الأبعاد الدّلالية لألفاظ اللهجات لهجة توانت أنموذجا / أحمد قريش


الأبعاد الدّلالية لألفاظ اللهجات لهجة توانت([1])أنموذجا

أ.د/ أحمد قريش جامعة أبي بكر بلقايد- تلمسان /الجزائر .

مقال نشر في  مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 49الصفحة 99.

 

   

Abstract:

It has been focused, in the practical side of this article, on what is taken from the proverbs and local popular idioms of “Touent” region, as being the broadest and most widespread arts due to the characteristics that distinguish them as precision, simplicity of expression, accuracy of imagination, and eloquence of sense. Besides, it is full of its people’s morals, customs, and cultural and intellectual activities according to anthropological studies that indicate that popular proverbs are the closest to people’s local dialects, especially those that use oral communication as a method and approach in its life and customs, and was considered  by scholars as one of the sources of Arabic dialects, and a vivid image of the community’s life that gathers the social and cultural conditions, and the truest example of the language of people and its significance as it is natural with no over sophistication.

Based on historical and social data, it has been demonstrated to me that “Touent” dialect maintained its sounds , its conjugation, its structure , and linguistic background for a long time, as the community which speaks it remained a small one close to its first home, and it remained coherent, cohesive, homogeneous, and its members held together with common social and economic factors .

Social contact can only be achieved with what familiar in the dialect system is resulted from the disposition in the system of classical language by encompassing and adopting extraneous words and structures. It is worth noticing that I have proved in this article the word drawing according to its pronunciation in idioms and proverbs, putting its eloquent classical pronunciation on one hand and its significance on the other between parentheses. And the sounds that have been dropped or hidden at the beginning or end of words as

“el hamza” in” أنت”(you) and “ أ” in the defining lunar “ ال” and the L in the defining solar  “ال” , the feminization “T” at the end of the words, silent “h”, dower pronoun linked to the verb, (eg: Tarbou in darabahou) plus the respect of substitution that followed some voices

 

ملخص:

   قد تحيط بالكلام ملابسات وظروف خاصة، تجعل المعنى مستغلقا صعب الفهم، ومن هذه الظروف اختلاف وجهات النّظر الخاصّة، وتعدّد المواقف التي تستعمل فيها الكلمة، والحالات النّفسية والثّقافية المحاطة بها، وصعوبة استعمال الكلّمات في غير المواقف التي اعتاد استعمالها أكثر النّاس. لأنّ دلالة صيغة لغوية ما، هي المقام الذّي يفصح فيه المتكلّم عن هذه الدّلالة، أو هي الرّد اللّغوي أو السّلوكي الذّي يصدر عن المخاطب.

  والدّراسة الدّلالية للغة ما، تقوم بحصر جميع المقامات التّي تستعمل فيها هذه اللّغة. والتّحديد العلمي الدّقيق لدّلالة صيغة لغوية معيّنة، يتطلّب معرفة علمية حقيقية بكلّ ما يشكّل عالم المتكلّم. وتحليل معنى الحدث الكلامي يفرض الاستعانة بأساليب لغوية مختلفة، كما يفرضها المجال الصّوتي بدوره. فـ(النّبر) يمكن أن يؤثّر في المعنى في كلّ من التّقرير، والاستفهام، والتعجب، نحو قولهم: “يبراش طاب”، “يبراش طاب؟”، “يبراش طاب!”، فـ (اليبراش) عند أهل اللّهجة هو السّمك المفروم المطهي في شكل كريات. وكذا في التّركيب الصّرفي، وبيان المعنى الذّي تؤدّيه الصّيغة خصوصا معاني – اللّواصق واللّواحق – التّي لها أثر كبير في التّغيير الدّلالي، نحو: “كَرِّ (قرأ) (أكرِّ) القراءة أو التعلّم”.

  لقد تمّ التركيز في الجانب التّطبيقي ـ في هذه المقالة ـ على المأخوذ من الأقوال المأثورة والأمثال الشعبية المحلية لأهل منطقة توانت، باعتبارها أكثر الفنون اتّساعا وانتشارا وتداولا، نظرا للخصائص الّتي تميّزها، كالإيجاز، وبساطة التعبير، ودقة التصوير، وبلاغة المعنى. ثم إنّها تذخّر أخلاق أهلها وعاداتهم، ونشاطهم الثقافي والفكري، عملا بالدّراسات الأنثروبولوجية الّتي تفيد بأنّ الأمثال الشعبية هي الأقرب صلة باللّهجات المحلية للشّعوب، وخاصة تلك الّتي تعتمد التواصلات الشّفوية أسلوبا ونهجا في حياتها وعاداتها، كما اعتبرها القدماء مصدرا من مصادر اللّهجات العربية، وصورة حيّة من حياة المجتمع العامة الّتي تتجمّع فيها الأحوال الاجتماعية والثقافية، وأصدق مثال على لغة القوم ودلالتها، لأنّها طبيعية لا تكلّف فيها.

  كما تبيّن لي بالاستناد إلى معطيات تاريخية وأخرى اجتماعية أنّ لهجة توانت قد حافظت على أصواتها، وعلى صرفها، وعلى تركيبها، وعلى رصيدها اللّغوي زمنا طويلا، إذ ظلّ المجتمع الذي يتكلّمها مجتمعا صغيرا قريبا من موطنها الأوّل، كما ظلّ مترابطا، ومتماسكا، ومتجانسا، ومنعزلا، تشدّ أفراده عوامل اجتماعية،  واقتصادية، وحرفية، وأمان مشتركة.

  وعملا بتقريب الفهم وتوضيح معاني المأثور من الأمثال والأقوال، قد أثبت في هذا المقالة رسم الكلمة حسب نطقها، واضعا نطقها الفصيح تارة، ومدلولها تارة أخرى بين هلالين. والأصوات التي تمّ إسقاطها أو إخفاؤها في أوّل الكلمات، أو آخرها، هي: في أوّل الكلمات الهمزة، نحو: “انت” في أنت، والألف في “ال” القمرية، واللام في “ال” الشمسية. رسم تاء التأنيث المربوطة في آخر الكلمات هاء سكت، وضمير المفعول (الهاء) المتّصل بالفعل واوا، نحو: “طَرْبُو في ضربه”، زيادة على احترام الإبدال الذي لحق بعض الأصوات.

الكلمات المفتاحية: اللهجة، الدلالة، التعميم، التقليص، الانحراف، الانحطاط، التطور بالنقل، التطور من الحسي إلى المجرد، الدلالة المجازية.

المخطط:

  تمهيد، التعميم الدلالي، التقلص الدلالي، الانحراف الدلالي، الانحطاط الدلالي، التطور الدلالي بالنقل، التطور الدلالي من الحسي إلى المجرد، الدلالة المجازية، خاتمة.

المحتوى:

     إنّ البنية والتّركيب لا تحقّقان وحدهما التّواصل على الوجه الأكمل، إذ تتداخل البنية، والنّظام الصّرفي والقاموسي في سياق محكم لتحقيق هذه الغاية. وتبدو لنا اللّهجة في هذا الإطار بمفرداتها ومركّباتها صرفا ونحوا على إباحة مطلقة، لأنّ ضوابط اللّغة العربية لم تستطع أن تسيطر على ألسنة عامة النّاس.

      ومن البديهيات المتعلّقة بالجانب اللّساني، أنّ اللّغة غير قادرة على الاستمرار على حال، وما دامت كذلك فهي عرضة للتّغيّر والتبدّل، سواء في مجال الألفاظ، أو في مجال المعاني والدّلالات، فاللّفظ قد ينتابه – لأسباب مختلفة – ما يعدّل من بنيته، أو يغيّرها، وينتج عن ذلك بالضّرورة، تغيير في الصّورة الصّوتية، أو الطّريقة التي يؤدّى بها، ونفس الشيء بالنّسبة للمعنى.

تشبّعت في اللّهجة كلمات عديدة بمعان جديدة في ضوء ما يعرف عند بلومفيلد بدينامكية إنشاء المعاني، تعمّ بواسطتها مجالا أكثر اتّساعا، أو تضيق أو تنقل إلى غيره، وأعطى اللّسانيون لهذه الظاّهرة التّصنيفات التّالية:

1) التّعميم الدّلالي:

كما يطلق عليه بعض اللّغويين التّوسع في المعنى، وهو القدرة على التّعبير عن أشياء وأحداث بألفاظ واحدة، وذلك بإدراك الخصائص المشتركة بينها وإغفال الفروق الفردية، وهو  – بعبارة أخرى – عملية اكتساب الكلمة لدلالة جديدة دون أن تتخلّى عن المعنى الأصلي (الأوّل)، لها ارتباط بأسباب داخل اللّهجة([2])، على النّحو الذي ورد في قولهم: “مَا يَصْلَحْ لَطَّالَحْ غِيرْ بُوصَالَحْ”. ومعنى “بوصالح”: الهراوة، ويرمي المثل إلى: أنّ الاستقامة عادة ما يفلح معها السّوط، وقبل أن تأخذ الكلمة معنى موسّعا، كانت تطلق على العصي التي يستخدمها معلّم القرآن في زجر وردع التلاميذ. ومثل ما جاء في قولهم: “ارْبِيبْ يَعْزَلْ بِينُو (بينه) وبِينْ وْلادْهَا (أولادها) غِيرْ لَكْطِيبْ”. مثل يضرب على معاملة الكيل بمكيالين، كالّتي يتعرّض لها الرّبيب عادة من زوج أبيه، فـ “الكطيب” بقلب القاف كافا، والضّاد طاء، كان يعني عندهم القضيب الذي “تنشف” به الصّوف، فعمّمت دلالة اللّفظ ليصبح يدلّ على كلّ قضيب خشبي رقيق في حدود المتر من طوله. ومن أمثلة التّعميم في الدّلالة والخروج بها عن نطاقها المحدود الأوّل ما نجد في كلمة: “لعريف” وهو اسم لعائلة من قبيلة مسيردة اشتهرت بفرقة فلكلورية تكوّنت أعضاؤها من هذه العائلة، ثمّ أصبحت دلالتها تطلق على أعضاء كلّ فرقة فلكلورية، نحو قولهم: “لَعْرِيفْ مَا يَنْسَى هَزْ تْشَتافُو (أكتافه)”. وقولهم: اتْشَوَّرْ عْلَ (على) تَالِي. مثل يضرب على التأّخر في مباشرة الأعمال، فكلمة “تشوّر” تعني عندهم تزيّن، واهتمّ أكثر بنفسه، إلاّ أنّ دلالتها اتّسعت لتدّل على: التّرميم والإصلاح، يقولون: ” شوّر دارو (داره)”، أي أصلح ورمّم داره. وقولهم: “دِ دَرَّكْ شُكْتُو (شقّته) تْهَنَّ مَنْ سُوسَتْ جَارْتُو (جارته)”. ومن الاتساع تحوّل كلمة “شكه” بضمّ الشّين وقلب القاف كافا، من الدّلالة على الثّقب أو الفجوة، إلى معنى آخر، وهو الجدار أو السّور ذو العلو المحدود. وجاء في قولهم: “اتْشَامِيرْ لَلْبَرْدَعْ ،ولْمَحْمُولْ لَسْبَعْ”، فكلمة “اتشامير”: حبل قصير مصنوع من مادة الحلفاء يشدّ به ما يعرف بـ “البردع” على ظهر الحمار، تطوّرت إلى ما هو أوسع من دلالتها المخصوصة لتدلّ أيضا على فستان نسوي ذي أصل مغربي. ونحو ما ورد في قولهم: “طَفِّي لْمَعْزَه (العنزة) تْصِيبْ مَا تَحْلَبْ”، يضرب المثل على ضرورة دراسة خواتم الأعمال قبل مباشرتها، و”طفّي” هنا بمعنى طلي حلمتي ثدي العنزة بروث البقر لحجب صغيرها من الرّضاعة، والمعنى الأوّل للكلمة، أخمد، ومصدرهما واحد، وهو “أطفّي”. ومثل ما جاء في قولهم :” دِّ مَطَّرْحُو(مطرحه) كْصِيرْ (قصير) مَا يْدَخَّلْ يَدَّاهْ (يداه) فَازْهِيرْ”. فكلمة “مطرح” تطلق عندهم على اللّوح الذي يطرح به الخبز داخل الفرن. وكلمة “ازّهير” فهي من “الزّهارة”، تعني في كثير من الجهات المجاورة النّار المتأجّجة، ويضرب هذا المثل على عدم المغامرة بالنّفس، إلاّ أنّ المعنى الأوّل للكلمة هو ما وضع للنّوم.

ومن أمثلة التطوّر الدّلالي وتعميم معانيه، كالانتقال من الأصل إلى الفرع، كلّمة “برطال”، فإنّها كانت تدلّ على طائر بحري، ثمّ عمّمت على كلّ طائر مهما كان نوعه. وكلّمة “أبْزِلُّ” بكسر الزاي، كانت تعني حبّة التّين الصغيرة الّتي لم تنضج بعد، فتوسّعت دلالتها وأصبحت تطلق على كلّ ما هو صغير الحجم أو القامة. ومن الاتّساع في دلالة مادة “رجّ” بالاشتقاق من الحركة الّتي يؤديها الصرصور بجناحيه مؤديا صوتا معينا فسمي في اللّهجة “أرْجُوجْ”.

2) التقلّص الدلالي:

هو عكس الاتّساع والتّعميم الدّلالي، فهو في هذه الحال يراد به تقلّص معنى الكلّمات فتصبح تدلّ على أقلّ ما كانت تدلّ عليه في السّابق، وتضييق المعنى والخروج به عن نطاقه المحدود، وسمت به اللّهجة إلى حدّ كبير نتيجة عوامل مختلفة، اجتماعية، وثقافية، وبيئية، نحو ما ورد في قولهم: “لْحَشْمَه مَنْ عْزِيزِي، ولْمَكْرَعْ (العصى) لْبَنْتُو (لابنته)”. يضرب هذا المثل على الذي يتظاهر بوجه، ويخفي وجها مغايرا، فكلمة “عزيزي”، هي من التّعزيز، والتّوقير، تطلق على من ينال احترام الغير، ثمّ خصّصت وأصبحت تطلق على الصّهر، فإذا قالوا: عزيزي، يفهم بأنّهم أرادوا والد الزّوج أو البعل. ونحو الذي تجلّى في قولهم: “تْشُونْ (كن) أَحْوَارْ، وبَلْتشَلامْ (بالكلام) دِّ بْلَ (بلا) خْوَارْ يْتَبْعَشْ (يتبعك) دِّ فادُّوَارْ (في الدّوار)”. فهي حكمة، ثمرتها أنّ الإنسان الصّادق في أقواله بإمكانه التّأثير في غيره، ويمكن أن أظهر هنا أنّ دلالة “أحوار” كانت تصلح لعموم الصّراخ، ثمّ خصّصت لجوهري الصّوت غير المتلكّيء في كلامه، و”بل خوار” أي بدون كذب. وبالتّخصيص أصبحت عندهم دلالة كلمة “دجمّاعه” ـ بتضعيف الميم ـ القفّة، وكان يسمح للكلمة أن تدلّ على كلّ ما يجمع فيه من أشياء. وكلمة “فَيْط” – بقلب الضاد طاء – تعني الوادي، والفيض في الفصحى: النّهر، ونهر فيّاض كثير الماء، وتخصّصت “فيط” للوادي حتّى ولو لم يكن جاريا.

وكلمة “الرّواي” كان يمكن أن تدلّ على الحوض الصّغير الذي ترتوي منه البهائم، ثمّ اختصّت دلالتها على إناء الماء. ونحوها كلمة “أرمّود”: الوسخ، وهي من الرمد بكسر الرّاء وباختصاص الدّلالة أصبحت تطلق ـ في اللّهجة ـ على بقايا التّبن غير الصّالح. وقولهم: “ارَّتَابَه”، كانت تعني في السّابق كلّ ما يثبّت به الشيء، فيقولون: “ارْتَبْ” بمعنى اهدأ واسكن، ثمّ خصّصت دلالتها لدرج الباب الرّئيسي للبيت. وكلمة: “بن جَعْرَانْ” كانت تطلق على جميع الحشرات، ثم تخصّصت دلالتها على الذباب. وكلّمة “خُرْج”، فكانت تدلّ على كلّ ما يخزّن فيه من متاع وحبوب، ثم اختصّت دلالتها على تلك الوسيلة المصنوعة من الحلفاء الّتي توضع على ظهر الدّابة لحمل الأمتعة، ومن الفعل اشتقت كلّمة “أَخْرَاجْ” بمعنى الصّديد، و”لْخرَّجِيَه” بمعنى الباب الرئيسي للمسكن. وكلّمة “لُوحْ” بإسكان الحاء اختصت دلالة الكلّمة على لوح الغسيل التّقليدي، أمّا بفتح الحاء الدّالة على التاء المحذوفة تطلق على لوح الخشب. وقولهم: “سَبْسَبْ”، أصبحت تطلق على ابن آوى، وكانت تدلّ على كلّ ما هو مسقول، نحو قولهم: “شعر مْسَبْسَبْ”، أي مُنْسَرِحٌ. ونعلّل لتوسيع دلالة “أرجوج” بالاشتقاق من حدود الصّوت الذي تحدثه حشرة في أوقات الحرّ، و(الرجّ) عندهم الصّوت المتكرّر لهذه الحشرة. ونحو قولهم: “أَحَلْحُولْ” ،وهي من حلحل تعني عند العامة فتل و”بَرْكَشْ”، يقول أهل تلمسان: “فَتْلَتْ” أو “بَرْكشَتْ” المرأة الطعام، بمعنى أعدّته وصنعته. و”حلحل” السّميد، بمعنى “صيرّ إلى كسكسي”، وأصبحت كلمة “أحلحول” تعني “الكسكسي”. وكلمة “أَخَّامْ”، فبينت مخموم بمعنى نظيف، ثمّ أصبحت الكلمة تعني عندهم البيت. وكلمة “أملوس” تعني في الأصل التّراب المبلّل، ثم أصبحت تدلّ على الوسخ مهما كانت طبيعته ومصدره. وكلمة “زْبِيلْحَه” تعني عندهم لعبة أطفال الخاسر فيها يقصى، ثمّ أصبحت تدلّ على كل خسارة. وكلمة “زفّر” بمعنى غليظ الطبع، فتقلص مدلولها فأصبحت تدل على كل مكروه ومنبوذ. وكلمة “تْشَفُوسَه”، بقلب الكاف “تش” تعني في جهات أخرى السّواد المتأتّي من كثرة الوسخ، ثم أصبت تطلق على مؤخرة الرّجل (العقب) الذي يطلق عليه بالعامية في جهات مجاورة “قدم”، بجيم قاهرية، المعرّضة للوسخ. وكلمة “البرش” تعني لون مختلف نقطة حمراء وأخرى سوداء، أو غبراء، أو نحو ذلك، ثمّ تطوّرت الكلمة صوتيا بالزيادة إلى “يَبْرَاشْ” التي أصبحت تطلق على كريات من سمك السردين المفروم المعروف في جهات أخرى بـ “كفتة الحوت”. وكلمة “ريحه” (رائحة)، فهي عامّة سواء أكانت طيّبة أم كريهة، فيقولون: “ريحه مليحه”، و”وريحه كبيحه (قبيحة)”، ثمّ خصّصت في حديثهم وأصبحت تطلق على العطر. وقولهم: “لْخُبْزَه تْكَاطَاتْ” بمعنى الدّخل أو الرّاتب توقّف بالتعطّل عن العمل بسبب من الأسباب. ومن أمثلة انتقال الدلالة كلمة “جويه” فهي مشتقة من “اجتوى” أي: كره، واجتوى الطعام بمعنى كرهه، ثم أصبحت تدلّ على الفلفل الحار. وكلمة “لعريش” فهي من “عرّش”، يقولون: “عرّش الكرم” إذا ارتفعت دواليه على الخشب، ثمّ أصبحت تدلّ على الكروم الّتي يستغلّ ” تعريشها” لتظليل ساحات المساكن.

وتحوّلات الاسم قد شاعت ظاهرتها هي الأخرى في اللّهجة، فكلّمة “تْشلَحْ” بقلب الكاف “تش” تطلق في لهجات أخرى على الخيط الأسود الّذي تربط به العمامة الملفوفة على طربوش أحمر، ثمّ أطلقت على كلّ من ما يوضع على الرّأس عن طريق المجاورة في الاستعمال، ومثل أيضا: “الزّابُورْ” الّتي أصبحت تدلّ على وسيلة تستعمل في نفخ النّار يقال لها في لهجة تلمسان “الكير”. وكلّمة “دْجَامُوسْ” بقلب الجيم القاهرية إلى “دج”، تدلّ في اللّهجة على سوار المرأة. وقولهم: “لهْزِيزَه”، أي: برهة من الوقت، اكتسبت الكلّمة هذه الدّلالة من اهتزاز عقرب الساعة هزة واحدة فصغّرت إلى “هْزيز”، وعن طريق العلاقة المركّبة أصبحت تعني الكلّمة وحدة زمانية قصيرة. وقولهم: “ردّ عليه لفطله (الفضلة) تبان لو(تظهر له) الدّنيا بصله” مثل يضرب على ضرورة توفير أجواء الرّاحة للمؤرق، فكلمة “فطله” عندهم البقايا، فأصبحت في هذا المثل تدلّ بالتّخصيص على الغطاء الصوفي الرثّ، والفضلة في العربية الثياب التي تبتذل للنّوم لأنّها فضلت عن ثياب التّصرف([3]).

وشملت تحوّلات في الدّلالة بعض الكلّمات في اللّهجة، نجمت عن تغيّرات صوتية بالزّيادة أو النّقصان، نحو كلّمة “بَارْبَارْ” بتفخيم الباء، ويراد بها تلك الفكاهة الشّوكية القفرية اشتهر في زراعتها أمازيغيو المنطقة قديما، فبالتّغيّر الصّوتي للكلّمة، أي بزيادة حركتين لين طويلتين، تغيّرت دلالتها بحكم ارتباط هذه الفاكهة القفرية بالّذين اشتهروا بها. وقولهم: “هَرْفِيلْ” بزيادة الياء واللام، وأصل الكلّمة “هرف”، فقول: هرفت شجرة التّين، بمعنى عجّلت أكلّها، فتغيّرت دلالتها وأصبحت تدلّ على التّين المجفّف بطرق تقليدية. وقولهم: “أَجْدَارْ” بمعنى البيت، ويرجع أصل الكلمة إلى أحد الاحتمالين، أولاهما: أنّها بمعنى الجدار، والهمزة فيها أداة للتّعريف، والثاّني: وهو الأرجح، بإضافة صوت الجيم على كلّمة “دار” لإزالة تفخيم الدال.

3) الانحراف الدلالي:

هو – عند اللّسانيين– بمثابة اكتساب الكلمة الواحدة لمعنى المقدّم عوضا للمعنى القديم. وقد مسّت هذه الظاهرة اللّسانية الكلمات الدخيلة في اللّهجة بشكل أوسع، وعلى إثرها أصبح يكتنف بعضها تغيّران: صوتي، وآخر دلالي، نحو كلمة “تشال” بكسر اللاّم، وأصلها Calage دعم وتثبيت، قلب فيها صوت “C” إلى “تش”، وهي تعني عند البحّارة الصّيادين رمي وإطلاق شباك الصّيد في البحر. وكلمة “ديبلي” تعني عندهم جعل محرّك القارب مستقرا في دورانه، وهي في الأرجح مأخوذة من كلمة Débrayer بمعنى إيقاف التّشغيل. أمّا كلمة “Déblai” التي تعني إزالة الأنقاض والرّكام، فإنّها قريبة منها صوتيا وبعيدة عنها من حيث المعنى. وكلمة “لاَرْدْجَ” Larguer بقلب صوت “G” إلى “دج” تعني لديهم الابتعاد عن رصيف الرّسو في الميناء. ولكن دلالتها في لغتها الأصلية هي: فَصل، وحلّ، وأرخى، وأهمل، وترك([4]). ونحو ذلك كلّمة “سَارُوتْ” التي تعني عندهم مفتاح من الحجم الكبير، تطوّرت صوتيا ودلاليا من كلمة Saradura الإسبانية التي تعني القفل.

ومن كلمات اللّهجة التي عرفت هذا المنحى كلمة “لْكِ” بمعنى عمل، يقولون: “يَلْكِ أَلكِّ” ـ بكسر الكاف المضعّفة ـ يعمل عملاـ ومعناه القديم مأخوذ من “لقى يلقي”. ونحوها كلمة “كرّع” التي تعني عندهم لغا ،ومنها المصدر “أكرّع”: الكلام غير المفيد، ومعناه القديم – الذي ظلّت بعض الجهات المجاورة للبيئة اللّهجية محتفظة به – السّير على الأقدام، وهي مأخوذة من الكراع بمعنى الرِّجْل،جمعها “كرعين وكرعاين”. وكلمة “سغنيسه” يطلق بها على خيط يشدّ به طرفي “المنداف” التّقليدي المصنوع من القصب، وذهب بعض أعيان الجهة إلى أن المعنى القديم لهذه الكلمة المفقود حاليا في اللّهجة، هو “المشكلة”، فكانوا يقولون للّذي يتخبّط في مشكلة ما: “في سَغْنِيفْتُو(سغنيفته) حَاصَلْ”.

4) الانحطاط الدّلالي:

 يعرف على أنّه اكتساب الكلمة لمعنى غير مستحبّ لدى الجماعة المتكلّة، فهو قريب من ظاهرة التقلّص الدّلالي، كما تتضمّنه أيضا الدّلالة المجازية، إلاّ أنّه يعبّر عن نوع من الإهانة، وهو مستكثر في اللّهجة، فكلمة “مجيوره”: دجاجة، الواردة في قولهم: “مَجْيُورَه ويْلَ رَاتْ (رأت) اسَّافْ (طائر جارح صغيرالحجم)”. مثل يضرب على الجبن والخوف. وكلمة “لامه” بتفخيم اللام، وهي مأخوذة من lama الفرنسية، وتعني حيوان لبون، وتتداول في اللّهجة بمعنى سلبي فيقولون: “هد (هذه) لامه”، أي سيّئة الخُلُق. وقولهم في تعيين المرأة البدينة من باب الاحتقار: “لَبَّه (بقرة) وتَتْنَادجَرْ (تتنافس، تتباهى) فْلَعْرَاصْ (في الأعراس)”. وقولهم في الذي يبخل على نفسه: “أَمَجْدَبْ”: مسمار كبير يثبّت في الحائط يعلّق عليه ما خيف عليه من الفأر والحشرات. ويقال للمتعنّت والمتعصّب: “سطاره”. وللمتشبّه بالنّساء أو المخنّث:  “عتيكه” بقلب القاف كافا، وهو اسم علم :عتيقة، إمّا من العتق، أو من عاتق التي بمعنى البكر. ويقلون للمنبوذ الذي لا يلقى احترام غيره: “شمط”: خنزير. ولكثير التّخاصم مع النّاس على أتفه الأسباب: سفط، معنى اللّهب، أو “عتش”، يطلقون عليه له في جهات أخرى “علك”: الصمغ.

5) التطوّر الدّلالي بالنّقل:

فالألفاظ المتطوّرة في هذا المجال لا علاقة لها بالتّشبيه والاستعارة، لأنّ نقل اللّفظ ههنا دالّ من مجال إلى آخر إنّما يستند إلى مسوّغات الشّبه الشّكلي اللّفظي، أو الوظيفي بين المجالين، أو بين الجزأين الماديين اللّذين تحرّك اللّفظ بينهما، أي: أنّ الدّلالة فيه تنتقل من مجال إلى آخر، فيقفز فيه اللّفظ من نقطة تداوله، أو من معناه الأوّل إلى ما يجري استعماله فيه من دون أن تنكمش دلالته فيتضاءل المحيط الذي يتحرّك فيه بعد اتّساع وعموم، ولا يتحوّل مجاله كذلك من ضيق وخصوصية إلى تعميم وشمول لما ليس له من قبل. ومن المحتمل أن تتعايش الدّلالتان، إلى جانب احتمال طغيان الدّلالة المتطوّرة على سابقتها. ومن أمثلة هذا التطوّر ما تضمّنه قولهم: “بْأَدْجُودْجِي تْسَلْ اشْدَكْ (الشدق) مَنْ فَا (فم) اسْلُودْجِي(السلوقي): فصيلة من كلاب الصيد)”. مثل يضرب على نجاعة الرّفق واللّين في استرجاع حقّ ضائع، فـ (أدجودجي) بقلب الجيم القاهرية “دج”، بمعنى طأطأة الرّأس، يقول الأب لابنه “دجودجي” ،بمعنى طأطىء رأسك. والسّواد الأعظم من أهل اللّهجة يجهلون مصدر وأصل هذه الكلمة، التي هي من المحتمل أن تكون من القوق: طائر مائي طويل العنق مائل، فأبدلت فيها القاف جيما قاهرية إبدالا خارجيا، ثمّ تطوّرت هذه الأخيرة تطوّرا داخليا إلى “دج”، فانقلبت دلالتها من مجال تسمية الطائر إلى تسمية مطأطئ الرّأس، وهي دلالة على الذلّ، والضّعف، والانصياع، حسب مجال استخدامها. وكلمة “اشَّرْتش(الشرك)”، بقلب الكاف شينا، فهي من الإشراك، وتدلّ أيضا على الجلد الخالص. وقولهم: “زَفْ”، بمعنى بعث، و”زف” الشيء، بمعنى باعه، و”زف” في كلامه، بمعنى كذب،نحو قولهم: “أَزَاشْ مَا تْزَفْ عْلِيَّ”، بمعنى كفّ عن الكذب. و”فْتَح” بمعنى فتح الشيء بعد إقفاله، وتعني الهروب أيضا. وكلّمة “صْبِيحْ” بمعنى جميل مأخوذة من نور الصّباح. ولفظة “يَغْلِي” تطوّر مدلولها إلى المشي والسّير، فيقولون: “يَكْدَرْ (يقدر) يَغْلِي”، أي أنّه قادر على المشي،على نحو ما جاء في قولهم: ” يَغْلِي عْلَ (على) رَجْلاَهْ (رجليه)، وارْتْشُوبْ (الركوب) ألاَّلاَّهْ (يقصد لحليلته)”. يضرب هذا المثل على كلّ من غلب على أمره، ولا يعرف أصحاب اللّهجة لكلمة يمشي إلاّ”يغلي”. ونحو ما تضمّنه قولهم :” تْخَافْ مَلْغْبِينَه (من الغبن) تْشِ مَا تْبَاتْشْ (تبيت) لَغْلَمْ (الغنم) فَلْدْجَرِينَه “. مثل يرمي إلى حسن عواقب الأعمال، فكلمة “دجرينه” هي في الأصل من القرين، أبدلت فيها القاف جيما قاهرية التي تطوّرت بدورها إلى “دج”، وهي تعني الأسير، فبتغيّر مجالها الدّلالي انقلب فيها المعنى من القيد والأسر إلى معنى مكان محفوظ وآمن تبيت فيه الماشية. وكلّمة “شرّب” بمعنى صفّق، فهي متطوّرة من شرّب الماء، إذا تناوله بين كفيه. وكلّمة “شطّب” بمعنى كنس، انتقل مدلولها إلى الضّرب، فيقولون: “شَطْبُو”، أي ضربه. ولفظة “مغدور”، فهي من غدر الّتي تحمل في اللّهجة معنى الغدر، واسم المفعول من فعلها “مغدور”، تعني الكسكسي باللّبن. وكلّمة “سطله” “وعاء خاص بالوضوء”، انتقل مدلولها إلى سطل، بمعنى أصلع. ولفظة “رتّابه” مدخل الباب، مأخوذة من رتّب بمعنى ثبتّ، فآداب الزيارات تقتضي التثبّت أمام الباب إلى حين الاستئذان بالدخول. و”بُوسَرَّايْ” بمعنى المشط، فانتقلت دلالتها إلى النّدب في قولهم: “يسرّي عليش (عليك)” بمعنى “يندب عليش”. و”درعيه” القفة القماشية، عادة ما يدخل فيها الذّراع لحملها.

كما تبدو لنا اللّهجة في حركتها بين الدّلالات المجرّدة والدّلالات المادية، قادرة على التّشكلّ حسب ما تتطلّبه الحاجة من اتّساع، فكلمة “اسْقَاطَه”، فهي من السّقط، أي ما لا خير فيه من كلّ شيء، تغيّر مدلولها وأصبحت تعني “صدف السّمك”. وقولهم: “اتُّحْرَاشْ” بضمّ التاء وقلب الكاف شينا، كانت تدلّ على كلّ عملية تتطلّب التّحريك، وخلصت في تطوّر دلالتها إلى الملعقة الكبيرة الّتي يحرّك بها ما بداخل القدر. وكلّمة “غُنْجَه” بضمّ الغين، كانت تطلق على الدّلالة بكسر الدال، وانتقلت دلالتها إلى تلك الوسيلة المعروفة “بالخُيَالَه” الّتي تنصب في حقول الزرع لإيهامها بأنّه إنسان قصد تهجيرها. وكلّمة “اسْرُوحْ” ،إنّما كانت تدلّ على الخروج، فأصبحت تدلّ على زاد الرّاعي الّذي يأخذه معه، ثم استقرت دلالة هذه الكلّمة على الطّعام الّذي يُأخَذُ إلى مكان العمل في أوقات الدوام.

6) التطوّر الدّلالي من الحسّي إلى المجرّد:

يمثّل هذا الجانب مرحلة من النّمو اللّغوي الذي يعبّر عن العالم الذهني للإنسان، فالمجرّدات لا تتناول المفردات أو الأعمال الحركية المتّصلة بالحواس الظّاهرة، وإنّما تعبّر عن الحالات النّفسية والعقلية ومفرداتها من الشّعور، والانفعال، والحكم في السّلوك، والحياة عامة، أي قيام الأسماء أو الصّفات مقام مسمّياتها وموصوفاتها، أو حلول الألفاظ محلّ الأشياء التي تدلّ عليها([5])، ولم تكن لهجة توانت في منأى عن هذا النّوع من التطوّر الدّلالي، فتجسّد في الكثير من أقوالهم، نحو: ” فَرْيَاطْ ويَنْدَهْ خْلِيكْتُو (خليقته) بَلْعْيَاطْ “. يضرب هذا المثل على المكسال الذي لا يقوم ولو بأبسط عمل، فكلمة “فرياط”، تعني المفتاح الكبير الحجم، و”ينده”: يطلب الخدمة، و”خليكتو”: زوجه، و”العياط”: الصّوت المرتفع، وتدرج المعنى لمادة “فرياط” ههنا من المفتاح الكبير إلى أن بلغ دلالة ذهنية مجرّدة يراد بها الإنسان المكسال المتّكل على غيره حتّى فيما يتطلّب أدنى جهد. وفي قولهم: “صَلِيحَه عْكَلْهَا (عقلها) غِ (غير) فازْبِيلْحَه”. يوجّه المثل إلى غير النّاضج عقلا، فـ “ازبيلحه”: لعبة أطفال يتمّ اللّعب فيها بالقفز على مربعات، ويبدو أنّ المعنى الحسّي مرتبط بهذه اللّعبة التّنافسية، ثمّ وجّه إلى معنى الخسارة والضّياع، فيقولون للشّيء الضّائع: “مْشَى ازْبِيلْحَه”، يقابله في لهجة تلمسان “مْشَى خْصَارَه”، بقلب السين صادا”. وفي قولهم: “مْكَبَّبْ ومْهَبَّبْ وعْلَ (على) خِيتُو(أخته) يَتْسَبَّبْ”. يضرب المثل على نكران الجميل، يبدو المعنى الحسّي فيه مرتبطا بـ “كبه” بقلب القاف كافا، ومنها (يتكبّب) معناها يستريح، كما تعني الاستلقاء، والاسترخاء، و”مهبّب”، مأخوذة من الهبوب، وهبّت الريح إذا اندلعت في اتجاه معيّن، وفي المثل يقصد بها راحة النّفس والبال. كما تجلّت ظاهرة الانتقال من المادة الحسّية إلى المعنى المجرّد في قولهم :”مْحَوْرَشْ انِّيَه (النّية) مَا تَسْتَنَّى (ما تنتظر) مَنُّو (منه) هْدِيَه”. يضرب هذا المثل على المغالي في التّحفظ في معاملاته مع الغير، وكأنّه ـ في نظر النّاس ـ مخف لنيته، ولا ينتظرون منه خيرا .وكلمة “محورش”، بقلب الكاف شينا ،معناها مأخوذ من لفظة “حوارش” التي تعني المنطقة الخفية التي هي بين هضبتين، أو المكان غير المكشوف، والأصل المحسوس لـ “حوارش” واضح، والانتقال إلى المعنى الجرّد تمّ بحسب استخدامهم لمظهر من مظاهر البيئة في التّعبير عن (النّية والقصد). ومن أمثلة ذلك قولهم: “رْفَدْ لْهَا ادْمَامْ، ومَا بْكَالُو(لم يبق له) غِ (غير) ازْحَامْ”. يوجّه هذا المثل إلى حامل هموم ومشاكل حليلته إلى درجة أنّه لم يبق له سوى أن يتحمّل التأّلم والتّوجّع في مكانها أثناء المخاض، المعبّر عنه بكلمة”الزحام”، فالمعنى الأصلي لكلمة “دمام”، هو المحوّل الخشبي الذي يثبّت في مؤخّرة قارب الصّّيد، وانتقل معناه الحسّي في هذا المثل إلى معنى مجرّد، وهو الهمّ. وجاء في قولهم: “مَجْيُورَه ولا تْبَيَّطْ (تبيض)”. يضرب المثل على كلّ ما لا يرجى منه فائدة، والأصل في “مَجْيُورَه” أنّها دجاجة بيّاضة أرادت يوما الانتقام من صاحبها –حسب ما ترويه أسطورة شعبية محلّية – نظرا لبخله الشّديد فباضت له بيضة مسمومة، كانت عليها نهاية حياته، فكثر التّشاؤم بهذا الاسم في المنطقة قديما. وكلّمة “لْفَرْيَاطْ”: مفتاح الباب الرئيسي، عادة ما يكون أكبر حجما وشكلاّ من مفاتيح الأبواب الثّانوية، فتطوّر معنى الكلّمة المحدود وأصبحت تدلّ على الغلظة والشدّة.

كما ربط أصحاب اللّهجة بين أعضاء الجسم وبعض الصّفات للدّلالة على معان نفسية وخلقية تظلّ قي مجملها محدودة التّفريعات، نحو قولهم: “كَلْبُو(قلبه) واسَع”. للدّلالة على التّحمل والصّبر. و”كَلْبُو(قلبه) تشْحَلْ (أكحل)”. للدّلالة على الحقد والضّغينة، وعكس ذلك، “كَلْبُو (قلبه) بْيَطْ (أبيض)”. وكلمة: “دْجَصْتُو” بقلب الجيم القاهرية “دج” بمعنى جبهته، فيقولون: “دجصْتَو مْرَبْحه(مربحة)” للدّلالة على الخير. و”عَيْنَايَنْ شَاحْرِينْ”، للدّلالة على الحسد. و”وصَبْعَانُو (أصابعه)غْلاَطْ (من الغلظة)”، للدّلالة على الخشونة، و”لْسَانُو(لسانه) كَاطَعْ”، للدَلالة على الكلاَم المجرّح. و”تشّرْشُو (كرشه) تشْبِيرَه (كبيرة)”، للدّلالة على هضم حقوق الغير، و”رَجْلاَيَنْ طْوَالْ”، للدّلالة على التّعدّي، و”رَجْلاَيَنْ مَكْصُوصِينْ” للدّلالة على الخمول والكسل.

وما نلاحظه في حالات التطّور الدّلالي في اللّهجة، أن بعض عمليات التّحويل أو التحوير لا يصحبها في الكثير من الأحيان نشاط اشتقاقي، وذلك بسبب محدودية بنية اللّهجة، وظلّت العديد من الكلّمات تتحرّك داخل حيّز صغير محتفظة بصيغتها الصّرفية، تتغيّر دلالتها جزئيا عملا بما تقتضيه الحاجات الاجتماعية.

وإذا نظرنا إلى الكلّمات الأعجمية، نجد أنّها أسهمت بتطوّرها الدّلالي في إنماء الثّروة اللّفظية للّهجة، وحلّت محلّ الكلّمات الأصلية المفقودة، فهم لا يقولون هذا غنيّ ،أو “مْرَفَّحْ” أو “مرفّه” كما هو جار على بعض الألسنة الدّارجة ببعض المناطق المجاورة، وإنّما يقولون هذا “جَرْنَاطِي”، وهي من أصل “Journalier”، أي أجير يومي، والتغيّر الدّلالي للكلّمة مرتبط بظاهرة اجتماعية. وقولهم: “دْجَامْبَه” بقلب الجيم القاهرية “دج” وتفخيم الباء، وهي تعني بالإسبانية الجمبري، فأصبحت تدلّ على الأبلهِ من النّاس. و”دْجَليِطْ” كلّمة من أصل فرنسي “Galette” تعني قرص حلوي، فأصبحت في اللّهجة تعني الإنسان البدوي السّاذج، والمرادف لها كلّمة “تْشَافِ” “Café”. وضمن هذا الإطار نجد قولهم: “خِنْتِي”، “Geuté” وهي كلّمة من أصل إسباني تعني الخلق والنّاس، تحوّل معناه في اللّهجة إلى سيّئ الخلق.

7) الدلالة المجازية:

إنّ دراسة الدّلالة المجازية ههنا نبحث فيها عن الآثار التي تتركها اللّغة العادية المتداولة، دونما قصد إلى التّمييز في استخدامه ـ الضيّقة ـ بين ضروبه المختلفة، باعتبار أنّها أدوات لغوية عادية من شأنها إثراء رصيد اللّهجة اللّغوي بظلال للمعنى.

وموضوع الحقيقة والمجاز هو من المواضيع التي أفاض فيها العلماء القدامى والمحدثون، ونالت قسطا كبيرا في البلاغة العربية. فالحقيقـة هـي: “الكلام الموضوع في وضعـه الذي ليس باستعارة ولا تمثيل، ولا تقديم فيه ولا تأخير”([6])، إذا هي ما وضع([7]) الأصل لأول مرّة وضعا لغويا باصطلاح أصحابها، كالدّابة لذوات الأربع، كالحمار([8]).

أمّا المجاز فهو ضرب من ضروب البيان العربي، يقصد به كلّ كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الأوّل والثّاني، “وإن شئت قلت: كلّ كلمة أجزت بها ما وقعت له في وضع الواضع إلى ما توضع له من أن نستأنف فيها وضعا، لملاحظة بين ما تجوز فيه وبين أصلها”([9]). وبأكثر دقّة أنّ المجاز: هو ما فيه تشبيه، واستعارة، وكفّ([10]) ما ليس في الأوّل، فالمجاز من هذا المنظور هو ما ناقض الحقيقة، لأن الكلام الحقيقي يسرى لسننه لا يعترض عليه([11]).

وذهب العلماء مذاهب فيما إذا كان أكثر الكلام حقيقة أو مجاز أو مزجا بينهما، فابن الفارس يرى بأنّ أكثر الكلام حقيقة، عكس ابن جني الذي يرى أنّ أكثره مجازا([12]) ويعدل إليه عن الحقيقة لمعان ثلاث: الاتّساع والتّوكيد والتّشبيه. والحكم على الحقيقة والمجاز في الكلام لا يكون صحيحا إلاّ إذا اقتصر على بيئة معينة، وجيل خاص، فالمجاز القديم مآله الحقيقة، والحقيقة القديمة قد تؤول إلى الزّوال، وتبقى الألفاظ إذا قدّر لها البقاء تنتقل من مجال إلى آخر جيلا بعد جيل، وذلك هو التطوّر الدّلالي([13]).

والتّشبيهات الكلامية تبنى عموما على جانب معيّن، يشخّصه أناس في مجتمع كلامي خاص، بوصفها تشبيهات سائدة. والجزء الأساس من القوة الإيصالية للتّشبيهات الكلامية (الاستعارة) يستمدّ من المعنى المركزي للكلمة الذي يأخذ قوة فعالة، وما إن يضيع المعنى المركزي الذي يمدّنا بأساس مدلول صفة معيّنة ذات قيمة تكوينية، حتى تفقد هذه القوة الإيصالية، لأنّ قوة التّشبيه تنحصر في العلاقة المتأسّسة بين المعنى المركزي وامتدادات المعنى، أي كلّما تمّ الابتعاد عن الجوهر زاد البعد عن الفعالية.

ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ ثمّة اختلاف في التّوجيه بين بيئتين لغويتين استخدم فيهما لفظ واحد في استعارات. ومجازات، مردّه اختلاف العلاقات بينها وبين الجوانب الثقافية والاجتماعية، وما يجسّد هذا الاختلاف وجدناه على سبيل المثال بين لهجة توانت ولهجة تلمسان ـ مسافة 70 كلم بينهماـ فأهل توانت ورد عنهم: ” لْمَحْبَسْ عَنْدْ انَّاسْ مَا يَتْهَرَّسْ”. فالمعنى الحقيقي لـ “لمحبس”: آنية من طين يطهى عليها الخبز، والمعنى الذي يراد به في هذا المثل، هو أنّ “المحبس” رمز للكرم، ولا بدّ من المحافظة عليه. بينما هو عند أهل تلمسان يقصد به الإناء الذي يتغوّط فيه الصّبي. وإذا قالوا: “فَمُّو (فمه) غِيرْ مَحْبَسْ”، إمّا تشبيها للرّائحة المنبعثة منه برائحة المحبس، أو يستخدمونه للتّعبير عن الإنسان الذي يتفوّه كثيرا بالكلام البذيء.

للتّفريق بين الحقيقة والمجاز([14]) في اللّهجة يجب الرّجوع إلى أصحابها دون الاحتكام إلى العقل ولا السّمع، لأنّ العقل متقدّم عن وضع اللّغة، فإذا لم يكن فيه دليل على أنّه تمّ وضع الاسم لمسمى مخصوص، امتنع أن يعلم به أنّه تمّ نقله إلى غيره، لأنّ ذلك الفرع العلم بوضعه، وكذلك السّمع إنّما يرد بعد تقرر اللّغة، وحصول المواظبة، وتمهيد التخاطب، واستمرار الاستعمال، وإقرار بعض الأسماء فيما وضع لها، واستعمال بعضها في غير ما وضع لها([15]).

ويكتسي المجاز دورا بالغا الأهمية في إنتاج العديد من مفردات اللّهجة، وسمة بارزة من سمات التطوّر الدّلالي فأدرك اللّغويون قيمتها، فدفعوا بضرورة الإفادة منه وجعله وسيلة توسيع وتكبير للّغة، مسموحا به لكلّ منشئ، ما دام أنّه يتعرّف وجوه العلاقات الواجب مراعاتها في نقل اللّفظ إلى غير معناه الأصلي([16])، دون التغافل عمّا اشترطه عبد القادر الجرجاني في اللّفظ المستعار، على أن يكون ممّا تعارف عليه النّاس واستقر في أذهانهم([17]).

والدّلالات المنقولة لبعض الألفاظ المستعملة من الوجهة المجازية([18]) تبرز بوضوح قدرة لهجة توانت على الاتّساع في التعبير، وإبداع الصّور الّتي توظّف لأغراض كلامية مختلفة، لها ارتباطات بجوانب نفسية واجتماعية ،لا لغرض التّأثير أو الابتكار الفنيّ، وإنّما يتداولونها بالوجه الاستعاري المحض، أي أنّ المتكّلمين يعمدون إلى ملاحظة علاقة المضارعة من المدلولين لتحقيق النّقل بصفة إرادية، دون قصد التّصوير، كتعبيرهم عن نوع من الحلوى بـ “تشْعْبْ (كعب)غْزَالْ”، وعن مجفّف الشّعر بـ “تْشَابُوسْ الرِيحْ”، اعتمادا على المشابهة بين هذه الوسيلة و”لْتشَابُوسْ” (المسدس) في الشّكل لا الوظيفة. ومن أمثلة الانتقال الدّلالي ممّا يلحظ فيه الأثر المجازي التّطور الذي عرفه قولهم: “طْرِيكْ (طريق) انْصَارَى”، للتّعبير عن الطّريق المعبّدة. وعن وضع اليد على الخدّ، بـ “رْتشِيزَتْ لْهَمْ (ركيزة الهمّ)”. عن الفقرات العصعوصية للذبيحة بـ “عْصَاتْ ارَّاعِي(الراعي)”. ومن ذلك إطلاق كلّمة “مَرْوِيَه” الّتي تعني البقرة على البدينة (السمينة) اعتمادا على شيء من المشابهة في الضّخامة.

أمّا ذات الغرض التّعبيري (الدّلالة)، فتنحصر معظمها في المجاز المرسل بعلاقاته المختلفة، ويعدّ عند الدّلاليين بمثابة تحويلات للاسم إثر مجاورة المعاني، أي أنّ النّقل عندهم هو التّحويل، ومجاورة المعاني هو ملاصقتها، وهو يقوم بأخذ الكلّ تعبيرا عن الجزء، وبالعكس، والمضمون تعبيرا عن الزّمان أو المكان، أو الحالية، أو المحلية. أما الكلّية فتضمّنها قولهم:”خَيَّطْ اشَبْتْشَه (الشبكة) ونْسَى رُوحُو (نفسه) فيها”. فكلمة “اشبتشه” الدّالة على الكلّ، يراد بها الجزء المتقطّع فيها، ويضرب هذا المثل على تغييب العقل في الأعمال. أما الجزئية فتتجلّى في قولهم: “طْلَبْ يَدْهَا واصْبَحْ يَتْشَرَّطْ (يشترط) بَيَاشْ يْرَدْهَا (يسرحها ويردّها لأهلها)”. فاستعملوا كلمة (يدها) وهو الجزء، للتّعبير به عن الكلّ، وهو المخطوبة، ويعكس هذا المثل الخديعة والمكر في المعاملات، ولا سيّما في المعاملات التّجارية. نفس الشّيء نجده في قولهم: “لَمْرَه (المرأة) بْلَ (بلا) رَايْ (رأي) تْشِ لَبْهِيمَه بْلَ اشْتشِيمَه (شكيمة)”. و”اشتشيمه” تعني في لهجتهم اللّجام، وأصلها من شكيمة اللّجام، وهي الحديدة المعترضة في فم الفرس، وهي لا تمثّل إلاّ جزءا من اللّجام. أمّا التّعبير بعلاقة المحلّية تضمّنه قولهم: “عَبِّيتْ ادَّارْ (الدار) لَلْحَمَامْ”، ويقصد أهل الدار. ونحوه: “سَلَّمْ لِي عْلَ (على) ادَّارْ (الدار)”، أي أنقل تحيتي لأهل الدّار. وقولهم: “دِ حَبْ اشْبَحْ مَا يْكُولْ (يقول) أَحْ”. ويراد بـ”اشبح” العسل. أما الحالية أو الزّمانية فاحتواها قولهم: “مَتَّغْهَمْ ازْمَانْ وَصَرْطَتْهَمْ لِيَّامْ”. أسندوا في قولهم: “التَمْتَاغْ” (المضغ) إلى الزمان و”اتَّصْرَاطْ” (الابتلاع) إلى الأيّام إسنادا إلى غير الفاعل الحقيقي، لأنّ الّذي (يمتغ ويصرط) حدثان وقعا في الزمان والأيّام، فهو إسناد مجازيّ علاقته الزّمانية. وقولهم: “لْوَادْ حَامَلْ ،وْمَاهْ هَامَلْ”. فـ “حَامَلْ” المراد به سريان المياه بغزارة، في هذا المثل أسند “الحامل” إلى الوادي أي: إلى غير فاعله الحقيقي، لأن الوادي مكان سريان المياه، وهو لا (يحمل)، وإنّما (يحمل) ما فيه، وهو الماء، فإسناد “الحامل” إلى الوادي إسنادا مجازيا، علاقته المكانية.

بالإضافة إلى هذه العيّنة من التّعبيرات المجازيةّ، فإنّ اللّهجة تحتوي أيضا على عدد كبير من الكلّمات ذات الدّلالات الهامشية تختلف عمّا هو مألوف لها، تقاس بالوجه المتواضع عليه، نحو كلّمة “اَسَّمْ”، وهي تلك المادة القاتلة، لها عدّة أوجه دلالية مجازيّة إذا ما وظّفت خارج إطارها المتّفق عليه، وهي: إما تدلّ على الحقد، فيقولون: “فْلاَنْ سَمِّي”. وإما على البرد الشّديد، فيقولون: “السَّمْ رَاهْ”. وإما على الكلاّم المجرّح، فيقولون: “يَطْلَكْ اسَّمْ مَنْ فَاهْ”. ونحوها كلّمة “اسَّاطُورْ” ما يقطّع به اللّحم، ومن دلالاتها المجازّية الألم والوجع، كما في قولهم: ” اسَاطُورْ راهْ فْرَاصِي (في رأسي)”، والضّرب المبّرح كما في قولهم: “ساطْرُو”، أي ضربه ضربا مبرحا. وعن الإنسان الّذي يخشى جانبه، فيقولون عنه: “هَدَ سَاطُورْ”. وكلّمة “أَزَكُّورْ” جدع شجرة كبيرة، ومن دلالاتها: الموت، نحو: “رَاهْ مْزَكَّرْ” أي ميّت. والخشونة والغلظة، فيقولون: “هَدَ مْزَكَّرْ”.

وهناك تعابير مجازية مستوحاة من الحيوانات والطّيور والخضروات، نحو: “لْمَدْغٌورْ” الحمار، والكثير العمل الشاق، يقال له أيضا: “مدغور”، ونفس الكلّمة تطلق على الغبيّ، والكثير التّحمّل، والذّليل، والمظلوم الساكت عن حقّه. ومن الطّيور “لْغَاوْيَه”: نوع من الطّيور الساحلية تطلق على النّحيف، والخفيف، والثّرثار.

والدّلالات المجازية الحاصلة عن طريق التّشابه الوظيفي المرتبطة بجوانب ثقافية واجتماعية، كانت عاملا جوهريا في تشعّب المعاني انطلاق من المعني المركّزي للكلّمة، واكتسب على إثرها أصحاب اللّهجة إمكانيات أكثر في التّواصل الميسور. وأشير أن الاستخدام المجازي في أكثره غير مقيّد ببيئة اللّهجة، بل تشترك فيه لهجات أخرى مجاورة، وإن كانت تختلف عنها في طبيعة الكلّمة وأصواتها، نحو: “بَنْ جَعْرَانْ” الذّباب، فإنّهم يشيرون بهذه الكلّمة إلى الجمع الغفير، فيقولون: “لْعَرْصْ(العرس) حْطَرْلُو(حضره) بَنْ جَعْرَانْ”، نفس التّعبير نجده في جهات أخرى محوره كلّمة “دبَّانْ”(الذّباب).

زيادة على الاستعارة التّعبيرية، فإنّ التّعبيرات الرّاقية للهجة المتمثّلة في الأقوال المأثورة والحكم والأمثال والأشعار الشعبية تحفل على قدر هام من الاستعارات الفنّية وغرضها المقصود، التّوضيح وتقريب الفهم، نحو قولهم: “اطْرَبْ (اضرب)اصَّحْ يَمْبَتْ(ينبت بقلب النون ميما)”. وقولهم: “اطَّعْفْ(الضّعف) يْرَدْ لْتَشبْش(الكبش)ْ حَوْلِي”. والمـراد بـ “اطّعف” (الضعف): العوز، والفقر. فهذان التّعبيران تمّ الارتداد بهما إلى العالـم المحسـوس وتمثـيل المجرّد، أي أنّهم أرادوا أن يشيروا إلى أنّ الصّدق يفلح، والضّعف في المادة (الفّقر) يقلب موازين حياة الإنسان، فوضعوا كلاما غير الّذي وضع له([19])، أي وضع كلّمتي “اصَّحْ”، و”اطَّعْفْ” في موضع ثمّ استعارته من موضع آخر([20]) يليق بالمعنى المألوف. وبهذا فإنّ الانتقال بالاستعارة من مستواها اللّغوية إلى المستوى الجمالي البسيط أعطى للّهجة القدرة في التّعبير عن تجارب مختلفة.

والتّعابير اللّهجية الثّابتة ولاسيّما الدّالة منها على حرفة، قد تموت فيها الاستعارات بتخصيص استعمالها العادي على سياق واحد، نحو كلمة “تشفّوسه” بقلب الكاف “تش” تطلق على عقب الرّجل، و”الكفّوس” عند غيرهم في المناطق المجاورة تعني الوسخ، فالحافي غالبا ما يظهر الوسخ في عقبي رجليه بشكل ملفت، لهذا أطلقوا عليه ـ العقب ـ “التشفّوسه” من الوجهة الاستعارية، كما هو الشّأن بالنّسبة لكلمة “زكّر” في قولهم: “يزكّر ولورت (الميراث) يولّي لعمرو”، التي هي بمعنى مات، مأخوذة من “أزكّور”: جذع شجرة، أي أنّ الميت: جثة هامدة كـ “أزكّور”، وهو تعبير ثابت ماتت فيه الاستعارة، وبالتاّلي أصبح أهل اللّهجة لا يعرفون عن فعل “زكّر” سوى معنى مات.

أما التّعبيرات الحرفية التي ماتت فيها الاستعارة، فنجدها غالبا في التعبيرات المستحدثة كالحلاّب، ويقصد به مهرّب الوقود، أي أنّه بعد شحن خزّان سيارته ـ المسخّرة للتّهريب ـ يقصد الشّريط الحدودي ـ مكان التّفريغ ـ فينحني تحت المركبة لتفريغ الشّحنة بأنبوب في هيئة كأنّه يحلب بقرة.

الخاتمة:

   أية ذلك كله أنّ الرّابط بين الدّال والمدلول، إنّما هو من قبيل الاصطلاح بين النّاس، إذ أنّ كلّ لفظ يصلح أن يعبّر به عن أي معنى من المعاني، وما أصطلح عليه أهل توانت خالفتهم في معناه لهجات أخرى نحو قولهم: وْرَدْ لْكَطْ (القط) عْلَ (على) لْفَارْ (الفأر) تَعْرَفْ فَايَنْ رَاهْ سَاتْشَنْ(ساكن) فادَّارْ (في الدار)”.فـ”ورد” بمعنى ادفع، يقولون ورد معاي (ادفع معي)، ودلالة هذه اللّفظة في لهجات أخرى مجاورة للهجة توانت تعني القدوم، نحو قولهم: “لْوَاغَشْ وَرْدُو”، أي قدموا، هذا ما يدلّ على أن فكرهم ارتبط بما تواضعوا عليه ارتباطا وثيقا.

   دلالة الألفاظ ليست ظاهرة قارّة، بحيث يمكنها أن تتغيّر حسب التّجارب الجديدة يخيّرها المتكلّم، وبتعدّد القيم الحافلة بدلالة الألفاظ المركزية Connotation.

وتحليل العلاقات العرفية بين المفردات ومعانيها على مستوى المعجم اللهجي، لا توصلنا إلى فهم المعنى الدلالي، لأنّ الوصول إلى هذا المعنى يتطلّب العنصر الاجتماعي الذّي هو المقام، الذي تنطوي تحته عناصر أخرى، منها: المتكلّم، والسّامع، والظّروف، والعلاقات الاجتماعية، والأحداث الواردة في الماضي والحاضر.

 

المصادر و المراجع

1) أسرار البلاغة: عبد القاهر الجرجاني، تحقيق رشيد رضا، القاهرة: المنار،1367هـ/ 1947م.

2) البلغة في أصول اللّغة: محمد صديق حسن خان القنّوجي، تحقيق نزير محمد مكتبي، بيروت (لبنان): دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1408هـ/1988م.

3) اتجاهات البحث اللّغوي الحديث في العالم العربي: رياض قاسم، بيروت: مؤسسة نوفل، ط1،1982م.

4) تلخيص المفتاح في المعني والبيان والبديع: الخطيب القزويني، صيدا، بيروت (لبنان): المكتبة العصرية، دت.

5) الخصائص: ابن جني( أبو الفتح عثمان)، تحقيق محمد علي النجار، بيروت (لبنان): عالم الكتب، دار الكتب المصرية، ط2، 1952م.

6) دلالة الألفاظ: إبراهيم أنيس، القاهرة: مكتبة الإنجلو مصرية،ط2،1963م.

7) دلالة الألفاظ عند الأصوليين، دراسة بيانية ناقدة: محمد توفيق محمد سعد، مطبعة الأصالة،ط1، 1987م.

8) الصاحبي في فقه اللّغة العربية و مسائلها و سنن العرب في كلامها: ابن فارس(أبو الحسن أحمد بن زكريا بن فارس ت395هـ)، تحقيق مصطفى الشويمي، بيروت: مؤسسة بدران للطباعة و النشر 1383هـ /1964م.

9) علم البيان: عبد العزيز عتيق، بيروت(لبنان): دار النهضة العربية ، دت.

10) علم الدلالة العربي(النظرية والتطبيق)، دراسة تاريخية، تأصيلية، نقدية: فايز الداية، دمشق (سورية): دار الفكر، ط2،1996م.

11) عوامل تنمية اللّغة: توفيق محمد شاهين، القاهرة: مطبعة الدعوة الإسلامية، ط1، 1980م.

12) لسان العرب: ابن منظور الإفريقي المصري (أبو الفضل جمال الدين بن عمر بن مكرم 711هـ)، بيروت لبنان، دار صادر، ط3، 1964م.

13) المزهر في علوم العربية و أنواعها: السيوطي(جلال الدين عبد الرحمان بن أبي بكر 911هـ)، شرح و ضبط و تصميم محمد أحمد جاد المولى، وعلي محمد البجاوي،

 و محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1958م.

14) نقد الشعر: قدامة بن جعفر، مطبعة الجوائب القسطنطينية، 1302هـ.

Micro Robert Dictionnaire, Paris 1988, p.726.

 

 ([1]) منطقة ساحلية تقع في الشمال الغربي لولاية تلمسان – الجزائر.

([2]) منها الأسباب الاجتماعية النّاجمة عن تبدّل المفاهيم المؤدّية إلى التّطور اللّغوي، كانتشار مذاهب اجتماعية وسياسية جديدة، مفرز مفردات لغوية جديدة في صياغتها ومعانيها للدلالة على تلك المفاهيم، نحو: “فلادجة” (فلاقة) بمعنى الحطابة فهي من “فلدج” (فلق) بمعنى قطع الخشب، استخدمت أثناء الثورة بمعنى المجاهدين الذين أخذوا من الغابات قواعد خلفية لهم، ونحو هذا التطوّر ما دلت عليه كلمة “حرتشه” (حركة) ضد الثورة التّحريرية، أو هي مأخوذة من الحركة Mouvement ضدّ الثورة وهو احتمال ضعيف.

([3]) لسان العرب: ابن منظور الإفريقي المصري (أبو الفضل جمال الدين بن عمر بن مكرم 711هـ )، بيروت لبنان، دار صادر، 1964م، ط3 ، مادة “فضل”.

([4])         Micro Robert Dictionnaire, Paris 1988, p.726.

([5]) علم الدلالة العربي(النظرية والتطبيق): فايز الداية، دراسة تاريخية، تأصيلية، نقدية، دمشق (سورية): دار الفكر، 1996م، ط2، ص289.

([6]) المزهر: السيوطي (جلال الدين عبد الرحمان بن أبي بكر، تـ911هـ)، شرح وضبط وتصميم محمد أحمد جاد المولى، وعلي محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، 1958م، ج1، ص355.

([7]) الوضع ” فيعني تعيين اللّفظ للدّلالة على معنى بنفسه، فيخرج يذلك من تعريف المجاز لأنّ دلالته بقرينة، وحينئذ لا يسمى التّعيين فيه وضعا، وهو ما وضع لمعنيين أو أكثر وضعا متعدّدا ” ينظر تلخيص المفتاح في المعني والبيان والبديع: الخطيب القزويني، صيدا، بيروت (لبنان): المكتبة العصرية، دت، ص149.

([8]) عوامل تنمية اللّغة: توفيق محمد شاهين، القاهرة: مطبعة الدعوة الإسلامية، ط1، 1980م، ط1، ص113.

([9]) أسرار البلاغة: عبد القاهر الجرجاني( تـ471هـ)، رشيد رضا، القاهرة: المنار، 1367هـ/1947م، ص316.

([10]) الكفّ: أن يكفّ عن ذكر الخبر اكتفاء بما يدلّ عليه الكلام. ينظر البلغة في أصول اللّغة: محمد صديق حسن خان القنّوجي، تحقيق نزير محمد مكتبي، بيروت (لبنان): دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1408ه/ 1988م، ص204.

([11]) يقابل الجاحظ الحقيقة بالمجاز، إذ يرى أنّ الحقيقة تعني “استعمال فيما وضع له أصلا “، وأمّا المجاز عنده فهو يعني “استعمال اللّفظ في غير ما وضع له، لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الحقيقي ” نقلا عن علم البيان عبد العزيز عتيق، بيروت(لبنان):دار النهضة العربية، د ت، ص136–137.

([12]) دلالة الألفاظ: إبراهيم أنيس، القاهرة: مكتبة الإنجلو مصرية، 1963م، ط 2، ص127.

([13]) نفسه، ص128.

([14]) ذكرت بعض الفروق منها: أنّ الحقيقة يقاس عليها، والمجاز لا يقاس عليه، والحقيقة يشتقّ منها النّعوت، والمجاز لا يشتقّ منه. ينظر البلغة في أصول اللّغة، محمد صديق حسن خان القنّوجي، ص206.

([15]) ينظر المزهر: السيوطي، ص362.

([16]) اتجاهات البحث اللّغوي الحديث في العالم العربي: رياض قاسم بيروت: مؤسسة نوفل، 1982م، ط1، ص 328.

 ويعدل إليه عن الحقيقة لمعان ثلاثة، وهي: الاتّساع، والتّوكيد، والتّشبيه، فإن عدمت الثّلاثة تعيّنت الحقيقة، ومن المجاز في اللّغة أبواب الحذف، والزّيادات، والتّقديم، والتأخير، والحمل على المعنى، والتّحريف. ينظر الخصائص: ابن جني( أبو الفتح عثمان، تـ392ه) تحقيق محمد علي النجار، بيروت (لبنان): عالم الكتب، ط2، دار الكتب المصرية، 1952م،

ج2، ص447.

([17]) ينظر أسرار البلاغة: عبد القاهر الجرجاني، ص22.

([18]) بالمفهوم الّذي هو ضد الحقيقة، فالكلام الحقيقي يسري لسننه دون الاعتراض عليه، فينسب لابن فارس القول بأنّ أكثر الكلاّم حقيقة وينسب لابن جني رأيا مجملة أنّ الكلاّم أكثره مجازا. ينظر دلالة الألفاظ عند الأصوليين، دراسة بيانية ناقدة: محمد توفيق محمد سعد، مطبعة الأصالة،1987م، ط1، ص127. وأطلق عليه Pierre GUIRAUD مصطلح La nomination cognitive التسمية الإدراكية، فيقول: “نحن نعطي لشيء اسما كان فيما مضى اسما شيء آخر ونشركه معه مشترك تماثلي للأشياء في التشبيه”. ينظر علم الدلالة: ترجمة منذر عياش، دمشق: دار طلاس 1988م، ص101.

([19]) ينظر نقد الشعر: قدامة بن جعفر، مطبعة الجوائب القسطنطينية، 1302هـ، ص59.

([20]) ينظر الصاحبي في فقه اللّغة العربية و مسائلها و سنن العرب في كلامها: ابن فارس(أبو الحسن أحمد بن زكريا بن فارس ت395هـ )، تحقيق مصطفى الشويمي، بيروت: مؤسسة بدران للطباعة و النشر 1383هـ /1964م، ص204.


Updated: 2019-03-12 — 14:05

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme