إجراء البيع والشراء عبر تقنيات الهاتف المحمول من منظور الشريعة الإسلامية


 

إجراء البيع والشراء عبر تقنيات الهاتف المحمول من منظور الشريعة الإسلامية

عبد الرحمن بن صالح السقاف/طالب ماجستير، جامعة العلوم الاسلامية،ماليزيا

د. منير علي عبد الرب القباطي/أستاذ مساعد، جامعة العلوم الإسلامية،ماليزيا

مقال نشر في مجلة جيل الدراسات المقارنة العدد7 الصفحة 55.

    ملخص

ساهمت التكنولوجيا الحديثة في تسهيل الكثير من الأمور في الحياة البشرية، كان من ضمنها موضوع البيع والشراء عن طريق الأنترنيت، وبالأخص البيع والشراء عن طريق الهاتف المحمول، ولكثرة شيوع هذا النوع من البيوع عبر  تقنيات الهاتف المحمول وللأسف يقع الكثير من الناس في المحظورات الشرعية كالربا، والغرر، والغش وغير ذلك لذا وجب على الباحثين الشرعيين دراستها والوقوف عليها بشيء من التفصيل، من هذا المنطلق سوف يتطرق الباحث في هذه الورقة إلى بيان رأي أهل العلم وبيان الأحكام الشرعية كي يكون المسلم على دراية واسعة بأحكام هذه الوسيلة الحديثة ويكون على بصيرة بالحكم الشرعي في تعاملاته مع الأخرين .

الكلمات المفتاحية: البيع- الشراء-الهاتف النقال-الشريعة الإسلامية.

ABSRACT

 Modern technology has facilitated many things in human life, including the subject of buying and selling online, especially buying and selling over the mobile phone, and the spread of this type of sales through mobile technology. Unfortunately, many people are in legal prohibitions, Gharar, cheating, etc. Therefore, legal scholars must study and examine them in some detail. From this point of view, the researcher discusses the opinion of the scholars and the shar’i rulings so that the Muslim is fully aware of the provisions of this modern method. And be aware in his dealings with others.

Keywords: Sell – Buy – Mobile – Islamic Sharia

مقدمة:

تعالج هذه الورقة البحثية جانبين مهمين من جوانب الحياة المعاصرة نظرا لتأثير بعضهما في بعض، ولتأثيرهما معا على حياة الإنسان، وهذان الجانبان هما: “إجراء البيع والشراء عبر تقنيات الهاتف المحمول”، وأزعم أن معالجة مثل هذين الجانبين من منظار علاقة أحدهما بالآخر من واجبات العصر على أهل العلم، من حيث ضرورة بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بهما، وبما يتمخض عن علاقة كل منهما بالآخر، ونظرا لاتساع الموضوعات المتعلقة بالمعاملات المالية اقتصرت على البيع والشراء لتكون الورقة البحثية مركزة، وذات جدوى أكبر، وأكثر غناء وفائدة، وقد قسمت هذه الورقة على ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: تعريف البيع والشراء لغة واصطلاحا. المطلب الثاني: حكم شراء وبيع تطبيقات المحمول. المطلب الثالث: البيع والشراء عبر تقنيات المحمول.  

المطلب الأول

تعريف البيع والشراء لغة واصطلاحا

البيع والشراء في اللغة هي مطلق المبادلة([1])، أما في اصطلاح الفقهاء هو مبادلة مال بمال([2])، وبعضهم يزيد قيدين آخرين.

 وهو: “بطريق الاكتساب”([3])، وبعضهم يضيف قيدا بشكل أعم فيقول: “على وجه مخصوص”([4]).

“وعملية البيع تتضمن في وقت واحد خروج السلعة المبيعة من ملك ودخولها في ملك آخر، لكن هذه العملية بالنظر إلى جانب الخروج تسمى بيعا، وبالنظر إلى جانب الدخول تسمى شراء”([5]).

ويعد التعبير عن الإرادة هو الركن الأهم في عقد البيع بل إن الحنفية يعدون ما اعتبره الجمهور أركانا شروطا للبيع ([6])، وبما أن الأصل في العقود هو التراضي وكان أمرا خفيا أنيط بقول وهو الإيجاب والقبول أو فعل، وهذا هو ما يسمى بالتعبير عن الإرادة، والقول هو الأصل في البيان والدلالة الرضا، ولا يختص الإيجاب والقبول في عقد البيع بألفاظ خاصة، فكل ما دل على الرضا فهو كاف في انعقاد العقد، وهذا بعينه يقال في الفعل، فالفعل إذا احتفت به قرائن دالة على الرضا بالعقد كان كافيا في انعقاده، وإن خالف في هذا فقهاء الشافعية([7])، فرغم أن القول هو الأساس في التعبير عن الرضا؛ إلا أنه لا يفي بعقود اليوم التي تتنوع وتتعدد أساليبها وأشكالها وخاصة أن هذه المقالة تعالج جانبا مهما من جوانب التطور الذي نعيشه، وهو إجراء عقد البيع عبر وسائط إلكترونية يتيسر في بعضها نقل الصوت والصورة، ولا يتيسر في بعضها الآخر.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “تنعقد بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل، فكل ما عده الناس بيعا وإجارة فهو بيع وإجارة؛ وإن اختلف اصطلاح الناس في الألفاظ والأفعال انعقد العقد عند كل قوم بما يفهمونه بينهم من الصيغ والأفعال وليس لذلك حد مستمر؛ لا في شرع ولا في لغة. بل يتنوع بتنوع اصطلاح الناس كما تتنوع لغاتهم”([8]).

المطلب الثاني

حكم شراء وبيع تطبيقات المحمول

مع انتشار تطبيقات المحمولات وكثرتها أضحى من العسير جدا حصرها، ومع هذا يمكن تصنيف أغلبها أو الأكثر انتشارا بين الناس، وتعود أغلب هذه التطبيقات إلى الأقسام التالية:

  1. التعارف والدردشات.
  2. البيع والشراء بما فيه المأكولات.
  3. التعليم والمعلومات.
  4. إخبارية.
  5. ترفيه وألعاب، ويدخل فيه الصوتيات ومشغلات الفيديو، والتعديل على الصور.
  6. المواصلات والسفر.
  7. المتصفحات.
  8. التخزين السحابي.
  9. صحة ولياقة بدنية.
  10. صور ومونتاج.

وكل نوع من هذه الأنواع تشتمل على عشرات التطبيقات العامة والمتخصصة، وكل تطبيق قد ينضبط بأحكام الشريعة وقد لا ينضبط، وإن الأغلب لا يراعي الضوابط الشرعية، وفي هذا المطلب سأعالج قضية خاصة وهي بيع وشراء هذه التطبيقات، وبما أنه سبق في التمهيد بيان شروط البيع والشراء فننظر هنا إلى مدى انطباق هذه الشروط على تطبيقات المحمول.

وتنقسم تطبيقات المحمولات من حيث البيع والشراء إلى ثلاث أنواع:

النوع الأول: تطبيقات مجانية، فلا تكلف مستخدمها سوى الدخول على المتجر الإلكتروني وتنزيلها، ويستفيد صاحب التطبيق منه عوائد الإعلانات ونحوها، علما أنه “يقوم مجرمو الإنترنت بإنشاء وتوزيع تطبيقات تبدو مفيدة ولكنها مؤذية إذا قمت بتثبيت أحد هذه التطبيقات يمكن لهؤلاء المجرمين السيطرة على الجهاز المحمول، وقراءة الرسائل البريدية والاستماع إلى محادثاتك، والحصول على جهات الاتصال الخاصة بصاحب الهاتف المحمول ([9]).

النوع الثاني: تطبيق غير مجاني، ولم أقل (تطبيق ربحي) لأن التطبيقات التي من النوع الأول هي ربحية أيضا ولكن بطريقة أخرى، وهذا لا يمكن استعماله إلا بشراء التطبيق كاملا.

النوع الثالث: الشراء في التطبيق، وهذه صيغة اعتمدت عليها كثير من التطبيقات حيث يمكن للمستفيد تنزيل التطبيق من المتجر الإلكتروني بشكل مجاني لكنه لا يستطيع التمتع والاستفادة من كافة خاصيات التطبيق، خاصة وأن هذه التطبيقات تستمر في التحديث والتطوير لتحفز المستخدم على الشراء، وهذا النوع عادة ما يكون في ألعاب الفيديو حيث يمكن للمستخدم تحسين مستوى لعبه، من خلال شراء معدات أو مراحل أو مستويات جديدة إلا أن هذا النوع لا يقتصر على الألعاب فقط بل يمكنك إيجاده في تطبيقات مثل Spotify و Microsoft Office  و حتى يوتيوب. ففي هذه الحالة، تسمح التطبيقات للمستخدم بأن يتمكن من تزويد ميزات التطبيق بشكل يحسن الأداء.

نص الفقهاء والأصوليون على قاعدة مهمة وهي (الأصل في الأشياء الإباحة)، وبناء على ذلك فإن شراء وبيع تطبيقات المحمولات جائزة بلا حرج، لكن هذه الإباحة ليست مطلقة فهي مقيدة بقيد وهو ألا تكون مشتملة على محرم أو تفضي إلى محرم، فإذا كان التطبيق مبنيا على القمار والميسر أو كان برنامج محادثات مختلطة بحيث تظهر فيه العورات أو النساء العاريات أو نحو ذلك مما هو محرم في ذاته، أو يفضي إلى الفحشاء والمنكر أو كانت اللعبة مثلا فيها تقديس للأوثان وتعظيم لها، أو نحو ذلك ففي هذه الحالات يحرم بيع وشراء هذا التطبيق وإن تم البيع والشراء فهو عقد فاسد، وكسب البائع منه محرم غير جائز.

أما قضية اشتماله على الصور المجسمة فرغم أنه قد ثار خلاف كبير في الزمن الماضي، إلا أن ما استقر عليه الأمر هو جواز ظهور هذه الصور عبر شاشات المحمولات، لأمن الفتنة التي كانت متوخاة في تحريمها ولأن التجسيم ليس حقيقيا كما هو الواقع في التماثيل الظاهرة في الواقع.

ولا يؤثر على صحة البيع ما قد يطرأ على المشتري من حرمة بسبب الاستعمال، كأن يتسبب التطبيق في تفويت الصلوات وترك الواجبات وضياع الأوقات ونحو ذلك، فالحرمة هنا ناتجة عن سوء الاستعمال ليس من ذات التطبيق، ولهذا كان المخاطب بالحرمة والإثم هو المستخدم وليس بائع التطبيق.

المطلب الثالث:

البيع والشراء عبر تقنيات الهاتف المحمول.

الفرع الأول: خصائص عقد البيع عبر تقنيات المحمول ومخاطره:

يتعلق هذا الفرع بالمطلب السابق لكني آثرت إيراده هنا لكثرة عقود البيع المتنوعة التي تنعقد عبر المحمول.

يعد عقد البيع عبر تطبيقات الهاتف المحمول من جنس أو داخلا ضمن البيع الإلكتروني، ولهذا يأخذ هذا النوع من البيع خصائص البيع الإلكتروني والتي تتمثل فيما يلي:

أولا: فقدان الوجود المادي لأطراف العقد، حيث يتم إبرام العقد عبر تطبيقات المحمول دون وجود مادي لطرفي العقد، وهذا بخلاف العقد التقليدي الذي تجري فيه المساومات والمفاوضات ثم التعاقد بين طرفين موجودين، ولهذا آثار مهمة أهمها تحديد مجلس العقد، إذ يمكن في حال التعاقد التقليدي تحديد وضبط مجلس العقد بخلاف التعاقد عبر تطبيقات المحمول؛ لأن المجلس فيه افتراضي، وقد يكون بين المتعاقدين مسافات شاسعة جدا إضافة لما ينتج تبعا لذلك من اختلاف في التوقيت الزمني([10]).

ثانيا: التعاقد عبر تطبيقات المحمول غالبا ما يتصف بالطابع الدولي، تبعا لعالمية شبكة الإنترنت، حيث يشتمل العقد أشخاصا ينتمون إلى دول مختلفة، ويثير الطابع الدولي للتعاقد عبر تطبيقات المحمول العديد من المسائل منها مسألة بيان مدى أهلية المتعاقد للتعاقد([11]).

ثالثا: حلت –من حيث الوفاء- وسائل الدفع الإلكترونية في أكثر هذه المعاملات محل النقود العادية، ومنها على سبيل المثال البطاقة البنكية، وهي بطاقة بلاستيكية تصدرها المصارف أو شركات متخصصة لعملائها كوسيلة بديلة عن النقود كبطاقة فيزا كارد (Visa Card)، وبطاقة الائتمان كريدت كارد (Credit Card) ([12]) وبطاقة الصراف الآلي (ATM Card)، والبطاقة الذكية ومن أحدث صورها بطاقة الموندكس (Mondex Card) ([13]).

وكذلك الأوراق التجارية الإلكترونية، وهي على أنواع: الكمبيالة الإلكترونية، والسند الإذني الإلكتروني، والشيك الإلكتروني، والنقود الإلكترونية، وهي نقود افتراضية وتقوم فكرتها على فكرة النقود الورقية أو المعدنية ولا توجد أية علامات خاصة بها، ولكنها تتميز بأنها ذات طبيعة مستقلة ودولية([14])، إضافة إلى الذهب الإلكتروني، حيث يتم خزن الذهب الحقيقي وإيداعه لدى أحد المصارف، ويتم تحويله إلى أرقام تضاف من حساب عميل إلى عميل آخر، ويمكن اعتباره وحده نقدا ويجوز استعماله كنقود في البيع عبر تطبيقات المحمول، ويتم تسديد الثمن عن طريق التحويل الإلكتروني حيث تتولى عملية التحويل الجهة التي تقوم على إدارة عملية الدفع والتي تكون مصرفا أو جهة خاصة أنشئت لهذا الغرض([15]).

أما مخاطر إجراء عقد البيع عن طريق تقنيات الهاتف المحمول، فتتمثل فيما يلي:

  • ضعف المراقبة على المنتجات والتطبيقات.
  • صعوبة التوثيق و الإلزام في العقود المبرمة عبر تقنيات المحمول.
  • إلحاق الضرر بالمنتجات المحلية.
  • انتشار البطالة لقلة الحاجة للأيدي العاملة.
  • عرض سلع و خدمات محرمة شرعا كتجارة الخمور والجنس وغيرها([16]).

الفرع الثاني: حكم البيع والشراء عبر تقنيات الهاتف المحمول

قبل الولوج في بيان الأحكام المتعلقة بالبيع عبر تقنيات الهاتف المحمول، يحسن بي أن أذكر بما ذكرته سابقا في أن الأصل في الأشياء الإباحة، والبيع عبر تقنيات الهاتف المحمول الأصل فيه الجواز، ولكن يضبط هذا الجواز بتوفر الشروط الشرعية لصحة عقد البيع، وقد عرف بعض الفقهاء العقد بأنه: “ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أثره في محله”([17]).

أما عن البيع والشراء عبر تقنيات المحمول فيتم من خلال أربع طرق:

الطريقة الأولى: عبر تطبيق الشركة صاحبة السلعة:

ويتم هذا بعد معرفة وتعيين السلعة والاطلاع على سعرها ومواصفاتها وصور نموذجية منها، فإذا تمت الموافقة فينقر المشتري على أيقونة الموافقة، ويتم خصم قيمة السلعة من حسابه المصرفي، ويتم توصيل السلعة إلى المشتري، والأصل فيها أن تكون حسب المواصفات، ويتعلق بهذه الصورة مسألتان:

الأولى: الصيغة.

والثانية: البيع على الوصف.

المسألة الأولى: الصيغة:

اختلف أهل العلم في اشتراط الصيغة، وذهب بعضهم على عدم اشتراطها[18]، لكن هذه الصورة ليس فيها معاطاة فالدفع فوري، وتتم الموافقة عبر النقر على أيقونة خاصة، وبما أن هذه الصورة لم تكن موجودة قديما فمن الطبيعي أن الفقهاء لا ينصون عليها، والأقرب هو اعتبار هذا النقر بمثابة الصيغة تخريجا لها على الرسالة، إذ نص الفقهاء على أن الرسالة تقوم مقام النطق، وهذا القياس وإن كان فيه بعد فيما يبدو لي، لكن الذي يقربه كون البائع والمشتري في مكانين مختلفين، ويتم التعبير عن الإرادة بوسيلة وسيطة، وهي إذا كانت قديما حامل الرسالة فهي اليوم الآلة التي تقوم بهذا الدور، بل يمكن أن نقول هذه الصورة -محل البحث- تجوز من باب أولى، لأن المشتري يدفع الثمن مقدما مما يعني مصداقية شرائه، وهذا غير موجود في صورة الرسالة، ولهذا أقول إن البيع الذي يتم عبر التطبيق جائز إلا إذا اعتراه ما يلي:

  • بيع محرم، فبيع المحرمات وشراؤها لا يجوز بأي وسيلة كانت.
  • أن يتم البيع في مكان لا يجوز البيع فيه، وهو المسجد([19]).
  • الربويات، فبيع الذهب أو الفضة أو المتاجرة بالنقود عبر تطبيق معين يدخل هذه المعاملة في الحرمة، وأشهر معاملة تتم اليوم في هذا المجال هي البيع على الهامش([20]).

المسألة الثانية: البيع على الوصف:

يرد هنا سؤال وهو: هل مجرد رؤية المبيع عبر التطبيق الإلكتروني كاف في العلم بالمبيع؟ مع ملاحظة أن أوصاف السلعة يتم الاطلاع عليها، بل إنه يتمكن أن يطلع على أدق التفاصيل المتعلقة بالسلعة، ولا أبعد إذا قلت بأن الوصف قد يحقق المعرفة في كثير من التجارات التي من هذا النوع أفضل من الرؤية، فلا يقتصر الأمر على مجرد الصورة، فهنا أمران يتحقق بهما العلم بالسلعة وهما: صورة السلعة، ومواصفاتها.

والذي يترجح من أقوال أهل العلم أن البيع على الوصف جائز مع بقاء خيار الرؤية فكيف لو انضم إليه صورة السلعة، وهذا هو مذهب الجماهير من أهل العلم([21])، بل إن المالكية يجيزون البيع بلا علم إذا وقع بشرط خيار الرؤية([22])، وشرط بعض المالكية أن يكون مما يؤمن تغيره([23])، وهذا شرط سديد، علما أنهم جميعا يشترطون الخيار عند رؤيته، لكن الذي أميل إليه هو عدم الخيار إذا كانت السلعة بحسب المواصفات المذكورة في التطبيق.

الطريقة الثاني: وسائل التواصل الاجتماعي:

كثرت وتعددت وسائل التواصل الاجتماعي، وأخذت حيزا كبيرا من أوقات الناس وتعاملاتهم، كما أنتج هذا تطورا مستمرا لهذه الوسائل حتى غدت ذات خدمات متنوعة، وفيما يتعلق بهذا الموضوع وهو إجراء البيع عبر وسائل التواصل، والتي يمكن من خلالها التعبير عن الإرادة بصورتين: الأولى الصوتية، والثانية الكتابية، والحقيقة أن هذا الموضوع سواء ما يتعلق بهذه النقطة أو ما قبلها أو الطريقتين الآتيتين لها بعد قانوني مهم، لأن العقد هو عبارة عن اتفاق أو اجتماع إرادتين على شيء ماء، وهذا تترتب عليه أحكام قانونية.

هذا وقد ذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى أن إبرام العقد إن تم بين طرفين سواء كانا حاضرين أم غائبين عبر الوسائل اللفظية كالهاتف وبرامج المحادثة –وهي ما تهمنا هنا- فإن العقد نافذ إلا أن يجري العرف بخلافه، وخرجوه على قول النووي: “لو تناديا وهما متباعدان وتبايعا صح البيع بلا خلاف”([24])، وعلى هذا فإن عقود البيع التي تتم عبر تطبيقات المحادثة نافذة، لكن هذه البرامج يتوفر فيها عنصر المجلس الواحد وإن تباعدا، وهذا ما لا يتوفر في وسائل أخرى كالواتس أب ونحوها، كما أنه يتوفر في تلك التطبيقات التأكد من شخصية البائع والمشتري، وهذا يخف كثيرا في برامج التواصل الأخرى، إلا إذا فرقنا بين الصوت والكتابة، لكن يبقى الإشكال المتمثل في اتحاد المجلس والتأكد من شخصية العاقد، والذي يظهر لي هو ألا يكتفى بالبيع عن طريق هذه الوسائل فيما غلا ثمنه، دون ما رخص، فما رخص يكفي فيه الإيجاب والقبول عن طريق هذه الوسائل والمرجع في ضبط الغالي من الرخيص هو العرف.

أما عن تحديد المجلس والموالاة بين الإيجاب والقبول فيقول النووي: «شرطه أن يقبل المكتوب إليه بمجرد اطلاعه على الكتاب»([25])، فيكون مجلس التعاقد هو مجلس وصول الخطاب، وهذا يفتح المجال رحبا لإجراء عقود البيع عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي.

الطريقة الثالثة: عبر رسائل (MMS):

وهذه تأخذ حكم وسائل التواصل لأنه يمكن إرسال المواصفات ورؤية صور من المبيع، بل مقاطع فيديو منه.

الطريقة الرابعة: عبر الرسائل القصيرة:

البيع عن طريق الرسائل القصيرة (SMS) يأخذ نفس حكم البيع عن طريق وسائل التواصل إلا إذا توفر فيها العلم بالسلعة من حيث الوصف، وحينئذ فالبيع جائز، والخيار للمشتري كما سبق بيانه، أما الصيغة فتأخذ حكم الرسالة أو الكتابة، والكلام هنا وفيما تقدم من المواضع إنما هو من حيث انعقاد البيع أما الإثبات فله شأن آخر[26].

الخاتمة

أشتمل البحث على جملة من النتائج المهمة منها:

  1. البيع في اللغة مطلق المبادلة وفي الشرع: مبادلة مال بمال على وجه مخصوص.
  2. التعبير عن الإرادة هي الركن الأعظم في البيع.
  3. ينعقد البيع بكل ما يدل عليه من قول أو فعل، ولا تشرط الصيغة فضلا عن اشتراط ألفاظ معينة.
  4. تنقسم تطبيقات الهاتف المحمول على أقسام كثيرة ومتنوعة، وفي كل نوع تقذف الشركات العشرات بل المئات من هذه التطبيقات.
  5. تنقسم التطبيقات إلى مجانية وغير مجانية.
  6. يعد عقد البيع عبر تطبيقات الهاتف المحمول من جنس أو داخلا ضمن البيع الإلكتروني، ولهذا يأخذ هذا النوع من البيع خصائص البيع الإلكتروني.
  7. في إجراء عقد البيع عبر تقنيات المحمول جملة من المخاطر.
  8. صور البيع التي يذكرها الفقهاء والتي منها: البيع على الوصف تأتي في البيع عبر تقنيات الهاتف المحمول، وما يذكر في بعض هذه الصور من خلاف يرد أيضا في البيع عبر تقنيات الهاتف المحمول.
  9. تتعدد صور التعبير عن الإرادة عبر تقنيات الهاتف المحمول، وغالبا ما يمكن فيها الجمع بين الصوت والكتابة.
  10. كثير من الصور المتعلقة بالبيع عبر تقنيات الهاتف المحمول يمكن تخريجها على ما يذكره الفقهاء المتقدمون في كتب الفروع، ولكن يبقى السؤال: هل ما يمكن تخرجه يتوافق مع ما تقتضيه التجارة الإلكترونية المعاصرة أو لا؟

فهرس المصادر والمراجع

  1. إبرام العقد الإلكتروني. دار الفكر الجامعي. الإسكندرية.
  2. ابن تيمية. أحمد بن عبد الحليم. 1995م. مجموع الفتاوى. تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم.
  3. ابن عابدين. محمد أمين بن عمر. 1992م. رد المحتار على الدر المختار. دار الفكر: بيروت. الطبعة الثانية.
  4. ابن قدامة. عبد الله بن أحمد. 1968م. المغني. مكتبة القاهرة.
  5. أبو رحمة. إياد زكي محمد. 1430هـ. أساليب تنفيذ عمليات التجارة الالكترونية ونظم التسوية المحاسبية عنها. الجامعة الإسلامية. غزة. رسالة علمية غير منشورة
  6. أوتش. النشرة الشهرية حول الوعي الأمني لمستخدمي الحاسب الآلي. يناير، 2015م.
  7. البابرتي. محمد بن محمد. العناية شرح الهداية. دار الفكر.
  8. بكر. عصمت عبد المجيد. 2015م. دور التقنيات العلمية في تطور العقد. دار الكتب العلمية. لبنان.
  9. البورصة المصرية. 2016م. نبذة عن الشراء الهامشي
  10. الزرقا. مصطفى أحمد. 2012م. عقد البيع. دار القلم: دمشق. الطبعة الثانية. ص21.
  11. السرخسي. محمد بن أحمد. 1993م. المبسوط. دار المعرفة: بيروت.
  12. السيواسي. محمد بن عبد الواحد. شرح فتح القدير. دار الفكر. بيروت.
  13. شاشو. إبراهيم محمد. 2011م. بطاقة الائتمان حقيقتها وتكييفها الشرعي. مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية.
  14. الشربيني. محمد بن أحمد. 1994م. مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج. دار الكتب العلمية.
  15. العبدري. محمد بن يوسف. 1398هـ. التاج والإكليل. دار الفكر. بيروت
  16. الفيومي. أحمد بن محمد بن علي. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير. المكتبة العلمية: بيروت
  17. لجنة مكونة من عدة علماء وفقهاء في الخلافة العثمانية. 1392هـ. مجلة الأحكام العدلية. المطبعة الأدبية. بيروت.
  18. النفراوي. أحمد بن غنيم بن سالم. 1415هـ. الفواكه الدواني. دار الفكر. بيروت.
  19. النووي. يحيى بن شرف. المجموع شرح المهذب. دار الفكر.
  20. هيئة سوق رأس المال الفلسطينية. 2010م. التمويل بالهامش.

 

([1])الفيومي. أحمد بن محمد بن علي. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير. المكتبة العلمية: بيروت، ج1. ص69.

([2]) السرخسي. محمد بن أحمد. 1993م. المبسوط. دار المعرفة: بيروت. ج12. ص188،

([3]) البابرتي. محمد بن محمد. العناية شرح الهداية. دار الفكر. ج6. ص246.

([4]) الشربيني. محمد بن أحمد. 1994م. مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج. دار الكتب العلمية. ج2. ص322.

([5]) الزرقا. مصطفى أحمد. 2012م. عقد البيع. دار القلم: دمشق. الطبعة الثانية. ص21.

([6]) ينظر: ابن عابدين. محمد أمين بن عمر. 1992م. رد المحتار على الدر المختار. دار الفكر: بيروت. الطبعة الثانية. ج4. ص504.

([7])النووي. يحيى بن شرف. المجموع شرح المهذب. دار الفكر. ج9. ص162.

([8]) ابن تيمية. أحمد بن عبد الحليم. 1995م. مجموع الفتاوى. تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم. ج29. ص7.

([9])أوتش. النشرة الشهرية حول الوعي الأمني لمستخدمي الحاسب الآلي. يناير، 2015م. ص1.

([10])بكر. عصمت عبد المجيد. 2015م. دور التقنيات العلمية في تطور العقد.  دار الكتب العلمية. لبنان. ص72.

([11])منصور. محمد حسين منصور. 2003م. المسؤولية الإلكترونية. دار الجامعة الجديدة للنشر. ص19. نقلا عن: بكر. عصمت عبد المجيد. 2015مدور التقنيات العلمية في تطور العقد. ص78.

([12]) وقد عرفها أحد الباحثين بأنها: “بطاقة خاصة تصدرها مؤسسة مالية تخول حاملها الحصول على السلع والخدمات والسحب النقدي دون أن يدفع المقابل حالا، ويلتزم المصدر للبطاقة بالدفع عن حاملها، والتحصيل منه فوريا بالخصم من حسابه أو آجلا خلال مدة معينة”. شاشو. إبراهيم محمد. 2011م. بطاقة الائتمان حقيقتها وتكييفها الشرعي. مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية. المجلد 27. العدد الثالث. ص655.

([13])إبراهيم. خالد ممدوح. 2011م. إبرام العقد الإلكتروني. دار الفكر الجامعي. الإسكندرية. ص77_ 78.

([14])إبراهيم. خالد ممدوح. 2011م. إبرام العقد الإلكتروني. ص77: 78.

([15])المرجع نفسه.

([16])أبو رحمة. إياد زكي محمد. 1430هـ. أساليب تنفيذ عمليات التجارة الإلكترونية ونظم التسوية المحاسبية عنها. الجامعة الإسلامية. غزة. رسالة علمية غير منشورة. ص26.

([17]) لجنة مكونة من عدة علماء وفقهاء في الخلافة العثمانية. 1392هـ. مجلة الأحكام العدلية. المطبعة الأدبية. بيروت. ص137.

[18] ابن عابدين، محمد أمين بن عمر 1992م، رد المحتار على الدر المختار، دار الفكر، بيروت، ط2، ج4. ص513، البغدادي، عبد الرحمن بن محمد بن عسكر، إرشاد السالك إلى أقرب المسالك، مطبعة مصطفى البابي الحلبي: مصر، ط3، ص75، الشربيني، محمد بن أحمد الخطيب 1415هـ، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، دار الكتب العلمية، ط1، ج2. ص325، الرحيباني، مصطفى بن سعد بن عبده، 1415هـ، مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى، المكتب الإسلامي، ط2، ج3. ص4.

([19]) هذا المنع للكراهة مع صحة البيع. ينظر: ابن قدامة. عبد الله بن أحمد. 1968م. المغني. مكتبة القاهرة. ج4.ص206.

([20]) هناك أكثر من تعريف متداول للتمويل بالهامش، إلا أنه يمكن تعريفه من خلال ما يسمى بحساب التمويل بالهامش Margin Account ، والذي هو عبارة عن حساب لدى شركة الوساطة يقوم من خلاله الوسيط بإقراض المستثمر المال اللازم لتمويل جزء من الأوراق المالية المنوي شراؤها، وتعتبر الأوراق المالية التي يشتريها المستثمر بالإضافة إلى الأموال المدفوعة من قبله ضمانا لهذا القرض الممنوح له من قبل الوسيط، وذلك وفقا لشروط محددة تكون مذكورة ومنصوصا عليها في اتفاقية فتح الحساب (عقد التمويل على الهامش) الذي يتم إبرامه بين شركة الأوراق المالية والمستثمر الذي يرغب الحصول على هذه الخدمة، وبالتالي في حساب التمويل بالهامش فإنك تستثمر بأموال الوسيط، وذلك من خلال استخدام الرفع المالي، ومن المعروف أن المستثمر قد يواجه الربح أو الخسارة نتيجة استخدامه هذه الأداة من أدوات الهندسة المالية. ينظر: البورصة المصرية. 2016م. نبذة عن الشراء الهامشي. ص1. هيئة سوق رأس المال الفلسطينية. 2010م. التمويل بالهامش. ص8.

([21]) وقد ذهب إلى هذا الحنفية والمالكية والحنابلة. ينظر: السيواسي. محمد بن عبد الواحد. شرح فتح القدير. دار الفكر. بيروت. ج6ص337. العبدري. محمد بن يوسف. 1398هـ.التاج والإكليل. دار الفكر. بيروت. ج4.ص296. ابن قدامة. عبد الله بن أحمد. 1968م. المغني. ج3.ص496.

([22])النفراوي. أحمد بن غنيم بن سالم. 1415هـ. الفواكه الدواني. دار الفكر. بيروت. ج2.ص80.

([23])العبدري. محمد بن يوسف. 1398هـ. التاج والإكليل. ج4.ص296

([24]) النووي. يحيى بن شرف. المجموع شرح المهذب. دار الفكر. ج9.ص181.

([25]) المرجع نفسه. ج9.ص167.

[26] قضايا الإثبات وما يتعلق بها تخضع للنظم القانونية السارية في البلاد مكان العقد .


Updated: 2018-10-20 — 09:26

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme