استطيقا الامتصاص والتحويل في الرواية العربية رواية “القاتل الأشقر” لطارق بكاري أنموذجا. The Aesthetic Absorption and Transforamtion in the arabic novel « The Blond killer » by Tariq Bakkari as an example


استطيقا الامتصاص والتحويل في الرواية العربية

رواية “القاتل الأشقر” لطارق بكاري أنموذجا.

The Aesthetic Absorption and Transforamtion in the arabic novel  

« The Blond killer » by Tariq Bakkari as an example

محمد الساهل      Mohamed Essahl

– أستاذ مُبَرَّز في اللغة العربية وآدابها، المركب التربوي طه حسين ـ مدينة الصويرة، المغرب

Associate Professor of Arabic linguistics and literature, Educational complex Taha Hussein – Essaouira – Morocco

مقال منشور في  مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 56 الصفحة 45.

     

RESEARCH SUMMARY

This work is based on the novel “The Blonde Killer” by the Moroccan novelist Tariq Bakkari . It is  a novel that is published in early 2019 by the Lebanese House of Letters. This novel follows two novels: “Noumedia” (Morocco Prize for Book 2016, the short list of the 2016 Arab booker Prize) And “Mirrors of the General”. Besides ,these lines look at the story of the “Blond Killer” as an open text that attracts other texts , and as a literary voice that stores other sounds.

On this basis, our approach to the “Blond Killer” is a consensual approach that examines the textual interactions that this novel has with other texts , or an approach that examines the texts absorbed by the “Blond Killer” and illuminates, besides this , the transformations they undergo (the previous texts) in the body of the novel . In this context, we note that the novel “The Blonde Killer” interacts with the story of the “Thousand and One Nights”; that is, it calls for this narrative and traditional form, but the writer makes adjustments and transforms it to accommodate the concerns and ambitions of modern man.

 

ملخص البحث

يشتغل هذا البحث على رواية “القاتل الأشقر” للروائي المغربي طارق بكاري، وهي رواية صدرت مطلع عام 2019 عن دار الآداب اللبنانية، ويأتي هذا العمل الروائي بعد روايتين هما: رواية “نوميديا” (جائزة المغرب للكتاب 2016 ـ اللائحة القصيرة لجائزة بوكر العربية 2016) ورواية “مرايا الجنرال”. وتَنْظُرُ هذه السطور إلى رواية “القاتل الأشقر” كنص مُنْفَتِحٍ يَسْتَقْطِبُ نصوصا أخرى، وكصوت أدبي يختزن أصواتا أخرى. وعلى هذا الأساس، فمقاربتنا لـ“القاتل الأشقر” هي مقاربة تَنَاصِّيَّة تَبحثُ في التفاعلات النَّصِّيَّة التي تُقيمُها هذه الرواية مع غيرها من النصوص، أو هي مقاربةٌ تَبْحَثُ في النصوص التي امْتَصَّها (القاتل الأشقر)، وتُضيءُ – فضلا عن ذلك – التَّحْوِيلَات التي خضعت لها  – أي النصوص السابقة –  في متن الرواية. وفي هذا الإطار، نسجل أن رواية “القاتل الأشقر” تتفاعل نصيا مع القصة الإطار لـ“ألف ليلة وليلة”، أي إنها تستدعي هذا القالب السردي التراثي، غير أن الكاتب يجري تعديلات وتحويلات عليه لكي يستوعب هموم الإنسان الحديث وطموحاته.

الكلمات المفتاحية: رواية ـ القاتل الأشقر ـ  ألف ليلة وليلة ـ الامتصاص ـ التحويل ـ التناص ـ شهريار ـ شهرزاد

على سبيل التقديم

كُلُّ كتابةٍ جديدةٍ هي إِيغالٌ في الكتابات القديمة، وكُلُّ كاتب هو مُلَمْلِمُ  شَتَات الأَوَّلينَ في الأدب، وَوَارِثُ تَركَةِ الأدباء الذين هلكوا في بَرِّيَّة الأدب. من هنا يمكن القول إن كل نص – مَوْلُود  يحمل مُوَرِّثَاتِ كل الأدباء – الآباء  الذين تعاقبوا على إخصاب رحم الذاكرة. أو بعبارة أخرى، إن كل كتابة جديدة هي مَوْقِعٌ أَثَرِيٌّ يَأْهُلُ  ببقايا الأديب الأَوَّل وآثار الحُروف الأولى. إن الممارسة الأدبية – والحال هذه – هي ممارسةٌ تقوم على الامتصاص والتحويل، فالأديب يَمْتَصُ – وهو يَسُوحُ في مدائن الأدب – شواغل وجماليات الأَوَّلِين. ولا شك أن السِّياحة في ربوع الأدب تُخْصِبُ الذاكرة التي تستحيل ينبوعا نَمِيراً أو مخزنا عامرا.  من – ثَمَّ –  فالأديب – وهو يَحْقِلُ في أرض الأدب – يروي أولى الفَسِيلَات بمياه الأَوَّلِينَ، وَيُحَوِّلُ – فضلا عن ذلك – تراكمات الذاكرة تَسَاوقاً وخياراته الفنية ومشاغله الفكرية. أو بتعبير أفضل، إن مخزون الذاكرة يتداعى في المسطور الأدبي، لكن المتداعيات ماهرةٌ  في لعبة التخفي، ولذلك لا يمسك بها إلا القارئ المِلْحَاح، يقول محمد مفتاح في هذا السياق: “إن استشفاف النصوص الخارجية في نص ما عملية صعبة في كثير من الأحيان، وبخاصة إذا كان النص محبوكا وفيه حذق الصنعة، ولكن مهما تَسَتَّرتْ واختفتْ فإنَّ القارئ المُطَّلع لا يلبث أن يمسك بتلابيبها ويرجعها إلى المصادر التي أـتت منها”[1].

كل نص أدبي، إذن، هو نصٌّ مُتفاعلٌ أو هو نَصٌّ مُنفتحٌ، ﻷن النص الأدبي هو فضاء تتجاور فيه نصوص من  كل المدائن والأزمنة، تقول جوليا كريستيفا عن الفضاء النصيِّ بأنه: “فضاء متداخل نصيّاً، وأنه مجالٌ لتقاطع عدة شفرات تجد نفسها في علاقة متبادلة، وامتصاص لنصوص متعددة ومن ثم هدمها”[2]. وعليه، لا ينبغي أن يذهب بنا الظن إلى أنَّ النص الأدبي هو عالمٌ منغلقٌ على ذاته، متعالٍ على واقعه، ومنكفئٌ على نفسه، بل هو عالمٌ تتعايش في ساحاته ودروبه كل الأعراق الأدبية والطوائف الفنية، أو هو الفضاء الذي تزدحم فيه كل الأصوات الأدبية، والواحة التي تسترخي فيها  قوافل الأدباء، والقُطْبُ الذي تهاجر إليه طيور الأدب. وعلى هذا الأساس، فإن كل نص – حاضر تَنْصَهِرُ في بَوْتَقَتِه نصوص أخرى، وكل صوت أدبي – جديد تَنْدَغِمُ في عَزِيفِهِ أصوات أخرى. أو بتعبير أفضل، إن كل نص – حاضر تتداخل فيه نصوص غائبة،  وأن كل نص – مولود  ينتسب إلى أكثر من أديب – أب. وفي هذا السياق، نشير إلى أن النص – الحاضر يُعيدُ تشكيل النصوص الغائبة، بل يُعيدُ تَدْوِيرَهَا تساوقاً وَتَمَلْمُلَات الواقع الذي يَنْفَلِقُ عن مشاغل وخَضَّات لا تُشَابِهُ هموم وأَنَّات الأزمنة القديمة، وحرصاً – إلى جانب ذلك – على صَوْغِ كَوْنٍ أَدَبِيٍّ يُحَاوِرُ أَكِوَان الأَوَّلِين دون أن يفقدَ بصْمته ولمْسته وهويته في الخلق والإبداع.

ولا مشاحة من القول إن الرواية تَجْذِبُ – أكثر من الفنون الأخرى – النصوص التي تنزوي في الذاكرة، فالنص الروائي يُحَبِّرُ  هموم الإنسان وطموحاته بِمِدَاد الأَوَّلِين. ولا ينبغي أن يُسَاوِرَنَا الشك بأن الرواية هي فنٌّ منكفئٌ على ذاته، مُحَصَّنٌ من الاختراق، وخال من المُطَعِّمَات، بل هي فنٌّ يَجْنَحُ – دوما – إلى التعددٌّ والتَّعَالقُ والتفاعلُ، فالكتابة الروائية تَنْهَلُ – دونما خجل – من السَّرْدِيَات التراثية والميثولوجيا الإنسانية والأديان، بل تَغْرِفُ – عن سبق إصرار وترصد – من بحار المعرفة شرقا وغربا، فالنص الأدبي ـ كما يذهب إلى ذلك رولان بارت ـ هو “نسيج من الاقتباسات والإحالات والأصداء، من اللغات الثقافية السابقة أو المعاصرة التي تخترقه بكامله”[3]، لكن الرواية تُعيدُ تشكيل ما أنتجه العقل الإنساني حتى يَتَنَاسَبَ مع  إبدالات واقعنا الذي يَعْتَمِرُ ألما وقلقا، ومع تَمَلْمُلات حياتنا التي يَعُوزُها  المعنى والدفء، وحتى يتناسبَ – إلى جانب ذلك – مع الذَّوْقِ الفني الذي يَطُولُ ساحتنا الأدبية. وبالتالي، لا عجبَ  أنْ تُصَادِفَنَا – ونحن نَجُولُ في مُروج الرواية – فكرةٌ سابقةٌ أو أثرٌ قديمٌ أو قالبٌ تراثيٌّ. وعموما يمكن القول إن كل رواية تَستدينُ – لا محالة – شيئا من بنوك السَّابقين، وأن كل روائيٍّ يَقَعُ – لا غرابة – حَافِرُه على حَوَافِر الأَوَّلِين. ولا غرو أنَّ التفاعلات  – التي تَخْرِطُها الرواية مع النصوص الأخرى – تُضْفِي عليها بُعْدا جماليا، وأن الحوارات – التي تَعْقِدُها الرواية مع الأصوات الأخرى –  تُضْفِي على  دَوَالِّهَا أَلَقاً وعلى مدلولاتها طَزَاجَةً، وليست هذه التفاعلات أو الحوارات نقصا أو عيبا في العمل الأدبي كما نظر إليها عقلنا النقدي قديما حين عَكَفَ يُحْصِي سرقات الأدباء وكَأَنَّ الدَّالَ والمدلولَ مِلْكٌ خَاصٌّ، بل إن التفاعلات النصية  قيمةٌ مُضافةٌ للعمل الروائي، وبالضبط إذا جَبَّتْ شَوَاغِلَنَا، وحَاضَتْ بِزَفَرَاتِنَا، وهي – فضلا عن ذلك – مُغامرةٌ وَعِرَةٌ، ﻷنَّ النص – الغائب قد يَبْلَعُ النص – الحاضر،  وﻷنَّ الصوت – اللاحق قد يَنْقَلِبُ إلى صدى ﻷصوات سابقة. وعلى هذا الأساس، نقول إن النص الروائي هو نص منفتح، مُتَعَالِق، ومتعدد، وأن التَّعَالُقَات النصية هي فعاليةٌ إيجابيةٌ، وقيمةٌ مضافة، وفَتْحٌ مُبينٌ.

ومن هذا المنطلق، نَنْظُرُ إلى رواية (القاتل الأشقر) للروائي المغربي طارق بكاري التي صدرت حديثا عن (دار الآداب) في لبنان. وحَرِيٌّ بِالتَّسْجِيل أن (القاتل الأشقر) هي الرواية الثالثة التي أثرى بها الكاتب خزانتنا العربية، فقد سبق لطارق بكاري أن سَطَّرَ اسمه في سِجِلِّنا الروائي بِعَمَلَيْن روائيين هما: (نوميديا) التي اقتحم بها بَرِّيَّة الرواية، و(مرايا الجنرال) التي وَثَقَّ بِهَا أواصر الانتماء إلى دولة الرواية. ونحب أن نشير – في هذه المرحلة – إلى أن هذه السُّطُور تَنْظُرُ إلى رواية (القاتل الأشقر) كنص منفتح يَسْتَقْطِبُ نصوصا أخرى، وكصوتٍ أدبيٍّ يَخْتَزِنُ أصواتاً أخرى. أو بتعبير دقيق، إن نظرتنا إلى (القاتل الأشقر) هي نظرة  تَنَاصِيَّةٌ تَبْحَثُ في التفاعلات النصية التي تَخْرِطُها الرواية مع غيرها من النصوص، أو هي مقاربةٌ تَبْحَثُ في النصوص التي امْتَصَّها (القاتل الأشقر)، وتُضيءُ – فضلا عن ذلك – التَّحْوِيلَات التي خضعت لها  – أي النصوص السابقة –  في مَعْمَلِ الرواية، وتَنْشَغِلُ – أخيرا – بجمالية النص – القديم  حين يُحِيطُ بالهموم التي يَنْفَلِقُ عنها الزمن – الحديث.

  • مَتْنِ رواية (القاتل الأشقر)

هناك قصتان تَنْدَغِمَان في رواية (القاتل الأشقر)؛ قِصَّةٌ مُؤَطِّرَة، وهي قصة (وليد معروف) – الصحفي – الذي يُواجٍهُ حكما بالإعدام بعد أن ضُبِطَ مُتَلَبِّساً بالإرهاب. وقصة مُؤَطَّرَةٌ، وهي قصة (الأشقر) الذي نَتَأَ في برية تَحيضُ بغاءً وبشاعةً ودنساً، قبل أنْ تفتحَ مُدْيَةُ الخيانة (خيانة الحبيبة شامة) شَرْخاً في وجدانهِ، وقد حاول الأشقر أنْ يُرَتِّقَ هذا الفَتْقَ بالقتل (قتل الحبيبة شامة) لكنْ دون جدوى. لِيَتَوَرَّطَ الأشقر – بعد ذلك –  في تِيهٍ أكبر، تيهٍ عابر للحدود واللغات والأجناس، وتيهٍ مفعمٍ بالشهوة والألم والقتل، بل وَرَّطَهُ وَجَعُ البدايات (أي الخيانة) في حروب لا يفقهُ نوازلها ولا معناها، ولقد انتهى الأشقر – مَدْفُوعاً بشروخ البدايات – إلى أَجَمَاتِ تنظيم متطرف مُناصراً – عن سبق لعنةٍ وعبثٍ – فكرها وأحلامها.

وَحَرِيٌّ بالتَّسْجِيل أن سيرة الأشقر هي سيرة من تأليف (وليد معروف) بعد أن دَسَّ الأشقر – يوم حصارهما في (عين العرب) – تفاصيلها المُفْجِعَة في قلبه. أو بعبارة أخرى، إن سيرة الأشقر هي سِرٌّ بَاحَ به الأشقر لوليد معروف بعد أن حُوصِرَا في (عين العرب)، وقد قضى الأشقر في حادث تَحَطُّمِ البيت الذي كان يَتَحَصَّنَانِ داخلَهُ، في حين قُدِّرَ لوليد معروف النجاة، لِيُعيدَ – بعد ذلك –  لملمة بَوْحِ الأشقر. يقول وليد معروف في هذا الإطار: “هذه، يا سادتي، حكاية الأشقر، لكن يجدر أن أحيطكم علما بأنني أعدت النظر في اللغة، لا لغرض الإمتاع فحسب، بل ﻷكون أمينا كذلك في توثيق النزف الذي جرى به لسان الأشقر..”[4].

وعموما، يمكن القول إن رواية (القاتل الأشقر) تَتَوَاشَجُ فيها قصتان؛ قصة وليد معروف التي تَجُبُّ قصة القاتل الأشقر، ويَنْدَغِمُ فيه – فضلا عن ذلك – وَجَعَان؛ وَجَعُ وليد معروف الذي يَجُبُّ وَجَعَ القاتل الأشقر.  يقول وليد معروف في هذا السياق: ها أنا قد كتبت وجعي على وجعك أيها الأشقر العظيم. ها نحن اليوم أسيرا كتاب واحد: منك الحكاية ومني الحرف، مني الصياغة ومنك النزف”[5].

  • رواية (القاتل الأشقر): من الامتصاص إلى التحويل.

هناك – عموما – آصِرَةٌ بين رواية (القاتل الأشقر) وكتاب (ألف ليلة وليلة)، وهناك – خصوصا – وَشِيجَةٌ  بين قصة (الأشقر) وقصة (شهريار). أو بتعبير آخر، إن طارق بكاري يستدعي في (القاتل الأشقر) القصة التي تُؤَطِّرُ الليالي، أي إنَّ الرواية تستدينُ شيئا من الليالي، غير أن الكاتب أجرى تحويلات أو تعديلات على هذا القالب السردي لكي يُحيطَ بالأَعْطَاب التي هَشَّمَتْ واقعنا، ولكي يَحيضَ باللَّامَعْنَى الذي يَجْثِمُ على نفوسنا، ولكي يُميطَ عن العنف والمُسُوخِ التي تُفَرِّخُها أرحامنا. ونرى أن رواية (القاتل الأشقر) تتفاعل نصيا مع القصة الإطار ل(ألف ليلة وليلة) في ثلاثة مُنْحَنَيَات هي: مُنْحنى الخيانة ومُنْحنى الانتقام ومُنْحَنى الحكي. وننبه، هنا، إلى أن الكاتب بقدر ما يستدعي (الليالي)، بقدر ما يجري تحويلات عليها لكي تَنْدَغِمَ مع واقعنا وهمومنا وتناقضاتنا.

  • أولا: مُنْحَنَى الخيانة:

لُدِغَ الأشقر وشهريار معا من جُحِرِ الخيانة، فشهريار – كما هو مَسْطُور في القصة الإطار لليالي – تَعَرَّضَ لنكبة الزوجية، فقد ضَبَطَ زوجته مُتَلَبِّسَةً بِجُرْم الخيانة مع خادمه، أما الأشقر – كما هو محفوظ في أوراق وليد معروف – فإنه تعرض لنكبة العشق، فقد ضبط حبيبته (شامة) تقترفُ جنحة الخيانة مع أخيه. من هنا، يمكن القول إن الأشقر وشهريار اكتويا معا بنار الخيانة. وفي هذا الإطار، نُسَجِّلُ أن شهريار تابع مشاهد الخيانة عن قرب، في حين أن الأشقر تابع لقطات الخيانة عن بعد. وبمعنى آخر، إن خيانة الزوجة – كمشهد سمج – لم تلتقطه إلا أعين شهريار الذي  طمس – في الحين – آثار الفضيحة لكي لا تَلُوكَها الألسن، في حين أن خيانة الحبيبة – كلقطة قذرة – شاهدها جميع الناس، فقد تداول الناس شريط  الفضيحة، بل صارت هذه الفضيحة حديث الناس الذي لا ينتهي إلا ليبدأ، وكذا مصدرَ تَهَكُّمَات الأنداد وتَنَدُّرَات الأعداء. إن جرح الأشقر – والحال هذه – قد يكون أعمق من جرح شهريار، بل إنَّ الألم الذي نَتَأَ في وجدان الأشقر قد يكون مضاعفا عن الألم الذي نتأ في قلب شهريار. يقول الأشقر في هذا الصدد: “لن أقول إن التقنية التي غَزَتْ الجنوب أيامها هي مأساتي، بل إنها – بتعبير أدق – عَدَسَةٌ كَبَّرَتْ مأساتي وهَوَّلَتْ من أبعادها”[6]. وإذا كانت النكبة الزوجية – كما هو مسطور دوما في القصة الإطار لليالي – أَوْرَثَتْ شهريار لَوْثَة الانتقام، فإن نكسة العشق – كما هو محفوظ دوما في مسودات وليد معروف – أَوْرَثَتْ الأشقر، كذلك، مَسَّ الانتقام. وقبل أن نضيء مُنْحَنَى الانتقام، نُحِبُّ أن نشير إلى أن شهريار والأشقر هما نموذجان إنسانيان متناقضان، على الرغم من أنهما عاشا معا فداحة الخيانة، وعلى الرغم – أيضا – من أنهما ورثا معا –  من مستنقع الخيانة – لوثة الانتقام، فشهريار – ﻷنه ملك – كان يحظى بالتقدير والإجلال، في حين أن الأشقر – ﻷنه لقيط – كان يعاني من التَّبْخِيس والإذلال، وكان – فضلا عن ذلك – يحيا في وسط مَوْبُوءٍ بالعهر والشذوذ، وتعرض – أخيرا – للاغتصاب صغيرا. وبالتالي، يمكن القول إن حياة الأشقر كانت في البدء عرجاء. أو بتوصيف أدق، إن حياة الأشقر كانت في البدء منكوبة، وما الآلام والفَدَاحَات التي عَاشَهَا – بعد ذلك – إلا إنَاثٌ تَنَاسَلَتْ من مستنقع البدايات. أما حياة شهريار فقد كانت مُفْعَمَةً بحرارة الطمأنينة والسعادة، قبل أن تَعِيثَ الخيانة في أرضه فسادا.

إن طارق بكاري نَحَتَ في هذه الرواية (شهريار) العوالم السفلى، تلك العوالمُ التي تقتاتُ على رغيف البؤس، وتَعُولُ الأفواه الجائعة بالجسد – السلعة، وتُوَاري سَوْءَتَهَا خلف حجاب الحداثة الذي يَجُبُّ واقعا مشوها، معطوبا، وبالغ البشاعة. وليس (الأشقر) – في النهاية – إلا شهريار هذه العوالم التي تَنْدَغِمُ – دونما خجل – مع المفارقات السَمِجَةِ التي لا تَجْسُرُ على الأَنَوَات التي  فُطِمَتْ من حليب الخيانة أو الأَنَوَات التي نَتَأَتْ من أرحام كالقنوات التي عَبَرَتْ منها كل سفن الرب. وقد لا نجانب الصواب إذا قلنا إن الكاتب قد أَنَزَلَ (شهريار) من سماء البذخ ودفء المضجع وسِدْرَة الطهر إلى أرض الفاقة ونَتَانَةِ الأزقة المَحْشُوَّة بالعُهْر وكُلِّ الخَطَايَا المُحَال.

  • ثانيا: منحنى الانتقام

ورث الأشقر وشهريار معا  لوثة الانتقام من مستنقع الخيانة، وإذا كان شهريار قد فتك بالخائنين معا (الزوجة والخادم)، فإن الأشقر قد فتك بالحبيبة  – الخائنة (شامة) فقط. وإذا كان البرنامج الانتقامي لشهريار مُعَدّاً سلفا، بل كَلَّفَ وزيرا بالإشراف عليه كأنه مُخططٌ استراتيجيٌّ قد يُقَوِّمُ أَوَدَ الرغبات العليلة واعوجاج السلوك النسائي، فإن انتقامات الأشقر تمليها الصدفة آنة والضرورة آنة أخرى. وعلى الرغم من هذا الاختلاف، فإن المرأة كانت سبيل الرجلين – نقصد شهريار والأشقر – إلى إشباع رغبتهما في الانتقام. وفي هذا الإطار، نسجل أن الجنس كان وسيلتهما في الانتقام من شماتة البدايات، وكَأَنَّ الجنس هو ثأرٌ شخصيٌّ من العدوان الذي بدأته المرأة، أو هو إنصاف للذات من أَنَّاتِ الخيانة التي رَجَّتْ كيانهما المتوازن. هكذا، فالأشقر وشهريار كانا – معا – يرتقان شرخ الخيانة بضمادة الجنس، وكانا يلملمان فَتْقَ الغدر بِجِبْس القتل. ونرى أن نجلو التقابلات التي تقوم بين “المجرمين” (شهريار والأشقر) في النقط الآتية:

  • الجرائم المتسلسلة لشهريار هي طريقة علاجية وأداة تربوية في الآن نفسه، فشهريار كان يُعالجُ – عبر حصص الجنس والدم – نفسيته المخرومة من ندوب الخيانة، أو كان يكوي أورام الخيانة التي تتناسل في وجدانه الكسير بنارِ الجنس والدم. وكان – فضلا عن ذلك –  يسعى – عبر طوفان الدم – إلى ترهيب النفوس التي تَحيضُ برغبات شاذة ونزوات عليلة. هكذا، فولائم الجنس والدم  هي – في شريعة شهريار – جَبِيرَةٌ تُرَتِّقُ الكسر البليغ الذي فتحته الزوجة في قلبه بِمُدْيَةِ الخيانة، وهي – إلى جانب ذلك – عِبْرَةٌ للذين يخضعون للنفس الشَّهَوِيَّة، وَوَعِيدٌ للذين يَشقون عصا الوفاء والإخلاص. أما الجرائم المتسلسلة للأشقر فهي وسيلة علاجية فقط، فالأشقر كان – عبر طقوس الدم والجنس – يُضَمِّدُ الجرح الغائر الذي فتحته الحبيبة (شامة) بِمِشْرَطِ الغدر، وكان – إلى جانب ذلك – يُوقِفُ – بأشلاء الضحايا – الأعداء – سيول الحزن التي تُفسدُ آخر الحرث. فوحدها ولائم الدم والجنس كانت تُحيي قلبهُ الرميم، ووحدها مشاهد الدم المسال كانت تسرقُ بسمة من وجههِ العَبُوس، يقول الأشقر في هذا الصدد: “وحده الانتقام كان يستل من شفتيَّ ابتسامة لا تليق بهما، ويستوقف مد الحزن المُسْتَفْحِشِ في الأعماق، ويستدرجني إلى غبطة نشاز وأنا أذيقهم، في الخيال، صنوف التعذيب.”[7]

 وعموما، يمكن القول إن الأشقر يُعِيدُ – عبر حفلات الجنس والدم – لذاته المُنْتَهَكَةِ اعْتِبَارَهَا. وبمعنى آخر، إن هذه الحفلات هي إنصافٌ للذات التي تَبَرْعَمَتْ في بيت معمورٍ عُهرا ودنسا، وهي – فضلا عن ذلك – تأمينٌ عن الإعاقة الدائمة التي ورثها عن حادثة الخيانة والاغتصاب، وهي – أخير – جَبْرٌ لضرر سنوات البشاعة والفداحة.

  • البرنامج الانتقامي لشهريار يبتدئ – دوما – بحفلة جنسية وينتهي بمذبحة بشرية، فقد كان شهريار يتزوج كل ليلة فتاة عذراء، ثم يقطفُ رأسها قبل الفجر. وهذا التقليد الملكي في الانتقام يُعيدُ الأشقر إنتاجَه أو إحياءَه. ولكنْ، مع بعض التحويرات البسيطة، كَأَن الأشقرَ حريصٌ أن يُضْفِيَ  لمسته الخاصة على برتكول الانتقام.  من هنا يمكن القول إن الأشقر كان يَسْتلهمُ من شهريار طقوس الانتقام أو كان يسير على درب الملك في القصاص، فالحفلات الجنسية للأشقر تنتهي – حينا – بِحَلْقِ شَعْرِ الخليلات، وتنتهي – حينا آخر- بِقَصِّ خصلات من شَعْرِهِنَّ. ولا شك أن حَلْقَ شَعْرِ الرأس هو مُعَادِلٌ رَمْزِيٌّ لِقَطْعِ الرَّأْس الذي يُتَوِّجُ به شهريار حفلاته الجنسية. وفي هذا الإطار، نشير إلى أن الأشقر كان يَحْتَفِظُ بخصلات من شَعْرِ الخليلات، وكَأَنَّ خصلة الشَّعْرِ هي غنيمة حروب الثَّأْر أو هي ذِكْرى معارك القصاص من كل الذين دَقُّوا في قلبه مسامير الوجع، بل هي دليل يشهد للذات – نقصد ذات الأشقر – في تَارَات غُبْنِهَا وَضُمُورِهَا على رَدِّ صَاعِ الخيانة بِصِيعَانٍ من الخيانات والدماء.

إن طارق بكاري يؤكد – عبر سيرة الأشقر – أن شهريار يسكننا على نحو غريب. أو بمعنى آخر، إن شهريار – سافك الدماء – موجودٌ بالقوة في تجاويف أرواحنا، وأن وَحْدَها أَعْطَابُ البدايات تَبْعَثُ فينا شهريار، أي تُوقِظُ  فينا الكائن الدموي الذي  يَعيثُ في الأرض فسادا. وبالتالي، فالأشقر – في الرواية – ليس إلا رمزا لمياه الشر التي تنضح في إناء الإنسان، هذا الشر الذي تَوارى بعد القَفْزَة البشرية من الطبيعة إلى الثقافة، لكن هذا الشر يَنْفَلِقُ كُلَّمَا نُكِبَ الإنسان في البدايات. وكَأَنَّ الكاتب، هنا، يُوصي بالبدايات خيرا ﻷنها تفَرِّخُ “شَهْرَيَارِيِّين” أو كائنات مَوبُوءَةٍ بالدم والعنف ومَنْذُورَةٍ للتيه والضياع.

  • رَدُّ شهريار ذَبْحَةَ المرأة – نقصد خيانة الزوجة – بمذابح ضِدَّ النسائية كان مبرمجا أن يتواصل حتى فناء هذا الجنس، لكن (شهرزاد) أَوْقَفَتْ هذا النزيف، وَكَفَّتْ يد شهريار عن قطف مزيد من الرؤوس، فقد استطاعتْ شهرزاد – عبر المَحْكي – أنْ تعالج الملك من لوثة الانتقام، وأن تُنقذَ البشرية من الوَأْد الذي لا يفرق بين متهم وبريء. هكذا، فالمرأة – في الليالي – هي داءٌ ودواءٌ، فالداءُ الذي استفحل في وجدان شهريار – نقصد  لوثة الانتقام – هو من فعل المرأة (خيانة الزوجة)، تماما كما أن الدواء الذي عالج شهريار من هوس الانتقام هو من صنع المرأة (حكايات شهرزاد). أو بتوصيف أدق،  إن المرأة في الليالي كانت – لو استعرنا عبارة المتنبي – الخَصْمَ والحَكَم. إن شهريار – والحال هذه – تَدَاوَى بِالَّتِي كَانَتْ هي الداء، أي إِنَّ جرائمه انتهت على يد المرأة تماما كما بدأت على يدها. أما الأشقر فقد دفعه القصاص  – من الحبيبة التي خَرَقَتْ سفينة القلب – إلى التيه والضياع، بل إن كلَّ نفس يُزْهِقُها تُوَرِّطُهُ – دونما إذن – في مأساة البدايات. وبالتالي، فالجرائم المتسلسلة للأشقر لا تُضَمِّدُ الجرح الذي فتحته الحبيبة (شامة) بمُدْيَة الخيانة، ولا تُبيدُ إناث الحزن التي تتناسل في برية الوجدان، بقدر ما توفر لهذا الجرح أسباب النزيف، ولهذه الإناث أسباب التكاثر. يقول الأشقر في هذا الصدد: “صدقني، يا وليد، لم أبرأ من شامة ولم أخرج من مداراتها، كنت أعتقد، وأنا أطفئ حياتها بإحدى عشرة طعنة، أنني سأنتصر على الجرح الغائر داخلي، لكنني اكتشفت أنني عمقته أكثر، ووهبتها ما كان يجدر أن أهبه لنفسي: الموت”[8]. إن الأشقر – والحال هذه – لم يُؤْتَ حَظَّ (شهريار)، ولم تَنْبَجِسْ – من صخرة الواقع – امرأة مثل شهرزاد تُوقِظُ فيه الأشقر الإنسان، بل إن لعنة البدايات دفعتْ الأشقر إلى أن يُقيمَ  في اللا معنى، أن يتشابكَ مع الموت، أن يُنَقِّلَ الفؤاد بين المساكن، أن يُصادِقَ المُسُوخَ التي فَرَّخَتْهَا الأرحام الموبوءة، وأن يخوضَ حروبا لا يَغْنَمُ منها إلا ما يُنَبِّهُ الوجع الذي يَغْفُو على سرير القلب.
  • ثالثا: مُنْحَنَى الحكي

تُعَلِّمُنَا (الليالي) أن الحكي أُنْثَى والكتابة ذَكَر، فشهرزاد  كانت تَحْكِي لكي تعتقَ رقبتها من سيف الملك، أما شهريار فقد جلبَ – بعد الشفاء طبعا – النُّسَّاخَ لكي يُدَوِّنُوا الحكايات صَوْناً للذكرى التي طَيَّبَتْ خاطره. في حين أن (القاتل الأشقر) يُعَلِّمُنَا أن شهرزاد – أو مياه الحكاية – موجودة في فُرْشَة أرواحنا، وأنَّ وَحْدَها لحظات الضعف والجفاء قد تُفَجِّرُها. وبالتالي، لا ينبغي أن نستغرب إذا جَبَّ شهريار لَبُوسَ شهرزاد، أي إذا نَطَقَ القَاتِلُ حَكْياً. أو بمعنى آخر، إن شهريار –  أي كل قاتل – قد يُسْفِكُ – في تَارَات الضعف – حُروفاً، تماما كما كان يُسْفِكُ – في تَارَات القوة – أرواحاً، أو إنَّ كل شهريار – أي كل قاتل دوما – قد يَنْقَلِبُ – في لحظات الوجع الأخير –  إلى شهرزاد، أو إلى حَجَرٍ تَتَفَجَّرُ منه أنهار من الحكايات. وهذه الحقيقة تُؤَكِّدُها سيرة الأشقر الذي أَلْبَسَهُ الضُّعْفُ جُبَّةَ شهرزاد، أو لَاذَ  بِالحَكْيِ ضد الموت تماما كما لَاذَتْ به شهرزاد، فالحَكْيُ هو ملاذ الأَعْزَلَيْن (شهرزاد والأشقر) وتَمِيمَتَهُمَا ضد الموت. وعلى الرغم من  وشيجة الحكي التي تُقَرِّبُ بين الأشقر وشهرزاد، فإن هناك بوناً بينهما من حيث ظروف الحكي ومدلول الحكايات، ونقترح أن نوضحها على النحو الآتي:

  • الفَجْرُ – في الليالي – هو جَزْرُ الحكاية والليلُ هو مَدُّها. أو بعبارة أخرى، إن الفجر – في الليالي – هو الصخرة التي تُوقِفُ سَيْلَ الحكاية. ولا شك أن الوقفات الحكائية هي طَوْقٌ يُنْجِدُ شهرزاد من الموت، بل إن الحَكْيَ بالتَّقْطِير هو شَراب يَمُدُّ في عمرها، فالحكاية هي سلاحها ضد الموت، والمُسَكِّنُ الذي تُهَدِّئُ به الهوس – نقصد الهوس بالدم – الذي يَنْشُطُ في بواطن شهريار. وبالتالي، فتعطيل سير الحكي هو تعطيل مُمَنْهَجٌ ﻷنه يَكْفُلُ لشهرزاد أسباب البقاء. أما الحَكْيُ – في القاتل الأشقر – فهو – بدوره – حكيٌ مُتَقَطِّعٌ أو هو حكيٌ غير مُنساب تماما كما هو الحال في (الليالي). والحكي – في القاتل الأشقر  دوما – هو – إلى جانب ذلك – ملجأ يلوذ به الأشقر من الموت سواء الموت الذي يَذْرَعُ  الخارج (أي عين العرب) أو الموت الذي يَنْهَشُ الداخل (أي آلام الساق التي فتحها الرصاص). هكذا، يبدو أن الأشقر يحاكي شهرزاد حين لجأ إلى الحكي خَلاصاً – ولو مؤقتا – من الموت، لكنَّ التهديدَ الذي يَتَرَبَّصُ بالأشقر هو تهديدٌ مجهولٌ ومزدوج؛ تهديدٌ خارجيٌّ (أي رصاص المتقاتلين في عين العرب)  قد يُحَطِّمُ – خطأ – القلعة التي يَتَحَصَّنُ فيها الأشقر المنكوب جسديا، وتهديدٌ داخليٌّ (أي نزيف الساق) يَلْتَهِمُ – تدريجيا – رَبِيعَ الأشقر، على عكس شهرزاد التي كان يتربص بها تهديدٌ معلومٌ ووحيدٌ (أي سيف شهريار). وإذا كان الفجر هو الذي يُوقفُ تَدَفُّقَ الحكاية من سَدِّ شهرزاد، فإن هَزِيم الرصاص وأَنَّات الجرح هي التي تُوقفُ جريان الحكاية من مَطْمُورَة الأشقر. نقرأ في الرواية: “توقف الأشقر عن الكلام المباح، عض شفته السفلى بقوة، وتطلع إليَّ بأسنان مضرجة بالدم، جبينه ينز عرقا… ودمعة ثقيلة تقف عند عتبة عينه اليسرى، لا أعلم إن كان سببها الألم الفادح الذي تسبب به جرح ساقه الغائر”[9].
  • شهرزاد كانت تُمَارسُ – مُكْرهَةً – لعبة السرد داخل القصر، أي في أجواء مُفْعمةٍ بالهدوء والسكينة ومَمْهُورَةٍ بالبذخ والترف، في حين أن الأشقر كان يُمارسُ – مكرها – لعبة السرد داخل بيت مُعَلَّقٍ في السماء بعد أن دَكَّتْ القذائف جدرانه وأسواره، بل إن هذا الملجأ صار – بعد الغضب البشري – مثل قاعة سينما مُنْفتحةٍ على حرب حية ورعبٍ حَقِيق. وبمعنى آخر، إن الأشقر – وخلافا لشهرزاد – كان يَحيكُ خيوط الحكاية في جَوٍّ ضاربٍ في الصخب والرعب، وكانت الحكاية – فضلا عن ذلك – تَنْدَلِقُ من جسد (أي جسد الأشقر) يَنْغُلُ بالآلام ويحيضُ بالزَّفَرَات. نقرأ في الرواية: “أين أجواء “ألف ليلة وليلة” من هذا الجو؟. هناك سكينة وصمت لا يفضهما سوى الحكي، وهنا في “عين العرب” رصاص يزغرد وقذائف تصطخب في أكثر من مكان. في الحكاية تفترش شهرزاد قبل الحرير الهدوءَ، وهنا الأشقر لا يكاد يكمل جملة من دون أن يقفز من مكانه، جراء ما يستشعره من احتراق بسبب السجائر التي يطفئها في ساقه لعلها ترتق الجرح الغائر[10].
  • شهرزاد كانت تحكي عن الآخر، أما الأشقر فقد كان يحكي عن الأنا. أو بتعبير آخر، إن شهرزاد كانت تَجْدِلُ حكايات خرافية، أما الأشقر فقد كان يَخْرطُ حكايات واقعية أو كان يلمم شتات واقعه المرير، بل كان الأشقر يُنَفِّسُ – عبر الحكي – عن الآلام التي تَنِضَغِطُ في ذاكرته المخرومة ووجدانه الكسير، وكان – إلى جانب ذلك – يَبْغِي أَنْ يَدُسَّ حكايته، تاريخه، ومأساته في جيب وليد معروف لكي لا تُدْفَنَ مع صاحبه. نقرأ في الرواية: “تحكي شهرزاد خرافات لا صلة لها بالواقع، ويحكي الأشقر واقعه الدامي، كان بينه وبين شهرزاد بون شاسع، ولا يوحد بينهما في الحقيقة سوى لعبة السرد وأسرارها”[11].

على سبيل التركيب

عطفا على ما سبق، يظهر أن رواية (القاتل الأشقر) قد حَبَّرَتْ القصة الإطار ل(ألف ليلة وليلة) بمداد واقعنا الذي يَجْهَشُ بالأوجاع والأَعْطَاب، ويَلْهَجُ باللا معنى والعبث، ويقترفُ الجنس والدم نِكَايَةً في سُوْءِ البدايات. وبالتالي، فطارق بكاري لم يستعمل (الليالي) كإناء يُلَمْلِمُ وَجَعَ الإنسان المنكوب الذي يَنْفَلِقُ من بَرِّيَّتِنَا التي تَغُصُّ بالتناقضات الصارخة والمفارقات الغريبة، بل كتب بكاري سيرة الإنسان الجريح الذي يَعْتَمِرُ – مدفوعا بشروخ البدايات – جُبَّةَ شهريار بما هو ذاتٌ مهووسةٌ بالدم والجنس لكي تُجبرَ كَسْرَ البدايات وتُرَتِّقَ التصدعات التي تُورثها حوادثُ سَيْرِ الحياة. لكنْ، هو إنسانٌ سرعان ما يَنْقَلِبُ  – في تَارَات الضعف واليأس – إلى شهرزاد بما هي ذاتٌ مدفوعة ٌإلى الحكي لكي تُؤَجِّلَ – ولو مؤقتا – موعدها مع الموت الذي يَتَرَبَصُ بها من كل فَجٍّ عميق.

إن رواية (القاتل الأشقر) – والحال هذه – تُعَلِّمُنا أن واقعنا يَحِيضُ بألف وجع، وأن أرحامنا تفرخ مُسُوخاً بشرية تقتاتُ على الدم وتقترفُ العنف لكي تُسْبِلَ على حياتها معنى. وفي هذا الإطار، نُسَجِّلُ أن رواية (القاتل الأشقر) تُقاربُ – أساسا – موضوع الإرهاب، وقد لا نجانب الصواب إذا قلنا إن روايتنا هي أول رواية تَفْتَضُّ – عن سبق إصرار وترصد – هذا الموضوع الذي لا يدنو منه الروائيون بما يلزم من عمق وجرأة خوفا – لربما – من الشرور التي قد ينفلق عنها الدنو من ثغور الإرهابيين. والحق أن رواية (القاتل الأشقر) تحيكُ ثوبا آخر للجماعات المتطرفة يُناقضُ تماما الثوب الذي تَتَزَيَّا به في وجداننا الجمعي، فالدَّارجُ في معمارنا الذهني أن الإرهابي هو إنسان يسبلُ اللحية، يقتاتُ على الفتات، لا يدنو من المحرمات، ولا تُغريه الدنيا بقدر ما يحرصُ على حسن الخاتمة، وهو – فضلا عن ذلك – يُحارب لوجه الله، وليس طمعا في غنيمة زائلة أو تحقيقا لرهان شخصيٍّ. غير أن رواية (القاتل الأشقر) تَقلبُ هذه الصورة التي تتناسلُ في لا وعينا عن الجماعات الإرهابية، فالرواية تَحيكُ صورة أخرى لهذه الجماعات، فهي تُظهرُ أفرادها مدفوعينَ – دونما هدف – إلى حروب عبثية، مُتورطينَ – حتى الثمالة – في الرذائل. وفي هذا السياق، نسجل أن الرواية تؤكد أن كل الأَنَوَات التي تَحترفُ الإرهاب هي أَنَوَاتٌ منكوبةٌ نفسيا، معطوبة ٌعاطفيا، ومقهورةٌ حضاريا. وبمعنى آخر، إن الرواية تنفي أن تكون الأَنَوَات التي تمتهنُ الإرهاب هي أَنَوَاتٌ متوازنةٌ نفسيا، وأن تكون – إلى جانب ذلك – تُحاربُ في كاملِ قِوَاهَا العقلية وكَامِلِ صِحَّتِهَا النفسية، وتؤكد – بالمقابل – أن هذه الأَنَوَات تُحاربُ لكي تُسبلَ على حياتها المخرومة معنى، ولكي تُرَتِّقَ الشروخ التي فَتَحَتْهَا حوادث الحياة في الوجدان. وبالمختصر المفيد، نقول إن رواية (القاتل الأشقر) تُعَلِّمُنَا أن الإرهاب ليس ظاهرة تَفَجَّرَتْ عن فهم مغلوط للدين، وأن الإرهاب ليسَ بَرِّيَّةً تَسْتَقْطِبُ الحالمين بالجنة، بقدر ما هي ظاهرةٌ تَفَجَّرَت من أَعْطَابِنَا النفسية وشروخنا الحضارية، وهي – فضلا عن ذلك – برية تستقطبُ المعطوبين نفسيا الذين يأملون تعويضا عن الأحلام المتكسرة، ويرجون جبيرة لكسور البدايات. ونقترح أن نختم ـ سياحتنا في ربوع هذه الرواية ـ بهذا الأثر الذي يَشيحُ عن فهم عميق لظاهرة الإرهاب، يقول بكاري: هذه المُسُوخ وجهنا المغبر القبيح، لست أتعاطف مع جرائمهم، لكنني أقول إنهم ينتمون إلينا. جاؤوا من فشلنا، من خيباتنا، من تعليمنا، من ديننا، من عصبيتنا، من ازدواجيتنا ومزاجيتنا… دحرهم ضروري لكنه غير كاف. دحرهم عملية تجميلية تنوم مأزقنا الحضاري، لكنها لا تُغْنِي من مُسُوخ. نحن آلة كبيرة إنتاج الأوبئة الحضارية. قد ننتصر على “داعش”، لكننا لن نكف عن تفريخ الدواعش”[12].

المصادر والمراجع

  • القاتل الأشقر، طارق بكاري، دار الآداب ـ بيروت، لبنان – الطبعة الأولى عام 2019
  • دينامية النص، محمد مفتاح، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط2 ـ 1990
  • ـدرس السيميولوجيا، رولان بارت، ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، ط1 ـ 1986
  • علم النص، جوليا كريستيفا، ترجمة: فريد الزاهي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1 ـ 1991

 

 

[1]  دينامية النص، محمد مفتاح، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط2، ـ 1990، ص 104.

[2]  علم النص، جوليا كريستيفا،  ترجمة: فريد الزاهي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1 ـ 1991، ص 78ـ 79

[3] درس السيميولوجيا، رولان بارت، ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، ط1 ـ 1986، ص: 21

[4]  طارق بكاري، القاتل الأشقر، دار الآداب ـ بيروت، لبنان – الطبعة الأولى عام 2019 – ص: 21

[5]  المصدر نفسه – ص 2

[6]  المصدر نفسه – ص 97

[7] المصدر نفسه – ص 104

[8]  المصدر نفسه – ص 164

[9]  المصدر نفسه – ص 41

[10]  المصدر نفسه – ص 58

[11]  المصدر نفسه – ص 58

[12]  المصدر نفسه – ص 20


Updated: 2019-11-17 — 14:54

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme