اتجاهات الشباب نحو التدين بين الواقع والافتراضي لدى عينة من الشباب الجامعي بالمغرب: دراسة ميدانية


 

اتجاهات الشباب نحو التدين بين الواقع والافتراضي لدى عينة من الشباب الجامعي بالمغرب:

دراسة ميدانية

د. محمد الحوش/جامعة محمد الخامس الرباط، المغرب

 مقال نشر في   مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد 50 الصفحة 107 .

 

  ملخص:

تستند المرجعية الإشكالية لهذه الدراسة على أهمية تجاوز النمط التقليدي من النظر القائم على تحديد الذات داخل فضاء واحد ومستقل، وهو الفضاء الواقعي الذي يتم فيه التواصل بشكل مباشر وتشاركي، نحو نوع من الدراسة العلمية التي تأخذ بعين الاعتبار تعدد فضاءات الفعل، وأهمية تأثيره على الفاعلين.

هدفت هذه الدراسة إلى تحديد طبيعة اتجاهات الشباب نحو التدين في العالم الافتراضي، وذلك استنادا على الملاحظات الميدانية التي تقوم على أن هناك الكثير من التحولات تقع على مستوى سلوك الشباب كفاعلين في مجال التدين، ما بين تواجدهم في فضاء واقعي، وآخر افتراضي. تتجلى أهمية هذه الدراسة في محاولتها الإجابة عن سؤال: كيف تتحدد اتجاهات الشباب نحو التدين داخل العالم الافتراضي؟

Abstract :

The referential problematic of this study relies on the importance of overcoming the traditional stereotype of self localization inside one unique milieu that is independent. This real milieu is the one where people communicate in a direct and a participative way, This kind of studies tend to be scientific based and take into consideration the multiple environments of action and its impact on actors (dores).

Starting in this point, this study aims at defining the nature of religiosity among young people inside the virtual world of internet. Starting from field observations that confirm the multiple transformations in the youth’s behaviour as actors in the field of religion whether inside the virtual world or the real life.

This study is very crucial as it tries to answer the following question: What is the nature of youth’s attitudes towards religiosity in the virtual world ?

    مقدمة :

ارتبط الحديث عن الإنسان في علاقته بالطبيعة وبذاته من منطلق الحضور والفاعلية، أي من منطلق الوجود الواقعي للإنسان في الزمان والمكان، وتفاعله المباشر مع الظاهرة المدروسة، لذلك اقترنت الدراسات السوسيولوجية والسيكولوجية بدراسة وجوده الواقعي. إلا أن الوضع الراهن أصبح يحدد الإنسان ليس فقط انطلاقا من بعد واحد، ولكن انطلاقا من أبعاد متعددة، أو لنقل، انطلاقا من بعدين على الأقل. بعد الوجود الواقعي، وهو بعد تقليدي يتأسس على الامتداد والاتصال، وبعد الوجود الافتراضي الذي يمكن توصيفه بكونه وجود متعال ومحايث للوجود الواقعي، يقوم على اللااستمرار، وعلى انتزاع اللحظة (الزمن) من سياقها.

انطلاقا من هذا المعنى يلزم التنبيه إلى ضرورة مقاربة الإنسان المنقسم والمتعدد[1] ليس فقط من خلال الوجود الواقعي الممتد والمتصل (عالم الواقع)، ولكن مقاربته أيضا من خلال الوجود الافتراضي الذي أصبح يوفر مجالا للتواصل والفعل. إن المتداول حول مجال دراسة الظواهر النفسية والاجتماعية، خصوصا ما يرتبط منها بالشباب والتدين يبقى رهينا بما هو واقعي، رغم التأثيرات التي أصبحت للعالم الافتراضي، إذ أصبحنا نتحدث عن مفاهيم من مثل الهوية الرقمية للشباب كهوية موازية للهوية الواقعية كما تحدث عنها[2]. فإذا كنا نجد بضع دراسات حول هذا العالم، فإنها تبقى دراسات حول العالم الافتراضي لذاته، وليس حول الظواهر الاجتماعية كما تعتمل داخله.

إن غاية هذا الطرح هو ما لاحظناه في إطار الاعتماد على الملاحظة المباشرة لردود فعل مجموعة من الشباب وآليات تفاعلهم داخل عالمين متباينين؛ عالم الواقع الذي نعايشهم فيه، وعالم افتراضي يتداخل فيه الواقعي بالاستيهامي أو المجرد بشكل كثيف.لذلك أتت هذه الدراسة من أجل توضيح طبيعة اتجاهات الشباب نحو التدين داخل العالم الافتراضي، وأيضا لوضع إطار للمقارنة بين ما هو واقعي وما هو افتراضي في اتجاهات الشباب، وبالتالي التأكد من مدى تطابق اتجاهات الشباب بين ما هو واقعي وافتراضي.

  1. مدخل نظري لمفاهيم الدراسة
    • اتجاهات الشباب

تبقى الخصائص العامة للشباب معروفة من حيث تميزها عن مرحلتي الطفولة والمراهقة، فمرحلة الشباب “تتميز باستقرار التحولات الجسمية والنفسية والعقلية والوجدانية والعلائقية، والطموحات والأحلام وحب المغامرة والبحث عن الإثارة، والتفتح على صخب الحياة وحيويتها وانطلاقها”[3] وهو ما يعطي لهذه  المرحلة هوية قائمة الذات تمكن الشباب من تبني اختيارات واتجاهات خاصة نحو المواضيع التي تهمهم، من منطلق التأثير الفاعل الذي يميز هذه المرحلة العمرية.

إن التغيرات المتسارعة داخل المجتمعات المعاصرة فرضت تغيرا مستمرا لأدوار الشباب ووظائفهم، وهو ما أثر على تحديد هذه الفئة تحديدا دقيقا، ويمكن فهم هذا المأزق في التحديد الدقيق لمفهوم الشباب انطلاقا من الإشارة إلى تحديد (Galland Olivier, 2002)لهذه المرحلة بكونها “مرحلة الانتقال إلى الرشد والدخول في الحياة”[4]، فتكون عبارة  عن زمن اجتماعي له خاصة انتقالية تقترن بكونها أداة للتغيير الاجتماعي. في حين إن[5]يحدد فئة الشباب بكونها “مجال للحياة” يتسم بكونه تجربة ومجالا اجتماعيا هشا، تميزه التقطعات وعدم الثبات.

إن الغاية من هذه الإشارات النظرية هو التأكيد على أهمية فئة الشباب داخل المجتمع سواء على مستوى فاعليتها كأداة للتغيير الاجتماعي، أو على مستوى المشاكل التي تعانيها في سعيها نحو تحقيق الاندماج.

أما بالنسبة لمفهوم الاتجاهات فيمكن تحديده انطلاقا من ثلاثة أبعاد رئيسية: بعدين يتعلقان بالفرد ذاته وبعد آخر يرتبط بالفرد في عملية تفاعله مع البيئة، فهناك البعد المعرفي للاتجاهات، والبعد العاطفي حيث أن الفرد يتوفر على مجموعة من الخبرات الوجدانية المرتبطة بالحب والكره نحو موضوع اتجاهه. ثم البعد الثالث الذي يتمظهر في علاقة الفرد ببيئته وهو البعد السلوكي، الذي يعبر من خلاله الفرد بطريقة (رسمية)، إن شئنا القول، عن حقيقة اتجاهاته التي كانت مجرد استعدادات وقدرات كامنة على الفعل.وتبقى هذه “الأبعاد والمكونات في الاتجاه (الانفعال والمعرفة، والسلوك) متداخلة فيما بينها، فالفصل لا يتم فقط إلا من خلال تسهيل العرض والدراسة”[6].

من ناحية أخرى تتحدد الاتجاهات بناء على طريقة تكونها باعتبارها مكتسبة ومتعلمة وليست وراثية، أي أنها نتاج لخبرة الفرد في وسطه الاجتماعي وبناء على نوع التنشئة الاجتماعية التي تلقاها، والتي “تهدف قبل كل شيء إلى الاحتفاظ بما هو قائم ومنظم أي الاستمرار، وقد يكون لها هدف آخر أي الحصول على استجابات جديدة حسب تخطيط معين”[7].

كما تؤدي وظائف مهمة وأساسية بالنسبة للفرد والمجتمع لأنها تمكن من “حصر معنى ودلالة سلوك الفرد في أي مجال يعيش فيه… كما يمكن الوقوف من خلالها على نوعية العلاقة التي تربط الفرد بالجماعة والمجتمع الذي ينتمي إليه”[8]، إذ تكون لها وظيفة ضبط سلوك الفرد أثناء تفاعلاته بحيث تصبح سلوكاته متوقعة، كما أنها تمكن  المجتمع من توجيه الأفراد والتحكم فيهم، وتمكن الأفراد الآخرين من خارج النسق الاجتماعي من معرفة نوعية العلاقة التي تربطهم بالمجتمع الذي ينتمون إليه،إلا أنأهم وظيفة من وظائف الاتجاهات هي الوظيفة المنفعية أو التكيفية، والوظيفة التنظيمية ثم الدفاعية.

  • الدين والتدين

يمكن التمييز بين مفهومي الدين والتدين بناء على الخصوصيات المعرفية والواقعية التي تميزه كلا منهما، ويمكن حصر تلك الخصوصيات انطلاقا من توضيح العلاقة القائمة بينهما، من حيث “إن التدين هو الدين في سياقه الاجتماعي”[9] حيث ينتمي الدين إلى حقل المعرفة الدينية، بما هي معرفة مباشرة لها صلة بالوحي، حيث يقدم الدين نفسه تعريفا منهجيا ومعرفيا لمعناه ومبناه. في حين إن التدين يرتبط بحقل المعرفة الإنسانية وحقل التجربة الاجتماعية، إنه حقل الانفعال والتمثل والعلاقات. لذلك يمكن إيجاد تحديد للدين من داخل الدين وكما يقدم نفسه، انطلاقا من مجموع الأفكار والعقائد التي يدعو من خلالها الأفراد إلى الاعتقاد بها، وممارستها بشكل محدد ودقيق. أما التدين، وإن كان في بعض أبعاده يحمل بعض خصائص الدين، خصوصا في الجانب المرتبط بالطقوس والممارسات، إلا أنه يختلف عنه من حيث كون هذا الأخير مرتهن بالتأويل الاجتماعي للدين، وأيضا بالتأويل الخاص بالأفراد، انطلاقا من خضوعه لطبيعة اختياراتهم الناتجة عن خصوصياتهم، وأيضا لطبيعة أنماط شخصياتهم. إذ يتحول التدين هنا إلى “الكيفية التي يعيش بها الناس معتقداتهم الدينية في حياتهم اليومية”[10] وهو ما يحيلنا إلى التحديد الثنائي القائم على التقابل بين عنصرين مركزيين في الدين لدى [11](Emile Durkhaim , 1968)، وهما المعتقد من جهة، والطقوس بكونها مجموعة من الممارسات والشعائر من جهة أخرى. إذ يتخذ الدين معنى أكثر عمومية وتوصيفا لمختلف جوانبه، بكونه “نظام متكامل من المعتقدات والممارسات المرتبطة بأشياء مقدسة، فهو بذلك يشكل علاقة ارتباط بين الكائن البشري والمقدس أو الإلهي، والهدف منه الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بإدراك الكون، وخلق رابط اجتماعي بين أفراد الجماعة المؤمنة”[12]. فأهمية الدين بالنسبة للإنسان تكمن في كونه يشكل مصدرا، من ضمن مصادر أخرى، للعثور على حلول لمشكلاته الوجودية “لا العثور على الجواب في الفكر وحده، بل الجواب في كيانه الكلي، في طريقة عيشه”[13] لذلك تتجاوز مكانة الدين بالنسبة للإنسان مجرد أن تكون نظاما فكريا وعقائديا معينا، يدعو إلى حل المشكلات بمنهجية فكرية وعقائدية معينة، بل إن أهمية الدين تكمن أساسا في طريقة تعامل الإنسان معه، بكونه إمكانية من ضمن إمكانيات متعددة لحل مشاكله الذاتية منها أو الموضوعية. وهو ما دفع الباحثين إلى العمل على تحديد مستويات التدين في إطار أنماط تحليل تجريبية، ولعل أشهر تلك الأنماط هي التي وضعها غلوك من خلال “تمييزه بين خمسة مستويات، أو خمسة عوامل تسمح بتحديد التدين، وهي: الاعتقاد والممارسة الشعائرية والمعرفة والتجربة والانتماء”[14].

نخلص بالقول إلى أن أهم تمييز بين الدين والتدين هو إن “التدين ليس صورة مطابقة للدين، ولا يعنينا أن يكون تعبيرا صادقا عن الدين أو غير صادق. ما يهمنا هو السلوك الفردي والجماعي الذي يستلهم من الدين مرجعيته”[15]إذ يصبح التدين هو حضور الدين كنمط سلوك فردي واجتماعي، متأثر بتأويلات ثقافية متعددة ومتباينة، تتغير بتغير الأفراد وأنماط شخصياتهم. لذلك تكون لأنماط الشخصية أهمية قصوى في تحديد التدين وأنماطه المختلفة، بنفس الدرجة التي تتأثر فيها أيضا الشخصية بنمط التدين.

  • العالم الافتراضي، والعالم الواقعي

نستخدم مفهوم العالم الافتراضي في مقابل العالم الواقعي، فهذا الأخير يحيل إلى البعد الموضوعي الذي تتواجد داخله الذات، بكل ما ينتج عن هذا التواجد من تفاعلات اجتماعية قائمة على المبادلة المادية والرمزية للأشياء والمعاني، كما يتأسس أيضا على التأثير والتأثر المباشر على مستوى التمثلات والاتجاهات، أي أن عملية التأثير والتأثر هي عملية كاملة قائمة على الاتصال المكاني، وعلى الاستمرارية في الزمان.

إذا كان الأمر كذلك بالنسبة للعالم الواقعي، فإن الأمر يختلف عنه بالنسبة للعالم الافتراضي، خصوصا على مستوى طبيعة التواصل والأطراف المشاركة فيه، ذلك أن هذا العالم لا يتطلب تفاعلا مباشرا، كما أن تأثيره يكون مضمرا.وتفهم أهمية العالم الافتراضي انطلاقا من الدراسات السوسيولوجية التي أصبحت تهتم بدراسة التفاعلات داخله انطلاقا من الوظائف التي يؤديها كاستمرار “لمختلف المؤسسات الاجتماعية، وكآلية لتحقيق التغيير والدفع به، فلكي تتحقق المشاركة القصوى من جانب الشعب جميعه، يجب أن تحدث تنشئة اجتماعية أو تدريب اجتماعي على الديمقراطية في مجالات أخرى لكي يتسنى تطوير الاتجاهات والصفات السيكولوجية الضرورية، وهذا التطوير يحدث عن طريق عملية المشاركة ذاتها”[16] ولعل الدراسة التي قام بها[17] تسير في هذا الاتجاه حيث وضحت الدراسة الراهنة المناولة العلمية لقضايا الانترنت، من خلال التركيز على مفاهيم من مثل “الانترنت والمواطن الافتراضي” والانترنت وقواعد التخاطب الإلكتروني”، كما اهتمت الدراسة أيضا بموضوع التدين من خلال تناوله في علاقته بالإسلام السياسي.

  1. الإجراءات المنهجية للدراسة
    • مشكلة الدراسة

ترتكز مشكلة هذه الدراسة على تحديد طبيعة اتجاهات الشباب نحو التدين داخل العالم الافتراضي، وذلك استنادا إلى ملاحظات ميدانية تقوم على أن هناك الكثير من التغيرات التي تحدث على مستوى سلوك الفاعل الديني، ما بين تواجده داخل فضاء واقعي، وآخر افتراضي.

إن أهمية هذه الدراسة تكمن في محاولتها الإجابة عن سؤال:

  1. ما طبيعة اتجاهات الشباب نحو التدين داخل العالم الافتراضي؟
  • ما طبيعة الاتجاهات المعرفية للشباب نحو التدين داخل العالم الافتراضي؟
  • ما طبيعة الاتجاهات العاطفية للشباب نحو التدين داخل العالم الافتراضي؟
  1. ما مدى التطابق بين اتجاهات الشباب نحو التدين، وسلوكهم الواقعي؟
  • ما مدى التطابق بين اتجاهات الشباب المعرفية نحو التدين وسلوكهم الواقعي؟
  • ما مدى التطابق بين اتجاهات الشباب العاطفية نحو التدين وسلوكهم الواقعي؟
  1. ما مدى التطابق بين اتجاهات الشباب نحو التدين داخل العالم الافتراضي، وتوقعات كتلة أصدقائهم لاتجاهاتهم؟
    • فرضيات الدراسة

يلاحظ وجود تباين بين العالمين الواقعي والافتراضي، وهو ما يؤثر بدوره على أدوار الفاعلين في كلا العالمين، فإذا كان الأمر ينبني في العالم الواقعي على الوضوح وعلى التواصل المباشر بين الفاعلين كما أسلفنا، فإن الأمر يختلف عنه في العالم الافتراضي، ذلك أنه عالم محايث يقوم على نوع من التداخل بين الحقيقي والوهمي، العاطفي والمعرفي، الصريح والمضمر. أي إنه يقوم على جملة من التقابلات المتناقضة التي لا يجد الفاعل حرجا في تقبلها والتصرف طبقا لها. هكذا سيكون من أهم غايات الفرضيات المقترحة هو تنظيم مجمل هذه الملاحظات في عبارات قابلة للإجابة عنها انطلاقا من الدراسة الميدانية.

  1. نفترض بأن طبيعة اتجاهات الشباب نحو التدين داخل العالم الافتراضي هي اتجاهات إيجابية.
  • نفترض بأن الاتجاهات المعرفية للشباب نحو التدين داخل العالم الافتراضي إيجابية.
  • نفترض بأن الاتجاهات العاطفية للشباب نحو التدين داخل العالم الافتراضي إيجابية.
  1. نفترض عدم التطابق بين اتجاهات الشباب نحو التدين، وسلوكهم الواقعي.
  • نفترض عدم التطابق بين اتجاهات الشباب المعرفية نحو التدين وسلوكهم الواقعي.
  • نفترض عدم التطابق بين اتجاهات الشباب العاطفية نحو التدين وسلوكهم الواقعي.
  1. نفترض عدم التطابق بين اتجاهات الشباب نحو التدين داخل العالم الافتراضي، وتوقعات كتلة أصدقائهم (الأصدقاء الواقعيين والافتراضيين) لاتجاهاتهم.
    • أدوات الدراسة

إضافة إلى عملية التحليل المباشر للأرقام الإحصائية وتأويل دلالتها، فقد اعتمدنا على منهجية تحليل المضمون من أجل الاستفادة من المعطيات المتحصل عليها على مستوى تقنية المجموعة البؤرية، وقد اخترنا منهجية تحليل المضمون نظرا لما تتميز به من دقة وموضوعية، بكونه أسلوب غير مباشر لملاحظة أو تتبع أو دراسة ظاهرة اجتماعية أو نفسية أو تربوية… يتميز بالمرونة وبالقابلية للتعديل والتغيير والتطوير حتى تتلائم مع مجال استخدامها”[18].

  • استبيان حول اتجاهات الشباب نحو التدين في العالم الافتراضي

يتكون الاستبيان من ثلاثة فقرات؛ الأولى تخص المعطيات العامة حول المبحوث من حيث السن والجنس والمستوى الدراسي، والفقرة الثانية ترتبط بالمعطيات الخاصة بالمبحوث على مستوى علاقته بالعالم الافتراضي، والتي تتضمن مجموعة من الأسئلة المباشرة ذات الدلالة الإحصائية، والغاية منها هي تحديد طبيعة كتلة أصدقاء المبحوث، من حيث كونهم أصدقاء واقعيين أو افتراضيين. والفقرة الثالثة من الاستبيان غايته قياس طبيعة اتجاهات الشباب نحو التدين، من حيث كون هذه الاتجاهات إيجابية أو سلبية.

  • المجموعات البؤرية

يمكن القول بأن وظيفة هذه التقنية هي التأكد من المعطيات المتحصل عليها عن طريق الاستبيان، ومعرفة آراء المبحوثين بشكل أكثر تفصيلا حول عناصر الإشكالية المدرجة في البحث، بغاية التفصيل أكثر في معاني ودلالات النتائج المحصل عليها، وقد تم الاشتغال مع ثلاث مجموعات بؤرية تتكون من 5 أفراد ناقشوا الأسئلة المرتبطة باتجاهات الشباب نحو التدين.

  • عينة الدراسة

تتكون عينة البحث من 62شابا من الشباب الجامعي الذين يتوفرون على حساب أو أكثر في العالم الافتراضي[19]، ونسمي مجموع أفراد العينة بكتلة الأصدقاء، ونقصد بها مجموع أصدقاء المبحوثين في الفيسبوك الذين أجابوا عن استبيان الدراسة. وتنقسم كتلة الأصدقاء إلى أصدقاء واقعيين وأصدقاء افتراضيين.

الأصدقاء الواقعيين: هم مجموع الأفراد الذين لهم علاقة صداقة مع المبحوثين تتجاوز مجال العالم الافتراضي نحو مجال العالم الواقعي، والذين سبق للمبحوث أن تعرف عليهم.

الأصدقاء الافتراضيين: ونقصد بهم مجموع الأفراد الذين لهم علاقة صداقة مع المبحوثين تقتصر على العالم الافتراضي (الفايسبوك)، إذ لم يسبق لهم أن تعرفوا عليهم معرفة مباشرة في الواقع.

  • خصائص العينة

جدول1: يوضح خصائص العينة حسب الجنس (النوع)

الجنس التكرار النسبة المئوية
الذكور 38 61.3%
الإناث 24 38.7%
المجموع 62 100%

جدول2: يوضح خصائص العينة حسب الفئات العمرية

الفئات العمرية التكرار النسبة المئوية
20-30 52 83.9%
31-40 8 12.9%
41-50 2 3.2%
المجموع 62 100%

جدول3: يوضح خصائص العينة حسب المستوى الدراسي

المستوى الدراسي التكرار النسبة المئوية
أقل من الإجازة 6 9.7%
الإجازة 36 58.1
الماستر فأكثر 20 32.3
المجموع 62 100%

تصف الجداول أعلاه (1- 2-3)الخصائص العامة لعينة الدراسة من حيث الجنس (ذكور- إناث) أو من حيث السن الذي قسمناه إلى ثلاث فئات من الشباب وهي فئة ما بين (20و30) و (30 – 40) و(40-50). ونلاحظ من خلال المعطيات السابقة الحضور المكثف لفئة الشباب ما بين 20-40 سنة والتي تحيل فعلا عن هذه المرحلة كما تحددها أغلب الدراسات العلمية وإحصاءات المنظمات الدولية المهتمة بقضايا الشباب. فميزة هذه المرحلة أنها تحيل إلى مستويين، مستوى تجاوز المراهقة بما تحمله من خصائص مغايرة لفترة الشباب، وأيضا انحسارها في مرحلة الدخول إلى النضج التام (ما بعد 40 سنة)، وهو ما يجعل عينة الدراسة ممثلة ومحققة للأهداف المرجوة منها في هذا المستوى.

كما تم توصيف العينة حسب المستوى الدراسي لأفرادها، الذي يعتبر متشابها إلى حد كبير على اعتبار أن الدراسة تخص الشباب الجامعي، لكننا ارتأينا التدقيق في هذا المستوى من خلال التمييز بين الشباب الحاصل على الإجازة، والذين لم يحصلوا عليها بعد، إضافة إلى الشباب الذين يتابعون دراستهم في سلك الماستر أو أكثر، وذلك للتمييز بين مستويات العمق المعرفي لدى الشباب وأثره على اتجاهاتهم المعرفي أساسا والعاطفية نحو التدين في إطار علاقتهما بالسلوك الواقعي.

  1. تحليل ومناقشة نتائج الدراسة
    • اتجاهات الشباب نحو التدين داخل العالم الافتراضي
      • مدى حضور الواقعي والافتراضي داخل العالم الافتراضي

تشير النتائج المحصل عليها إلى مستويات حضور الواقعي والافتراضي داخل الفايسبوك من خلال معطيات عامة ليست لها علاقة بالضرروة بالتدين، بل من خلال الأهمية التي يحتلها الفايسبوك على مستوى الزمن المخصص له، وأيضا على مستوى طبيعة الأصدقاء الذين يرغب الشباب في التعامل معهم، وعلى مستوى مدى استخدام أفراد العينة لمعطياتهم الشخصية وطبيعة كتلة الأصدقاء التي يفضلون التعامل معها، من حيث كون أصدقائهم واقعيين سبق لهم التعرف عليهم والتعامل معهم، أم إنهم مجرد أصدقاء افتراضيين تم التعارف معهم داخل فضاء الفايسبوك فقط.

تؤكد النتائج المحصل عليها على أن نسبة مهمة من الشباب يستخدمون معطياتهم الشخصية الحقيقة في حساباتهم على الفايسبوك 80.6% في مقابل 19.4% تستخدم معطيات افتراضية. وهذا ما يبرر اختيار أفراد العينة التعامل مع أصدقاء واقعين بلغت نسبتهم96.8%. إن هذه المعطيات المحصل عليها قد تدفعنا للقول بأن الفايسبوك  مجرد امتداد لعالم الواقع، لكن الثقة في  هذا المعطى وفي هذه الطريقة في التحليل قد تكون حرجة بالنظر إلى أن هؤلاء يهربون من الواقع لساعات طوال، إذ أن الشباب الذي يقضي ما بين 2-4 ساعات يوميا تمثل نسبتهم 22% من عينة الدراسة، كما أن الذي يقضون ما بين 4-6 ساعات تصل نسبتهم إلى 35.5%.

تدعونا هذه النتائج إلى التساؤل عن المعنى الذي يعطيه الأفراد للفايسبوك، فإذا كانت الغالبية من الناس تعتبره عالما افتراضيا منفصلا عن عالم الواقع كما تشير لذلك بعض الدراسات العلمية التي تهتم بالمجال، إذ يستخدم مفهوم العالم الافتراضي كمقابل لعالم الواقع[20] وهو ما نتبناه أيضا في هذه الدراسة، فكيف يمكن فهم وتأويل نتائج الدراسة الحالية التي تعبر عن كون الفايسبوك هو عالم محايث لعالم الواقع، وليس عالما منفصلا عنه حسب رأي عينة دراستنا؟

يمكن أن نقترح ثلاث احتمالات ومداخل للفهم من حيث توصيف مجال دراستنا (الفايسبوك)، فهذا المجال إما تعبير عن عالم واقعي مفترض بين الفاعلين فيه، يأتي كتعويض عن انحصار العلاقات الاجتماعية ذات الطبيعة المادية المباشرة والمحصورة في نفس الآن، في حين إن الفايسبوك يوفر آفاقا أكثر رحابة وضمانا للحرية في بناء علاقات اجتماعية بديلة تقوم على الرمزية وعلى التواصل الوسيط عوض المباشر ثم إنها تستفيد من المجال الكبير من الحرية التي توفرها هذه الفضاءات، ما يجعل الشباب قادرين على إعادة صياغة رؤاهم الخاصة للعلاقات وبنائها بالشكل الموافق لاحتياجاتهم وتوجهاتهم، ويتضح هذا المعنى الأخير لأهمية العالم الافتراضي من خلال دراسة (Gozlan Angélique, 2016)حول رهانات المراهقين داخل العالم الافتراضي وداخل الفايسبوك على وجه الخصوص.

أما الاحتمال الثاني فيقترن بكون الفايسبوك ليس عالما افتراضيا ولا واقعيا، بل هو عالم بين العالمين. ينتمي إلى الواقع من حيث تضمنه لمشكلاته ومعطياته المختلفة، إلا أنه يتعالى عنه في نفس الوقت بالنظر للرمزية والتعالي الذي يطبعه، إذ إن حضور الفاعلين فيه هو حضور غير مباشر. في حين أن الاحتمال الثالث هو كون الفايسبوك عالم افتراضي صرف، وإن لم يتوضح لنا ذلك على مستوى النتائج المعروضة حتى الآن، فإن ذلك سيبرز على مستوى النتائج التي تصف مدى الثقة في المعطيات المتداولة داخله، خصوصا في علاقة بموضوع الاتجاهات نحو التدين.

  • التدين بين المركزي والهامشي في العالم الافتراضي

نهتم في هذا العنصر بتوضيح مدى حضور التدين داخل العالم الافتراضي من حيث مركزيته أو هامشيته، قبل الانتقال إلى الحديث عن اتجاهات الشباب نحوه. وتتضح هذه الأهمية من حيث مقارنة مدى حضور موضوع التدين لدى عينة الدراسة ولدى كتلة أصدقائهم، بالمقارنة مع الاهتمام بمواضيع أخرى؛ علمية أو مواضيع عامة أو مواضيع الحياة الخاصة للأصدقاء، وكذلك من حيث الاهتمام بالتدين وبطبيعة هذا الاهتمام.

تؤكد النتائج المحصل عليها أن موضوع التدين يشغل مكانة هامة بالمقارنة مع المواضيع العلمية والعامة ومواضيع الحياة الخاصة لكتلة الأصدقاء، لكن في نفس الوقت يمكن أن  نتبين بوضوح أهمية المواضيع العلمية التي تبلغ نسبة الاهتمام بها58.1% وهو ما يفسر بالمستوى الدراسي للعينة الذي يتراوح بين الدراسة في سلك الإجازة أو الحصول على الماستر أو أكثر. لكن فهم أهمية الاهتمام بالعامل الديني يتضح لنا بالمقارنة مع موضوع الحياة الخاصة للأصدقاء. فإذا كانت نسبة هامة من عينة الدراسة تعتبر الفايسبوك امتدادا للعالم الواقع فإن ذلك لا يكرس من خلال هذه النتيجة التي تكشف عن اتجاهات الأفراد الحقيقية حول مواضيع العالم الافتراضي، إذ أن اهتماماتهم بمعطيات الواقع التي تشير إليها الحياة الخاصة للأصدقاء توضح ضعف إقناعية النتائج السابقة، إذ إن 19.4%فقط من عدد أفراد العينة من لهم اهتمامات بالحياة الخاصة والواقعية لأصدقائهم.

تكشف تلك النتائج إذن، عن مدى مركزية موضوع التدين بالنسبة لعينة الدراسة مقارنة بالمواضيع السابقة (علمية، مواضيع الحياة الخاص) فغالبية أفراد العينة تجعل التدين في مركز اهتمامها، إما بكونه يحتل الرتبة الأولى أو الثانية من ضمن سلم اهتماماتها، فقد عبر 35.5% و 41.59% عن احتلال موضوع التدين الرتبة الأولى والثانية على التوالي، مقارنة بمواضيع الاهتمام العلمية وتلك المرتبطة بالحياة الخاصة.

إن مركزية موضوع التدين كما يعبر عنها أفراد العينة ليست مرتبطة بلحظة زمنية معينة، كما هو الحال مثلا بالاهتمام بالأحداث السياسية أو مواضيع الحياة العامة التي يرتفع منسوب الاهتمام بها والانتباه لها في مناسبات معينة كالانتخابات أو لحظة هفوات أو نجاحات شخصية سياسية عامة، بل إن الاهتمام بمجال الدين هو اهتمام مستمر وموجه لأنه اهتمام واع ومقصود، فنسبة 64.5% من أفراد العينة عبروا عن اهتمامهم المستمر بموضوع التدين، في حين أن 16.1%هم من يربطون هذا الاهتمام بالصدفة والعرضية، أي أنهم لا يشغلون بالهم بالبحث عن قضايا دينية، ولكن إذا صادفوا نقاشا حولها تفاعلوا معه.

هكذا يكون موضوع التدين موضوعا مركزيا داخل العالم الافتراضي بالنسبة لاتجاهات الشباب نحو المواضيع المحددة سلفا (التدين، العلم، الحياة الخاصة…)، ويمكن تأكيد هذه النتائج أو نفيها بحسب علاقتها باتجاهات كتلة أصدقاء عينة الدراسة نحو التدين من حيث مدى اهتمامهم بالتدين، وأيضا طبيعة هذا الاهتمام، بكونه عميق أو سطحي، وهو ما سيحيلنا إلى التفصيل في مفهوم الاتجاهات انطلاقا من مستوياتها المختلفة (المعرفة، العاطفة، السلوك).

من خلال المتابعة والتواصل المستمر في الفايسبوك بين أفراد العينة وكتلة أصدقائهم (الافتراضيين والواقعيين) يلاحظ توصيفهم لمدى اهتمام أصدقائهم بالتدين، إذ أن 74.2% من نسبة كتلة الأصدقاء لها اهتمام متوسط بالتدين من حيث متابعة المواضيع ومناقشتها، في حين أن نسبة الأصدقاء الذين لهم اهتمام ضعيف بالتدين مقارنة بمواضيع أخرى انحصرت نسبتهم في 16.1%، وهو ما يشير مركزية موضوع التدين في النقاشات البينية للأصدقاء، وكأن ذلك تعبير عن المرجعية المؤطرة لمجالات النقاش بين هؤلاء، إلا أن هذا الاهتمام الملحوظ لا يعني التوافق حول كل ما يأتي به من معطيات وأفكار، من حيث رؤية أفراد العينة لطبيعة هذا الاهتمام بكونه سطحي أو عميق؟

كما أسلفنا الذكر فإن الاهتمام الكبير بموضوع التدين من طرف كتلة الأصدقاء لا يعني موافقة أفراد العينة على كل المكونات المعرفية والعاطفية لهذا الاهتمام، نظرا لعدم توافق اتجاهاتهم مع اتجاهات كتلة أصدقائهم، وأيضا نظرا لعدم الثقة في معطيات العالم الافتراضي، خصوصا وأن نسبة كبيرة من كتلة الأصدقاء هم من الأصدقاء الواقعيين لأفراد العينة. ويرجع ذلك إلى ملاحظة عدم التوافق ما بين الخطاب المعرفي والعاطفي لكتلة الأصدقاء، وما بين سلوكهم الواقعي الذي يظهرون به أمام أفراد العينة في الواقع. من هنا تكون المعطيات المحصل عليها سابقا فيما يخص تحول العالم الافتراضي إلى عالم واقعي إنما هو تحول شكلي، يقترن فقط بالظهور انطلاقا من المعطيات الموضوعية كتوصيفات للذات (الاسم واللقب، السن، المدينة، المستوى الدراسي، العلاقات الاجتماعية…) لكن ذلك لا يعني الكشف عن الهوية الذاتية التي تجعل اتجاهات الآخرين نحونا محددة بشكل واضح وغير مشوش.

  1. مستوى توافق عناصر اتجاهات الشباب نحو التدين في العالم الافتراضي

1.2. كتلة الأصدقاء الواقعيين؛ علاقة الخطاب المعرفي والعاطفي بالسلوك

اشرنا في مستوى تحديد المفاهيم إلى أننا نستعمل مفهوم الاتجاهات انطلاقا من ثلاثة عناصر كبرى، وهي مستوى المعرفة والعاطفة والسلوك، ولتوضيح مدى توافق مستويات الاتجاه سندرسها انطلاقا من علاقة أفراد العينة بكتلة أصدقائهم الواقعيين والافتراضيين، فإذا كانت النتائج السابقة أكدت على الاهتمام الكبير بموضوع التدين في العالم الافتراضي مقارنة بمواضيع أخرى، كما أشارت إلى طبيعة هذا الاهتمام القائم على السطحية من الناحية المعرفية، فإن النتائج المرتبطة بمدى تطابق تلك الاتجاهات في مستواها المعرفي مع السلوك تؤكد على وجود عدم توافق بين الخطاب المعرفي للأفراد حول التدين داخل العالم الافتراضي وبين سلوكهم الواقعي. حيث أن نسبة 67.7% من أفراد العينة يؤكدون على فرضية عدم التطابق هذه، في حين أن 32.3%فقط هم يؤكدون على تطابق الخطاب المعرفي مع السلوك الواقعي لأصدقائهم، ويجدر التذكير هنا أن كتلة الأصدقاء تتكون من أفراد واقعيين أكثر من الافتراضيين، وتفهم دلالة هذه النتائج انطلاقا من النتائج المحصل عليها في العلاقة بين متغير طبيعة الاهتمام بالتدين (سطحي، عميق) ومتغير علاقة الخطاب المعرفي بالسلوك. إذ نجد أن22.2% فقط من العينة يتوافق مستوى اتجاههم المعرفي مع سلوكهم الواقعي، وهم نفسهم الذين عبروا عن اهتمام عميق بالتدين، في حين أن النسبة المتبقية من العينة 77.8% لا يتوافق اتجاههم المعرفي نحو التدين مع سلوكهم الواقعي، وهو ما يفسر بالاهتمام السطحي بموضوع التدين.

بعد إشاراتنا في العنصر السابق إلى مستوى عدم التوافق الحاصل بين الاتجاه المعرفي نحو التدين وعلاقته بالسلوك بالنسبة لكتلة الأصدقاء داخل العالم الافتراضي، نسعى في هذه المرحلة إلى توضيح طبيعة الاتجاه العاطفي نحو التدين كما هو متداول داخل العالم الافتراضي، وعلاقته بالسلوك كما يتحدد في العالم الواقعي. فالملاحظ من خلال النتائج هو أن 71% من عينة الدراسة لا يتوافق خطابهم العاطفي حول التدين كما يروج داخل العالم الافتراضي مع سلوكهم الواقعي، في حين أن 29% من كتلة أصدقاء العينة كان سلوكهم متوافقا مع خطابهم العاطفي. ويمكن فهم هذا التفاوت بملاحظة العلاقة ما بين الخطاب العاطفي والسلوك الواقعي لكتلة الأصدقاء، إذ نجد أن مجموع أفراد العينة الذين يتوافق خطابهم العاطفي مع سلوكهم الواقعي يتميز اهتمامهم الديني بالعمق، في حين أن الذين لا يتوافق خطابهم العاطفي مع سلوكهم الواقعي يعتبر خطابهم نحو التدين خطابا سطحيا. حيث نجد أن 81.15%من هؤلاء يتبنون خطابا سطحيا، في حين أن 18.5% وإن كانوا يتبنون هذا النوع من الخطاب، إلا أنهم عبروا عن مستوى من التوافق بين الخطاب العاطفي والسلوك الواقعي.

يتضح إذن الفرق الشاسع بين مستويات الاتجاه المعرفية والعاطفية كما يتم تداولها داخل العالم الافتراضي نحو التدين، وبين تطبيقات تلك الاتجاهات في عالم الواقع، إذ نجد فصلا واضحا بين العالمين بالنسبة لسلوكات كتلة الأصدقاء الواقعيين لأفراد العينة.

2.2. الأصدقاء الافتراضيين؛ توقعات علاقة السلوك بالخطابين المعرفي والعاطفي

نظرا للفصل الذي وضعناه بين كتلة الأصدقاء من حيث الحديث عن أصدقاء واقعيين يمكن لأفراد العينة متابعة سلوكهم في الواقع، وأيضا متابعة خطابهم المعرفي والعاطفي في العالم الافتراضي نحو التدين، وبين أصدقاء افتراضيين يمكن متابعة خطابهم المعرفي والعاطفي نحو التدين داخل العالم الافتراضي، لكن لا يمكن متابعة سلوكهم في العالم الواقعي، مع إمكانية توقع أو تمثل طبيعة هذا السلوك. وهو ما سيحيلنا إلى درجة الثقة بين كتلة الأصدقاء داخل العالم الافتراضي، فإننا نتساءل في هذا المستوى عن توقعات عينة الدراسة لمدى توافق سلوك أصدقائهم الافتراضيين مع اتجاهاتهم المعرفية والعاطفية نحو التدين.

تشير النتائج إلى ضعف الثقة بمعطيات العالم الافتراضي بشكل عام خصوصا إذا ما تعلق الأمر بأصدقاء افتراضيين لا يستخدمون معطياتهم الشخصية، أو لم يسبق لأفراد العينة أن تعرفوا عليهم في الواقع بشكل مباشر رغم استخدامهم لمعطياتهم الشخصية، وهذا ما يؤثر على توقعات أفراد العينة لسلوك أصدقائهم الافتراضيين الديني الذي يتوقعونه بشكل غير موافق لاتجاههم المعرفي والعاطفي كما يعبرون عنه في العالم الافتراضي. فالنتائج تشير إلى أن 77.4%من الأصدقاء لن يكون سلوكهم متوافقا مع اتجاهاتهم المعرفية والعاطفية في حال ما توفرت الفرصة للقائهم المباشر في الواقع، وتزيد حدة هذا المعطى كلما كان خطاب الأصدقاء الافتراضيين حول التدين خطابا سطحيا. إذ أن 95.8%من هذه العينة يرتبط خطابها بمستوى سطحي من التحليل والمتابعة والنقاش، في حين أن الفئة التي تتبنى خطابا عميقا حول التدين لم تتم الثقة في مطابقة سلوكها لاتجاهاتها المعرفية والعاطفية نحو التدين.

خاتمة :

نخلص إلى أن حضور المعطيات الواقعية للشباب داخل العالم الافتراضي لا يعدو أن يكون مجرد حضور موضوعي، غايته التوصيف الظاهري للذات، وليس التعبير عن هوية ذاتية يرغب الشاب في تأكيدها داخل العالم الافتراضي. لذلك فلا مجال للحديث عن العالم الافتراضي كعالم محايث لعالم الواقع كما قد تحيل إلى ذلك النتائج الظاهرية، بل إن الفصل بينهما هو فصل قائم بالنظر لاختلاف الرهانات المطروحة في كل عالم من هذه العوالم. وهو ما يحيل إلى مشروعية التساؤل عن الهوية الذاتية لدى الشباب.

تؤكد النتائج أيضا على الأهمية البالغة التي يحتلها التدين في سياق النقاشات المطروحة داخل العالم الافتراضي، إلا أن الملاحظ هو عدم التوافق الحاصل بين الأبعاد المعرفية والعاطفية والسلوكية لاتجاهات الشباب نحو التدين، وهو ما يدفع إلى التساؤل عن طبيعة الهوية الذاتية التي يتبناها هؤلاء الشباب، خصوصا إذا حددنا الهوية بكونها “جملة العلاقات المادية والرمزية التي تربط وتوحد عددا من الأفراد وهم في حالة صراع ضد مجموعة مشابهة في الجوهر مخالفة في المظهر، عبر تكوين المجموعات الافتراضية أو الدخول ضمن هذه المجموعات أو التعاطف معها أو تبني مواقفها”[21].

ويمكن توضيح التفاوتات القائمة على مستوى اتجاهات الشباب نحو التدين داخل العالم الافتراضي من خلال المستويات الآتية:

  1. مستوى التفاوت بين أبعاد الاتجاهات، إذ توضح النتائج عدم التوافق الحاصل ما بين الاتجاهات المعرفية للشباب وما بين سلوكهم الواقعي نحو التدين، وأيضا عدم التوافق بين الاتجاهات العاطفية للشباب وبين سلوكهم الواقعي، وأخيرا عدم توافق توقعات سلوك أصدقائهم الافتراضيين مع اتجاهاتهم المعرفية والعاطفية نحو التدين.
  2. يرتبط هذا المستوى بالفروق القائمة بين مكونات كتلة الأصدقاء الواقعيين والافتراضيين لعينة الدراسة، وبالتالي بين مستوى الثقة في عالم الواقع والعالم الافتراضي، إذ هناك ضعف إمكانية الثقة في سلوك الأصدقاء الافتراضيين، بنفس الدرجة التي لا يثق فيها الشباب باتجاهات أصدقائهم الواقعيين حول التدين في العالم الافتراضي.

إن هدف تحديد طبيعة اتجاهات الشباب نحو التدين في العالم الافتراضي كما لخصناها في السابق هو التأكيد على وجود تفاوت بين أبعاد الاتجاهات، وهو ما يسائلنا عن طبيعة الهوية الذاتية التي يتبناها الشباب ما بين العالمين الواقعي والافتراضي؟وعن تأثير تعدد عوالم التواصل والتفاعل بين الشباب (افتراضية، واقعية) في بناء هوياتهم الذاتية سلبا أو إيجابا؟ وكذاك مدى إمكانية تعميم مستويات عدم التوافق بين أبعاد اتجاهات الشباب، أم إن الأمر يتعلق فقط بموضوع التدين بالنظر لحساسيته كموضوع، في السياق الاجتماعي العربي والمغربي؟

قائمة المراجع :

  1. أحمد أوزي. (2008). منهجية البحث وتحليل المضمون. الدارالبيضاء: مطبعة النجاح الجديدة.
  2. إريك فروم. (2012). التحليل النفسي والدين. (محمود منقذ الهاشمي، المترجمون) اللاذقية، سوريا: دار الحوار للنشر والتوزيع.
  3. أولجا جوديس بيلي، بيلي كاميرتيس، و نيكوكاربنتيير. (2009). فهم الإعلام البديل. (علا أحمد إصلاح، المترجمون) مجموعة النيل العربية.
  4. الحاج غنيمي. (1997). التنشئة الاجتماعية والتمثل المعرفي. ضمن: الطفل والتنمية. مراكش، منشورات كلية الآداب والعلوم الانسانية الرباط: مطبعة النجاح الجديدة.
  5. رابح الصادق. (صيف, 2012). الهوية الرقمية للشباب بين التمثلات الاجتماعية والتمثل الذاتي. مجلة إضافات، الصفحات 89-115.
  6. رايمون بودون، و فرانسوا بوريكو. (1986). المعجم النقدي لعلم الاجتماع (الإصدار 1). (ترجمة: سليم حداد) المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.
  7. سابينو أكوافيفا، و إنزو باتشي. (1996). علم الاجتماع الديني: الإشكالات والسياقات. (ترجمة: عزالدين عناية) أبو ظبي: كلمة.
  8. سفيان ساسي. (17 أبريل, 2016). تكوين الهوية الرقمية للشباب الجزائري: مقاربة سوسيولوجية لاستخدام شبكات التواصل الاجتماعي. تاريخ الاسترداد 31 ماي, 2016، من موقع أرنتروبوس: http://www.aranthropos.com
  9. عبدالغني منديب. (خريف, 2012). التدين والمظهر الخارجي في الوسط الطلابي المغربي: مقاربة سوسيولوجية. مجلة عمران، المجلد الأول(2)، الصفحات 99-110.
  10. محمد الغيلاني. (2013). إشكالية الدين والتدين: أسئلة، مقاربات، نماذج. سؤال الدين والتدين في المجتمعات العربية: ملاحظات منهجية ومعرفية (الصفحات 11-32). الرباط: مركز دال للأبحاث والإنتاج الاعلامي.
  11. مصطفى حجازي. (2006). الانسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية (الإصدار 2). الدارالبيضاء: المركز الثقافي العربي.
  12. المصطفى حدية. (2005). قضايا في علم النفس الاجتماعي. (المجلة المغربية لعلم النفس) الرباط: ربانيت.
  13. نديم البيطار. (2013). سوسيولوجيا الانترنت. بيروت: منتدى المعارف.
  14. Durkhaim, E. (1968). Les formes élémentaires de la vie religieuse. Paris: PUF.
  15. Galland, O. (2002). Les jeunes. Paris.
  16. Gozlan, A. (2016). L’adolescent face à Facebook: Enjeux de la virtualescence. Paris: Éditions In Press.
  17. René, J.-F. (1993). La jeunesse en mutation d’un temps social a un espace social précaire. Paris: PUF.

[1]_ المنقسم إلى وعي ولاوعي، والمتعدد على مستوى أبعاده البيولوجية والنفسية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية…

[2]_ رابح الصادق. (صيف, 2012). الهوية الرقمية للشباب بين التمثلات الاجتماعية والتمثل الذاتي. مجلة إضافات، الصفحات 89-115.

[3]_ مصطفى حجازي. (2006). الانسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية (الإصدار 2). الدارالبيضاء: المركز الثقافي العربي، ص.204.

[4]_ Galland, O. (2002). Les jeunes. Paris.p.55.

[5] _ René, J.-F. (1993). La jeunesse en mutation d’un temps social a un espace social précaire. Paris: PUF.

[6]_ المصطفى حدية. (2005). قضايا في علم النفس الاجتماعي. (المجلة المغربية لعلم النفس) الرباط: ربانيت.

[7]_ الحاج غنيمي. (1997). التنشئة الاجتماعية والتمثل المعرفي. ضمن: الطفل والتنمية. مراكش، منشورات كلية الآداب والعلوم الانسانية الرباط: مطبعة النجاح الجديدة، ص.14.

[8]_ حدية المصطفى، مرجع سابق، ص. 82.

[9]_ محمد الغيلاني. (2013). إشكالية الدين والتدين: أسئلة، مقاربات، نماذج. سؤال الدين والتدين في المجتمعات العربية: ملاحظات منهجية ومعرفية (الصفحات 11-32). الرباط: مركز دال للأبحاث والإنتاج الإعلامي، صص: 23-28.

[10]_ عبدالغني منديب. (خريف, 2012). التدين والمظهر الخارجي في الوسط الطلابي المغربي: مقاربة سوسيولوجية. مجلة عمران، المجلد الأول(2)، الصفحات 99-110، ص.86.

[11] _ Durkhaim, E. (1968). Les formes élémentaires de la vie religieuse. Paris: PUF.

[12]_ رايمون بودون، و فرانسوا بوريكو. (1986). المعجم النقدي لعلم الاجتماع (الإصدار 1). (ترجمة: سليم حداد) المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ص.493.

[13]_ إريك فروم. (2012). التحليل النفسي والدين. (محمود منقذ الهاشمي، المترجمون) اللاذقية، سوريا: دار الحوار للنشر والتوزيع، ص.56.

[14]_ سابينو أكوافيفا، و إنزو باتشي. (1996). علم الاجتماع الديني: الإشكالات والسياقات. (ترجمة: عزالدين عناية) أبو ظبي: كلمة، ص.70.

[15]_ الغيلاني محمد، مرجع سابق، ص.13.

[16]_ أولجا جوديس بيلي، بيلي كاميرتيس، و نيكوكاربنتيير. (2009). فهم الإعلام البديل. (علا أحمد إصلاح، المترجمون) مجموعة النيل العربية، ص.24.

[17]_ نديم البيطار. (2013). سوسيولوجيا الانترنت. بيروت: منتدى المعارف.

[18]_ أحمد أوزي. (2008). منهجية البحث وتحليل المضمون. الدارالبيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، صص: 68-72.

[19]_ سبق لنا على مستوى المفاهيم التمييز بين العالم الواقعي والافتراضي، ونمثل للعالم الافتراضي بموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك (انظر المفاهيم).

[20] _ Gozlan, A. (2016). L’adolescent face à Facebook: Enjeux de la virtualescence. Paris: Éditions In Press.

[21] _سفيان ساسي. (17 أبريل, 2016). تكوين الهوية الرقمية للشباب الجزائري: مقاربة سوسيولوجية لاستخدام شبكات التواصل الاجتماعي. تاريخ الاسترداد 31 ماي, 2016، من موقع أرنتروبوس: http://www.aranthropos.com


Updated: 2019-03-07 — 16:24

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme