به الثقافة فترة طويلة من الزمن ،  هذا ما نلاحظه في قول عنقا في ( سلطانات الرمل ) : ” أنا السحَلة ، براس النخلة ، ما تقواني يا مسكين “([59]) .

الخاتمة :

لقد أبرزت الرواية موقف الأنثى من الموروث الفحوليّ، و الذي يتجلّى في حركتها المضادّة للذكورة ، و الساعية لإعلاء الأنوثة، إذ نجد أنّ الغلبة في النصّ للأنثى المتمرّدة لا النمطيّة من حيث الفعل و الكمّ ، فأغلب وقائع السرد كانت معنيّة بإبراز صورة تمرّد المرأة على واقعها المحيط ، و إن لم تتحلّى الكاتبة بالجرأة الكافية في تناول مفردات الجسد و الحديث عن أعضائه المتمايزة، إذ وقفت على عتبات الأوصاف الخارجيّة التي تعكس الجمال الأنثويّ بوصفه سلاحاً فاعلاً لإخضاع الذكر .

كما لاحظنا أيضاً في بناء السرد أنّه انحرف عن مساره الطبيعيّ المألوف ، الذي تتحرّك فيه الأحداث و الشخوص حركة أفقيّة يتحكّم فيها التسلسل الزمنيّ المنطقيّ ، و تحوّلت حركته إلى حركة متردّدة بين ماضي و حاضر زمن القصّ . فالاسترجاع باعتباره أحد التقنيّات التي تكسر التسلسل المنطقي للزمن ، نجده بكثافة في هذا النصّ ، ربّما لأنّ السلطة التي حاصرت الفرد – لا سيّما الأنثى – تستمدّ من الماضي ركائزها ، و تسكن المخيّلة بأنساقها القهريّة منذ سنين طويلة عانت فيها المرأة التهميش .

و للتخلّص من هذه السلطة و من ركائزها قدّمت الأنثى دفقة تشويهيّة للذكر (داخليّة و خارجيّة) ، إضافة إلى محاولة إلحاق العجز به ، أو تغييبه إمّا بالموت أو السفر ،كما وجدنا أيضاً أنّ السرد قد منح الأنثى دون الذكر صفات عجائبيّة غرائبيّة و قدرات تخترق الطبيعة البشريّة ، و كأنّ ذلك نوع من التنفيس عن القهر الذي سببه المجتمع للمرأة ، و تعويض لها عن السنين الطوال التي عاشتها مسلوبة الإرادة و الرأي، و مهمّشة الفعاليّة . و بذلك يكون السرد قد انحاز للأنوثة، و أعلن سلطويّتها.

قائمة المصادر و المراجع :

أوّلاً النصوص المقدّسة :

  • الإنجيل المقدّس : إنجيل يوحنّا ، 33 : 8 .

ثانياً: النصوص المدروسة :

  • الحسن ، لينا : سلطانات الرمل ، ، دار ممدوح عدوان للنشر و التوزيع ، دمشق ، ط1، 2009.

ثالثاً : المراجع :

  • بنمسعود ، رشيدة : المرأة و الكتابة : سؤال الخصوصيّة / بلاغة الإختلاف ، ، أفريقيا الشرق ، الدار البيضاء ، بيروت ، ط 2 ، 2002 .
  • جامبل ، سارة : النسويّة و ما بعد النسويّة ، ترجمة أحمد الشاميّ ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، 2002.
  • دي بوفوار ، سيمون : الجنس الآخر ، ترجمة ندى حداد ، الأهليّة للنشر و التوزيع ، عمان ، ط1 ، 2008.
  • عبد المطلب ، محمّد : بلاغة السرد النسويّ ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة ، ط1 ، 2007.
  • العلي ، رشا : ثقافة النسق ( قراءة في السرد النسوي المعاصر ) ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، ط1 ، 2010 .
  • الغذامي ، عبدالله : المرأة واللغة ، المركز الثقافي العربي ، بيروت ط3 ، 2006 .
  • الغذامي , عبدالله : النقد الثقافي/ قراءة في الأنساق الثقافية العربية , المركز الثقافي العربي, الدار البيضاء/ بيروت ط1 ، 2000 .

رابعاً : المجلّات و الدوريّات :

  • فيصل ، عاطفة : تحوّلات الخطاب الأنثويّ في الرواية النسويّة في سورية ، مجلة جامعة دمشق ، المجلد 21 ، العدد (1+2) 2005.
  • مجلّة الدراسات الاشتراكيّة ، ثبت الروايات ، دون مؤلف ، دمشق ، العدد 182/183 ، 2000.

[1] اعتمدت على : ثبت الروايات السورية ، الذي أجرتها مجلّة الدراسات الاشتراكيّة ، العدد 182/183 ، 2000 .

[2] فيصل ، عاطفة : تحولات الخطاب الأنثوي في الرواية النسوية في سورية ، مجلة جامعة دمشق ، المجلد 21 ، العدد (1+2) 2005، ص19  .

[3] جامبل ، سارة  : النسويّة و ما بعد النسويّة ، ترجمة أحمد الشاميّ ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، 2002 ، ص 337 .

[4] العلي ، رشا : ثقافة النسق ( قراءة في السرد النسوي المعاصر ) ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، ط1 ، 2010، ص17 .

[5] لينا هويّان الحسن : كاتبة و روائيّة سوريّة ، ولدت في بادية حماة ( 1977 ) ، تنتمي إلى قبيلة الجميلة القيسية التغلبيّة ، هي من أوائل الروائيات اللواتي اشتغلن على البادية السوريّة في رواياتهنّ . لها عدة أعمال روائيّة ، من بينها رواية ( سلطانات الرمل ) الصادرة عن دار ممدوح عدوان ، دمشق ، الطبعة الأولى عام 2009.

[6] و هو الشطر الثاني من بيت لحسان بن ثابت ،  يستهلّه ب ” بيض الوجوه ،  كريمة أحسابهم “. انظر : ديوان حسّان بن ثابت ، تحقيق : د. وليد عرفات ، الجزء الأول ، تولى طبعه أمناء سلسلة جب التذكارية ، ص 74 .

[7] الحسن ، لينا هويان : سلطانات الرمل ، دار ممدوح عدوان للنشر و التوزيع ، دمشق ، ط1، 2009 ، ص39 .

[8] الحسن ، لينا هويان : سلطانات الرمل ، ص 174 .

[9] السابق ، ص  175 .

[10] السابق ، ص  273  .

[11] السابق ، ص 247 .

[12] الحسن ، لينا هويان : سلطانات الرمل ، ص114 .

[13]  السابق ، ص34 .

[14] السابق، ص 19 .

[15]  انظر : العلي ، رشا : ثقافة النسق ،  ص 380.

[16] الحسن ،لينا هويان : سلطانات الرمل ، ص 17 و 18 .

[17] السابق، ص 46 .

[18] السابق، ص263

[19] السابق ، ص 19 .

[20] الحسن ، لينا هويان :  سلطانات الرمل ، ص 31 .

[21] السابق ، ص 39.

[22] السابق ، ص 35 .

[23] السابق ، ص 127 .

[24] السابق ، ص 307 .

[25] الحسن ، لينا هويّان : سلطانات الرمل ، ص 66 ، لكنّ هذه الجملة مقتبسة من شعار جريدة البشير التي يصدرها اليسوعيون و التي تملؤها مواضيع اجتماعية و سياسية ،  و التي بدورها مأخوذة من إنجيل يوحنا ،  33 : 8 .

[26] السابق ، ص 100 .

[27] السابق ، ص 23 .

[28] السابق ، ص 23 .

[29] الحسن ، لينا هويان :  سلطانات الرمل ، ص 16 .

[30] السابق ، ص 245 و 246 .

[31] السابق ، ص245 .

[32] الحسن ، لينا هويان :  سلطانات الرمل ،  ص14.

[33] السابق ، ص 17 .

[34] السابق ، ص 52 .

[35] الحسن ، لينا هويان : سلطانات الرمل ، ص 33 .

[36] السابق ، ص 31 .

[37] السابق ، ص  104.

[38] السابق ، ص 14.

[39] العلي ، رشا : ثقافة النسق ، ص 94 .

[40] الحسن ، لينا هويان : سلطانات الرمل ، ص 39 .

[41] الحسن ، لينا هويان : سلطانات الرمل ، ص 198 .

[42] السابق ، ص 111 .

[43] السابق ، ص 197 و 198 .

[44] السابق ، ص 198.

[45] السابق ، ص 199 .

[46] دي بوفوار ، سيمون : الجنس الآخر ، ترجمة ندى حداد ، الأهليّة للنشر و التوزيع ، عمان ، ط1 ، 2008 ، ص 10 .

[47] الغذامي ، عبدالله : النقد الثقافي/ قراءة في الأنساق الثقافية العربية ، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء / بيروت ط1 ، 2000 ، ص133 .

[48] الحسن ، لينا هويان : سلطانات الرمل  ، ص 36 .

[49] السابق ، ص 37 .

[50] السابق ، ص 88 .

[51]  السابق ، ص138 .

[52] عبد المطلب ، محمد :  بلاغة السرد النسوي ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة ، ط1 ، 2007 ، ص 38 .

[53] العلي ، رشا : ثقافة النسق ، ص 66

[54]  الغذامي ،عبدالله محمد : المرأة واللغة ، المركز الثقافي العربي ، بيروت  ط3  ، 2006  ، ص49 .

[55] الحسن ، لينا هويان : سلطانات الرمل ، ص 305  .

[56] محمد عبد المطلب ، بلاغة السرد ، ص 37 .

[57]  الحسن ، لينا هويان : سلطانات الرمل ، ص 305 .

[58] انظر : بنمسعود ، رشيدة : المرأة و الكتابة ، سؤال الخصوصيّة / بلاغة الإختلاف ، أفريقيا الشرق ، الدار البيضاء ، بيروت ، ط 2 ، 2002 ، ص 94 .

[59] الحسن ، لينا هويان : سلطانات الرمل ، ص 68 .
Updated: 2018-05-10 — 22:17

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme