الأغراض الشعرية في مدينة الجزائر أثناء العهد العثماني / سميرة أنساعد


 

الأغراض الشعرية في مدينة الجزائر أثناء العهد العثماني

 أ/ د. سميرة أنساعد ـ المدرسة العليا للأساتذة –بوزريعة-  الجزائر

 مقال نشر في مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 35  الصفحة 83.

 

 

الملخص:

     تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على شعر نخبة من شعراء مدينة الجزائر أثناء العهد العثماني، والتعريف بأغراضه ومنها: المدح والوصف والغزل، والشعر السياسي، وشعر التوسل الذي ينتمي إلى الشعر الديني، وإلى أبرز الأغراض في تلك الفترة وهو المديح النبوي، هذا الأخير جاء إما ضمن شعر المولديات، والحجازيات، والرحلات الخيالية والواقعية، أو جاء مستقلا بذاته، وقد نبغ في المديح بمدينة الجزائر شعراء أمثال أحمد المانجلاتي، ومحمد بن علي، وابن عمار، وابن الشاهد، ولأجل هذا سيتدرج المقال في تقديم أولا ترجمات موجزة للشعراء المنتخبين، ثم تعداد الأغراض التي نظم فيها هؤلاء الشعراء، مع الإشارة إلى خصوصيات الأسلوب الشعري عندهم، والقيم المحملة فيه، وبعد ذلك سيكون التركيز على نماذج من المديح النبوي، والتنبيه بإيجاز على أبرز الظواهر اللغوية، والتصويرية، والإيقاعية في هذا الشعر.

الكلمات المفتاحية: الشعر، الجزائر، أغراض شعرية، العهد العثماني، المديح النبوي، التراث الأدبي، جماليات الشعر.

تقديم:

      ما من شك أن الشعر الجزائري يعد امتدادا للشعر العربي القديم، وهو ما جعله يعرف الأغراض نفسها التي نظم فيها فحول وكبار الشعراء العرب، كالمدح والفخر والرثاء والهجاء والغزل، والوصف، وقد عبّر الشعراء الجزائريون على مر الزمان، ومنذ القرون الهجرية الأولى التالية للفتح الإسلامي، عن أفراحهم وآلامهم، وحاجاتهم اليومية، والنفسية، والفكرية، وقد وصل شعرهم إلى مستوى عدّه عبد الملك مرتاض: “راقيا في تصويره، أنيقا في نسجه، رقيقا في عواطفه، بديعا في خياله”([1])، وقد شهد الشعر الجزائري كذلك تطورا في الأغراض الدّينية، ومنها الشعر الصوفي، والمديح النبوي، والتوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم، وفي شعر الإخوانيات، والشعر السياسي.

      ولا تشط مدينة الجزائر عن المدن الأخرى الجزائرية، في كونها عرفت نبوغ عدد من الشعراء، الذين لا يقل شعرهم في كثير من نماذجه عن شعر الأفذاذ من الشعراء المشرقيين، ويمكن ذكر بعض الأسماء التي لمعت في سماء الأدب منهم: بكر بن حماد، وابن واشكل التيهرتي، وابن خميس، وأبو حمو الزيّاني، وعفيف الدين التلمساني، وفي العهد العثماني برز شعراء كثر منهم: محمد بن ميمون، وأبو القاسم البوني، وعبد الكريم الفكون، وأحمد المقري، وابن حمادوش الجزائري، وأحمد المانجلاتي، ومحمد بن علي الجزائري، وأحمد بن عمار، ومحمد بن الشاهد الجزائري، وسنحاول في هذا البحث التركيز على الشعراء الأربعة الأخيرين.

  1. تراجم شعراء مدينة الجزائر:

أحـمد المـانجـلاتي:

هو من شعراء الجزائر، الذين لا نعلمُ عنهم الكثير في هذا العصر، رغم إسهامهم في الحركة الأدبية في عصرهم، إنه أبو العبّاس أحمد المانجلاتي، عاش في القرن الحادي عشر الهجري، وعاصر الشيخ سعيد قدّورة الجزائري، المتوفى سنة (1066هـ-1656م). عاش المانجلاتي في مدينة الجزائر، فنبغ في قول الشّعر، خاصّة المديح النبوي. وتعلّم أيضاً العلوم الشّرعيّة على يد الشيخ محمّد بن علي آبهلول المجاجي، أحد صلحاء وعلماء القرن الحادي عشر الهجري.

وقد أطلعنا محمّد بن علي الجزائري، تلميذ المانجلاتي وخلفه في صناعة الشعر على بعض إنتاج أستاذه المانجلاتي، في مجمّع ضمّ عدّة شعراء مغاربة ينتمون إلى القرنين الحادي عشر والثاني عشر للهجرة. وقد اختار الشيخ أحمد بن عمّار الجزائري مجموعة من تلك القصائد، ونسخها في تأليف خاصّ([2])، وفي رحلته المسماة: “نحلة اللبيب بأخبار الرّحلة إلى الحبيب”([3])، وأورد ابن عمّار مقطوعةً نثرية، يصف فيها أحمد المانجلاتي، ويذكر تفوّقه على أهل زمانه في نظم المدائح النبوية. فيقول عنه: “…وهذه الطريقة التي مدحْنا بها النبي صلّى الله عليه وسلّم عليها جرى أهل بلادنا، وأرباب طارفنا من البلاغة وتلادنا، والشعر القريض عندنا في هذا الغرض ما أنزره وأقله، في هذا العصر والذي قبله، ومجلي هذه الحلبة، ومقدّم الجماعة، وناثل الجعبة، وإمام الصناعة، وركاب صعابها، ومذلّلها، ومسبل شعابها، ومسهّلها، عاشق الجناب المحمّدي ومادحه بلا معارض ومثلث طريقتي البوصيري وابن الفارض، الشيخ أبي العباس سيدي أحمد المانجلاتي.”([4]) وقد ألحق ابن عمّار أحمد المانجلاتي،  بالبوصيري وابن الفارض في طريقة نظم شعر المديح، وعدّه ثالث الثلاثة([5])، ولا نعلم عن مؤلّفات المانجلاتي، سوى ديوانٍ في المولديّات، حسب ما أورده ابن عمّار في نحلته. حيث قال: “…وهذا الرجل الصالح من عشّاق الشمائل المحمدية، المشرّفة العطرة النديّة، وله ديوان قصائد مولدية تزري بالأزهار النديّة.”([6])

 محمّـد بن عليّ الجـزائـري:

وهو أديبٌ آخر، عاش في القرن الثاني عشر الهجري، واسمه محمّد بن عليّ بن محمّد المهديّ، الشهير بابن عليّ الجزائريّ([7])، أديب الجزائر وعالمها يومئذٍ، ولد في مدينة الجزائر سنة (1090هـ-1677م)، وقد وصفه معاصره أحمد بن عمّار الجزائريّ بقوله: “سحبان البلاغة، وقسّ البراعة، ومالك أزمة المعاني، ومصرِّف اليراعة، فارس الأدب المفرد، وحامي ذماره…”([8]) ويقصد بقوله “سحبان البلاغة”، سحبان وائل الذي يضرب به المثل في بلاغة القول، أمّا قول ابن عمّار “قسّ البراعة” فيقصد به قسّ بن ساعدة الإيادي، الخطيب المفوّه في العصر الجاهلي. وكذلك لفظ “مالك” الذي يشير به السيّاق إلى الإمام مالك، الذي جمع دقائق الفقه في زمانه، فبرع فيه. وكان ابن عمّار شديد التأثّر والإعجاب بشيخه ابن عليّ الجزائريّ، وكان دائم المدح له نثراً وشعراً. لكنّ عبد الرزّاق بن حمادوش الجزائريّ، وصف الرّجل في رحلته “لسان المقال في النبإ عن النسب والحسب والآل” خلاف ما سبق، فيقول: “..إذ قد دخل علينا الرافل في ثوبه، الزّاهي بكبره وعجبه، الذي يعدّ الأشراف أرضاً، وأنّ نعله يطأ صفحات خدودهم فرضا، وإنّه بلغ الغاية القصوى.. ورغبته في الدنيا، وليس له رغبة في دار القرار، مفتي الحنفيّة بالوقت، ابن عليّ المستحق المقت…”([9]). ولعلّ هذا من أثر المنافسة بين الرجلين ابن علي وابن حمادوش، لا ينفي قدره العالي بين الناس ومرتبته المتقدّمة بين أهل المغرب والمشرق في صناعة الشعر والنثر. وقد ذكر ابن عمّار في كتابه نحلة اللبيب أنّ له ديواناً في مختلف الأغراض من غزل ومدح ورثاء ووصف ومديح، وهي الأغراض التي طرقها شعراء ذلك العصر.([10])

أحمـد بن عمّار الجزائـريّ:

 هو أبو العبّاس أحمد بن عمّار الجزائري، المولود حوالي سنة (1119هـ-1719م)([11]) بمدينة الجزائر ، كان كثير التنقّل والترحال. فلم يكتف بالمكوث في بلدته الجزائر، التي نشأ بها، وتعلّم على أكابر شيوخها أمثال الشّيخ أحمد بن محمّد الورززي([12])، والأديب أحمد بن علي الجزائري، بل اِرتحل إلى الحجاز عام (1166هـ) ثم عاد إلى الجزائر، وتولّى منصب الفتوى على المذهب المالكي. ونبغ في علوم كثيرة، كالفقه والتفسير، كما أبدع في كتابة الشعر والنثر، حتى عرّفه معاصره ابن حمادوش بأنّه: “الأديب الأريب، ذو القلب النّاطق، والقول الصّادق.”([13]) ووصفه الحفناوي بأنّه: “كان من نوابغ عصره، وأفاضل مصره، وهبه الله حظاً من سيلان القلم وطلاقة اللّسان.. وبديهة في البيان والمعاني.”([14])

رجع أحمد بن عمّار مرّة أخرى في رحلة ثانية إلى مكة المكرمة؛ حيث جاور بها مدّة، ثم عاد إلى الجزائر، وفيها تولّى منصب الفتوى على المذهب المالكي سنة (1180هـ)، واستمر في أداء هذه الوظيفة إلى غاية سنة (1184هـ)، ثم سافر إلى تونس سنة (1195هـ) بقصد الاِستيطان بها، غير أنّه رجع إلى الجزائر مرّة أخرى، ثم رحل منها إلى مكة مرّة ثالثة، حيث بقي هناك، إلى أن توفي بعد سنة (1205هـ)، وقد سمحت الرّحلات المتكررة، التي قام بها ابن عمّار الجزائري إلى الحجاز خاصة باشتهاره بين النّاس والعلماء، الذين اتّصل بهم، فأفادهم واستفاد منهم، وكان من بين من لقيهم وعرفهم أيضاً، أبوراس الناصر المعسكري، ومحمّد بن ميمون الجزائري، ومحمّد بن الشّاهد الجزائري، وخليل المرادي الشّامي([15])، ولابن عمّار مساهمة في التّأليف، نذكر منها: “لواء النّصر في فضلاء العصر” في موضوع التراجم، و“ديوان شعر” في المدائح النبويّة، وكلاهما مفقود مع المؤلفات الأخرى التي تعرض أغلبها إلى الضياع.، ولم تصلنا أخبارها، إلا عن طريق كتب التراجم، ككتاب تعريف الخلف المذكور أعلاه.

محمّـد بـن الشـاهـد الجزائري:

وكذلك شأن المفتي الحاجّ محمّد بن الشاهد، شأن أحمد المانجلاتي ومحمّد بن عليّ، وأحمد بن عمّار، ممّن تندر الترجمة لهم في الكتب القديمة، ويُجهل تاريخ ولادته، لكنه كان موجوداً سنة (1182هـ و 1192هـ و 1247هـ)، كما تحرّى ذلك أبو القاسم سعد الله([16]). غير أنّنا لا نعلم مكان ولادته، وأين نشأ. وما هو معروفٌ، أنّ ابن الشاهد قد تولّى الإفتاء والتدريس في جامع الجزائر الأعظم، حسب ما أخبر به الرحّالة أبو راس المعسكريّ في كتابه “فتح الإله ومنته في التحدث بفضل ربي ونعمته..” ولقّبه: بـ” العلاّمة الفهّامة الدرّاكة الأديب، الذي في كلّ علمٍ له أوفر نصيب…”([17])، وقد حظر أبو راس لابن الشاهد شرحه الموطّأ، وشهد تبحّره في العلم وتوسّعه في الشرح، وزيادةً على هذا فهو شاعرٌ، كتب في التوسّل إلى الله تعالى،  وفي الرثاء، والمدح، وفي المديح النبويّ.([18])

ارتحل محمّد بن الشاهد إلى الحجاز، لأداء فريضة الحجّ، فاطّلع على أحوال المشرق وأهله. كما اتّصل بعلمائه وعلماء المغرب الأقصى. أمثال أحمد الغزّال، وأبي القاسم الزَيّاني. ونشير هنا، إلى أنّ أحمد بن الشاهد قد شهد فترة الاضطرابات السياسية التي سبّبتها الحملات الأوروبية المسيحية المتكرّرة على الجزائر، ثمّ الاحتلال الفرنسي لبلادنا بعد ذلك؛ فكان له بعض القصائد في الشعر السياسي، أو في وصف النوائب والمصائب التي تحل بالوطن.

  1. الأغراض الشعرية لدى شعراء مدينة الجزائر:

     نظم الشعراء الجزائريون في الأغراض التقليدية وأهمها المدح، الذي كان الكثير منه متعلقا بالإخوان والأصدقاء، والعلماء، ولهذا السبب شاعت في قصائد مدح العلماء، والأولياء عبارات المدح والتنويه بالممدوحين، وعقد المقارنات بينهم وبين الأعلام السابقين، وكثيرا ما حملت قصائد المدح في هذا الزمان أساليب التفضيل، والمبالغة في إظهار خصال الممدوحين وتعدادها، وأمثلتها كثيرة عند عيسى الثعالبي، وأحمد المقري، وبرز فيه أيضا شعراؤنا الأربعة، ومنه قصيدة ابن علي في مدح صديقه ابن عمار يقول فيها: (البحر الكامل)

 “قَسَمًا بِرَيْحَانِ العَقِيقِ وَبَـــــــانِهِ                لَقَدِ انْقَضَى غَزَلِي عَلَى غزَلَانِهِ

 مِنْ كُلِّ أَحْوَرْ بَابِلِيِّ الطَّرْفِ فَا                تِكُــــــهُ بِأَرْبَــــــابِ الــــــنُّهَى فَتَّانِهِ

 فاعْجِبْ لرَوْضةِ خَدِّه مَا بَالُهَا                مُخْضرةَ الـــــجَنَبَاتِ فِي نِيرَانِهِ

 ذِي صُورةٌ قَدْ أَذْكَرَتْنِي عِنْدَمَا                أَلْقَـــــــــــاهُ صُنْعُ الله فِـــي إِتْقَانِهِ

 مَا زَارَنِــــــــي إلاَّ رَآنِي خَاضِعًـــا                 وَأَرَاهُ كِسْرَى حَــــلَّ فــــي إيوَانِهِ

 وَظَفِرْتُ منهُ بِلَيْلَةٍ قَدْ أسْفَرَتْ                عَنْ لَيْــلَــةِ المَأْمُونِ مَعْ بَـــوَرَانِهِ

..وَبِحَضْرَتِي الفَذُّ الذِي بَهَرَ الوَرَى            أَدَبًــــا وَأَخْرَسَهُمْ بِسِحْرِ بَيَانِهِ

   فَهْــــوَ ابْـــنُ عَمَّارْ الذِي لَوْ أَنَّهُ               لاَقَى ابنَ عَمَّارٍ لَغَصَّ بِشَأْنِهِ

 ..مَا كُلُّ مَن صَاغَ القَرِيضَ يُجِيدُهُ            مَعْنــــًـــى وَيَصْرِفُــهُ عَلَى أَوْزَانِــهِ

   إلَّا ابنَ عمَّارٍ فَحَسْبُكَ مِنْ فَتَى             زَانَ النَّشِيدَ وَعُدَّ فِي أَعْيَانِـــهِ

   قَدْ هِمْتُ مِنْ شَوْقِي إِلَيْهِ وَلَيْتَنِي              وَافَيْتُهُ كَــــالطَّيْرِ فِي طَيَرَانِــــــهِ           

   فَعَلَيْــــــــهِ مِنِّي مَــــــا حَيِيتْ تَحِيّـَةً                تُزْرِي بِعَرْفِ البَـانِ فِـــــــي إِبَّانِهِ

   وَتَحُـــــلُّنِي مِنْـــــــهُ مَحَـــلَّ شَقِيقِـــهِ                 أَوْ كَالشَّقِيقِ الغَضِّ مِنْ نَعْمَائِهِ

   مَا دَارَ كَــــــأْسُ الوَرْدِ بَيْـنَ أَحِبَّةٍ                 هَــــامُوا بِرَيْحَانِ العَقِيقِ وَبَــــــانِهِ”([19])

     ومن يقرأ هذا المدح يجد رقة في الألفاظ وعذوبة تنبع عن وصفه المعنوي، وتركيزه على مواطن الجمال في شخص ابن عمار، وفي أدبه، وقد افتتح الشاعر أبياته المدحية بقسم خصّ عبقَ ورائحةَ مكان حجازي مقدس هو عقيق الأراك، الموضع القريب من المدينة والمليء بالنخيل، ليبدأ بوصف صديقه ابن عمار مستعيرا كلمات الغزل وعباراته الدالة على الجمال الجسدي، أو على الإعجاب والخضوع، والكلف بالمتغزل به، منها: (أحور الطرف، الفتان، الخد، أعجب، خاضعا،…)، والتفت ابن علي بعد ذلك إلى التغني بالليلة التي جمعته بالممدوح، ملقيا عليها كل أوصاف الجلال والأبهة والرفعة، والأنس والتسلية، مستخدما أسماء مناسبة لهذه الصور مثل: (كسرى والمأمون والموصلي، والأوتار والألحان، والروض، والزهر، وصوت البحر،… وغيرها)، وقد استخدم الشاعر  تقنية التشويق حيث لم يعلن عن اسم الممدوح حتى البيت الثامن والعشرين، ليستغرق في مدح أدب ابن عمار وتبيان تفوقه على أقرانه وعلى الشعراء القدامى كذلك، ويختم ابن علي قصيدته بتحية معطرة أرسلها إلى ممدوحه لا تنتهي بانتهاء شعره، بل تدوم ما دامت المحبة باقية بين المولعين بأرض الحجاز، وبعطره الفواح.

      ومن نماذج مدح ابن عمار لصديقه محمد بن علي، قوله: (البحر الكامل)

    أنسيمُ رَوض رَقَّ في سَرَيانِهْ                وَثَنَى القَضيبُ فَرَاقَ في ميَلانِهْ

    بعثتْ أَرَائجُهُ السَّلْوَ لِخاطري               فَتَخَلّـــصَ الــمَحْزونُ مِنْ أَحْزانِهْ

    أَمْ روضةٌ غَنَـــاءٌ رَاقَ رُوَاؤهـــــا                خَلَعَ الـــــــرَّبيعُ بِـــــها حَلَى ألــــــوانِهْ

إلى أن قال:

    الـــعالــِـــــمُ الـــــــعَلـَـمُ الـــذي أحْيَــــا لنــــا                 ما قدْ أمَاتَ الـــــــــــدَّهرُ مِـْــن نعْمَــــانِهْ

    الـحافظُ الــبحرُ الـذي مـــَـــــــلَأَ البَسِيـ                 طـَـــةَ حِفْظُهُ وَازْدَادَ فِي فَيَضَــــــانِــــــــــهْ

    رَاوِي حديثَ المُصْطَفَى ابنُ علي الـ               مَعْـــــــــدُودُ فـِــــــــي ذَا العَصْرِ مِنْ أَعْيَانِهْ

    وَمُفَسِّرُ الذِّكْرِ الحَـــــكِيمِ وَمُظْهِـــــرُ الــــتْـ                تَأوِيــــــلِ وَالمَمْنُوحُ فَهْـــــــــــــمَ بَيَـــــــــــانِـــــهْ

       واستغرق ابن عمار في تبيان خصال ابن علي، ثم التفت إلى مدح لسانه، وأدبه قائلا:

   “أَدَبٌ يُريكَ الــرَّوْضَ وَقْتَ رَبيعِــــهْ              وَ تَنَسُّكٌّ يُدْنيــــــكَ مِنْ رَحْمَــانِهْ

    لَعِبَ بـِـــأَطْـــرَافِ الــــكَـلاَمِ لِـــسَـــانُهْ             وَ الفَصْلُ مَوْقــــــــوفٌ عَلَى تِبْيَانِهْ

    فَأَصِخْ إليـــــهِ السَّمْعَ عِنْــدَ حَدِيثِــهْ             تَسْمَعْ فَصِيحَ القَوْلِ مِنْ سَحْبَانِهْ

    أو جُلْ بِذِهْنِكَ في مَحَاسِنِ نَظْمِهْ            تَظْفَرْ بِحَرِّ الشِّعـْـــرِ مِــــنْ حَسَّـــــانِهْ

    مَا خَاضَ يَوْمًا نُطْقُــــهُ في حِكْمَـــةٍ             إِلَّا اخْـــتَفَى سُقْرَاطُ بَيْنَ دِنـَــــــانِـــهْ

    ولَهَى بِحِكْمَةِ هِــــــــرْمِسٍ وبِهِرْمِسٍ              وَسَرَى لَهَا الإِعْفَــاءُ مِنْ طُوفَانِـــــهْ

    وَإِذَا تَكَلَّـــــــــــــمَ فَوْقَ مِنْبَرِ وَعْظِــــهِ              جَــــلَّى لَنَـــــا البَــــصْرِيُّ فِي أَزْمَانِــهْ

    خَـــــــــــــدَمَ الــــبَلاَغَةَ وَالبَرَاعَةَ دَهْرَهُ             حتَّى انْثَنَى وَ الشِّعْرُ طَوْعُ لِسَانِــــهْ

    نَظْـــــمٌ لـَـــــــــــهُ تَنْدَفِقُ الآدَابُ مِـنْ               جَنَبَاتِـــــــــــهِ وَ العِلْمُ مِنْ أَرْكَـــــــانِـــــــهْ([20])

ويشير ابن عمّار هنا إلى أعلام مشهورين في الأدب والفكر قديما، وهم: البليغ سحبان وائل،  والشاعر حسان بن ثابت، والفيلسوفان سقراط، وهرمس، والخطيب الورع الحسن البصري رضي الله عنه، ويخبرنا ابن عمار عن أغراض شعر ابن علي في الأبيات التالية:

“فــإذَا يُشَـبِّبْ فَهْـــــــــوَ عُـــــــرْوَةُ رِقَّةً            يُـــــهْدي رَقِيقَ النَّسْجِ مِـنْ غَيْلانـِـهِ

وَإِذَا يَصُــــــوغُ المَدْحَ فَهْــــــوَ زُهَيْرُهُ            مَهْمَا انْبَرَى القَوْلُ فِي ابْنِ سِنَانِهِ

وَإذَا اغْتَدَى يَصِفُ المبانِيَ والذَرَى         خَرَّ ابنُ حـمْديسَ عـَلَــــى أذْقَـــــانِــهِ

         أَوْ جَالَ فِي وَصْفِ الرِّيَّاضِ أَوِ الرُّبَى         أَعْــرَى أبَـــا إسحاقٍ مِـــنْ إحْسَانِهْ

         فَهْـــــوَ الـــــذي رَاضَ الـــــبيانَ وساسَهُ           حتَّى اغْتَدَى يَنْقَادُ فِـــــي أَرْسَانِهْ

        فِي النَّظْمِ أوْ فِي النَّثْرِ تَحْسَبُهُ الذي           يُعْزَى إلَى سَلْمَانَ أَوْ خــَــاقَانِـــــهْ

       ..وَعليكَ يَا بـــَــحْرَ الــــبَيَـــــــــــانِ تَــــحِيَــــةً            تــُــزْرِي بِعُرْفِ الزَّهْرِ فِي أَفْنَــــــانـــِهْ

        مَا هَـــــــبَّ في رَوْضٍ عَلِيــــــلٍ نسيمُهُ             وَثَنَى القَضيبُ فَرَاقَ فِي مَيَلَانِهْ”([21])

      ويقارن ابن عمّار في هذه الأبيات الشاعر ابن عليّ الجزائريّ، بشعراءَ معروفين بتفوّقهم في صناعة الشعر وإجادته منهم: عروة بن جزام في الغزل، وزهير ابن أبي سلمى في المدح، وابن سنان في بلاغة القول، وابن حمديس في الوصف، وأبو إسحاق إبراهيم الموصلي في وصف الرياض، وسلمان والفتح بن خاقان في التأليف النثري، والملاحظ تركيز ابن عمار على المقارنة وعلى أساليب التفضيل مع كثير من المبالغة، خلاف ابن علي الذي بدا أكثر طبعا وتلقائية في مدحه لصديقه، فقد اجتهد ابن علي في وصف ممدوحه، بينما اجتهد ابن عمار في رصف أسماء الشخصيات، رغبة في إظهار سعة ثقافته واطلاعه، كما اعتمد ابن عمار أسلوب المعارضة وهي عادة شعراء هذه الفترة حيث نظم بالوزن والقافية الذين اختارهما ابن علي، وكذلك كان ختم القصيدة بألفاظ المطلع، غير أن هذا القول لا ينفي فنية القصيدة في كثير من المواضع وتميّز ابن عمار في تصيّد اللفظ، وصياغة الصورة، حيث استدعى الشاعر في أبياته أسماء وأماكن معروفة في التراث العربي القديم، وأعاد الحياة لمشاهير في شخص الممدوح المعاصر، كما اختار ألفاظا قوية مناسبة لغرض المدح من مثل: (بارع، إتقانه، فريدة، حزت، فزت، طلعت، افخر، خائض بحره، رب عنانه، اهنأ، عزة) يقول في خاتمة القصيدة:

      “يــــــــــَا بـَــارِعًا صَاغَتْ لَنَا أَفْكَارُهُ         نَظْمًا يَحَارُ العَقْلُ فِي إِتْقَانِـــهْ

       أَتْحَفْتَنِي بِفَرِيدَةٍ مَا حَاكَهَا الطْ         طَائِي وَلَا الصَّابِي فِي بَغْدَانِـهْ

   .. أبْرزتَ مِنْ سُجُفِ البلاغةِ فتنةً         نَفْدِيكَ مِنْ سَابِي الحِجَا فَتَّانِهْ

      هلْ حُزْتَ مِنْ هَارُوتَ نَفْثَةَ سِحْرِهِ      أوْ فُزْتَ من قِسٍّ بحُسْنِ بَيَانِهْ

   .. وَطَلَعْتَ فِي أُفُقِ البَلاغةِ كَوْكَبًا          يَسْطُو بجِنّ الضدِّ أو شيطانِهْ

      فَافْخَرْ أبَا عَبْدِ الإِلَهِ وَجَرَّ مِنْ           حُلَلِ البَيَانِ فَأَنْتَ مِنْ فُرْسَــانِهْ

      هَذِي فُحُولُ الشِّعْرِ طُرًّا سَلَّمَتْ        طَـــــوْعًا وَجَدَّ الكُلُّ فِي إِذْعَـانِهْ

       فالعِلْمَ أنْتَ اليومَ خائضٌ بَحْرُهُ         وَالشِّعْرُ أنْتَ اليَوْمَ رَبُّ عِنَانِهْ

       فـــــاهْنَأْ بِمَــــا خَوَّلـْــــتَــــهُ مِنْ عِزَّةٍ           وَدَعْ الـــــــغَبِيَّ مُــــكَابِدًا لِــهَوَانِهْ   

     ولابن الشاهد حسب ما أفادنا به أبو القاسم سعد الله قصائد متنوعة، منها قصيدته في مدح شيخيه أحمد بن عمار الجزائري، وأحمد الغزال المغربي قال فيه: (البحر الطويل)

“أَغَزَّالَ هَذَا العَصْرِ مَنْ رَقَّ غَزْلُهُ          لَهُ الـــــعُذْرُ إِنْ لَــمْ يَكْفِهِ غَيْرُ عُسْجُدِ

  كَمَدْحِكْ مَوْلَانَا وَقُطْبَ بِـلاَدِنَا          وَ بَـــــــــدْرُ عُـــــــــــــــــــــــــلاَهَا بَـــــيْنَ نَــــــسـْــــرِ

  فَلَسْتُ وَقَدْ أَبْـــــصَرْتُهُ وَسَمِعْتُـهُ          وَخَـــــــــــاطَبْتـُـــــــــهُ فِي مَــــدْحِـــــــهِ بِمُقَلِّــــــدِ

 تناسبْتُمَا اسْمًا وَارْتِقَـــاءً وَسُؤْدُدًا          وَفَضـْــــــــلاً وَفِي خَلْـــقٍ كـَــرِيـــمٍ وَمُحْتَدِ”([22])

      واشتهر محمد بن علي بشعر الغزل، وقد أثبت ابن عمار بعضا من غزلياته وغرامياته كما قال، ومن بدائعها قوله: (البحر الخفيف)

  “كـلُّ يَـــــــــوْمٍ أَرَاكَ تَزْدَادُ حُسْنًـــا            وَأَرَى مُهْجَتِــي تَذُوبُ وَتَفْنَى

   كَيْفَ لَمْ تَنْعَطِفْ لِوَصْلِ مُحِبٍّ           وَهْوَ حَقًّا يَرَى قَوَامَكَ غُصْنَا

   حَرَمَ الحُسْنِ قَدْ قَصَدْتُ وَلَكِنْـــ          نَّ فُؤَادِي لَمْ يَسْتَفِدْ مِنْهُ أَمْنَا

   ادَّعَيْتَ الهَوَى وَصَيَّرْتَ رُوحي          عِنْدَ رُوحِي لِصِدقِ دَعْوَايَ رَهْنًا

   عَالِجِ الصَبَّ مِنْ جَوَاهْ بِوَصْلٍ            يَا طَبِيبَ النُّفُوسِ حِسًّا وَمَعْنَى

   فَالدَّوَاءَ الدَّوَاءَ قَدْ طَالَ سَقَمِي           أَيْنَ تِرْيَاقَكَ المُرَكَّبَ أَيْنَــا “([23])

  أما شعر الوصف فنقرأ في النحلة بعض القصائد فيه لابن علي، وللمؤلّف ابن عمّار، ومنه قول الأول في وصف وردة: (البحر الكامل)

       ” وَكَــــــــأَنَّ وَرْدَتَنَـــا الــــتـــي        في الطَّسْتِ تَسْبَحُ وَهْيَ غَضَة

         يـــــَاقُـوتَـــــــةٌ حَمْـرَاءُ قَـــــدْ        طَلَعَــتْ لَنــَــــــــــــا بِخَلِيجِ فِضَة”([24])

أو كقوله في وصف روض:(البحر الكامل)

     “ يَا حُسْنَ رَوْضٍ فِي عَرَائِسِ سُرُورِهِ           للنَّاظِريــــنَ بَوَاعِثَ الأَفْرَاحِ

        فَكَأَنَّهَا الرَّايَاتُ خَضْرَا قَدْ بَدَتْ           مَنْشُورَةَ الأَطْرَافِ فَوْقَ رِمَاحِ”[25])

     أما ابن عمار، فقد أفادنا بقصيدة في وصف إحدى المتنزهات أثناء فصل الربيع، مفتتحا قصيدته كعادة القدامى بأبيات في وصف مجلس الشرب، ثم وصف للطبيعة ليختتمها بمدح لصحبته الأخيار في ذلك المتنزه. قال ابن عمار: (البحر الكامل)

    ” أَدِرِ الكُؤُوسَ مَعَ الأَصَائِلِ وَالبِكَرِ                   واشْرُبْ عَلَى نَغَــمِ البَلاَبِلِ وَالـــــوَتَرْ

      مِنْ كَفٍّ أَهْيَفَ أَدْعج يَسْبِي المَهَا                   وَالقَضبَ بالقَدِّ الـــرَّشِيقِ وَبِالـــحَوَرْ

      جَـــــدِّدْ بِهَـــــا وَبِرَشْفِهَا عَهْدَ الصِّبَا                    وَاهْزِمْ بِهَا جَيْشَ الوَسَاوِسِ والفِكرْ

  .. فِي رَوْضَةٍ نَسَجَ الـــرَّبِيعُ بِسَاطَهــــاَ                     مِنْ سُنْدُسٍ وَوَشَى مَطَارِفَهَا المَطَــرْ

     بـــــــاكـــــرتُها و نسيمُــــهــــا متــــــأرجُ                       يُفْشِي الذِي سَتَرَتْهُ أَكْمَامُ الــــــزَّهَرْ

     والورْقُ تُفصِحُ  بِالهَدِيــــلِ كَــــأَنَّـــهَا                     خَطْبَـــاءُ مُنْشِدَةٌ مَنَابِرُهَا الــــشَّجَـــــرْ

      فَمُصْفَرٌّ طَرَبـــــاً بِوَصْــلٍ حبـــيبِــــهِ                       ومغــــــردٌ بــــــَاكٍ أَلِيفًـــــــا قَــــدْ نـَــــــفَـــــرْ

      وتمايلتْ أغصانُها طـــــــربـــــًا بما                       تُنشيهِ مـِـــنْ أَلْحَانِهَا وَقْتَ الــــسّحَرْ

      وتَرَنَّحَتْ أَعْطَافُهـــــــا فَتَنَــــــاثَرَتْ                       مِنْهَـــــــــا الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ والـــــدُّرَرْ

     وَلَوَاحِظُ الأَزْهَارِ تَقْطُــــرُ بِالنّدَى                        وَالرّوضُ يَضْحَكُ وَالغَمَامُ قَدِ انْهَمَرْ

  .. هلْ رَوضةٌ أمْ جَنّةُ الخُلْدِ التِّي                         هَـــــــــــامَ الــــفُؤَادُ بـِـحُسْنِها لـــمَّا بَهَرْ

     ما إن وردْتُ على جحيمٍ قبلَها                        حتى دخلتُ ريــــــاضَها ذاتَ النَّهَرْ..([26])

      وما يثير الانتباه في هذه النماذج الوصفية الثلاثة، اعتماد الشاعرين على التراث الشعري، وعلى ألفاظ الوصف القديمة، ولهذا نجد تكرار ألفاظ الزهر، والورد، والنور، والأقحوان، والروض، والقضيب والغصن، والدر، والياقوت، وما إلى ذلك، كما نلاحظ استخدام تقنية التشخيص، ونفخ الروح في عناصر الطبيعة، وهو أسلوب القدماء كذلك سار عليه المحدثون أيضا([27])، ولعل هذه النماذج تعطينا صورة واضحة عن شعر الوصف في العهد العثماني، الذي تأثر فيه أدباؤه بشعراء الأندلس، والعباسيين المفتتنين بالطبيعة بما فيها من مباهج ومحاسن، لكنهم جددوا في موصوفاتهم مما ارتبط ببيئتهم، وحياتهم الخاصة.

      ومن الأغراض التي نظم فيها الجزائريون أيضا الشعر السياسي، الذي نجد فيه نماذج قليلة كانت حول الحض على الجهاد، وشعر الوصف للمعارك، والحكام، والرحلة الحربية، كالشعر الذي برع فيه الشاعر محمد بن علي المعروف بآقوجيل، وأحمد بن قاسم البوني، ومحمد بن أحمد الحلفاوي مفتي تلمسان، الذي نظم رجزا مطولا عن فتح وهران، وأحمد بن سحنون، وأبو راس الناصر المعسكري مادحا الباي محمد الكبير([28])، مثلما برع في الشعر السياسي الشعبي سعيد المنداسي، ونقدّم نموذجا  معبرا لمحمد بن الشاهد عن الشعر السياسي وهو في بكاء مدينة الجزائر، عقب استيلاء الفرنسيين عليها، الذي منه قوله: (البحر الطويل)

“أمِنْ صولةِ الأَعـْـــدَاءِ سورَ الجَزَائِــــرِ      سَرَى فِيكَ رُعبٌ أمْ رَكَنْتَ إِلَى الأشَرِّ

 لبسْتَ سَوادَ الــحُزنِ بَعْـدَ الـــمــسرَّةِ      وعمّـَـتْ بِواديـــــــــــكَ الفُتُـــونُ بـلا حصْرٍ

 رفضْتَ بياضَ الحقِّ يومًا فأصْبَحَتْ     نواحيكَ تشكــــو بالأمانيْ إلـــــــى الجَوْرِ

.. فآهٍ على جَهْدي وما بـــــــهِ منْعَــــةٌ       وآهٍ عــــــــــلى دارٍ يســــودُ بـــهــــا غَيْـــــري

  فيا عينُ جودي بالدّموعِ سماحةً       ويـــــا حزنُ شيِّــــــد فـــي الفؤاد ولا تَسْرِ

  ويا صاحِ تدبيرُ الأمورِ لخالِقي          فصبــــرًا عسَى عســــرٌ يبــدّل باليسرِ” ([29])

      ولا يمكن أن نغادر شعر الجزائريين في الفترة العثمانية دون أن نذكر موضوع التوسّل إلى الله تعالى بالرسول صلى الله عليه وسلّم، وبالأولياء الصالحين، الذي شارك في نظمه شعراء مدينة الجزائر المعنيين بهذه الدراسة، إضافة إلى شعراء آخرين كأبي مدين الغوث، وعبد الرحمن الثعالبي، ومحمد العنابي مفتي الحنفية، والشيخ عبد الكريم الفكون([30])،.. وغيرهم، والواقع أن شعر التوسل من أغراض الشعر الديني الذي يقوم الشاعر فيه برثاء نفسه، حين يحس بدنو أجله، وليس له من الزاد إلا القليل، أو حين يكون مريضا، أو مغتربا وحيدا، فيبدأ بالدعاء وبالندب على حاله، وقد يتوسل، ويطلب شفاعة رسولنا المصطفى عليه الصلاة والسلام، والكثير من شعر المولديات، والحجازيات يتخذ التوسل، والتشوق إلى بقاع الحجاز موضوعا فرعيا لها، ويمكن أن نقرأ نماذج من شعر التوسل في كتاب مجموع القصائد والأدعية خاصة بابن الشاهد منه قوله: (البحر الطويل)

“بأسمائكَ الحسْنى فتَحْتُ تَوَسُّلِـــي              ومِنْكَ رَجَوْتُ العفوَ أشْهَـــــى مَطَالِبي

 إلـــــــــهي غَـــــــرَفْنَا مِــــنْ بِحَارِ عُيُوبِـــــنا               ذنوباً بأوْزارٍ عَلَــــــــــــتْ كُــــــلَّ جـَـــانبٍ

  وأنتَ الغفورُ للخطــــــايـــــــــــا بِأَسْرِهَا              سِوَى الكُفْرِ وَالإشْرَاكِ يُنْمَى لِرَاهِبٍ

.. إلهي ونفْسي في المَلاَهِي مُجِدَّةٌ              وَمَالَتْ إلَى التَّقْصِيرِ فِي كُلِّ وَاجِبٍ

   فَدَاوِ بِـأَسْرَارِ الـــــخُشوعِ سريرتِــــــــي              وطَهِّرْ بِدمعِ العينِ خبْثَ مكاسبـــي

  ونَوِّرْ لنا الأبصارَ والسَّمْعَ عَافِـــــهِ                وصَحِّــحْ لنَا جِسْمًا بِجَاهِ الثَّعَالِبِــــــي

.. وأمِّنْ مِنَ الأَسْوَاءِ سُورَ بِلاَدِنــَــا                 وَ مِـــــنْ مَكْـــرِ فتَّـــــانٍ لـَـــهَا وَمُحَارِبِ

.. وَصَلِّ عَلَى خَيْرِ الخَلاَئقِ كُلِّهِــمْ               مُغيثُ الوَرَى يومَ ازدحامِ المَصائبِ”([31])

وله قصيدة أخرى يرجو فيها لطف الله تعالى، ومنها: (البحر الطويل)

 “ألا يا لطيفُ يا لطيفُ لكَ اللُّطْفُ       فأنتَ اللّطيفُ اللّطيفُ منكَ يشملُنا اللّطفُ

  لـــــــطيف لــــــــطيف إنّنــــــــي متوسّل         بلطفـــــــكَ فـــــــالطفْ بـِـــي وقـــد نزل اللُّطْفُ”([32])

ومن توسلات ابن الشاهد لله تعالى بجاه الولي عبد الرحمن الثعالبي حتى يشفى من سقم عيونه، وضعفها: (البحر الخفيف)

“قَدْ قَصَدْتُ الثَعَالِبِي بَحْرَ جُودٍ           وَالتَمَسْتُ رِضَاهْ وَالدَّمْعُ هَامِ

  ومَــــــدَدْتُ لَــــــهُ الأكــــــفّ بذلّ             وَرَجَوْتُ الإلهَ يَشْفِي سِقَامِي

  قلتُ يَا سَيِّدِي جُفُونِي سَقِيمَةٌ            وَدَخَلْتُ حِمَاكَ كُنْ لِي حَامِ

.. فَبِجـَـــــــاهِ الثَّعَالِبــِـــي يـــــَا إلَـــهي             نَوِّرِ العَيْنَ نُورَهَا المُتَسَامِي”([33])

      وننهي حديثنا عن أغراض الشعر في العهد العثماني، فنقول أنه لا تزال أغراض أخرى لم نذكرها كالشعر الاجتماعي الذي يضم الإخوانيات والرثاء، والألغاز، وشعر المجون واللهو كلها نظم فيها الشعراء الجزائريون كمحمد بن راس العين، وبركات بن باديس، وسعيد قدورة، ومحمد بن مالك، … وغيرهم ممن اعتنى أبو القاسم سعد الله بذكر نماذج شعرهم في كتابه تاريخ الجزائر الثقافي.

  1. المديح النبوي مع شعراء مدينة الجزائر (نماذج شعرية ووقفات نقدية):

المديح النبوي فن من فنون الشعر القديمة، التي بدأت بشعر الدعوة الإسلامية أثناء حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد مثله كعب بن مالك وكعب بن زهير رضي الله عنهما، صاحب قصيدة لامية العرب الشهيرة، والتي نالت شهرة كبيرة لثناء الرسول الكريم عليها، وإلقاء بردته الشريفة على الشاعر، فسميت قصيدته بالبردة، ومطلعها: (البحر البسيط)

        بَانَتْ سُعادُ فَقَلْبِي اليومَ متْبُولُ              مُتيَّمٌ إثرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ”

ليتواصل مع شعر الرثاء الذي قدّم فيه الشاعر حسان بن ثابت رضي الله عنه أرقه، واستمر مع الشاعر الأموي الفرزدق، خاصة في قصيدته الميمية التي أثنى فيها على آل البيت، وعدّد الأخلاق السامية للنبي الكريم، يقول في مطلع القصيدة: (البحر البسيط)

                        “هذا الذي تعرف البطحاء وطأته            والبيـت يعرفه والحل والحـرم”

       وازداد شعر المديح تطورا بعد ذلك، مع انطلاق الدعوة والفتوحات الإسلامية، والقرون التي تلتها، حتى اقترن بالشعر الصوفي مع ابن الفارض، والشريف الرضي، ولكن هذا المديح النبوي ازدهر مع الشاعر البوصيري في القرن السابع الهجري، وقصيدته المسماة بالبردة([34])، التي طورت حركة التأليف؛ فقد كثر شارحوها والمعلقون عليها: “وبهذه الشروح والتعليقات وجدت ملاحظات علمية ولغوية قيّمة ما كانت لولا وجود القصيدة، وأثرت في الدراسات التاريخية حيث أظهر المؤلفون ما تضمنته من إشارات تاريخية، ودينية، وأثرت في الحركة الأدبية فكثر تشطيرها وتضمينها، وتخميسها، وتسبيعها، وتعشيرها، ومعارضتها، وأوجدت فنا جديدا عرف باسم البديعيات”([35]) هذا الذي ظهر في العصر المملوكي، وهو عبارة عن قصائد طويلة في المديح النبوي، كانت تنظم على بحر البسيط، وتتخذ من الميم المكسورة روياً لها، ويشير كل بيت من أبياتها إلى أحد الفنون البديعية: كالتورية، والجناس، والطباق، وبراعة الاستهلال، ومراعاة النظير، والمثل، وغيرها، وممن أسهم في نشأة فن البديعيات ابن جابر الأندلسي([36])، متأثرا باليوصيري، وصفي الدين الحلي في قصيدته (الكافية البديعية في المدائح النبوية)([37])، وابن حجة الحموي([38])، والسيوطي([39]) وللمغاربة والأندلسيين دور كبير في تطوير فن المديح النبوي، والبديعيات، ولعل أشهر الأسماء القاضي عياض، ولسان الدين بن الخطيب.

     وقد حفظ لنا الزمن عددا معتبرا من قصائد وموشحات في المديح النبوي في الجزائر، خاصة أثناء العهد العثماني، ومن أشهر شعرائه نذكر: محمد بن محمد العطار الجزائري(كان حيا عام 707هـ)، الذي أورد لنا المقري في نفحه بعضا منه نقلا عن كتاب العطار المسمى بـ”نظم الدرر في مدح سيد البشر”، ومن شعراء المديح الجزائريين أيضا الأكحل بن خلوف، وأبو عبد الله المغوفل([40])، وعبد الرزاق بن حمادوش.

    وقد سبق أن عرفنا أن ابن عمار الجزائري أثنى على أحمد المانجلاتي وعدّه بارعا في نظم المديح النبوي، ولهذا أفادنا ببعض ما نظمه المانجلاتي في مدح النبي صلّى الله عليه وسلّم، وفي التشوّق إلى زيارة الحجاز، ورؤية أهله. من ذلك قصيدتان: الأولى بعنوان: “نِلْتُ المُرَامْ”، وهي في شكل موشّحٍ ومطلعها: (البحر البسيط)

“باللهِ حَادِي الـــقِطـارْ        قفْ لِـي بتلك الدِيّارْ        وأقْرَ السَّلاَمْ

سَلِّمْ عَلَى عَرْبِ نَجْدِ       وَاذْكُرْ صَبَابَةَ وَجْدِي         كَيْــفَ يُــلاَمْ

مَنْ بَـادَرَتْـــهُ الـــــدُّمُوعْ        شَوْقًا لِتِلْكَ الـــــــــرُّبُوعْ          مَعَ الــمُقَــامْ “([41])

والقصيدة الثانية، استهلّها بقوله:(البحر البسيط)

“الرَّكْبُ نَحْوَ الحبيب قد سارَا       يودُّ شوقاً  إليه لو طــارَا

قَلْبِي المُعَنَّى الكَئِيبُ قَدْ حَنَا       إلَى الــتَّلاَقِي وَطَالَ مَا أَنَا

إذَا سَمِعْت الحمام قــد غَنَـا        أَوْ هَبَّ ذَاكَ النَّسِيمُ أَبْكَارَا

كمْ أنْتَ عَنْ ركْبِ مَكَةَ سَاهِي     فِي شُغْلِ دُنْيَاكَ وَالِهٌ لاَهِي

..يَا مَغْرِبيًــــا لــــــطيبةَ اشْتَـــــاقَــا       مَتِّعْ بذِكْرِ الحَبِيبِ مُشْتَاقَا”([42])

     أما محمد بن علي فقد أورد له أحمد بن عمّار الجزائريّ في نحلته قصيدةً موشّحة تبدأ بقوله: (البحر البسيط)

         “بــــالله طــــــاوي الــــقفار        عرّج بـــــذاك المـزارْ       حيث الكرامْ

         عَرِّجْ بِــــــــــــرَبْعِ الـــــــمَعَالِي       وَابْرِدْ بِذَاكَ الــوِصَالِ       حَــــــرَّ الغَرَامْ

         حَسْبَ المُشَوَّقِ الكَئِيبِ      أنَّ شمْلَهُ بالحبِيبِ        لَـــــــهُ الــتِئامْ”([43])

     وفي كتاب مجموع القصائد والأدعية نقرأ لابن عمار كذلك قصيدة مولدية مطلعها: (بحر الرجز)

“بُشْرَى لَقَدْ نِلْنَا المُنَى               بِذَا الهِلاَلِ الزَّاهِرِ

وَزَارَنَــــا  شَهْــــرَ الــــــهَنـَـا                أَهْــلاً بِــهِ مِنْ زَائِرِ

        يَا حُسْنَهُ مِـنْ قَــــادِمٍ    وَيَا لَهُ مِنْ زَائِرِ

        قَدْ سَادَ عَنْ مَوَاسِمٍ    بنُورِ بَدْرٍ زَاهِرِ “([44])

     وكذلك قصيدة في الاستغفار والتوبة ممزوجة بالمديح النبوي قال فيها: (البحر البسيط)

“اختِمْ إلاهَ الأَنَامِ                  لنَا بِحُسْنِ الخِتَام

   حَقِّقْ إِلَاهَ السَّعَادَةِ      واختِمْ لَنَا بالشهادةِ

   واعْطِ كُـــــلاَّ مُرَادَهُ       فَفَيْضُ جُودِكَ هَامِ”([45])

والقصيدة الرابعة لابن علي موشحة وهي في المديح تبدأ بقوله:(مجزوء البحر الطويل)

“صلاة الكرامْ   بطول الدّوامْ       وأزكى السلامْ   على محمدْ

                نسيمَ الصِّبا         بَلِّغْ سَلاَمِي

                إلى المجتبى         بدرِ التّمامِ

وقل بانشراحْ   لذاك البطاحْ       ألا عمْ صباحْ   يا ربع أحمدْ

                سلامٌ بهيجْ        ما درّ شارقْ

                شَذَاهُ أرِيجْ       مِنْ عِنْدِ شَائِقْ”([46])

وعلى منوال قصائد ابن عليّ نسج أحمد بن عمّار الجزائريّ قصائد حجازية كثيرة وأخرى مولدية. ومنها قصيدته الموشّحة في الرّحلة ومطلعها: (بحر الرمل)

“يــــا نسيمـــاً بـــاتَ مِنَ زهر الربَا     *       يَقْتَفِــي الرُّكْبَانِ

 احْملـــــن منّـــــي ســــلامـاً طيّبـًا      *       لأهيــــل الــــبانِ

         اقْرَأَنْ مِنِّي سَلاَمًا عَبِقًا     *   إن بدت نجدُ

         إن لي قلبا إليها شيّقًا     *    شفــَّـــــهُ وَجْـــدُ 

         وفُؤَادِي يَجْتَنِيهَا حُرْقًا     *    وضَنًى يَعْــدُو “([47])

وله قصيدة مولدية في موضوع الرّحلة أيضاً افتتحها بقوله: (بحر المتقارب)

                 “اِختمْ يَـــــا سَلاَمْ        لنــــا كرامـهْ

                  بحسن الختــامْ        معَ السَّلاَمهْ

                      بِمَنْ لِي رَبِيعُ بِهِ ازْدِهَاءُ”([48])

ولابن عمار قصيدة أخرى مديحية مطلعها: (بحر الرمل)

“مَنْ لِعَبْدٍ ضَاقَ دَرْعًا                   بِذُنُـــــوبٍ كـَــــــالجِبَــــالِ

 ليْسَ يَرْجُو يومَ يُدْعَى                 غيْرَ عَفْوِ ذي الجَلالِ

      وَالذي قدِ اصْطَفَاهُ     لِلْمَعَالِي والكمَالِ

      أحمَدُ مَالِي سِوَاهُ      فَهْوَ حِصْنٌ لاَ يُنَالُ”([49])    

أما محمّد بن الشاهد فله قصيدةً مولدية، وهي تبدأ بقوله: (البحر المتقارب)

“يا غرّة اليُمن يا ربيعُ        أهللت بالطّالِع السعـيدِ

أنت لنا الموسمُ الرفيعُ      بالمصطفى فُقتَ كلَّ عيدِ”([50])

والقصيدة الثانيه هي في المديح مطلعها: (بحر المتقارب)

“محمـــدُ روحُ الوُجـــــــــودِ             و سرُّ الأَكْــوَانِ

 إمامُ أصحابِ السجودِ             فمـــــــــا لــــــهُ ثـَــانِ

 محمـَّــــــدُ خيـْــــــرُ الوَرَى              نَـــبِيُّنَـــــــــــا الأواهُ

 محمـــــــــــدُ بدرُ السَّرَى             سبحانَ من أنشاهُ

 وَ مثلـُـــــــــهُ ليْسَ يُــــــرَى              أثْنَـــــــــى عَلَيْـــــهِ اللهُ “([51]) 

     وبعد عرضنا الموجز لهذه النماذج من القريض والموشحات في المديح النبوي، والتي يعذر في هذا المحل عرضها كاملة، أو دراستها دراسة فنية وافية، نصل إلى أنها جميعا تشترك في كونها ذات طابع ديني، ومصدر إسلامي، وروح صوفية، فالكثير منها تستدعي فكرة الحقيقة المحمدية المتميزة عن سائر المخلوقات، فالرسول الأعظم هو سيد الكون والمخلوقات، وهو أفضل الناس خلقة وخلقا، نوره يفوق كل الأنوار، هو القدوة المثلى، وهو الأحق بالحب والعشق، ولذلك كثيرا ما تُصدّر قصائد المديح بأبيات في الغزل الرمزي، والصوفي العفيف، وكان العلماء قديما دعوا الشاعر إلى أن: “يحتشم فيه (الغزل) ويتأدب ويتضاءل، ويتشبب مطريا بذكر سلْع، ورامة، وسفح العقيق، والعذيب، والغوير، ولعلع، وأكناف حاجر، ويطرح ذكر محاسن المُرد،والتغزل في ثقل الردف، ودقّة الخصر، وبياض الساق، وحمرة الخد.”([52])

     وقد اعتاد الشعراء إذن تناول بعض الموضوعات الجزئية بعد افتتاحياتهم التي إما أن تكون غزلية أو في التوسل، أو في الشوق إلى البقاع الحجازية، أو تحية يوجهها إلى الرسول صلى الله عليه وسلّم، فيبدأ بتعداد صفاته الخلقية والخلقية، وتبيان أحاسيس الشوق لرؤيته، وزيارة قبره والأماكن المقدسة التي عاش فيها، أو مرّ عليها، ويتبع الشاعر ذلك باستعادة معجزاته، وسيرته، وحروبه، وصفاته المثلى والصلاة عليه والتسليم في آخر الأبيات، وكثيرا ما يقابل كل هذه الصفات النبيلة، والمحاسن بما يقترن به من عيوب، وذنوب، وتقصير في أداء واجباته الدينية والدنيوية، ولهذا يجد الشاعر نفسه ينتقل من المديح إلى التوسل، والدعاء، والاستعطاف، وطلب الشفاعة من الرسول الكريم، غير أنه وإن تعددت الموضوعات والأغراض في القصيدة المديحية، لكنها تبقى ذات مضمون دلالي واحد عميق يجمع تلك الموضوعات المتشتتة وهو حب الرسول الكريم والتعبير عنه، وعموما جاءت قصائد المديح كما سبق ذكره مقترنة بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي، مما أدى بالشعراء إلى اعتماد الطابع الإنشادي والغنائية؛ لأن أكثر الشعر الذي قدمنا نماذجه كان يُنشد خلال الموالد في المساجد والجوامع، والزوايا، ومهما يكن من تكلف طبع الشعر الجزائري خلال العهد العثماني طغى أكثر في شعر الوصف، والمدح، والإخوانيات، فإننا لا نعدم صدق المشاعر، ورقة الوجدان، وحب الرسول عليه الصلاة والسلام، وحب كل ما يتصل به.

      وأخيرا، استطاع شعراء الجزائر التنويع في قوافيهم، فاختاروا في حالات القصيدة العمودية، وفي حالات أخرى  الموشح، لكنهم في الحالتين راعوا استخدام ألوان البديع المتعددة، كالجناس، والطباق، والتكرار الصوتي، متأثرين بالشعرين: المملوكي والأندلسي، فكان التصريع ظاهرة تتكرر في كل افتتاحية، والتلاعب بالألفاظ سمة غالبة على تعابيرهم، والتركيز على معجم فني رصين وتراثي، مناسب يقترن بمعاني الوجدان، والطبيعة، والأخلاق والدين، ومتوسلين في ذلك ببحور مركبة كالبسيط، والرمل، وهي عادة شعراء المديح؛ إذ إن البوصيري كان قد نظم بردته بالبسيط، وهيمنت حروف الهاء، والميم، والراء واللام، والدال في قوافي القصائد المنتخبة، ونلاحظ في الأخير ظاهرة التنويع كذلك في الضمائر والأزمنة، وفي ألوان البيان وأساليب التصوير تبعا لحاجات الشاعر السردية والوصفية، والتعبيرية.

     هذه التفاتة متواضعة إلى جانب من الشعر الجزائري في العهد العثماني، ولا يمكن في هذا البحث التعرّض بدقة إلى جماليات المعنى والأسلوب في شعر المديح عند شعراء الجزائر، وهو مما يستدعي جهود ودراسات أكاديمية عديدة، متنوعة في المادة والمنهج.

ثبت المصادر والمراجع:

  • الأدب الجزائري القديم، دراسة في الجذور، عبد الملك مرتاض، دار هومة، الجزائر، 2000.
  • تاريخ الجزائر الثقافي، أبو القاسم سعد الله، دار الغرب الإسلامي، ط. 1، 1998، ج. 2 (1500- 1830).
  • تجارب في الأدب والرحلة، ا أبو القاسم سعد الله، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1983.
  • تعريف الخلف برجال السلف، أبو القاسم محمّد الحفناوي، تحقيق: محمد أبو الأجفان وعثمان بطيخ، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط. 2، ج.2.
  • رحلة ابن حمادوش الجزائري المسماة لسان المقال في النبإ عن النسب والحسب والحال، عبد الرزّاق بن حمادوش، تحقيق: أبو القاسم سعد الله، المكتبة الوطنية والمؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1983.
  • شيخ الإسلام عبد الكريم الفكون داعية السلفية، أبو القاسم سعد الله، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط.1، 1986.
  • فتح الإله ومنّته في التحدث بفضل ربّي ونعمته، محمّد أبو راس الجزائري، تحقيق: محمد بن عبد الكريم الجزائري، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1990.
  • مجموع القصائد والأدعية، رودوسي قدّور بن مراد، المطبعة الثعالبية والمكتبة الأدبية، الجزائر، ط.4، 1960.
  • مختارات مجهولة من الشعر العربي، أحمد بن عمّار الجزائري، تقديم وتعليق: أبو القاسم سعد الله، دار الغرب الجزائري، لبنان، ط.1، 1992.
  • مطالعات في الشعر المملوكي والعثماني، بكري شَيخ أمين، دار العلم للملايين، بيروت، 1986.
  • معجم أعلام الجزائر، عادل نويهض، المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع، تونس، ط.1، د.ت.
  • نبذة من الكتاب المسمّى نحلة اللبيب بأخبار الرّحلة إلى الحبيب، أحمد بن عمّار الجزائري، مطبعة بيير فونتانة، الجزائر، 1902، وتوجد نسخة مخطوطة منه في (م.و)، الجزائر، رقم2757.
  • نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب، أحمد بن محمد المقري التلمساني، تحقيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي، دار الفكر، بيروت، ط.1، 1998، ج. 9.

 

[1]  عبد الملك مرتاض، الأدب الجزائري  القديم، دراسة في الجذور، دار هومة، الجزائر، 2000، ص. 49.

[2]  ينظر: أحمد بن عمّار، مختارات مجهولة من الشعر العربي، تقديم وتعليق: أبو القاسم سعد الله، دار الغرب الجزائري، لبنان، ط.1، 1992.

[3]  أحمد بن عمار الجزائري، نبذة من الكتاب المسمّى نحلة اللبيب بأخبار الرّحلة إلى الحبيب، مطبعة بيير فونتانة، الجزائر، 1902، وتوجد نسخة مخطوطة منه في (م.و)، الجزائر، رقم2757.

[4]  أحمد بن عمّار، نحلة اللبيب، ص.27.

[5] المصدر نفسه، ص.27.

[6] المصدر نفسه، ص.35.

[7] عادل نويهض، معجم أعلام الجزائر، المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع، تونس، ط.1، د.ت، ص.161.

[8] أحمد بن عمّار، نحلة اللبيب، ص.35.

[9] عبد الرزّاق بن حمادوش، رحلة ابن حمادوش الجزائري المسماة لسان المقال في النبإ عن النسب والحسب والحال، تح. أبو القاسم سعد الله، المكتبة الوطنية والمؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1983، ص.256.

[10]  أحمد بن عمّار، نحلة اللبيب، ص.39.

[11] أحمد بن عمّار، مختارات مجهولة من الشعر العربي، ص.24.

[12] عبد الرزّاق بن حمادوش، لسان المقال، ص.260.

[13]  المصدر نفسه.

[14]  أبو القاسم محمّد الحفناوي، تعريف الخلف برجال السلف، تح. محمد أبو الأجفان وعثمان بطيخ، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط. 2، ج.2، ص.89.

[15]  أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، دار الغرب الإسلامي، ط. 1، 1998، ج. 2 (1500- 1830)، ج.2، ص- ص.233-234.

[16] أبو القاسم سعد الله، تجارب في الأدب والرحلة، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1983، ص، ص.107، 108.

[17] محمّد أبو راس الجزائري، فتح الإله ومنته في التحدث بفضل ربي ونعمته، تح. محمد بن عبد الكريم الجزائري، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1990، ص.95.

[18] أبو القاسم سعد الله، تجارب في الأدب والرحلة، ص. 110.

[19] أحمد بن عمار، نحلة اللبيب، ص- ص. 41- 45.

[20] المصدر نفسه، ص- ص. 45- 47.

[21] المصدر نفسه، ص، ص. 47- 48.

[22] أبو القاسم سعد الله، تجارب في الأدب والرحلة، ص. 111.

[23] أحمد بن عمار، نحلة اللبيب ، ص، ص. 78، 79.

[24] المصدر نفسه، ص. 72.

[25] المصدر نفسه.

[26] المصدر نفسه، ص- ص. 90- 92.

[27] بكري شَيخ أمين، مطالعات في الشعر المملوكي والعثماني، دار العلم للملايين، بيروت، 1986، ص. 152- 153.

[28] أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، دار الغرب الإسلامي، ط. 1، 1998، ج. 2 (1500- 1830)، ص. 256، 257، 258.

[29] أبو القاسم سعد الله، تجارب في الأدب والرحلة، ص.110.

[30]  ينظر شعر التوسل للفكون: أبو القاسم سعد الله، شيخ الإسلام عبد الكريم الفكون داعية السلفية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط.1، 1986، ص- ص. 207- 216.

[31] رودوسي قدور بن مراد، مجموع القصائد والأدعية، ص- ص. 3- 4.

[32] المصدر نفسه، ص. 5.

[33] المصدر نفسه، ص، ص. 31، 32.

[34]  مطلعها: “أمن تذكّر جيران بذي سلم  ****  مزجت دمعا جرى من مقلة بدم”

[35]  بكري شيخ أمين، مطالعات في الشعر المملوكي والعثماني، ص- ص. 266- 267.

[36] قصيدته بعنوان: (الحلة السيرا في مدح خير الورى) إذ يقول فيها:

                   بطيبة انزلْ ويممْ سيد الأمم     ****      وانشر له المدح وانثر طيب الكلمِ

[37] مطلعها: إن جئت سلعاً فسل عن جيرة العلم   ****  واقْرَ السلام على عرب بذي سلمِ

[38] لي في ابتدا مدحكم يا عُربَ ذي سلمِ **** براعةٌ تستهلُّ الدمع في العلمِ

[39] وهو الذي عارض ابن حجة، ونظم بديعيته ” نظم البديع في مدح خير شفيع” مطلعها:

    من العقيق ومن تذكار ذي سلم       براعة العين في استهلالها بدم”

[40] أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، دار الغرب الإسلامي، ط. 1، 1998، ج. 2 (1500- 1830)، ص. 248.

[41] أحمد بن عمار، نحلة اللبيب، ص،ص.28، 31.

[42] المصدر نفسه، ص،ص.31، 35.

[43] المصدر نفسه، ص- ص.35-  39.

[44]  رودوسي قدّور بن مراد، مجموع القصائد والأدعية، المطبعة الثعالبية والمكتبة الأدبية، الجزائر، ط.4، 1960، ص. 80- 85.

[45]  المصدر نفسه، ص. 108- 113.

[46] المصدر نفسه، ص- ص. 119.

[47] أحمد بن عمّار، نحلة اللبيب، ص،ص.16، 26.

[48] رودوسي قدّور بن مراد، مجموع القصائد والأدعية، المطبعة الثعالبية والمكتبة الأدبية، الجزائر، ط.4، 1960، ص.85 -93.

[49] المصدر نفسه، ص- ص. 103- 107.

[50] المصدر نفسه، ص- ص.94- 103.

[51] المصدر نفسه، ص- ص. 70- 79.

[52] بكري شيخ أمين، مطالعات في الشعر المملوكي والعثماني، ص. 269.
Updated: 2017-12-07 — 21:34

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme