أنواع الأماكن ودلالاتها في “رواية ذاكرة الجسد” لأحلام مستغانمي / سعدلي سليم


 

أنواع الأماكن ودلالاتها في “رواية ذاكرة الجسد” لأحلام مستغانمي

د/ سعدلي سليم، جامعة برج بوعريريج،

 مقال نشر في  مجلة جيل الدراسات الأدبية والفكرية العدد 39 الصفحة 97.

   

Abstract:

     No one doubts that the Algerian literature which is available in abundance and diversity and that the Narrator is parallel to the hair in its importance and its spread, and he left us with Algerian Arabic literary heritage Commissioners task value enriched cultural narrative Arabic, distributed in various fields include stories and parables and poems and popular biographies Historical novel, I care about the critics address them lesson and analysis along with the poetic material, monetary studies appeared on aesthetics where novelist likes Gaston Bachelard, Hassan did, and others contributed to the definition of the space on the one  hand and establishing critical science fiction depends on Literary studies list at that time.

     But those studies have stopped developing herself and she took frequent its assertions that turned into a strict school rules no one exceeded due to non-renewal also known monetary mechanisms sunk in repetition and instant recovery, and with the advent of modern Arab literature renewal attempts affected by renewal. His immense literary production was accompanied by modern European Renaissance emerged in the need to use new monetary theories-that of other humanitarian Sciences-to read the modern novel, and in the same direction helped these theories also in the study of literature and reading mechanisms revealed by new eye Penetrating deeper into trying to detect all axes that helped produce it within cultural contexts that existed during a specific time era, which they are no longer merely examining the place of pure textual terms stemmed to study human and diverse relations with the cultural contexts in which the prevailing awareness mantle. ” That in turn affect literary production.

     It was the burning question is how novelist writing in her Witch herself capable of exercising wander narrative spaces of various kinds? Was there an effect of cognitive context in turbulent places forms found in this context is the tendency of the narration to this pattern of spaces who on different bilateral control the establishment of open and closed spaces, the granting of which the discourses tinge of novel branded alhegnh Geographically, the extent to which this image control in the process of receiving a letter man, how was this breed malate places and is there a possibility to offer its characterization?

  الملخص:

لا أحد يشك أن الأدب الجزائري تتوفر فيه صفة التنوع والكثرة وأن الراوية توازي الشعر في أهميته وانتشاره، ولقد خلف لنا التراث الأدبي العربي الجزائري مندوبات سردية ذات قيمة مهمة أغنت الثقافية العربية، تتوزع في حقول متنوعة تشمل القصص والأمثال والمقامات والسير الشعبية والتاريخية والرواية، ولقد اهتم النقاد بتناول تلك المواد بالدرس والتحليل جنبا إلى جنب مع المادة الشعرية، فظهرت دراسات نقدية تعني بجماليات المكان الروائي أمثال غاستون باشلار، حسن بحراوي، وغيرهم ساهمت في التعريف بذلك الفضاء من جهة وتأسيس علم نقدي روائي يعتمد على الدراسات الأدبية القائمة في ذلك الوقت من جهة أخرى.

إلا أن تلك الدراسات قد توقفت عن تطوير نفسها وأخذت تكرر مقولاتها التي تحولت إلى قواعد مدرسية صارمة لا يمكن لأحد تجاوزها بسبب عدم التجديد أيضا في الآليات النقدية  المعروفة التي غرقت في التكرار واستعادة الجاهز، ومع ظهور محاولات التجديد في الأدب العربي الحديث تأثراً بالتجديد الهائل الذي رافق الإنتاج الأدبي الغربي في النهضة الأوروبية الحديثة ظهرت الحاجة إلى الاستعانة بالنظريات النقدية الجديدة – التي أفادت من علوم إنسانية أخرى – لقراءة الرواية الحديثة، وفي الاتجاه نفسه ساعدت هذه النظريات أيضا في دراسة الأدب وكشف آلياته وقراءته بعين جديدة تتوغل عمقاً في محاولة الكشف عن كل المحاور التي ساهمت في إنتاجه ضمن السياقات الثقافية التي توافرت خلال حقبة زمنية محددة، أي أنها لم تعد تكتفي بدراسة المكان من الناحية النصية الصرفة بل تعدت إلى دراسة الإنسان وعلاقاته المتنوعة مع السياقات الثقافية التي عاصرها والوعي السائد فيها والتي بدورها تؤثر على النتاج الأدبي.

وكان السؤال الملح هو كيف كانت الروائية تكتب في ظل افتنانها بنفسها القادرة على ممارسة التجوال السّردي عبر فضاءات بشتى أشكالها؟ هل كان هناك تأثير للسياق المعرفي المضطرب على أشكال الأمكنة التي وجدت خلال هذا السياق أم هو نزوع ذاتي من الساردة دفعها إلى هذا النمط من الفضاءات الذي قام على ثنائية متباينة تحكمت في نشأة الأماكن المفتوحة والمغلقة، ومنح من خلالها للخطابات السردية مسحة من الهجنة وسمت الرواية بصورة جغرافية متعددة، فإلى أيّ مدى تحكمت هذه الصورة في عملية تلقي خطاب مستغانمي  وكيف كانت مآلات هذا الصنف من الأماكن وهل هناك إمكانية لتقديم توصيف لها؟.

يعايش المكان* ويلتحم إلى أبعد الحدود مع الآلام والاضطهاد والواقع الذي يعيشه الجزائري الواعي بحقيقة أمره المقتلع الجذور والمشتت الأطراف في بيئة ظل يحكمها قانون الغاب المرتكز على البؤس والحرمان الملتف في عباءة الاغتراب الذاتي والاجتماعي الحامل لدلالات  ترتبط مع وعي الشخصية وما يحيط بها، إذ لا يكاد يخلوا أي مكان من رمز يوحي بدوره إلى دلالات شتى تعبر عن ما في نفس الشخصية ليعود المكان على الرواية بجماليات تزيد في عنفوانها وقوتها مما يتركها تتناسل تناسلا طبيعيا، وبهذه الوقفة نقف على أعتاب المكان المحجوز داخل الرواية كي نزيل الغموض واللبس المطروح حوله متنقلين بين الأمكنة المفتوحة الممثلة للحيز الابداعي المعرفي، والأمكنة المغلقة الممثلة كصورة تعكس صفة التقديس والتدنيس والأمكنة المتموقعة  في قالب اللغة الشعرية، وعليه فالمكان في الرواية يلعب دورا كبيرا لماله من أهمية في إنجاح العمل الأدبي، ذلك أنه يشكل لولبية العلاقات ووجهات النظر بين الشخصيات[1] على خلاف هذا نجد أن هدف المكان في رواية” ذاكرة الجسد” قد اتجه في طريقان، طريق يدعو إلى الابتعاد عن الوطن أو اللجوء إلى الأماكن المفتوحة مقابل ذوبان الشخصية وفقدان الهوية بالانحلال في ملذات العالم الغربي، وطريق يدعو إلى الاقتراب والتمسك بالفضاء المغلق في نظر الراوي المفتوح بالنسبة للقالب العام الذي يحكم الرواية والذي بدوره يؤدي إلى التخوف من الواقع المشير إلى الموت البطيء، ولكن رغم كل هذا يبقى المكان سيد القرار في تحريك الأحداث وتجسيد وعي الذات المبدعة وحتى القارئة للعمل الابداعي، وتفسير هذه الظاهرة يؤدي بنا حتما إلى تفسير التغيرات التي تطرأ على الأحداث، كما تساهم في تفسير علاقة وعي الروائية بالأماكن المفتوحة* المفقدة للهوية والأماكن المغلقة** الحاملة لصفة التقديس والتدنيس التي تجمع شمل ثالث نوع للأماكن المتعلقة باللغة الشعرية، وللتوضيح أكثر  نورد هذا التحليل:

أولا: نوع الأماكن ودلالاتها في “ذاكرة الجسد”:

  • الأماكن المفتوحة كحيز للإبداع والمعرفة المؤدية إلى فقدان الهوية:

1- باريس:

      عادة ما يلجأ الإنسان عندما ينحصر موقفه بين خيارين إلى ذلك العالم المضيء الذي ينتج له قدرا هائلا من الصلاحيات، هذا كي يبتعد عن محيط يكبل قدراته ويذكره بين الفينة والاخرى بمآسي وآلام رُسِخت في ذهنه وتعلقت بمكانه، لهذا  نجد الراوي” خالد” قد اختار مدينة النور كمكان لتفجر قريحته الابداعية وأولى محطات أمكنته المفتوحة باعتبارها واسعة المجال ماحية الآلام، بعيدا عن مكان مدينة “قسنطينة” التي تعلقت بها مآسي البطل فأضحت تمثل له عالما يخيف بصيرته جَرّاء مخلفات الاستعمار لِيَنْتُجَ عن وقع ذلك علاقة جدلية ما بين نفسية الراوي “خالد” و”قسنطينة” باعتبارها المكان المخيف في نظره سواءً كان تذكاريا، سياسيا أو دينيا أو جنسيا الممثل لمثلث “برمودا” المخيف، كما يحيل استعمال الروائية لمدينة “باريس” إلى ذلك التقابل المعنوي المتجسد في تمسك الغربيين بعاداتهم وتقاليدهم ووطنهم بالرغم من التحول الذي يمس ثقافتهم كل يوم، على عكس الجزائريين الذين يميلون حيث ما تميل ثقافتهم ليبقى هذا الاستخدام لأجل عقد مقارنة ما بين العالم الغربي والعالم العربي يقول في احدى المقاطع ممثلا نزوحه من المكان المغلق إلى المكان المفتوح الذي كان همّ الروائية منذ البداية ألا وهو عقد مقارنة « لم يكن القدر فيه هو الطرف الثاني، كان منذ البدء الطرف الأول أليس هو الذي أتى بنا من مدن أخرى من زمن آخر وذاكرة أخرى، ليجمعنا في قاعة باريس »[2].

    واستنادا إلى هذا نجد أن الراوي قد قارن ما بين عالم مفتوح وعالم مغلق في نفس الوقت ” أتت بنا من مدن أخرى” التي تحيل بدورها إلى الخروج من مكان مُغلق المختفية وراءه مدينة ” قسنطينة” ومكان مفتوح الحامل “لباريس”، هذا ما أدّى به إلى ظهور إبداعاته الفنية على لوحات حملت عدة دلالات تُشفِي وتصالح ” خالد” مع واقعه الماضي ووطنه« الرسم أيضا قادر على أن يصالحك مع الأشياء ومع العالم الذي تغير في نظرك»[3].

    يتمخض عن وقع هذا المثال أن المكان بإمكانه تغيير نظرة الانسان إلى واقعه باعتباره أساسا فعّالا في تسجيل ذكريات وتغيير سيكولوجية التفكير لدى الفرد الواحد، غير أن انفصال الإنسان عن مكانه الأول يؤدي حتما إلى انسلاخه من ثقافته وتغير طبائعه بفعل ما يحيط به، وهو على وعي بالخراب الذي اِستولى على نفسيته جرَّاء رحيله عن مكانه الذي يصرخ  تمسكه  داخليا بالوطن وخارجيا اِنصهاره في قلب المجتمع العربي، وهذا ما نجد كامنا في مقدمة معلقة اِمرؤ القيس يقول:

قِفَا نبك من ذكرى حبيب  ومنزل  يسقط اللّوى بين الدخول فحومل[4]

فلولا وعي الكاتب بواقعه لما بكى واستبكى ووقف على بقايا آثار دياره تقول ” غادة السمان”: «أنا لست ضائعة عن عالمي بقدر ما ألاحق عالما ضاع

عن نفسه…” لا استقراري” الذي يفسر على أنه ضياع ما هو إلاّ رفض للضياع في أشكال وصور كثيرة أراها في هذا العالم حولي»[5] مما يؤدي بنا حتمًا إلى القول بأن “باريس” هي تمثيل للضجيج والفوضى التي لا تخمد  نارها بحيث لا تعرف السكون وهو دليل قاطع على عدم سكون الشخصية المتكلمة واضطراب أفعالها، كما تمثل ذلك الوطن المُجْبِرْ على سكانه البقاء الذي يؤدي إلى زيادة التعلق بالوطن الأم، فلا يجد حلًا إلا من خلال دمج ألم المكان في  صيغ جمالية فنية كالآداب والرسم والموسيقى والمسرح.

فالمكان المفتوح +إبداع=فقدان الهوية، لهذا نجد “خالد” في كل مرَّة يستنجد بوعيه كي يصل إلى أمكنته الماضية بالرغم من الترف والبذخ والتقدم الذي يحيط به، وهذه هي سمات “روايات تيار الوعي” الذي يركض بحوافره كي يسلط على وعي المرسل الذي يكون على شكل ذبذبات تزيد من وعيه الذي يرسله بدوره وعيًا إلى ذات المتلقي.

2- قسنطينة:

    إن الشيء الثابت الذي يقف حائلا بين الملقي و المتلقي هي تلك الدلالات التي انبنت عليها مدينة قسنطينة كبؤرة لانطلاق وتشكل الأحداث، فاخترقت ذات المتكلم حاملة للعديد من الفضائل والرذائل مما جعلها تعاني من عدم الاستقرار ممتصة من الألوان السوداوية ما يكفي، في أغلب الحالات تقدم لنا صورة تفكيكية لما يجول في خاطر الشخصية ” خالد بن طوبال” فأضحت علاقته بالمكان القسنطيني متوترة عادة ما يحن لها وينظر إليها من باب التقديس وفي مرات أخرى ينظر إليها من باب التدنيس مزيلا الستار عن شهواتها ونزواتها. وبالرغم من أن قسنطينة تمثل الفضاء المفتوح إلاّ أنها في نفسية المتكلم تمثل ذلك الفضاء المغلق. فَوُلِدَتْ إرادة الوعي المكاني بالذات الساردة لأنه وطبيعة الحال لا يكتسب دلالة إلاّ من خلال ربطه بالشخصية وهذا ما نجده يهيمن بكثرة على الرواية يقول “خالد”:« ها هي قسنطينة مرة أخرى تلك الأم الطاغية التي تتربص بأولادها، والتي أقسمت أن تعيدنا إليها ولو جثة…هانحن نعود إليها معًا أحدنا في التابوت …والآخر أشلاء رجل»[6].

     ويقول في مقطع آخر: « الوطن الذي أصبح سجنًا لا عنوان معروفًا لزنزانته»[7] عادة ما يلجأ الراوي في كل مرة إلى البحث عن جمالية  المكان محاولا أن لا يخرج عن نفسيته الفوتوغرافية التي تصور ما بداخله مبررا إياه بذلك الغضب من الوضع الذي آلت إليه مدينة “قسنطينة”، إذ احتضنت أبطالها وأرجعتهم مرغمين إلى أراضيهم سواءً أكانوا أحياءً أو شبه ذلك، لأن قوة الوعي تبرر الوسيلة، التي تعبر بدورها عن حالة اللاستقرار ذلك أنَّ المكان بالنسبة للراوي يمثل الملجأ الأخير الذي يُفْرِغُ فيه خيباته، مما يجعلنا نألف نوعية الأمكنة المحاطة حول ذاكرة الروائية “أحلام مستغانمي”  ألا وهي الأمكنة المؤلمة يقول ” غاستون باشلار”:« الذكريات ساكنة وكلما كان ارتباطها بالمكان أكثر تأكيدا أصبحت أوضح»[8].

     وإذا لجأنا إلى موقف آخر ينزاح إلى خلقٍ آلية للتضاد نجد أن الراوي قد نظر إلى مدينة ” قسنطينة” بعين التبجيل يقول في هذا المقطع:« سلاما يامن تحكمون شوارع هذه المدينة …أزقتها وذاكرتها قِفوا معي يا أولياء الله…متعب أنا الليلة…فلا تتخلوا عني…أما كان أبي منكم ؟»[9] ينقلب الأمر ها هنا لتتغلغل الشخصية مع المكان اِنتاجا للعلاقة الحميمية الأولى التي كانت قائمة ما بين  البطل “خالد” وفضائه المغلق نفسيا والمفتوح روائيا “قسنطينة”، مما يخلق وعيًا باطنيًا  بمكانه الذي ذاب كل منهما في أفق الآخر، فتارة يعيش في الوطن وتارة الوطن هو من يعيش فيه، وبقدر ما يضمر “خالد” تكشف عنه الروائية ذلك فيكون بمثابة “مونولوج داخلي” في صفته الثانية والتي يأبى الراوي أن يفصح عنه؟ فتتسلل “أحلام مستغانمي” لذلك لأنها على دراية بالأحداث لِتُلْبِسَ  السارد ثوب الشعور المباشر أو الغير المباشر بمسؤوليته اِتجاه مكانه الأول والثابت في الذاكرة الذي لا يزول يقول “ابن الرومي” وهو يذكر بغداد بعيدا منها:

بلدٌ صحبت به الشبيبة والصبا          ولبست فيه العيش وهو جديد

فإذا ما تمثل في الضمير رأيته             وعليه أفنان الشباب تميد[10]

تتماشى هذه الأبيات تماشيا أفقيا مع نفسية ” خالد” الذي يستنزف طاقة الأوائل من الشعراء كي يبكي دياره ولكن في قالب سردي يطغى عليه الاستنجاد بالأولياء الصالحين. فسبق زمن الاغتراب زمن العودة إلى الديار إذا جاء الحنين متأخرا عن المتلقي مستبقا للملقي. ذلك أن الراوي قد حنَّ إلى ماضيه المكاني دون أن يدري المرسل إليه بهذا الحنين. فنتجت لنا هذه المعادلة المفارقة مرَّة والموازية مرَّة أخرى:

زمن حنين الملقي للمكان الأول  ≠    زمن علم المتلقي
 
زمن حنين الملقي للمكان الأول  =    زمن وعي الراوي بالمكان
 

وهذا الفرق هو ما زاد جمالية المكان لدى الراوي المتعصب اتجاه مواقفه للمكان فتارة يمثل الرجل المحب وتارة يقف ضده ذلك أنه على وعي بما سينتجه يقول “فرويد” في هذا الصدد:« الفنان ليس كالعصبي من حيث إنه يعرف كيف يجد مخرجا من عالم الخيال وأن يعود ليضرب في الواقع بقدم ثابتة»[11] وهذا ما ينطبق على تصرفات الراوي اتجاه المكان القسنطيني الذي عاد يضرب في جذوره بعد غياب طويل.

    ذلك أنه يمثل فضاءً للتاريخ الجزائري، كما يُعَدُ هذا الاضطراب من أساسيات تدفق الوعي وانسيابه داخل نفسية الراوي الذي يقف  مضطربا في خياراته فيترك العنان لذاكرته كي تقوم بعملية الفصل في هذا الموقف فاتحا أشرعته لرياح روايات تيار الوعي المنحصرة بين المد والجزر. ناهيك عن القيمة المحتضنة لمدينة قسنطينة التي رُسِخَتْ معالمها في منطقة “الهو” ذلك أنه أصبح ينظر إليها كحبيبة تثير فيه الشهوات وتحركها، كأنها  أنثى في معالم وطن.

تونس: تتردد الذات الساردة في الرواية كثيرا على تونس مما يحيل إلى ترسيخ المكان في ذاكرة ” خالد بن طوبال” الذي يلعب على أوتار الوعي المكاني، إذ يمثل له ذلك الحيز الذي حاول أن يُرمم جراحه وينسيه همومه بعيدا عن الجزائر التي أفقدته ذراعه اليسرى. ولكن متابعة القيمة لأجل القيمة جعلتنا نبحث عن دلالة مكان تونس كفضاء مفتوح وعقده بوعي الراوي.

    وعليه فالكاتبة استخدمت في روايتها هذا المكان للدلالة على التقابل الموجود بينها وبين الجزائر، فالأولى رممت والثانية أفسدت، ناهيك عن الاسم الذي تلقب به ” تونس الخضراء” مما يجعل القارئ يضع أفكاره بين السلب والايجاب في مقابلة تفصل بين الجزائر التي مثلت الظلام في صورة القهر والنفاق، وفي زاوية أخرى نجد تونس تمثل ذلك القطب الحضاري الذي تناوب عليه الجزائريين إبَّان الثورة مما ساعد في تمتين العلاقات بين البلدين « إن بايلك قسنطينة الذي كان جزءً تابعا للحفصيين لم يفتأ خاضعا للتأثيرات الثقافية الواردة عليه من ولاية تونس، فزيارات القسنطنين إلى مدينة تونس كانت أكثر ترددا منها على مدينة الجزائر…»[12] وللتدليل أكثر نورد هذا المقطع الذي جاء في الرواية يصرح “خالد”« وها هي حنين، لوحتي الأولى، وجوار تاريخ رسمها( تونس 57) »[13]

وهذا ما يؤكد أن السارد لم يفارق بذاكرته الواعية قط أي مكان زاره سواءً مثل له الأفراح أو الأحزان الجامعان في طياتهما تونس التي مثلت له الأم الثانية بعد الجزائر والتي تقترب في تصنيفها ضمن منطقة “الهو” التي صنف فيها الراوي مدينته الفاضلة “قسنطينة ” وما كانت تحمله من صفات مقدسة عند السارد.

  • المقهى:

    بعد هذا التعريج الذي يحمل في ثناياه سطورا حول دلالة المكان في باريس وقسنطينة، نلجأ إلى جسِّ النبض من أجل الكشف عن القيم المكانية التي يحملها ” المقهى” إذ يمثل حيزا مكانيا مفتوحا يلم شمل ثقافة النازحين عن عالم وقف متصديا في وجوههم ، فأرغمتهم الحاجة على الوقوف أمام باب ” المقهى” الذي يفرز تنافرا ما بين ثقافات عدَّة تلعب على أوتارها شخصيات تمثل دور لاعبي المسرح، مما دفع ” بخالد بن طوبال” إلى البحث عن أمكنة تلائم ذاكرته التي يطمح في كل مرَّة إلى السعي في إرضائها بالرغم من التنافر الحاصل بين الذات والواقع المادي للشخصية البطل الذي يقول في احدى المقاطع« فأمشي نحو الماضي مغمض العينين…أبحث عن المقاهي القديمة تلك التي كان لكل عالم أو وجيه مجلسه الخاص فيها، حيث كانت تعد القهوة على الوجاف الحجري وتقدم بالجزوة…ويخجل النادل أن يلاحقك بطلباته كان يكفيه شرف وجودك عنده»[14] علاقة الغريب عن الوطن جل ما يكتنز هذا القول ذلك بهروب “خالد” عن فضاء هش طمعا في البحث عن فضاء ممتلئ الثقافات بالرغم من النتيجة المرجوة التي تفقد هوية البطل الناظر في كل مرَّة إلى المكان الماضي الذي يملأ فجواته  الجود والكرم عكس ما شاع اليوم العمل بحسب مصالح شخصية اصطدامًا ما بين الأسس التي كانت تحكم المجتمع والمبادئ التي أضحت عليها اليوم الملغية لصورة المقاهي القديمة مزيلة الستار عن وعي الروائية وكأنها عايشت التجربة عن أصولها لأن « المقهى القديم صفة الإجلال واللياقة»[15] هذا ما جعلنا ننظر إليه كفضاء مفتوح واسع مثقل بالذكريات التي ترصد ما آلت إليه مقاعد تملأها جثث أناس تداعب لعبة ورقية والشطرنج وغيرها من اللعب التي تحيل إلى الألعاب التي يمارسها الشعب على أرض الواقع. فأصبح المقهى مصدرا للفراغ تحكمه دخاخين السجائر وتميزه صور الاكتظاظ فجاء وعي الراوي مناقض لما في المقاهي. وهو ما ينشد وعي الروائية بحقيقة المكان الثقافي بعيدا عن النظر إلى ما يحيط به ذلك أن الوعي «بالتاريخ الفكري والثقافي لأية أمة من الأمم هو المقياس الأساسي، والأداة الفعَّالة لوزن وقياس مدى نهضتها ورقيها وتقدمها»[16] فإذا كانت الثقافة في هذا المثال تركز على ارتقاء الأمم، فإن الثقافة المكانية داخل الرواية تركز على رقي وعي الكاتبة وبلوغه المرحلة الأسمى من النضج.

لنصل في آخر تصوراتنا على الوعي الزمني للأماكن المفتوحة إلى نقاط نجمل أهمها فيما يلي:

  • بروز تناقض واضح معتمد من طرف الروائية لإبراز الفروقات ما بين الأماكن الحيَوية والأماكن الساكنة.
  • إعلان الروائية وكسرها للمألوف من الأمكنة التي عبَّرت طويلاً عن جانب واحد، ذلك من خلال إيرادها لأماكن مفتوحة من خلال رؤية الروائية ومغلقة نفسيا.
  • ضرورة الوعي بالأمكنة يؤدي إلى ضرورة غربلة التثاقف فيما بين الأمم.

ثانيا: الأماكن المغلقة كصورة محصورة بين التقديس والتدنيس المؤدية إلى الخوف من الواقع:

1-السجن:

    وهو من بين الأمكنة التي  حلَّ بها سارد الرواية مرغمًا لا مخيرًا في أمره أين كُبِّلت حريته وأَطْمِسَت شخصيته الخارجية لا الداخلية ذلك أنه واعيا بحقيقة السجن كمكان محدود الحدود، بيد أنه يمثل الجانب المظلم من الحياة التي عاشها فلا يعطي حرية الانتقال سواءً بفكره أو بجسده «فإذا كان الانسان يقيم في البيت بمحض ارادته فهناك مكان آخر مغلق يقيم فيه مجبرا وهو السجن الذي يشكل عالمًا مناقضًا لعالم الحرية تُنقل إليه الشخصية مكهربة، تاركة وراءها فضاء الخارج إلى عالم مغلق هو الداخل المحدود فتنطوي على نفسها بعد ما كانت منفتحة على المجتمع  »[17] سيرا على تلك المخالفات التي اعتدناها من قبل الروائية نجدها هنا تلجأ إلى ذكر السجن لتخلق فضاءً خارجيًا منافضًا لشخصية الراوي الداخلية، فبالرغم من تكبيل الحريات إلاّ أنها تفجرت فيه حرِّياتٌ خفية جعلت منه رجل الثورة، ذلك بإيقاظ الوعي الداخلي المتمسك بالمكان المغلق بالنسبة للمتلقي والمفتوح بالنسبة للملقي الذي رجع إلى ذاته كي يجول فيها كما يريد، مما يحيل إلى خروج الروائية عن المألوف في ترتيبها للاماكن المفتوحة والمغلقة اللذان تبادلا الأدوار كله في رموز ضمنية غير مرئية للقارئ، ويكفي في هذا الاطار الاشارة إلى ما قاله السارد: «…بينما وجد بعض السياسيين، في تلك الحماقة الاستعمارية، فرصة للتعارف، ووقتا  كافيا للتشاور والتفكير في أمور الوطن…والتخطيط للمرحلة المقبلة»[18].

 استنادا إلى هذا المثال يتحلى لنا عن وضوح تلك القيمة التي تسعى الكاتبة إلى تأكيدها وهي فكرة تنادي بأن الأماكن المغلقة في الرواية ما هي إلاّ أماكن الفضائل والرذائل المؤدية إلى الخوف من الواقع تارة ونجاة من الاستبداد تارة أخرى مما يلزم مصاحبة المكان للراوي الذي يمثل قلب الحدث لا حيزًا هامشيًا فتتوزع مشاعر الاقتراب من الخوف مقابل العيش من جديد، وهو تأكيد واضح يترجم تقنيات ” تيار الوعي” الخاضع لترجمة الأفكار في قالب لغوي يعكس تفكير المتكلم تقول ” فرجينيا وولف”: « إنه أسلوب التسلسل العفوي»[19]، فهو المصاحب للراوي في كل الأمكنة خاصة عندما تقترن بتقنية الاسترجاع محتضنا للآلام  المصاحبة لذات الراوي المتخذة في ذلك أطر جعلته في كل مرة تلزم ذاكرته من بينها: التذكر المكاني المصاحب للألم والتذكر المكاني المقترن بالإبداع وكذا المُلْزَمْ بالتوتر والقلق لتتأرجح الذات بين عوالم مختلفة دالة على التنقل الذهني بين مستويات وعي النفس فتارة يضع المرسل مكانهُ في مستويات راقية وتارة يضعها في مستويات منحطة معبرًا عنها بنفسه  مستخدما في ذلك ضمير “الأنا” ذلك أنه في حالة سرد الوعي الذي ينقل التجربة عن مُعَايِشِهَا دون وساطة يقول ” صلاح فضل”: «بأن تيار الوعي  يجنح إلى إلغاء صورة الراوي في القصة واسناده بأكمله إلى احدى الشخصيات ليقدمها في أعمق مستوياتها الباطنية»[20] وهذا ما سعت ” أحلام مستغانمي” إلى تحقيقه ذلك بربط المكان مع نفسية الشخصية المتكلمة.

ثالثا:الأماكن المنْتُجة في قالب اللغة الشعرية:

  • قسنطينة:

    إذا كان الشاعر قديما يستلهم فنَّه من ربة الشعر وما تمليه عليه، فإن الروائي في إبداعه يستند إلى مكانه كواقع يُوَقِعُ على أدبيته ويبرز جماليته المتراكمة عن وقع التحام وعيه بالمكان المحيط به، ذلك أنه المَعْبَر الأساس الذي عَبَرت من خلاله ذاكرته الواعية بما يؤثث أرضيتها، فيلجأ إليها كي يُفجر طاقة أدبية تزيد في حِدَة وصفه للمكان باحتضانه لفضاء ” الحلم والخيال” الذي ينسج به عبقرية فضاء يشكل بالنسبة له العالم المثالي الذي يهرب إليه في حين ما تتجاوز الذكريات المؤلمة حدودها في التعامل مع الذاكرة . فيمتزج النثر مع الكلام الشعري ليشكل أجمل سطور تأسست على خاطرها رواية تكاد أن، تكتسب اسم “الشعر” فمن أبرز الفاعلين في هذا النوع من الكتابات ” أحلام مستغانمي” التي تخطت  بعبقريتها للحدود المألوفة للرواية  العربية فاتخذت المكان القسنطيني كفضاء  شغل الحيز الأكبر من شعرية الكتابة بإزالتها للغطاء الذي يغطي جماليو قسنطينة تقول في هذا المقطع:

« وإذا بي أسكنها في غفلة من الزمن، وكأنني أسكن غرف ذاكرتي المغلقة من سنين

كيف حالك؟                

يا شجرة توت تلبس الحدود وراثيا كل موسم

يا قسنطينة الأثواب

يا قسنطينة الحب…والأفراح والأحزان والأحباب، أجيبي أين تكونين الأن؟

ها هي ذي قسنطينة ….

باردة الأطراف والأقدام، محمومة الشفاه، مجنونة الأطوار»[21]

     أرغم المكان الذات الساردة في هذا المقطع كي تخرج كل ما يدور بخلجاتها ليبدأ ” خالد” كلامه “بإذا ” الفجائية التي تحيل إلى فجائية الكلام الخاضع لذبذبات الوعي المتراكم عن وعي المرسل بالفضاء الذي شغل حيزا كبيرا منذ نشأته الأولى بمدينته الفاضلة. فخاطبها بالضمير الأنثوي الراجع إلى غرف الذاكرة القديمة التي ذهب عنها التفكير من سنين ذلك أن موت الذاكرة وإحيائها من خصائص الوعي الذاتي النفسي التي طغت عليها ها هنا النظرات السوداوية والتناقضات اللغوية التي تشير بدورها إلى وعي الملقي بأهمية المكان الذي رسخ في ذاته فتنصهر مواصفات هذا الفضاء  في حيز العجائبية التي تخرج عن القالب المألوف للمكان وذلك كله كان مترسبا على شكل شعور لا يعي بالنسبة لكتاب رواية أصحاب تيار الوعي، ويتابع وصفه المدهش لنفس المدينة ولكن بقلم أسود لا يعرف إلا كتابة الآلام نتيجة لحضور تفكير الراوي في استحضار قوالب واصفة للمكان القسنطيني يقول: «دثريني قسنطينة… دثريني »[22] إذ تمثل في هذه المرة دور الأم الحنون الذي يحتضن الابن في حالة تخوفه من العالم الخارجي ولكن الأهم في هذا المقطع هو ذلك الوعي الفعّال في قوة الروائية على الدمج بين امرأتين في آ ن واحد ” قسنطينة وحياة” التي كانت تمثل تارة دور الأم ودور الحبيبة وتارة أخرى دور الابنة فمرر الراوي وعيه على هذه الأسطر بحدس وشعور لا متناهي الأطراف كانت فيه “حياة” القاسم المشترك بين جل الأحداث لينجذب القارئ إلى هذا التعبير جرَّاء ما يحمله من تنميقات لفظية لأنها الأساس في تفاعله وانغماسه في لذة القراءة «إن الكلام يتبين فضله وفصاحته بأن تذكر فيه الكلمة في تضاعيف الكلام كالدرة في سلك خرز»[23] ذلك أن « المكان هو الحدث الرئيس والبؤرة الوحيدة التي يتنفس من خلاله الشعراء فهوية الشاعر مرتبطة بمكانه، لذا فإن ارتباط الانسان بالمكان بائن وواضح في كل المجتمعات»[24] ولكي يبرز الروائي خصوصية كتابه يلجأ إلى الترميز والتشفير ذلك ليطبعها بسمة الخصوصية التي تفرده عن باقي الكتابات «فالمكان الشعري يشكل صورة المكان الآنفة، ويزيد في تعميقها….»[25] وهذا كل ما سعت الروائية إلى تحقيقه منذ البداية من أجل اعطاء بصمة واعية لا تخلو من الجماليات التي تبحث عنها الكتابة النسوية التي تخلد لذاكرة جمعية تجمع فيها ألامها وكأنها كتابة مطرزة بمكانها وزمانها ساعية نحو القارئ الحالم بالمتعة الجمالية التي تفتقدها الكثير من النصوص الروائية.

دلالة النص بين كريماص وراستيي

د.خاليد القاسمي ـ كلية الأدب والعلوم الانسانية سايس/فاس ـ المغرب

 

– ملخَّص للدراسة:

      يحاول البحث أن يتعرض لإشكالية الاشتباك النظري بين تصور كل من فرانسوا راستيي وأستاذه كريماص في مجال علم دلالة النص السردي، ومن خلال ذلك إبراز المجاوزة التي طرحها راستيي -بالنظر إلى كريماص- في علمه لدلالة النصوص sémantique des textes . وقد تأتى له ذلك من خلال جهاز نظري محكم يقارب النصوص انطلاقا من البنية اللغوية وينفتح بها على منظوماتها الاجتماعية والثقافية، غايته رسم حدود جديدة لسؤال المعنى على ما يقتضيه من تعدّدية تكوينية وقرائية، والتحرّر فضلا عن ذلك من القيود الصارمة للشكل التي سادت النماذج البنيوية المبكرة. فالمدلول النصي حسب راستيي يمكنه هو الآخر أن ينتظم في إطار مقولات تحليلية ثابتة، لكنها في نفس الوقت تحظى بهامش واسع للانفتاح على الواقع و المجتمع و الثقافة. ولئن كان كريماص في إطار سيميائيته السردية ينظر إلى سيرورة الدلالة من خلال آلية المسار التوليدي التي تردّ الظواهر النصية إلى نماذجها التوكينية العميقة، فإن راستيي يرفض هذه الآلية ويراها ضحية للإرث الهرمينوطيقي المؤمن بفكرة المعنى المحايث، والمرتبط بقصدية الذات المتلفظة. لذلك سيتجه لبناء نسقه في علم دلالة النصوص من منطلق تصور عام لبنيات النصوص، يرى أن مدلول أي نص مهما كان خطابه ونوعه وجنسه، يتمفصل إلى أربع بنيات متعالقة وهي الموضوعاتية والسردية والحوارية والتكتيكية، متجاوزا بذلك تصور “كريماص Greimas” في نقطتين بارزتين: أولا مفهوم التشاكل الذي يستثمر خطابيا عند كريماص وموضوعاتيا عند راستيي، بحيث سيطرح هذا الأخير تصنيفا جديدا للتشاكل isotopie يحقق للمعنى تعدّديته وليبراليته التأويلية. أما المجاوزة الثانية فتخص مفهوم  المسار التوليدي عند كريماص، الذي يعارضه راستيي بطرح آلية مضادة وهي المسار التأويلي، بوصفه عملية تجعل النص متوجها إلى المؤلف والقارئ والمجتمع والثقافة، بدل المسار التوليدي الذي يتوجه بالنص إلى منطقه الداخلي وبنيته العميقة المرتهنة لأونطولوجية القصدية والمحايثة .

– الكلمات المفتاحية :

نص- دلالة – مسار توليدي- بنية خطابية –بنية عميقة– تلفظ- قصدية –محايثة- تشاكل – معنم – تصريح – إيحاء- المؤلف- تناص- تأويل داخلي- تأويل خارجي

مدخل

      يتميز حقل الدراسات السيميائية بالدينامية والتنوع في الطرح والخلفيات الابستمولوجية، وهو لا يكتم جهدا لفهم ووصف الأنساق الثقافية الدالة، والسيرورة التي تنتج بها وتستقبل دلالاتها الثاوية. ولئن كانت النصوص الأدبية من الأنساق اللغوية التي تدخل ضمن الوقائع الفنية للإبداع البشري، والتي استدعت منذ القدم الوعي بممارسات تحليلها وتأويلها، فإن السيميائيات العامة خصوصا في شقها الأوروبي قد طرحت ضمن تخصصها الأدبي تصورات لسيرورة الدلالة النصية وشروط انتاجها وتلقيها. و في هذا الصدد انبرت مدرسة باريس للنصوص اللغوية تسائل قوانينها وشروط سيرورتها الدلالية عبر مستويي التعبير والمضمون صادرة في ذلك عن تصور نظري يرى أن أشياء العالم ما هي إلا نقط إرساء للدلالة وتمظهر لها تظل محكومة ببنى عميقة سابقة عنها، تنظم طبيعة وجودها وتضبط حدود تدلالها. وبهذا يمكن النظر إلى سيرورة الدلالة من خلال مستويين أساسيين: البنى الأساسية ( النموذج التكويني والمربع السيميائي)، والبنى السردية ( المتواليات الثابتة والفواعل والجهات)، لكن إلى جانب هذه النماذج المتداولة في اتجاهات عدة أبرزها السيميائيات الكريماصية، فإن البحث انتقل نحو سيميائيات للخطاب، ونحو سيميائيات صورية وسيميائيات للعوالم الممكنة [26].

ولئن كان المهاد الابستمولوجي الناظم لمجمل التيارات السيميائية يتمثل في قطبي سوسير وبورس، فإن هناك روادا دلائليين معاصرين حاولوا طرح نماذج وأجهزة نظرية محكمة تنكب على معالجة النصوص، وبناء دلالاتها انطلاقا من البنية اللغوية وانفتاحا على منظوماتها الاجتماعية والثقافية، متحرّرة بذلك من القيود الصارمة للشكل، التي سادت النماذج البنيوية المبكرة، بإثارة سؤال المعنى على ما يقتضيه من تعدّدية تكوينية وقرائية. ولا شك أن هذه القناعة تصدر عن تصور يرى أن المدلول يمكنه هو الآخر أن ينتظم في إطار مقولات تحليلية ثابتة، لكنها في نفس الوقت تحظى بهامش واسع للانفتاح على الواقع و المجتمع و الثقافة[27].

وإذا كانت الرواية تدخل ضمن مجال النصوص الأدبية الحديثة النشأة، التي تعرف دينامية تجريبية حثيثة ما فتئت تسترعي اهتمام النقاد بمختلف تخصصاتهم، فإن ثمة اشتباكا نظريا بارزا قد طغى على البدايات الأولى لدراسة هذا الجنس الأدبي بين التوجهين الشكلاني والسيميائي، على اعتبار أن السؤال السيميائي- على خلاف التوجه الشكلاني الذي يبحث عن الثوابت الشكلة الموحدة للجنس الروائي- ظل منشغلا بمكونات المحكي في الأنماط السردية من خلال ربط دلالاتها بالثقافة والمتلقي غيرها من شروط التكوين والتلقي. وقد آثرنا تجاوز الحديث عن التصور الشكلي البنيوي لعلوم السرد الذي عرف أوجه مع الناقد الفرنسي “جيرار جونيت”، لنستشرف نموذجا لسانيا سيميائيا انشغل بإقحام عنصر الدلالة ضمن معطيات البنية السردية. يتعلق الأمر بنموذج “فرانسوا راستيي” الذي بنى نسقه الدلائلي sémantique على مجاوزة نموذج آخر سابق عنه يخص أستاذه السيميائي الفرنسي “كريماص Greimas” الذي كان له الفضل في طرح سؤال المضمون الحكائي بعيدا عن نمطية الشكل وقوالبه المنمذجة الثابتة.

يعدّ “راستيي” إذن من أهم من حاولوا فتح السرد على شروط الدلالة من خلال منهج محكم يقرّ مبدئيا بلا جدوى حصر السرد في بنيته الشكلية دون سؤال المعنى، لأن أي بنية حكائية مهما كانت بسيطة يمكن النظر إليها بوصفها تتابعا بين مضمون مطروح سابق و مضمون محوّل لاحق [28]. ولا شك أن هذا الانفتاح يعني تخليص السرد من صنميته التي عُرف بها في الطروحات الشكلانية والبنيوية المنغلقة، حيث تجذرت النزعة إلى توحيد الشكل السردي واصباغه بطابع الكونية، فكانت المفارقة كما يصورها “ليفي شتراوس” في أن السعي إلى علمنة وتوحيد الشكل السردي سيتحول إلى سجن يُخضع كل السرود و لا يعترف بخصوصياتها: “قبل مجيء الشكلانيين لم نكن نعرف الشكل الذي يوحّد الحكايات، أما بعدهم فلم نعد نعرف أين يكمن الاختلاف بينها” [29].

و يرى راستيي أن مختلف هذه الطروحات ظلت ملازمة لوهم شكلاني راسخ “يرى أن السرد متمفصل بواسطة بنية شكلية معزولة عن المضامين المستثمرة ” [30]. وهو الإرث الذي يرجع إلى مفهوم البنية الشكلية كما ترسخ مع الطرح السوسيري بخصوص اللغة، والذي على أساسه صارت المحكيات بنى مغلقة تقطع صلاتها بالدلالة الخارجية، طالما أن المحكي récit يمكن أن ينظر إليه كلعب بالاختلافات [31]، لذلك سيتجه لطرح نموذج دلالي سردي ضمن تصور عام لبنيات النصوص، كما اتجه لإعادة صياغة المكون الدلالي الموضوعاتي اعتمادا على صنافة جديدة لمفهوم التشاكل isotopie،  وهو التوجه الذي بناه على محاورات عميقة مع النموذج السيميائي لأستاذه كريماص في مجال السرد. فما الجديد الذي طرحه راستيي في مجال دلالة النص الروائي؟ وما هي بؤر التوتر والاشتباك بين نموذجه التحليلي ونموذج كريماص في السيميائيات السردية ؟

كريماص والنموذج السردي الدلالي

      لسنا هنا في مقام جرد البناء العام لمشروع السيميائيات السردية عند كريماص، بل سنكتفي بطرح الأفكار المتماسة مع المستوى الجدلي السردي كما يطرحه راستيي ضمن عناصر دلائليته النصوصية، ومن أبرزها التصور التوليدي للنص الذي يعتبر المهاد النظري الناظم للسيميائيات السردية عند كريماص، وكذا علاقته بسؤال الدلالة النصية، مع ما يطرحه ذلك من آلية التشاكل الذي يعتبر امتدادا إجرائيا لهذا التصور المركزي ومعطياته اللسانية والدلالية. فمن المعلوم أن سيرورة الدلالة في النصوص عند كريماص تظل رهينة المنظور التوليدي المستوحى من الإطار النحوي لتشومسكي وتنخرط كليا ضمن نظريات التلفظ التي تهتم باللغة بوصفها فعلا موجها بقصدية الذات المتلفظة [32]. فما بين المادة الدلالية التكوينية للنص الموقورة في صميم ذات التلفظ وبين تجسدها في متوالية خطابية نصية يوجد المسار التوليدي بوصفه اقتصادا عاما لهذه النظرية السيميائية، حيث أن كل موضوع سيميائي يمكن تحديده حسب نمط انتاجه، مما يعني أن المكونات المتدخلة في هذه الانتاجية يتمفصل بعضها مع البعض الآخر حسب مسار يتجه من البساطة إلى التعقيد، ومن المجرد إلى الملموس[33] .

ولئن كان المحكي من المواضيع السيميائية المركزية في المشروع الكريماصي، فإن المسار التوليدي للموضوع الحكائي يمكن استعادته من خلال عملية تأويلية تقوم على مسويات اختزالية ناظمة. فمستوى التمظهر الخطابي يحايثه مستوى التركيب السردي ويتحكم فيه، وهذا الأخير بدوره يحايثه مضمون ثابت في شكل مربع سيميائي تحكمه علاقات دلالية متلازمة. ولا شك أن مستويات الاختزال هاته التي ترد الظاهر النصي إلى عمقه الدلالي المؤسس، والتي تتحكم في جميع النصوص الحكائية، جعلت النموذج الكريماصي ينحو نحو سيميائيات سردية كونية تزعم وصف السرود الخاصة بكل المجتمعات، وأيضا كل النصوص الخاضعة لنفس الترسيمة، مما سيقوض طموحها النظري بضعف عمليتها الوصفية المهمشة لخصوصية النصوص [34].

وقد كان اعتبار كريماص السرد بنية سيميائية كونية هو المدخل الذي جعل راستيي يرصد نزعتها المتملصة من خصوصية النصوص واللغات الطبيعية مما يبعدها عن اللسانيات [35]. فإذا كان التمظهر العلامي اللساني هو ظاهر النص أي المستوى الذي نتعرف من خلاله على اللغات الطبيعية وعلى الأنواع السردية باعتبار واسماتها الشكلية الدالة، فإن سيميائيات كريماص لا تراعي هذه الفروقات السطحية لفرز مسألة الأنواع، بل تعتبرها مجرد تنويعات لمعنى عميق[36] أو مضمون حكائي ثابت، منطلقها التأسيسي في ذلك ما استقرأه كريماص من عينات للمحكي الأسطوري mythique، تم تعميم بنيتها ونمط صيرورتها على كل المحكيات.

ولا شك أن هذا التصور، بالإضافة إلى تهميشه لخصوصية الأنواع والخطابات والمتون التي نتعرف عليها في المستوى اللساني السطحي، يفتقد للنجاعة والكفاءة أمام بعض النماذج الروائية التي تخالف منطقه وتتقصد تجريب المجهول، وخرق كل المواضعات التي تربط التمظهر بما يفترض أنه عمقه الدلالي المتعالي، فالرواية التحديثية مثلا ” لا تقوم على تأكيد نقط الانطلاق في السرد، بقدر ما تقوم على التعارض بينها وبين نقط الوصول، أي التعارض بين التصور والتحقق” [37].

إن تهميش خصوصية النصوص والخطابات ليس، في حقيقة الأمر، سوى نتيجة للتمركز حول نموذج توليدي يتفادى طرح نظرية لتأويل النص الحكائي، فصار الفعل التأويلي متقلصا يمتحن باحتشام في إطار علاقة بين-ذاتية بين المتلفظ والمتلفظ له ليست مرتبطة بالتواصل ولكنها مرتبطة بالتلفظ حيث ” الدلالة ليست سوى تحويلا لمستوى من المعنى إلى مستوى آخر، من لغة إلى لغة أخرى مغايرة، والمعنى ليس سوى هذه الإمكانية من التحويل أو التسنين العابر بين المستويات” [38].

يتجسد التسنين الاختزالي ضمن هذه الخطاطة السيميائية بدءا من المستوى الخطابي الحافل بالصور اللكسيمية المنتخِبة للممثلين و أدوارهم الموضوعاتية، وهي البنية التي يتم تسنينها في مستوى آخر، محايثا وذا طبيعة سردية، يخضع تركيبه لنموذج أدوار عاملية تبرز سيرورة العوامل وعلاقاتها المتحركة في الحكاية، على أن يتم تحويلها بدورها إلى مستوى دلالي عميق يعتبر الشرط المتعالي لوجودها. و من هنا يمكن القول بأن السرديات الكريماصية تطرح نموذجها النظري وفق نحو تحويلي توليدي محايث للموضوع الموصوف[39]، مما يجعله رهنا لأصنمة داخلية تنمط المتلقي وتخضعه لخطاطات جامدة لا تعترف بتجربته في القراءة والتأويل.

وإذا كانت السيميائيات السردية قد حاولت رد الاعتبار إلى المستوى الاستبدالي عندما أخضعت الخطاب لآلية التشاكل الذي نحته كريماص اعتمادا على الحقل الفيزيو-كيميائي[40]، فإن الإشكال الذي يطرح هنا مرتبط بمفهوم هذا التشاكل الذي يحرك استبدالاته وفق خطاطة دلالية منطقية تقارب المعنى النصي من داخله، خصوصا وأن كريماص يصدر عن موقف مناهض للهرمينوطيقا بحجة ارتباطها بالمرجع الخارجي في بناء المعنى، واهتمامها بشكل خاص بالمعطيات غير اللسانية للخطابات ولظروف إنتاجها وقراءتها [41]. وقد كان تهميش كريماص للسياق بمثابة الأساس الذي بنى عليه راستيي نقده للسيميائيات البنيوية، حيث استند إلى قناعة مفادها أن هناك معايير اجتماعية تشتغل إلى جانب النسق الوظيفي للسان في تكوين المعنى النصي، فالممارسة الاجتماعية الملموسة تسنن الخطابات في اختلاف أجناسها[42] .

التشاكل بين كريماص وراستيي

   حاول السيميائيون وعلماء الدلالة مجاوزة المأزق الذي عرفته علوم الدلالة المعجمية في معالجة النصوص، بالاستعانة بمصطلح مركزي يشكل عصب الجهاز النظري في علوم الدلالة الحديثة ألا وهو التشاكل isotopie، وذلك بالنظر لما يحوزه من كفاءة تأويلية قادرة على ضبط الدلالة المتنامية بدءا من أصغر وحدة لسانية ومرورا بطول الرقعة التجريبية للنص محققا بذلك وحدة الرسالة. وقد عبر كريماص عن هذا التوجه بقوله: “كيف يمكننا، منذ الآن، تفسير واقعة أن مجموعا متراتبا من الدلالات ينتج رسالة متناظرة ؟ لأن هناك شيئا مؤكدا: بمجرد بدء تحليل الخطاب من الأعلى، أي بالانطلاق من عجمة lexie معرفة بوصفها وحدة للمعنى، أو بمجرد أن نباشر تنظيم الوحدات التركيبية جد الممتدة انطلاقا من وحدات مؤسسة دنيا، يُطرح مشكل وحدة الرسالة، الذي يُفهم دون نقاش، بأنه كلّ دلالي” [43]. و على الرغم من التصنيفات الدلالية التي منحها كريماص للمعنم، والتي تروم  فتحه على استبدالات دلالية تتجاوز المعجم السطحي، فإن نظريته في التشاكل ظلت-على غرار مستويات الاختزال التي ذكرناها سابقا-  خاضعة لمقولتي السطح والعمق التي تحكم نظام المسار التوليدي. نتلمس ذلك من خلال تمييزه الحاسم بين تشاكل صريح isotopie dénotée و تشاكل إيحائي isotopie connotée، حيث يعتبر صريحا إذا تم التصريح به من خلال تكرار المعانم المعلومة في التشاكل الصوري الظاهر، ويعتبر إيحائيا إذا كانت قراءة مستواه الضمني غير ممكنة إلا بالافتراض الأولي لمدلول جديد[44]. و نتيجة لهذا التصور أصبح بإمكان كل نص أن يطرح تشاكلين في نفس الوقت، وبالتالي إتاحته لقراءتين مختلفتين، تتجسد إحداهما على المستوى الخطابي والأخرى على المستوى البنيوي العميق، حيث أن التشاكل الخطابي السطحي لا يقوم إلا بإظهار التشاكل البنيوي الأكثر عمقا[45].

إن التمييز بين تشاكلين أحدهما صريح والآخر إيحائي هو تمييز، في حقيقة الأمر، بين مستويين متراتبين للمضمون: المستوى الدلالي المتكون من طبقة الكلاسيمات، ثم المستوى السيميولوجي المتكون من طبقة المعانم الذرية أو الصور المعنمية [46]. وبالنظر إلى أن الكلاسيمات هي الدلالات المرتبطة بالجهاز الوظيفي للغة القريبة من ظواهر المعجم وأن السيمات الذرية محض دلالات إيحائية عميقة، فإن المقاربة السميائية الكريماصية، كما أسلفنا، رفضت التوجه نحو المرجع الخارجي، وجعلت مرجعها في تأويل النص هو النص نفسه، معتبرة أنه يمكن إعادة بناء التلفظ وفق صورة منطقية-دلالية يتم تطويرها انطلاقا من النص[47].

إن المعنى المحايث وفق هذا التصور هو بحث، في الواقع، عن الأصل الدلالي بما هو قصدية ثاوية في ذات التلفظ، و لا ينبغي أن يحيد عنها إلى قصديات خارجية، على الرغم مما تحظى به الذات المؤولة من سمة الحضور والاشتباك المباشر مع النص، والأكثر من ذلك منحه هويته الدلالية كما يخبرنا بذلك أصحاب التلقي ومرجعيتهم الظاهراتية التي تؤمن بأن الموجود هو ما يدرك من خلال الفهم، والنص يظل كامنا ما لم يتجادل مع ذات قارئة تمنحه كينونته. فالتوجه السيميائي المحايث الموروث عن التفسير الهرمينوطيقي الديني في أوروبا وهو يدعو إلى التشبث بهذا الأصل الخلاق للمعنى سيواجه بإشكال أن هذا المعنى لا يمكن استرجاعه بشكل علمي موضوعي، فتحويل الجملة أو النص إلى دلالة بنيوية أولية تطابق قصدية الذات المتلفظة كمن يبحث عن معنى مستحيل يظل، كما يرى راستيي، حدسا لا يمكن التحقق منه [48]. أضف إلى ذلك أن الارتباط بسؤال قصدية الذات المتلفظة سيكون على حساب اشتراطات أخرى حافة بحركية اللغة وخلفيتها الثقافية والاجتماعية المحدّدة لسياق التواصل النصي، مما يجعل هذا النموذج محض سيميائيات توليدية لا تأويلية، أي خارج مقصديات القراء بما هي تأملات وانفعالات وتعاليق ومشاعر وغيرها مما يشكل في الواقع عمق مدار نص أي رواية[49] .

وقد شكلت مختلف الخلاصات السالفة الذكر دافعا ل “راستيي” لتسليط الضوء على أعطاب المقاربة الدلالية للسرد كما وردت عند كريماص الذي دشن البدايات الأولى لمحاولة تأصيل علم دلالة نصي من خلال كتابه “علم الدلالة البنيوي sémantique structurale”. ومعلوم أن علم الدلالة لم يظهر إلا في أواخر القرن العشرين بوصفه آخر فرع من فروع اللسانيات، وذلك عقب علم الأصوات وعلم النحو في إطار تطور اللسانيات التاريخية، و لغاية التأصيل حاول علم الدلالة استعارة مناهجه أحيانا من البلاغة الكلاسيكية، وأحيانا أخرى من علم النفس التأملي [50]. غير أن اهتمام اللسانيين، على اختلاف توجهاتهم، ببناء الأنساق الشكلية المتحكمة في الظواهر اللغوية و السعي إلى تقعيد مختلف أنماط العلاقات التي تطبع الأجناس الأدبية، أعاق، كما يرى كريماص، انطلاقة طرح علم لساني للدلالة بكيفية مقصودة تدعو إلى التساؤل حول ما إذا كان علم الدلالة يمتلك اليوم موضوعه المتجانس، وإذا ما كان هذا الموضوع ملائما للتحليل البنيوي، و هل يجوز لنا اعتبار علم الدلالة تخصصا لسانيا [51]، ليخلص إلى أن هناك ثلاثة أسباب حاسمة تفسر تهرب اللسانيين من أبحاث خاصة بالدلالة هي التأخر التاريخي للدراسات الدلائلية، والصعوبات المرتبطة بتعريف موضوعها، مع ما رافق ذلك من مدّ شكلاني واسع [52].

ولئن كان راستيي يقاسم كريماص فكرة الحيف الذي تعرض له علم الدلالة في إطار اللسانيات، فإنه اختلف معه في الإجراءات العملية التي يترجمها كريماص فى دلالة داخلية محايثة للتلفظ، مما يقلل من فرص دلالة تأويلية منفتحة على خصوصيات النصوص والخطابات والثقافات وأنماط القراء. هكذا انبرى راستيي لرد الاعتبار إلى التنوع الخطابي والأجناسي للنصوص، بحيث سيجعل له سلطة واضحة على عملية التأويل، وذلك وفق أبعاد لها القدرة على بناء نصية منسجمة ومتماسكة. و كان التصور المحرك لراستيي في ذلك هو أن السرد يتجاوز الأدب مما يفرض دراسته من منظور علم شامل للنص، بخلاف السيميائيات السردية التي اختصت منذ الوهلة الأولى بالنصوص الأدبية وجعلت من مجموعة من الأشكال السردية نوعا عالميا [53]. أضف إلى ذلك أن علما لدلالة النص، من منظور راستيي التأويلي، يقتضي تجاوز المقاربة السيميائية المحايثة والانخراط في مقاربة لسانية تعتبر السرد مجرد بنية نصية ضمن بنيات أخرى.

لقد جاءت مجاوزة راستيي للطرح الكريماسي إذن مرتكزة حول مفهوم التشاكل المحكوم بفكرة المحايثة، مع طرح تصور شامل للنص يجعل من السرد مجرد بنية متعالقة مع بنيات نصية أخرى هي الموضوعاتية thématique والحوارية dialogique والتكتيكية tactique. ولا شك أن هذه المكونات الأربعة تشكل معمار علم الدلالة النصوصي sémantiques des textes لراستيي نظرا لكونها العناصر المبنينة للمدلول النصي، حيث تحكمها علاقات تفاعلية غير تراتبية تخدم توجهه القاضي بتفكيك أونطولوجيا المعنى المحايث التي تقوم عليها السيميائيات الكريماصية، مشكلة بذلك المدخل الرئيسي على درب التوليف المنهجي بين علمي الدلالة والسرد.

يرفض راستيي تمييز كريماص بين تشاكل عميق وآخر سطحي تابع له [54]، ويراه ضحية مزالق منهجية، أو بالأحرى ضحية نزعة أونطولوجية قديمة و متجدرة تؤمن بالمحايثة والوحدة المتخفية وراء الظواهر، وفق مثالية تعطي للفكر وللغائب أسبقية عن اللغة والحاضر، أي أنها تجعل من المتحقق معلولا لممكن خفي سابق. وفي هذا الصدد، يُبدي “راستيي” عدم اتفاقه مع الدعوة التي أطلقها ” ميشيل أريفي M.Arrivé” المتأثر بالتحديد الكريماصي (تصريح/إيحاء) للبحث ضمن جهاز المناهج اللسانية الواصف للغات الطبيعية، عن آلية مقبولة لتحديد الوحدات الملائمة للتشاكلات الإيحائية، وهو الأمر الذي يعتبر ابتعادا عن الوصف اللغوي للنصوص، طالما أن التشاكل  كما يعرفه “أريفي” نفسه، ينشأ عن تكرار وحدة لغوية [55].

وفي مقابل ذلك، يرى “راستيي” بعد جرد التطور التاريخي لهذه الثنائية (سطح/عمق)- بدءا من منطق جون ستيوارت ميل ومرورا بلسانيات بلومفيلد ويالمسليف وفلسفة اللغة مع فريجه إلى الزمن المعاصر- استحالة إنتاج معيار شكلي للتمييز بين هاذين المستويين، لأن العلاقة السيميائية التي تؤسس التصريح هي نفسها ما يؤسس الإيحاء، وبالتالي فهي علاقة تعاضد واقتضاء متبادل[56]. وللبرهنة على التأثير العملي المربك الناجم عن التمييز بين هاذين التشاكلين، يجري “راستيي” تحليلا على مقطع من إحدى روايات “إيميل زولا”، ويخلص إلى نتيجة مفادها أن مثل هذا التمييز يقود إلى الفصل بين تشاكل ملازم inhérent (سطحي بمفهوم كريماص) وتشاكل تابع afférent (إيحائي بمفهوم كريماص) يكونان نطاقا تشاكليا faisceau isotopique. ومعلوم أن المعانم المؤسسة لتشاكلات النطاق تجمعها علاقة تضمين أو ارتباط، ولا يمكن أن تكون في علاقة انفصال. لذلك يختم “راستيي” تحليله بالتساؤل : إذا كان التشاكلان الصريح والضمني ينتميان إلى مستويين مختلفين، فكيف يجتمعان في نطاق تشاكلي ؟[57].

إن التشاكل، في تقدير راستيي، لا يقيم فصلا تأويليا بين المعاني الوظيفية التصريحية والمعاني السياقية الإيحائية للوحدات اللغوية طالما أنها ترتبط فيما بينها لتشكل وحدة الرسالة، لذلك سيعمد إلى توسيع مفهوم التشاكل ليس على مستوى المضمون بتكرار الكلاسيمات فحسب، ولكن بتكرار الوحدات التعبيرية أيضا، ومن هنا صار التشاكل يخص التعبير والمضمون معا، أي ما يسميه المعانم الخصوصية spécifiques المرتبطة بالتعبير الخطابي و المعانم الذرية التوليدية génériques المرتبطة بالحقل الدلالي[58].

وإذا كان راستيي يطرح تصنيفه الأول للتشاكل (خصوصي/توليدي) ارتباطا بمقولة الحقل الدلالي، فإن البديل الذي يطرحه في مقابل مستويي كريماص هو تصنيف آخر في قلب الثنائية خصوصي/توليدي يميز بين معانم ملازمة و معانم تابعة ينجم عن تكرارها تشاكلان ملازم وتابع. يعتبر المعنم الأول مقابلا للتصريح عند كريماص وخاصا بالجهاز الوظيفي للغة أي أنه سمة وريثة للنوع بشكل أصلي، ومعرّفة له ك /أسود/ بالنسبة ل ‘غراب’[59]. وإذا أخذنا مثالا آخر يتعلق بالصفرة، نجد أنها مسلمة دلالية منشطة activée بشكل أصيل في الكلمة ‘ذهب’ ما لم تكبحها موانع دلالية طارئة كعبارة “الذهب الأسود” مثلا التي تحيل تداوليا ومن خلال سياق سوسيو-ثقافي على مفهوم “النفط”، مما يعني أن المعنم الملازم للجهاز الوظيفي للغة يفرض قواعده على كل استعمال لهذه اللغة، أما المعنم التابع المقابل للمعنى الإيحائي عند كريماص فينفتح على خصوصية التلقي لكونه يرتبط بالخصائص السوسيوثقافية للمتكلمين.

غير أن السياق اللغوي قد يتدخل ليعطل وظيفية اللغة، وفي هذه الحالة يصير المعنم المكبوح كامنا virtualisé، أي موجودا بالقوة، مقابل تحيين معنم تابع بديل خاضع لسياق لغوي أو لتسنين اجتماعي (لهجات اجتماعية أو فردية). فكلمة ‘أبيض’ في عبارة مجازية من قبيل ” الدم الأبيض”  تحوز المعنم التابع بالسياق اللغوي /بياض/ وتوزعه في كلمة ‘دم’ عاملة بذلك على كبح المعنم الملازم /حمرة/. وإذا كان السياق اللغوي ضمن هذا المثال محليا أي أنه مفعل على مستوى الجملة، فهذا لا يعني عدم وجود سياقات لغوية شاملة، أي مرتبطة بمناطق بعيدة من النص، وتحوز نفس التأثير في توجيه العلاقة الدلالية على مستوى وحدات لغوية محلية. فالسياق اللغوي الشامل global له تأثير على السياق اللغوي الجزئي local [60].

إن مجاوزة السياق اللغوي إلى تسنين سياقات اجتماعية في اللغة يمنح التأويل صبغة آلية توسطية بين النص ونظامه الحاضن الذي أنتج فيه. ويدخل ضمن مكونات هذا النظام كل من المؤلِّف والمجتمع، حيث يحضر تأثير الأول على المعنى من خلال ما يعرف باللهجة الفردية idiolecte، وهي كل المعايير الفردية التي تميز استعمال اللغة عند متكلم معين، أما تأثير المعنى الاجتماعي فيتجلى من خلال لهجة اجتماعية sociolecte تعني مختلف أنماط الخطاب المؤسسة بواسطة معايير اجتماعية، ذلك أن كل لهجة فردية ترتبط بنمط ممارسة اجتماعية (قانونية أو سياسية أو دينية ..) لها معجمها الخاص المبنين في البعد الدلالي [61] .

إن كلمة واحدة رغم مدلولها المعجمي الثابت قد يختلف استعمالها من قارئ إلى آخر، كما يمكنها أن تثير أفهاما وإيحاءات مختلفة من ثقافة لأخرى، وذلك بحكم السياقات السوسيوثقافية التي تدخل في صميم التجربة المعيشة لكل جماعة على حدة، والتي تشحنها بتاريخ استعمالي خاص. ووفق هذا التصور تصير الدلالات رهنا لسلطة السياق السوسيوثقافي لأن “وراء اللغة أنساق لفظية تؤطرها” [62]. وإذا كانت هذه السياقات السوسيوثقافية مغيبة في الطرح الكريماص المنشغل بالمعنى المحايث، فإنها تشكل عند راستيي المجال الحيوي للمعانم التابعة، فهي لا تحضر ولا تكتسب معنى إلا بداخلها، بينما تعمل المعانم الملازمة وفق وظيفية اللغة و خارج أي سياق. وهو ما يعني أن التعارض بين تشاكل ملازم وآخر تابع ليس بدوره خصيصة أصيلة أو محايثة للمعنم الدلالي، ولكنه عملية منذورة لاختيار القارئ واستراتيجيته التأويلية المتبناة .

يؤدي التأويل بآليتي الملازمة والإتباع كفاءة تدلالية مهمة، خصوصا إذا تعلق الأمر، كما أسلفنا، بالاستعمال الاستعاري للغة الذي يجمع بين متناقضين، لأن تحيين بعض المعانم المرتبطة بوحدة لغوية استعارية، يكون بمقابل كبح معانم أخرى من صميم اللغة، أي تعريفية للنوع أو وريثة له بشكل أصلي كما يصفها “راستيي”. و لا يقتصر المسعى الانفتاحي للتشاكل على السياقين اللساني والاجتماعي فحسب. فهذه المرحلة لا تستوفي سوى تأويلا داخليا instrisèque لا بد أن يُتوج بتأويل خارجي extrinsèque ينفتح بالنص على واقعه الخارجي، دون أن يكون مسننا في اللغة وإنما يكفي الربط الرمزي بين النص و بين ما يسميه “إيكو U.Eco” بالمعطيات الموسوعية، وذلك عبر عمليات النقل و الاستبدال و الحذف و الإضافة [63].

يمكن القول إذن بأن القراءة الأولى تلتزم بتناظرات البنية الداخلية للنص مهما انفتحت على معايير فردية أو اجتماعية مسننة في النص، بينما تختص القراءة الثانية بتناظرات خارجية، يعمل القارئ على إدماجها من خلال روابط رمزية. وبهذا تختص القراءة الواصفة بالنوع الأول، فيما تختص القراءة المنتجة بالنوع الثاني، على أن توافق المعايير الداخلية تحيينات الموسوعة الثقافية.

وإذا كان مصطلح التأويل الخارجي شديد الوثاقة بمفهوم الموسوعة كما بلوره “إيكو” و لاءمه لمقتضيات سيميائيات نصية، فإنه ينفتح أيضا على مصطلح آخر له أهميته التاريخية والتأويلية وهو مصطلح التناص[64] الذي أتاح ” الانتقال من الشيفرة اللسانية إلى السيميوطيقية أو الإيديولوجية بوجه عام، وذلك عن طريق رفض الانغلاق، باعتبار النص يشتغل ((منفتحا)) على نصوص سابقة” [65]. ولئن كان التناص عملية حتمية تعبر عن نسق تآلفي للتفكر الإنساني، ولتداخل النصوص، فإن “راستيي” لم يهمل هذه العملية من نموذجه التأويلي، فهو يجعل من آلية التأويل الخارجي نافذة مهمة لانفتاح النص على متنه المرجعي، أي مختلف النصوص التي تدخل معه ضمن نفس النوع، بما يجعل من المسارات التوليدية والتأويلية في قلب نص غير  منفصلة عن مسارات تأويلية في التناصات المبنينة المكونة للمتن [66].

وفي هذا الصدد، يظل السؤال البارز الذي يثيره “راستيي” هو المتعلق بالمعايير التي بواسطتها نقبل نصوصا خارجية لتدخل في علاقة تناصية يتم على إثرها تأويل النص. وهو سؤال، في حقيقة الأمر، يدور حول مدى تأثير التناصية intertextualité بوصفها تأويلا خارجيا على النصية textualité بوصفها تأويلا داخليا. فكل مقطع نصي، أو كل علامة – كما يرى “راستيي”- تشتغل وفق وظيفتين : داخلية و تناصية، بحيث تعمل الوظيفة النصية الداخلية على تحديد الوظيفة الخارجية. وتقوم الوظيفة الداخلية على نظام للمعنى من خلال مجموع العلاقات بين مضامين النص، في حين تقوم الوظيفة الخارجية على نظام من التعيين désignation، وما يقوم بتحديد هذا التعيين هو المعنى الداخلي [67].

وعموما فإن مفهوم التشاكل عند راستيي، كما رأينا، يتأسس على منظور غير محايث، لا يهتم بملاحقة ارتجاعية للمسار التوليدي للوصول إلى الدلالة الأولية المولِّدة، ولكنه يهتم بالخطاب ذاته بوصفه بنية لسانية متعدّدة الأبعاد، تمتلك القدرة على صهر النص ومرجعه ومتلقيه ومحيطه التداولي والاجتماعي ضمن منظومة منسجمة، مما يشكل بديلا ابستيمولوجيا جادّا للثانائية المتمركزة سطح/عمق المهيمنة على سيميائيات كريماص السردية. أضف إلى ذلك أن المستويين الموضوعاتي والسردي في تصور علم دلالة النصوص ليست بينهما علاقة تراتبية، ذلك أن الثيمات السطحية والتشاكلات العميقة تشتغل ضمن فضاء موضوعاتي واحد، يستثمر المدلول النصي وفق أبعاد مختلفة. وبهذا فهو ليس معنيا بالمستوى السردي –كما حدده غريماس- ولكن يخصص له حيزا مهما ضمن مكون آخر، ليست له بالمكون التيماتي علاقة تراتبية و هو المكون الجدلي.

السرد بوصفه بنية نصية جدلية

     إذا كان من سيئات المنظور التوليدي أن تركيزه على المعنى العميق في مقابل تهميشه للتمظهر الخطابي قد أدى به إلى الخلط بين النصوص والخطابات، فإن ذلك، كما يقدّر راستيي، يؤدي في مرحلة ثانية إلى نقطة منهجية ومعرفية ملتبسة وقعت فيها بعض النظريات الدارسة للحدث السردي، وتتعلق بعدم التمييز بين أنماط المحكيات، خصوصا بين المحكي الحدثي البسيط récit événementiel والمحكي الأسطوري أو العجائبي récit mythique ، وهما يختلفان في نقطة جوهرية تتعلق بالانغلاق. فبالرغم من أن الشكل الحدثي البسيط يؤسس من خلال تمظهراته سلاسل تشاكلية، تحدّد الممثلين والأحداث والمجالات الزمكانية، فإنه يظل منفلتا من أي تسييج أو انغلاق[68]. أما الشكل الأسطوري الصراعي، فعلى الأقل، من خلال الخطاطة العلمية المحكمة التي نسندها له يظل متميزا بانغلاقه، و رغم تفضيله من  قبل الدارسين، فهو ليس سوى أداة ضرورية لنهج العقلنة والكمال [69].

ومن هنا حاول راستيي ردّ الاعتبار للمحكيات البسيطة التي يصعب تحليلها بموجب الخطاطات المغلقة (النموذج العاملي، الترسيمة السردية، مستويات الاختزال ..)، ذلك أنها تفتقد غالبا للصراع أو تعمل على تلبيسه وترميزه، و تستند عناصرها (الممثلون والأدوار والوظائف) على خلفية موضوعاتية منفتحة على السياق والمحيط الثقافي والاجتماعي، وبالتالي انفتاحها على بناءات تأويلية حرة، ليست خاضعة لصرامة المحكي الأسطوري. وانطلاقا من هذا المبدأ التعدّدي سيعمد راستيي إلى التمييز ضمن المكون الجدلي بين مستويين متباينين أحدهما حدثي événementiel والآخر صراعي agonistique، (يتواجد أكثر في النصوص الأسطورية)، مع تجاوز القيود الكريماصية الضاغطة المفروض العثور عليها في كل النصوص [70]. ولا شك ان هذا التوجه يجد ضالته في مفهوم الحكي نفسه الذي نراه متعدّدا بتعدّد الكائن الإنساني الغامض والمختلف في ذاته وثقافته ومرجعياته القيمية التي تؤطر رؤيته للوجود، لذلك فإن “أي تفكير في السرد هو تفكير في الأدب والثقافة والتاريخ والمجتمع” [71]. وعموما يطرح “راستيي” – كما أسلفنا- تقسيما للمكون الجدلي وفق مستويين:

  • مستوى حدثي événementiel يظهر ضمن جميع النصوص ذات الطابع السردي، و تتكون وحداته الأساسية من الممثلين، والأدوار، والوظائف بالمفهوم الذي طرحه “فلاديمير بروب” في دراسته للحكاية الروسية العجيبة.
  • مستوى صراعي agonistique يعتبر تراتبيا أعلى من سابقه، وتتكون وحداته الأساسية من المصارعين agonistes و المتتاليات séquences [72].

إن الصياغة النظرية لمستويين حدثي وصراعي تهدف من جهة إلى الاعتراف بتعدّد أنماط المحكي وتوفير الكفاءة التحليلية الخاصة بكل نمط، وتهدف من جهة أخرى إلى تحرير السرد من شكليته، أي – كما يرى “ريكور”- من أونطولوجية البنية السمفونية المتحكمة فيه[73]، ويتجسد ذلك عمليا في مدى استناد مجمل العناصر السردية لهاذين المستويين إلى خلفية مضمونية، حيث نجد عند “راستيي” أن بناء الكون الحكائي بما يضمه من ممثلين ووظائف ومصارعين يخضع للمعالجة الموضوعاتية، أي بالتعامل معها بوصفها وحدات دلالية.

خاتمة

    لا شك أن الأسس النظرية التي شيّد عليها راستيي معمار علم دلالة النصوص تظل ثرية ومتعدّدة، لكن هذا التصور، كما رأينا، يستمد الكثير من طموحه واجتهاده من المهاد السيميائي لكريماص. ولئن كان المشروع السيميائي الكريماصي الضخم، بما يتضمنه فضلا عن ذلك من معطيات علم دلالة بنيوي، يعبّر عن نسق متكامل وتصور محكم لسيرورة دلالة النصوص الحكائية، فإننا ركزنا دراستنا حول آليتين محوريتين هما المسار التوليدي والتشاكل، وحاولنا إبراز وتحليل موقف راستيي منهما، والبديل النظري الذي يطرحه في مقابل ذلك محدثا مسافة واعية بينه وبين نموذج كريماص، وذلك وفق رؤية تحديثية منسجمة ومتكاملة. ولا شك أن هذا الاشتباك المعرفي والمنهجي الذي يطال الجهاز النظري بمختلف آلياته الاجرائية عند كريماص وراستيي يعبر في حقيقة الأمر عن اختلاف حاسم في البناءات النظرية بينهما التي يمكن إجمالها في المعادلة : سيميائيات سردية تنزع إلى الكونية عند كريماص في مقابل علم دلالة لساني للنصوص عند راستيي. فإذا كان كريماص يوسع حقله السيميائي إلى حدود الكونية لكن مقصورا على النصوص السردية، فإن راستيي يقلص هذا الحقل إلى دلائلية لسانية منفتحة (يصر على طابعها اللساني) لكن تسع كل النصوص باختلاف خطاباتها وأنواعها وأجناسها عبر علم شامل لدلالة النص. ومهما يكن فإن مقاربة راستيي في هذا الباب كان لها الفضل الواسع، كما رأينا، في فتح النص على مختلف شروط تكوينه واستقباله، وهو ما يعزّ في الطرح الكريماصي  الموثوق إلى تصوري القصدية والمحايثة .

* – المكان : جاء في لسان العرب«  من مادة (كون) أن المكان: الموضوع أمكنة وأماكن، توهموا الميم في المكان أصل كأنه من التمكن دون الكون، والمكانة المنزلة يقال: فلا مكين عند فلان بين المكانة والمكانة الموضع»، فأما “الكوفي” فيقول: أن « المكان لغة هو: الحاوي للشيء المستقر، كمقعد الإنسان من الأرض وموضع قيامه وإضجاعه هو ( فعال) من التمكن، لا (مفعل) من الكون، كالمقال من القول، لأنهم قالوا في جمعهأمكن، أمكنته أماكن”» نلخص ها هنا إلى أن المكان هو ذلك الحيز الجغرافي الذي يترعرع فيه الانسان ويكوّن فيه ذكرياته من المهد إلى اللحد، ويجرنا هذا التعريف اللغوي إلى تتمة التعريف الاصطلاحي للمكان، حيث نجد ” غاستون باشلار”gastoh bachelard” يرى « أن المكان ليس بمثابة الوعاء أو الاطار العرضي التكميلي، بل إن علاقته بالإنسان علاقة جوهرية تلزم ذات الانسان وكيانه». ابن منظور، لسان العرب، ط04، دار صادر –بيروت لبنان- 2005، مجلد 13، ص 136. نقلا عن: سومية بن صوشة ، بنية التشكيل المكاني في رواية ” مركب الأحرار” لنجيب الكيلاني، مذكرة مكملة لنيل شهادة الماجستير، جامعة محمد بوضياف مسيلة ، 2014-2015، ص19.كذلك: حنان موسى حمودة، الزمانية وبنية الشعر المعاصر أحمد عبد المعطي أنموذجا، عالم الكتب الحديثة للنشر والتوزيع –عمان-ط01، 2006، ص 17. نقلا عن: م. ن، ص ن.كذلك: – غاستون باشلار: شاعرية حلم اليقظة “gastoh bachelard    la poétique de la révrie.p.u.f1960 1976. نقلا عن: سمير المرزوقي وجميل شاكر، مدخل إلى نظرية القصة تحليلا وتطبيقا، د ط، دار التونسية للنشر، ديوان المطبوعات الجامعة، الجزائر، ص 64.

[1] – ينظر: حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، ط01 المركز الثقافي العربي –بيروت- 1990، ص 32-33.

* – الأماكن المفتوحة: هي «حيز مكاني خارجي لا تحده حدود ضيقة يشكل فضاءً أرحب وغالبا ما يكون لوحة طبيعية للهواء الطلق ». أوريدة عبود، المكان في القصة القصيرة الجزائرية النورية دراسة بنيوية لنفوس ثائرة، ص 51. نقلا عن: سمية بن صوشة ، بنية التشكيل المكاني في رواية ” مركب الأحرار” لنجيب الكيلاني، ص 19

** – الأماكن المغلقة: « تمثل غالبا الحيز الذي يحوي حدود امكانية تعزله عن العالم الخارجي، ويكون محيطه أضيق بكثير من المكان المفتوح، فقد تكون الاماكن الضيقة مرفوضة لأنها صعبة الولوج، وقد تكون  مطلوبة لأنها تمثل الملجأ والماية التي يأوي إليها الانسان بعيدا عن صخب الحياة». أوريدة عبود، المكان في القصة القصيرة الجزائرية النورية دراسة بنيوية لنفوس ثائرة، ص 51. نقلا عن: م، ن، ص 25.

[2] – أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد، ص45

[3] – أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد، ص 54.

[4] – عبد الرحمان المصطاوي، ديوان اِمرؤ القيس، ط02، دار المعرفة- بيروت لبنان- 2004، ص 14.

[5] – غادة السمان، القبيلة تستجوب القتيلة، ط01، مطبعة دار الكتاب – بيروت- 1981، ص 24.

[6] – أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد، ص 370

[7] – م. ن، ص 228

[8] – غاستون باشلار، جماليات المكان، تر، غالب هالسة، ط02، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2006، ص 39. نقلا عن: معجب العدواني، تشكيل المكان وضلال العتبات، ص 39

[9] – أحلام مستغانمي، م، س، ص 333-342

[10] – ديوان ابن الرومي ص  766تح: حسين نصار، ط/، 1941، دار الكتب العلمية. نقلا عن: منصور بن فازع بن أحمد ال ناصر القرني، آبها في الشعر السعودي المعاصر دراسة موضوعية فنية رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في اللغة العربية وآدابها، جامعة أم القرى، السعودية، 2005، ص 13.

[11] – عز الدين اسماعيل، التفسير النفسي للأدب، ط 04، مكتبة غريب – القاهرة- د ت، ص 23.

[12] – مجلة الأصالة، ع 65-66، ص 74. نقلا عن: محمد بشكل، الانتاج المعرفي لمدينة قسنطينة ما بعد دولة الموحدين معالمه وأعلامه، ط خاصة، دار كردادة للنشر والتوزيع، الجزائر، 2015، مجلد02، ص 401

[13] – أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد، ص 57.

[14] – أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد، ص 311

[15] – صالح مفقودة، قسنطينة والبعد الحضاري للمكان في رواية ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي، ص 247. نقلا عن: فلة قارة وليندة لكحل، بناء الشخصية والمكان في رواية ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي، مذكرة معدة لاستكمال متطلبات نيل شهادة الماجستير، جامعة منتوري قسنطينة، 2011، ص 87

[16] – يحي بوعزيز، أعلام الفكر والثقافة في الجزائر المحروسة، ط01، دار الغرب الإسلامي، 1995، ج1 ،ص07 .

[17] – الشريف حبيلة، بنية الخطاب الروائي ( دراسة في روايات نجيب الكيلاني)، ص222. نقلا عن: فلة قارة وليندة لكحل، بناء الشخصية والمكان في رواية ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي، ص 72

[18] – أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد، ص 29

[19] – مصطفى عطية جمعة، تيار الوعي رؤية نفسية زمانية مكانية، منتديات القصة العربية، http// :www.arabiacstory.net/Forum 08:29  18/05/2017

[20] – أمل فؤاد عبيد، تيار الوعي: دراسة نقدية تحليلية لرواية الخباء للكاتبة ميرال الطحاوي، الحوار المتمدن، http://www.ahewar.org/debat/Sho، قراءات في عالم الكتب والمطبوعات، العدد 1771، 08:31،  18/05/2017

[21] – أحلام مستغانمي، ذاكرة الجسد، ص 13 -14

[22] – م. ن، ص 56

[23] – عبد الكريم الخطيب، اعجاز القرآن في دراسة كاشفة لخصائص البلاغة العربية ومعاييرها، ج01، ط01، دار الفكر العربي –القاهرة-1964، ص 186. نقلا عن: مصطفى محمد زكي الدباغ، وجوه من الاعجاز القرآني، ط01، مكتبة –الأردن- 1986، ص 18.

[24] – بدر نايف الرشيدي، الفنية في شعر أحمد السقاف، رسالة مقدمة لكلية الآداب والعلوم استكمالا لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في اللغة العربية، جامعة الشرق الأوسط، 2011-2012، ص 36.

[25] – م. ن، ص 40.

[26]- Vocabulaire des études sémiotiques et sémiologiques, Sous la direction de Driss Ablali et de Dominique Ducard, Ed. Honoré Champion, Paris, 2009, p.43.

[27] – يمكن في هذا الصدد الاطلاع على كتاب سعيد يقطين ” السرديات والتحليل السردي”( ص130-131) وعلى المقال القيم للباحث cavazza  المعنون ب: «Narratologie et Sémantique : pour une refondation interprétative»

[28] – Rastier François. Situation du récit dans une typologie des discours. In: L’Homme, 1971, tome 11 n°1. pp. 68-82. P.68.

URL : www.persee.fr/doc/hom_0439-4216_1971_num_11_1_367154

[29] – C.Levis-Strauss, Anthropologie structurale deux, Ed. Plon, 1973, p.159

[30]-  François Rastier, sens et textualité, Ed. Hachette, Paris, 1989, P.198

[31]- Groupe d’Entrevernes, Analyse sémiotique des textes, Ed Presses universitaires de Lyon, 1979, p.13.

[32] – Rastier (François), Sémantique Inteprétative, Presses Universitaires de France, Paris, 2009,p.219.

[33] – Greimas (AJ), Courtes (J), Sémiotique dictionnaire raisonné de la théorie du langage, Ed Hachette, Paris, T1 1979, p.157.

[34] – François Rastier, Sens et textualité, op.cit, p.69.

[35] – Ibid, p.70.

- راستيي (فرانسوا)، فنون النص وعلومه، ترجمة ادريس خطاب، دار توبقال للنشر،ط1، الدار البيضاء، 2010، ص233.[36]

[37]- عبد الرحيم جيران، سراب النظرية، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط1، بيروت، 2013، ص89.

[38] – François rastier, Sémantique interpretative, op.cit, p.216-217.

[39] – Ibid, p.219.

[40] -Ibid, p.87.

[41]- François rastier, Sémantique interpretative, op.cit, p.218.

- عبد الرحيم جيران، سراب النظرية، ص93. [42]

[43] – Greimas (A.J), Sémantique structurale, Ed. Pressses Universitaires de France, Paris, 1986, p.69.

[44]-Greimas, De la figurativité, Actes sémiotiques,VI ,26, pp. 48-52, 1983, p.50.

[45] – François Rastier, Sémantique Inteprétative, op.cit, p.90.

[46] – Ibid, p.90

[47] – Ibid, p.218.

[48] – François rastier, Sémantique interpretative, op.cit, p.220.

- عبد اللطيف محفوظ، المعنى وفرضيات الإنتاج-مقاربة سيميائية في روايات نجيب محفوظ، منشورات الاختلاف، ط1، الجزائر،2008، ص104.[49]

[50] – Greimas, Sémantique structurale, op.cit, p.7.

[51] – Ibid, p.6.

[52] – Ibid, p.7.

[53] – François Rastier, Sens et textualité, op.cit, p.70.

[54] – François Rastier, Sémantique Inteprétative, op.cit, p.219.

[55] – François rastier, Sémantique interpretative, op.cit, p.121.

[56]- Ibid, p.125.

[57] – Ibid, p.126.

[58] – Ibid, p.92.

[59] – François Rastier, Sémantique et recherches cognitives, Presses Universitaires de France, 1ED, Paris, 1991, p.248.

[60] – RASTIER, François. De la signification au sens. Pour une sémiotique sans ontologie. Texto ! juin-sept. 2003,p.5. [en ligne]. Disponible sur : <http://www.revue-texto.net/Inedits/Rastier/Rastier_Semiotique-ontologie.html>. (Consultée le 20/07/2017)

[61] – François Rastier, Sémantique Inteprétative, op.cit, p.44.

- مبارك حنون، دروس في السيميائيات، دار توبقال للنشر،ط1، الدار البيضاء، 1987، ص35.[62]

[63] – El Mostafa Chadli, Sémiotique, vers une nouvelle semantique du texte -problématique, enjeux et perspectives théoriques, op.cit, p.105.

- نتفادى هنا التوسع في دراسة مفهوم التناص وأي رصد لحدوده وتطوره التاريخي ومجالات أجرأته في مختلف الاتجاهات النقدية الحديثة.[64]

- سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي: النص والسياق، المركز الثقافي العربي، ط2، الدار البيضاء-بيروت، 2001، ص93. [65]

[66] – François Rastier, La sémantique interprétative, op.cit, p.3.

[67]- Fançois Rastier, sens et textualité, op.cit, p.30.

[68] – Rastier (François) (2014) «Action et récit», [En ligne], Volume XIX – n°3 (2014),  Coordonné par François Laurent, p.11.  URL : http://www.revuetexto.net/index.php?id=3579.

[69] – Ibid, p.12.

[70]- François Rastier , op.cit, p.69.

[71]- سعيد يقطين، السرديات والتحليل السردي-الشكل والدلالة، المركز الثقافي العربي، ط1، الدار البيضاء-بيروت، 2012، ص132.

[72]- François Rastier, Action et récit, op.cit, p.12-13.

[73]- بول ريكور، نظرية التأويل-الخطاب وفائض المعنى، ت. سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي،ط2، الدار البيضاء،2006، ص136.


Updated: 2018-03-28 — 17:51

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme