أزمة الانتقال الديمقراطي الجزائري من منظور سوسيولوجي / رابح علي موسى


 أزمة الانتقال الديمقراطي الجزائري من منظور سوسيولوجي

د. رابح علي موسى/جامعة التكوين المتواصل،الجزائر

 مقال نشر في  مجلة جيل العلوم الإنسانية والإجتماعية العدد 36  الصفحة 139.

      ملخص:

لحظة أكاديمية حاسمة في دراسة الظواهر الاجتماعية الانتقالية، هي مرحلة التأسيس لحقل معرفي مستقل بذاته، كني بعلم الانتقال transitologie، حاول رواد هذا التوجه من خلاله التوفيق المنهجي بين المجهود المعرفي المهتم بشروط الانتقال القبلية وبمآلات هذا الانتقال، فضلا عن الاجتهاد لاقتراح مصفوفة نموذجية لمقارنة الخصائص المشتركة بين المجموعات الدولية والإقليمية التي شهدت أو مازالت تشهد هذه السيرورة الانتقالية.

نحاول، من خلال هذا المجهود، قراءة الواقع الانتقالي الجزائري؛ أولا من المنظور النظري لسوسيولوجيا الأزمات السياسية، ثم من خلال التوليف المنهجي بين التوجه الكلاني والتوجه الفرداني في إيجاد العلا[1]قات الترابطية للمنطق الانتقالي في التجربة الجزائرية.

الكلمات الدالة: سوسيولوجيا الأزمات، علم الانتقالية، الأزمة، الانتقالية الجزائرية.

Résumé :

   Un moment crucial, dans les études académiques des phénomènes de transition, est de voir s’autonomiser un champ épistémologique sous l’appellation de la transitologie, une discipline qui s’est donnée comme mission la conciliation méthodologique des approches ante et post transition, additivement à l’effort d’édification d’une matrice comparative d’ensembles nationaux ou régionaux de pays avec des traits communs dans leurs processus transitionnel.

A travers cet humble effort, je tente une contextualisation de l’approche transitologique à la réalité algérienne, à travers la proposition d’une grille d’analyse qui mobilise, sur un premier plan, les  ressources théoriques de la sociologie des crises politiques et, sur un deuxième plan, la résultante de conciliation entre déterminisme et individualisme méthodologique,  afin d’arriver à des relations corrélatives dans la logique transitionnelle de l’expérience algérienne.

Mots clés : Sociologie des crises, Transitologie, Crise, Transition algérienne.

1ـ مقدمة:

 في خصوصية السياق الانتقالي الجزائري:

                مقاربات عديدة حاولت تفسير الظاهرة الانتقالية، التي قادت الكثير من الدول للتحول من نمط تنظيم مجتمعي لآخر، وعلى تعدد المداخل الأبستمولوجية لهذه المقاربات فإن الكثير منها ركز، تقريبا، إما على الجرد القبلي للشروط والظروف المحيطة بالانتقال أم، في مرحلة لاحقة، على الكيفيات والمسارات التي سلكها هذا الانتقال من النمط القديم للنمط الجديد.

عملية الجرد للآراء الأكاديمية، حول التجربة الجزائرية في التحول من المد التنظيمي المركزي للدولة نحو المزيد من حرية الفعل والمبادرة الفردية، نهاية الثمانينيات، تمكن من الاستخلاص بوضوح تشكل ما يشبه الإجماع، لدى الدارسين، على أنها باكورة لتجارب الموجة الثالثة من الثورات في الفضاء الشرق أوسطي، بما في ذلك المغرب العربي كامتداد جغرافي مجازي مدمج مع المشرق، وهذا وفق النموذج النظري المرجعي لصامويــل هنـغـتـيـنـتـن الذي عدد تلك التجارب التي عاشهــــا العالــــم، وفق مصفوفة زمنية محددة، إلى[2]:

ـ موجة أولى من الثورات ذات الطابع الوطني، شملت كل من إنجليترا، أمريكا وفرنسا خلال القرنين الثامن عشر التاسع عشر؛

ـ موجة ثانية من الثورات ذات الطابع الأيديولوجي، شملت كل من البولشفيين، الصينين والإيرانيين، امتدت خلال النصف الأول للقرن العشرين؛

ـ موجة ثالثة وأخيرة ذات الطابع الديمقراطي، شملت بعض من دول أوروبا المتوسطية وبعض دول أمريكا اللاتينية ثم دول أوروبا المركزية والشرقية ابتداء من منتصف السبعينيات وحتى مطلع التسعينيات.

وبنفس هذا القدر من الإجماع، حول أسبقية التجربة الجزائرية الزمنية وطفرتها مقارنة مع مجموعتها الإقليمية، هو ذلك الإجماع حول لا نمطية سيرورتها و مآلاتها، بالمقارنة مع سيرورة ومآلات تجارب المجموعات الإقليمية و الدولية التي تزامنت معها، على غرار دول أمريكا اللاتينية وأوروبا المركزية و أوروبا الشرقية، وهو ما يدفع في فضول معرفي نحو مراجعة  بعض المقاربات المفهمية التي هي من صميم النسق المعرفي لعلم التغير، كمفهوم المرحلة الانتقالية و مفهوم الانتقال الديمقراطي و أزمة الشرعية وغيرها من المفاهيم؛ وذلك من خلال إعادة البناء الإشكالي التالي: هل ما تعيشه الجزائر منذ أكتوبر1988 هو فعلا خاتمة للاختلالات الجينية لمرحلة ما بعد الاستقلال و إيذان لسيرورة، ستري النور لمرحلة تأسيسية جديدة، وفقا لمصفوفة انتقالية محددة ووفق أجندة إصلاحية، معدة من لدن فاعلي الحقل السياسي، لبناء الدولة، بالاعتماد على سيادة شعبية، أم أن الأمر لا يغدو كونه امتداد و استمرار لأزمة الشرعية، في عملية بناء السيادة الوطنية المتكئة على شرعية التحرير التاريخية، وبالتالي ما هي إلا استمرار لثورة -أزمة- وطنية من الموجة الأولى وفق نموذج هنغتينتن السابق، أم أنه، و كحل توفيقي، بالنظر لتعقد أحناء الواقع الاجتماعي الجزائري، الناتج عن الخصوصية البنوية في تشكل فضائها الحضاري،   يجوز الاعتماد على موقف الثلث مدمج، للتأكيد على أن الفاعلين، في هذا السياق الخاص، هم فعلا بصدد صناعة التاريخ لكنهم لا يدرون أي تاريخ بالضبط  هم يصنعون؟

2ـ أزمة الانتقالية بين القطيعة والاستمرارية:

                تلازمت الدراسة الاجتماعية للظاهرة الانتقالية مع الإشارة بشكل أو بآخر لمفهوم الأزمة، سواء بمعناها المباشر أو الإيحائي، لذلك سيكون من المألوف، بالنسبة للعامل في هذا الحقل المعرفي، مصادفة مفاهيم هي من صميم أدبياته، مثل أزمة الانفتاح الديمقراطي، أزمة البناء المؤسساتي أو أزمة الترسيخ القيمي لثقافة التعددية…، هذا اللجوء التناسبي لمفهوم الأزمة كأداة تفسير للظاهرة الانتقالية هو من الصميم الهرمينوطيقي  و الفينومينولوجي لمعنى الأزمة، الملازم للإيحاء الانتقالي، مهما تعددت متكآت الفحص الموضعية لاسترجاع دلالية المفهوم، على حد تعبير بول ريكور[3]: (( الفحص الموضعي للمفهوم ” الأزمة ” في اتجاه إيجاد مواضع الاشعاع أو متكآت الإرساء تحيلنا، على الأقل إلى معنى مشترك واحد؛ هو الإيحاء بوجود ظاهرة الانتقالية )) .

لكن إذا وجد هذا التلازم نوع من الإجماع من منظور ابستيمولوجي، في المقارنة بين الحقلين، الطبيعي والاجتماعي، فلن تكون مهمة تحقيق هذا الإجماع بالسهلة والهينة بداخل الحقل المعرفي الاجتماعي ذاته، ذلك أن الخصوصية الجدلية لهذا الحقل تضعنا أمام المفارقة التالية: هل طبيعة اللايقين في الأزمة هي حالة قطيعة مع حقيقة التوازن لنظام المجتمع على نسبية هذه الحقيقة، أم أن هذا اللايقين، الناتج عن الأزمة، ما هو في الأصل سوى استمرار للا يقينية الحقيقة الاجتماعية، التي هي خصوصية بنيوية لهذا التوازن في حد ذاته، وذلك على منوال أطروحة أن حالة الحرب ما هي إلا استمرار لأحوال السلم، لكن باللجوء لوسائل مختلفة.[4]

2ـ1 ـ الأزمة كحالة قطيعة في التوازن الاجتماعي:

شكلت الأزمة،كلحظة قطيعة تاريخية محملة بالاختلالات، بغض النظر عن الإيحاء السلبي أو الإيجابي لهذه القطيعة، مركز اهتمام متجدد، سواء كفئة معرفية أو كفئة عملية، بالنسبة للمهتمين بدراسة التنظيم المجتمعي والتركيز على كشف واستخراج عناصر توازنه.

كفئة معرفية، يبرز نموذج الاختلال والقطيعة للأزمة مع النظام الكلي على مستوى الجدل التطوري لتاريخ العلوم أو ما يعرف بثورة المعارف، الذي لا يتوانى على إظهار الطابع الغير مستمر لسلسلة الاكتشافات العلمية عبر الزمن على شكل أزمة رفض الاندماج للنماذج العلمية المستحدثة مع النماذج القديمة وهو ما يدفع للتغير في الأنموذج ـ البراد يغم ـ، هذا التغير يحمل جميع دلالات القطيعة والاستقلال للمستحدث مع القديم كما يشهد العالم، مع مجيء كل جديد، وضعيات التعقد المعرفي والتناوب بين حالات التوازن ـ لا توازن. [5]

أما كفئة عملية فيمكن الاستنجاد بالعديد من الشواهد والأمثلة، من شتى الحقول المعرفية الاجتماعية، التي اجتهدت في ابراز الأزمة على شكل قطيعة في التوازن الاجتماعي.

ففي السجل العلم اقتصادي، الحقل الذي يمكن أن يكون الأكثر استنباطا للمعاني الإيحائية للأزمة من الحقل الطبي، نجد أن الفكر الدياليكتيكي،من هيغل حتى ماركس، قد جمع المفهوم الأمبريقي للأزمة تحت السمات الايحائية للقطيعة، الاختلال والركود، لكن بدلالة أكثر إيجابية عند الأخير حيث يحملها بالمعاني المفعمة بالتغير نحو الإفاضة أو نحو الأفضل. فهو يصف أزمة الإنتاج المتفاقم على أنه قطيعة مفاجئة في رتم نمو الرأسمال الفائض والمتاح للاستثمار، بالأخذ بعين الاعتبار التزايد في الأجور بسبب التراكم الرأسمالي، كما نجده يصف أزمة الإنتاج الزائد على أنها اللحظة التي تتفاقم فيها الاختلالات بين السيرورة الإنتاجية وبين قدرة السوق على تصريف المنتوج بشكل يحول دون الحصول على القيم المضافة.[6]

يتأكد توجه القطيعة في مفهوم الأزمة على صعيد التعريف الاقتصادي العام حيث تتيح لنا الموسوعة العالمية الحرة التعريف التالي للأزمات الاقتصادية: (قطيعة في التوازن وتصدع متبوع بسقوط، سقوط للنشاط المنتج، للتبادلات، للأرباح، للأجور، لأسعار الصرف؛ بالمقابل الصعود في ظواهر الإفلاس، البطالة والانتحار).[7]

أما في السجال العلم اجتماعي، على تعدد النماذج النظرية المفسرة، نسجل حضور فرضية القطيعة والاختلال للأزمة على مستوى الكثير من الأنساق السوسيولوجية؛ فالمدارس البنيوية التي عموما ما ركزت على البحث في عوامل الاستقرار والاستمرار البنيوي للمجتمع، سواء بغرض التكيف أو بغرض التحول، غالبا ما قدمت الأزمة على أنها فجوة بنيوية وخطر على ديمومة النسق، الذي ما هو في الأصل إلا مجموعة من الفاعلين، يمثل كل فاعل مكانة متمايزة عن الأخرى و يؤدي الجميع دورا متمايزا، إذن فالنسق هو عبارة عن نمط منظم بحكم علاقات الأعضاء، أما الأزمة وفقا لهذا النسق، فلا يمكن فهمها إلا على أنها خطر على هذا النمط من التنظيم النسقي.[8]

في سجل الأطروحات المعاصرة نسبيا، يمكن الإشارة إلى أمثلة الأزمة كقطيعة عملية لدى كل من ألان توران، في نموذج اللا استمرار للحركات الاجتماعية مع الحركة الاعتيادية للمجتمع،[9] أو لدى رواد سوسيولوجيا التنظيمات، كاختلال بين النظام الداخلي والنظام الخارجي للمنظمة. [10]

 أما فيما يتعلق بمواقف المدارس السوسيولوجية التي اهتمت بظاهرة الصراع، كوجه من أوجه النشاط الإنساني و المجتمعي، الأقرب لمفهوم الأزمة والأشمل لها من منظور الحقل المعرفي السوسيولوجي ، فلن نجد خير من موقف ج. فراند حول الأزمة كدلالة على القطيعة و الاختلال: )) من وجهة نظر سوسيولوجية، فإن الأزمة هي وضعية جماعية مميزة بالتناقضات والقطيعة مشحونة بالتوترات و الخلافات، تجعل الأفراد و الجماعات مترددين حول السلوك الواجب إتباعه، ذلك ان القواعد والمؤسسات المعتادة تقبع بمنأى، بل يمكن القول في قطيعة، عن الفرص و الإمكانات الجديدة التي يمنحها التغيير و ذلك بغض النظر عن فعالية و عدالة هذه السبل الجديدة ((.[11]                        

2ـ2 ـ الأزمة كحالة استمرار في توازن النظام الاجتماعي المعقد:

يمكن تسجيل موقف “ميشال دوبري” وإلحاحه على عدم وجوب تقطيع مسار النظام الاجتماعي بين ما هو فترات اتصال وما هو فترات انفصال، الوارد في متن كتابه “سوسيولوحيا الأزمات السياسية”، على أنه الموقف الذي يمكن أن يكون استثنائيا، على اعتبار أنه يدعو إلى مقاربة مراحل الأزمة كامتداد طبيعي وجد عادي لروتين النظام الاجتماعي المتلاحق والمتتالي.[12]

يبرر م.دوبري موقفه هذا بالارتكاز على مسلمة ك.كلوزفيتز، بأن أوضاع الحرب ما هي إلا امتداد للعمل السياسي لكن بوسائل أخرى مختلفة.

يبرز وجه الاستمرار في الفعل السياسي ـ الاجتماعي من خلال هذا الطرح، في مرحلة الأزمة، كون هذا الفعل لا يغير شيء في الصميم البنيوي الاجتماعي، مقارنة بمرحلة ما قبل نشوب الأزمة، المرحلة التي لا تشكل أصلا محور الدراسة وفق طرح م. دوبري، باعتبار أن بؤرة الاهتمام المعرفي لديه هو الكيفية التي يأخذها مسار الأزمة لا أسبابها القبلية ولا البعدية، فالمجال الاجتماعي هو في نظره عبارة عن نظام معقد مؤسس على شكل جملة من القطاعات المستقلة في منطق عملها.

لا يتأثر شكل النظام الكلي المعقد وفقا لكونه في حالة سلم أو حالة حرب (أزمة) كما لا تنشأ أي قطيعة وظيفية فيه وانما منطق عمل قطاعات هذا النظام المعقد هي التي تغير، بعد حدوث ما يسميه عملية نزع الحدود التقليدية الفاصلة ما بين هذه القطاعات وترسيم حدود جديدة، بما يسمح لكل قطاع من اكتساب ورصد موارد جديدة يواجه بها السياق الاجتماعي الجديد المائع، إشارة إلى سياق الأزمة. كما يسمح هذا التقطيع الفضائي الجديد للفاعلين بالانطلاق في سباق محموم للحصول على مصادر جديدة، تسترجع كوسائل لكيل الضربات للآخرين والتمكن من أدوات التموقع في الفضاء الجديد وفقا لمقتضيات ومتطلبات منطق عمله الجديد.

نلاحظ وفقا لهذا الطرح، أن الأصل في العمل السياسي ـ الاجتماعي، الذي هو السباق للحصول على الموقع والمقام، لم يتغير وسبله لم تنقطع ولم تتأثر بتغير حدود الفضاء الاجتماعي، لكن ما تغير هو وسائل الحصول على السلطة وفق القانون الجديد للمكانة ووفق ما يمليه التقطيع الجديد للفضاء الاجتماعي المتقولب، لكن المحافظ على بقائه واستمرارية وظائفه.

يمكن جمل مظاهر الاستمرار للنظام في وضع الأزمة، من خلال النسق المعرفي المقترح من قبل م.دوبري، في الأفكار التالية:

ـ الفضاء الاجتماعي هو بنية متكاملة تتسم بالتعقيد بالنظر لتعدد القطاعات التي تشكل هذا الفضاء؛

ـ المنطق الذي يحكم الفضاء الاجتماعي ليس موحد وإنما لكل قطاع داخل الفضاء الأشمل قوانين خاصة به؛

ـ الأزمة ليست بالظاهرة المؤثرة على استمرار وظائف الفضاء الاجتماعي لكن القطاعات المشكلة لهذا الفضاء، تحت وطء الأزمة، تغير معالمها وحدودها ما ينجر عنه تغير في منطق عملها وقوانينها المنظمة لها؛

ـ الأزمة المتعددة القطاعات أو الأحادية القطاع هي سياق اجتماعي يتسم بالميوعة في سن المعايير ثم تغييرها وفقا لحدود القطاعات المتغيرة حيث تكسر قوانين اللعب الاعتيادية وتتيح، خلال كل تغير، مصادر جديدة لفاعليها تجعلهم يتنافسون فيما بينهم للتمكن من رصد أكبر قدر من تلك المصادر، التي ما هي في آخر الأمر إلا أدوات الحصول على السلطة والمقام؛

ـ الأزمة هي خصوصية ثابتة للأنظمة الاجتماعية المعقدة المميزة بلا موضوعية العلاقات والموازين الاجتماعية لذلك كان من قبيل الوهم السعي للحصول على قانون طبيعي يحكم تطورها أو السعي للبحث عن العامل الأحادي المدخل، المؤثر لوحده في الأحداث، كما يكون من العبث السعي للحصول على عمق تفسيري للأزمة ومن الأفيد الاكتفاء بتتبع مساراتها.

هذا الموقف الاستثنائي والمميز لـ م. دوبري، من مفهوم الأزمة كاستمرار وظيفي للنظام الاجتماعي المعقد، يضعنا في ورطة، حال الشروع في أي بناء تصوري ينطلق من مسلمة أن الظاهرة الانتقالية، الحاملة لمتلازمة الأزمة وفق الاستدلال السابق، هي تقطيعة وتحقيبة زمنية اجتماعية جديدة متمايزة عن المراحل التاريخية السابقة لها، ذلك انه لا مجال لتقطيع الفضاء الاجتماعي مهما تأزمت الأوضاع أم ثار الفاعلون، بل لا مجال حتى لتوصيف أي وضع بالانتقالي لمجرد أن هؤلاء الفاعلين قد قاموا باستبدال الوسائل الاعتيادية للحصول على الحظوة و المقام بوسائل جديدة تبدو أكثر ضراوة.

3ـ السيرورة الانتقالية كواقعة اجتماعية شاملة ومعقدة:

ربط الظاهرة الانتقالية بصفتي الشمول والتعقيد، يشكل هنا الملاذ المنهجي لتجاوز التورط في جدل هل حقيقة الأزمة الانتقالية هي قطيعة أم هي استمرارية للتوازن في النظام الاجتماعي.

tفشمول الواقعة الاجتماعية الانتقالية لأكثر من حقيقة في نفس الآن يتيح لنا مخرجا ما بين مناهجي لهذه المواجهة بين متضادين، أي أن أزمة الانتقالية هي قطيعة وهي استمرارية في نفس الوقت، ووفقا للسياق الذي تجئ فيه يمكن الاجتهاد في اقتراح نموذج تصوري، يعتمد على المستوى الإجرائي التالي:

 أن أزمة الظاهرة الانتقالية يتوقف توصيفها بالاستمرارية أو بالقطيعة وفقا لسيرورة تنميط الدولة، أي أولوية فعل الدولة على فعل المجتمع، بعد التسليم بكونها أذاة لسلطة قائمة محتكمة لاحتكار العنف الشرعي، وفق مسلمة ماكس فيبر، وكفاعل عقلاني مؤسساتي صاحب الدور الحاسم في مسار الانتقال.[13]

نحاول تحديد النمط الذي تأخذه أي دولة، في مقاربتنا هذه، من خلال اقتراح مصفوفة بنيوية ثلاثية المداخل يكون تقاطعها محدد لسيرورة أي مرحلة انتقالية:

ـ الزمن أو الأجندة الذي يستغرقه الانتقال من نمط تنظيمي لآخر؛

ـ طبيعة المواد أو الموارد التي يتم رصدها خلال عملية الانتقال؛ اقتصادية، سياسية أم قيمية؛

ـ تمثلات الفاعلين، المتراوحة في الزمن، بالقبول، الرفض أو التردد لكيفية وكمية الموارد المرصودة.

فالنماذج المعرفية التي اقترحت آنفا، للدلالة على حالة الانقطاع أو الاستمرار في التوازن الاجتماعي، المرافقة لنشوب أزمة انتقالية، اعتمدت كلها على الأحادية في اعتماد المدخل البنيوي، المحدد للقطيعة أو الاستمرارية، فإما اعتمدت على عنصر من العناصر الثلاثة للمصفوفة السابقة أم على طبيعة من طبائع الموارد المرصودة مادية كانت أم قيمية.

ففي حين لجأ التحليل الجدلي التاريخي إلى الاعتماد على العنصر الاقتصادي المادي الصرف، من خلال إبراز الاختلال بين عروض وطلبات الموارد المتاحة ولجأ التحليل السلوكي للاعتماد على التردد في تمثلات الفاعلين داخل التنظيم، من خلال إبراز الاختلال بين النسق الداخلي والخارجي للمنظمة، لتبرير حالة الأزمة كقطيعة في التوازن الاجــتماعي، لجــأ تحليـل “م. دوبري” إلى الاعتماد على العنصر السياسي السلطوي المحض، من خلال ابراز ديمومة الصراع على السلطة، لتبرير حالة الأزمة كاستمرار للنظام الاجتماعي المعقد.

محاولة إحداث التقاطع بين المداخل الثلاث، الزمني، النسقي والسلوكي هو الحل التوفيقي بين العناصر الجبرية والعناصر الاختيارية المنتجة للقوالب الاحتمالية وللمسارات الانتقالية الممكنة الحصول أو النماذج الحاصلة سلفا في فضاءات زمنية وجغرافية مختلفة.

المصفوفة الموضحة في الجدول التالي تبين أحد سيناريوهات السيرورة الانتقالية:

زمن الانتقال طويل متواتر قصير
مادة الإصلاح ضئيلة غير محددة ضخمة
تمثلات الفاعلين خلال الانتقال مقاومة مترددة متجاوبة
نمط الدولة مركزي هجين ليبرالي

يظهر هذا الجدول سيناريو مثالي لثلاثة احتمالات لتشكل الدولة وفق وضعيات متوافقة من حيث المحددات، ذلك أنه يمكن تصور العديد من السيناريوهات الاحتمالية المماثلة التي يصعب معها تحديد شكل الدولة بدقة، كأن نشرع بتصور شكل دولة يكون زمن الانتقال فيه قصير ومادة الإصلاح غير محددة بدقة مع المقاومة الشديدة للفاعلين.

نقف هنا طبعا عند أحد مظاهر التعقيد في دراسة السيرورة الانتقالية وشمولها، التي تجبرنا على التسليم بتعايش الشيء ونقيضه في نفس الآن وبذلك نكتفي بمحاولة مكاشفة العلاقات الترابطية بين الظواهر في خضم حالة واقعية من حالات الانتقال، كبديل عن الطموح المنهجي التقليدي، الذي يحدد سقف البحث إيحاد العلاقات السببية، التي نقر بصعوبة الوصول إليها في مقامنا هذا.

اسقاط هذه المصفوفة على الواقع الانتقالي الجزائري سيظهر بشكل جلي صعوبة فصل العقلاني عن القهري والدلالة على درجة تعقيد الظاهرة الانتقالية.

4ـ السيرورة الانتقالية الجزائرية:

قراءة الواقع الانتقالي الجزائري، من خلال المصفوفة المقترحة آنفا، يعطي النسق التحليلي التالي:

4ـ1 عودة التاريخ والعودة إلى التاريخ في زمن السيرورة الانتقالية الجزائرية:

الفارق بين عودة التاريخ[14] كثقل جبري يفرض حتمياته على سيرورة الانتقال والعودة إلى التاريخ كخيار عقلاني واع من لدن الفاعلين للنهل من مصادر التاريخ ورسم سيرورة الانتقال هو الإشارة للفارق بين الطرحين التفسيريين الكلاني والفرداني المنهجيين المستعرضين آنفا.

نشير من خلال هذا العنوان إلى أهم علاقة ترابطية يمكن تسجيلها حول الخصوصية الزمنية لسيرورة الانتقالية الجزائرية التي يطبعها، تارة حضور التاريخ مثقلا وطورا إحضار التاريخ أو أطيافه قصدا وذلك في مختلف مراحل تشكل الدولة وبالتالي تفرد هذه الدولة، أداة السلطة القائمة غداة الاستقلال، بنمط تنظيمي استثنائي.

ففي حين يتأكد باستمرار أن أهم مراحل المرور للنموذج الانتقالي هو الانفتاح، البناء ثم الترسيخ وأن أهم تمثلات النمط الحداثي للدولة المنتقلة هو العمل على إضافة الحقائق الجديدة كشكل من أشكال تأكيد الذات في حاضرها وضمان الوظيفة التراكمية لمواجهة المستقبل؛ نجد أن الدولة الجزائرية، المدججة بمصادر الشرعية الوطنية، لا تتوانى في استحضار الحقائق التاريخية واسترجاع المكاسب الثورية كمشروع إصلاحي وإجابة على احتياجات الحاضر المتزايدة والصادرة على فاعلين من أجيال، بالنظر للثقل الملموس للعولمة عليها، هي في وضع أشبه من القطيعة التامة مع شرعيات التاريخ والجغرافيا.

يسجل إحضار التاريخ وحضوره، في المدخل الزمني المحدد لطبيعة الدولة، مصدر متواتر الحضور ومتلازمة حاسمة في مآل السيرورة الانتقالية الجزائرية وهو ما يبرز من خلال هذه التحقيبة الزمنية المرادفة للتقطيع الزمني لسيرورة الانتقال؛

فأزمة الانتقالية الجزائرية على مستوى المدخل الزمني لا تظهر على شكل أجندة جديدة في قطيعة مع أخرى سبقتها بل على شكل عودة وتواتر أجندات غابرة تشكل دوريا قطيعة مضاعفة؛ خارجيا مع ميقاتية العولمة و أجندة موجات التحرر المتزامنة مع هذه التجربة في مسارها الخطي؛ انفتاح، بناء وترسيخ، ثم داخليا مع ميقاتية الأجيال الجديدة وأجندتها المتطلعة لمزاوجة حقيقة الحاضر مع حقائق المستقبل الافتراضية ، الشيء الذي أفرز أجندة الانتقال بخصوصية محلية، تأخذ شكل السيرورة الأهليليجية المتواترة، مترددة ولم تصل إلى أي مبتغى مسطر، مقارنة حتى مع أطول و أعسر تجارب الانتقال التي تزامن نشوبها، تقريبا، مع بدأ التجربة الانتقالية الجزائرية.

لنضع كمعلم زمني إجرائي، لبداية السيرورة الانتقالية، اختلال ميزان القوى بين الفاعلين وخروج مظاهر الأزمة للعلن غداة أحداث أكتوبر 1988، حيث رصد كل طرف من أطراف الأزمة من المصادر ما يكيل به الضربات لإجبار المنافس لمراجعة المراتبية المستوية خلال ربع قرن من جزائر ما بعد الاستعمار ووضع اجندة انتقال جديدة، تزامنا مع موجات التحرر ذات المطلب الديمقراطي، المؤسسة على الاحتكام لشرعية السيادة الشعبية كبديل لشرعية السيادة الوطنية، التي استوى عليها النظام السابق.[15] وهو ما حصل ثلاث سنوات بعد اتفاق جميع الأطراف على القبول بمبدأ اللايقين في الحصول على الشرعية التي تفرزها العملية الانتخابية، حيث أن الاحتكام لصناديق الاقتراع سيحدد الطرف الذي يكون له سلطة إكمال بناء المؤسسات الديمقراطية ثم ترسيخ قيم الحرية بالتداول، بعد أن قادت حكومتي إصلاح لمدة ثلاث سنوات مهام الانفتاح والتأسيس بوضع المعايير القانونية للسيرورة الانتقالية.

لفترة وجيزة ساد الانطباع لدى الرأي العام أننا نحضر لحالة إصلاحية استثنائية في ما يسمى بالعالم الثالث، فلقد تحرر الفضاء المدني العمومي من خلال ميلاد جملة من الجمعيات المدنية، التي تهتم بمطالب مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية وتمهد لعهد جديد من الحكم المبني على المشاركة الجماهيرية في صناعة القرار، كما تحرر الفضاء العمومي السياسي بميلاد جملة من الجمعيات السياسية التي نقلت التنافس حتى داخل التيار الواحد، فرأينا عدد كبير من الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية تتنافس فيما بينها حول تمثيل هذا التيار كما رأينا عدد كبير من الأحزاب ذات التوجه الوطني تنافس الحزب الواحد في احتكاره للشرعية التاريخية. كما تعددت التيارات المنضوية تحت الايدولوجيا العلمانية في سياق أفقي بين اليسارية الحاملة للقيم الاشتراكية واليمينية الحاملة للقيم الليبرالية. يبقى أكبر تحرر، للفضائين السياسي والمدني، هو في واقع الأمر ذلك التحرر من القبضتين العسكرية والإدارية للحزب الواحد، والسماح لفئات واسعة بالتعبير على نفسها بشتى الطرق وداخل معايير محددة.

                لم تستمر طويلا حقبة الانفتاح هذه حتى تدخل تيار نافذ في السلطة، بحكم احتكاره لمصادر العنف، بالرفض المطلق لمبدأ لا يقينية نتائج المحك الديمقراطي أي عبر رفض نتائج الانتخابات التشريعية والدفع بالرئيس، ضامن استمرارية هذه السيرورة الإصلاحية للاستقالة، بحجة ضرب الديمقراطية لحماية الديمقراطية، ليتم بعد ذلك تعيين قيادة جماعية للدولة، إيذانا بعودة التسلطية التنافسية ونكوص الديمقراطية، كحقبة ثانية لهذه السيرورة.

حاولت هذه القيادة الجماعية البحث عن شرعية، لترقيع واجهة السلطة العسكرية الجماعية، ثم المرور إلى البحث عن مخرج لأزمة شرعية السلطة.

المخرج الذي ارتأته هذه القيادة الجماعية هو العودة للتاريخ من خلال إقناع أحد فاعلي الحقل السياسي المعارض، لجزائر ما بعد الاستقلال، بقيادة مرحلة البحث عن سلطة ديمقراطية بدون ديمقراطيين، على حد تعبير غسان سلامة.

كانت موافقة شخصيات تاريخية مثل محمد بوضياف أو علي كافي، لتولي رئاسة المجلس الأعلى للدولة، شوط رابح في حلبة صراع، أغلى مواردها الشرعية التاريخية وأقوى ضرباتها البقاء.

ولم تعمر تجربة فرض سلطة زعاماتية مظهرية طويلا، بعد أن عرفت نهاية مأساوية بالاغتيال، لتفسح المجال للسلطة العسكرية بقيادة رئاسة دولة بدلا عن قيادة رئاسة جمهورية.

                الحقبة الثالثة في السيرورة الانتقالية، تبدأ بإعلان رئيس الدولة تقصيره لعهدته الرئاسية ليسمح بانتخاب رئيس جديد يكون له كامل الشرعية للفصل في الصراع المستمر في الحكم ثم الفصل في مصير الإصلاحات المعلنة في مختلف الأنساق السياسية الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما أعطى الضوء الأخضر لعهد جديد من السيرورة الانتقالية، بمجيء رئيس وعد بإعطاء كل الأهمية لمصالحة جميع الفاعلين مع بعضهم البعض وإرجاع الجزائر إلى المسار الديمقراطي والواجهة الدولية من خلال استعمال ثقله داخليا كوجه تاريخي وخارجيا كوجه دبلوماسي.

وبالرغم من رصده لقدراته الاتصالية قصد إحداث الإجماع ولَم الطبقة السياسية الرسمية حول شخصه، لم يتمكن من التحرر من رواسب الماضي ومصادره، حيث ما لبث العودة إلى تعبئة الأشكال والبنى التقليدية الغير رسمية كقنوات اتصال مع الشعب، كالعروش والزوايا، مقصي بذلك القنوات الحداثية كالبنى الحزبية والجمعوية الرسمية، كأشكال عصرية للمشاركة والتمثيل. كما أن اهتمامه بترجيح موازين القوى وإحلالها في مرتبة البرامج، حقق للجزائر، في فترة معينة، نوع من الاستقرار الظرفي، وهي غاية غير هينة لجميع التجارب الانتقالية، لكن بغية الانتقال لتحقيق غاية أخرى وهي الترسيخ المؤسساتي، إلا أن هذا التوازن بني على مواقع الأشخاص، وبالضبط على موقع الرئيس كشخصية محورية، لا على مؤسسات الترسيخ الديمقراطي المعهودة؛ الشيء الذي وضع الأساس لأولوية وثقل الموقع الشخصي على حساب البرامج، إيذانا بالعودة إلى التسلطية التقليدية.

                المرحلة الأخيرة، و بالتالي السيرورة الانتقالية الكلية، ما زالت لم تنتهي بعد و هو ما يصعب من مهام إيجاد علاقات ترابطية على مستوى سلم زمني عميق وتام حال محاولة دراسة هذه السيرورة في مجملها، الشيء الذي يضع الدارس في موضع الطامع في مسك الزئبق، فمن غير الممكن، حتى بالتقدير الفيزيائي، قياس السرعة و تحديد الموقع بدقة في نفس الوقت، كما تجدر الإشارة إلى أن هذه الحالة من النكوص الديمقراطي ليست بالحالة استثنائية في الدراسات التي اهتمت بالموجة الثالثة من عمليات التحول الانتقالية مند سنة 1974، فالعديد من الارهاصات والارتدادات التي تلت تجارب هذه الموجة مازالت رهاناتها قائمة، كما أن تداعياتها مازالت تشكل مواضيع للدراسة حتى اليوم.

نخلص في باب الخصوصية الزمنية، لسيرورة الانتقال في الجزائر، إلى تأكيد تلك العلاقة الترابطية والجد حميمة بين التاريخ كمصدر للتعبئة وكثقل حتمي وبين سيرورة الانتقال في الجزائر، فعودة التاريخ شكل دوما خط استمرار مترادف لعمل النظام السياسي والعودة إلى التاريخ هو دائما ملاذه وفيه خلاصه.

هذا الوضع، يمكن به توصيف ظاهرة تعيين الرؤساء في الجزائر، كلما اقتضى الأمر خلال السيرورة الانتقالية، وهو نفس الوضع الذي يمكن أن يفسر به عودة الأحقاد القديمة غداة كل تعيين، ويعود معه العزف على وتر الحساب الشخصي ليطغى على حساب دقة وفعالية البرامج والمؤسسات، فيضيع الجهد ويضيع معه الوقت وتطول سيرورة الانتقال.

فالرئاسة الجماعية، التي أحكمت فيها القبضة على السلطة الجماعية التي تعرف بالعسكريين الفارين من الجيش  الفرنسي “D.A.F” لجأت؛ في مرحلة أولى: إلى تصفية صفوف الجيش، من كل النخب العسكرية الوطنية “عسكر الجبل” التقليدية التي ناصبتها العداء بعد استرجاعها وتوظيفها من قبل الرئيس الراحل في المناصب الإدارية والتقنية بحجة عصرنة الجيش ومحدودية التأهيل المهني للنخب التقليدية الوافدة من ثورة الجبل.

والزعيم التاريخي الذي كان، بحكم دوره المحوري في الثورة، يرى نفسه أحق الناس بتقلد سلطة أول دولة جزائرية محررة، بعد أزمة صيف 1962، رُجِع إليه بعد أن طرحت إشكالية الشرعية، مباشرة بعد تنحية الرئيس المستقيل، أبان على مشروع ثأري من خلال خطابه الناري تجاه المافيا المالية-السياسية ونيته في تأسيس حزب وطني يُدخل الحزب التاريخي للمتحف، إلا آن قصر مدة مكوثه على كرسي الرئاسة، ونهاية حكمه بشكل مأسوي بالاغتيال، لم يترك له الفرصة لتأكيد أو نفي هذا البرنامج.

وأخيرا الرئيس المستمر الذي كان على مرمى حجر من تبوء منصب الرئاسة، بعد موت الرئيس الهواري بومدين، طالته الأيادي السليطة لمجلس المحاسبة بداية الثمانينات، تم اللجوء إليه لاستخلاف المجلس الأعلى للدولة قبل اللجوء إلى رئيس الدولة، ليرفض في مرحلة أولى، ثم يلجأ له مرة ثانية في نهاية التسعينيات، ليبدأ عهدته الرئاسية الأولى بتقلد وسام الاستحقاق من طرف مسؤول التشريفات، الذي يتمم الإجراء وهو يذرف الدموع، في موقف محرج لمن تكفل بملف الرئيس التأديبي لما كان مسؤول لمجلس المحاسبة في الثمانينات.

يمكن أن نجزم أن السيرورة الانتقالية الجزائرية ضيعت وقت ثمين في إعداد برامج الأخذ بالثأر، من قبل الفاعلين العائدين من التاريخ، الشيء الذي منع التراكم المجدي وأحدث القطيعة بين التجارب في ظل استمرار النظام، ما أعطى سيرورة انتقال، يمكن التعبير عنها مجازا بالثعبان الذي يسعى لعض ذيله.

4ـ2 مادة إصلاح والانتقال من شرعية الريع لشرعية الشغور:

مثل التاريخ، فإن لمتلازمة الريع، بشتى أشكاله، ثقل متعاظم في أزمة السيرورة الانتقالية الجزائرية، سواء تعلق الأمر بمرتجعات الريع في تجلياته المادية، عوائد النفط على الخصوص، كمصدر يرصد من قبل فاعلي الإصلاح، من خلال توظيفه في مختلف الوصفات الإصلاحية عبر ما يسمى ببرامج الإصلاح أو بروز الريع في تجلياته الرمزية والثقافية، ريع الزمان والجهة على الخصوص، كثقل يفرض منطقه على توجيه هذا الإصلاح وسيرورة ومدة الانتقال ككل.

الاستمرار في اللجوء للريع، كمصدر لكل وصفة إصلاحية، يمكن أن نورده هنا من قبيل التأكيد على أنه شكل أحد الخيارات العقلانية التي ظلت متاحة أمام مختلف حكومات الإصلاح المتعاقبة، التي وظفته، على الخصوص، كإجابة سهلة وجاهزة على المطالب الشعبية، الضاغطة والمستمرة، لإفراغها من محتواها السياسي، من خلال الاستمرار في اعتماد خطاب يوصف هذه المطالب بأنها حاجات اجتماعية قاعدية تقتضي موارد اقتصادية عاجلة.

مع المرحلة الأخيرة، العودة للتسلطية التقليدية، تسارعت سيرورة اللجوء للريع لإفراغ كل حركة مطلبية من محتواها السياسي حتى وصل الشأن السياسي درجة الميوعة، فضلا على بلوغ المصادر الريعية التاريخية، المدعمة بالموارد البترولية، مداها وذلك تحت وطأة حتمية طبيعية قاهرة مضاعفة؛ نضوب عائدات الموارد البترولية تحت وطأة الأزمة الاقتصادية العالمية والفناء الجيلي لفئة المجاهدين التاريخية بفعل الحتمية البيولوجية وعامل السن، الشيء الذي أوضع المجتمع في حالة خواء من شرعيات مرجعية تقليدية ألفها ومهد لما يشبه شرعية شغور.

رسالة رئيس الجمهورية للشعب يوم 20 أوت 2016 التي، مرة أخرى، تستغل ذكرى تاريخية مزدوجة في زمن أزمة خانقة، الذكرى الستين هجومات الشمال القسنطيني وتنظيم مؤتمر الصومام، تعزز افتراض سعي السلطة الجزائرية إفراغ أي مطلب من محتواه السياسي بإخراج الإصلاح عبر الملاذ الاقتصادي وبتبرير اجتماعي:

” إن الإصلاحات الاقتصادية أصبحت أمرا لا مفر منه لفتح آفاق الاقتصاد الوطني بشكل نهائي وتخليص المصير الاجتماعي للشعب من تقلبات سوق النفط “

لو نسلك منطق الأولوية، في الدفع بمختلف المواد للإصلاح، المتبع من قبل الحكومات المتعاقبة مند مرحلة الانفتاح سنة 1988، نحصل على سلم أولوية للرهانات الإصلاحية المعطلة، وفق ما يلي:

1ـــ الملاذ للشأن الاقتصادي في مباشرة عمليات الإصلاح غداة كل أزمة ناشبة.

2ـــ تقديم المبررات الاجتماعية لتفسير الأزمات الناشبة.

3ـــ التغاض عن كل إصلاح سياسي جدي، كفيل بمراجعة الشرعيات التقليدية القائمة مهما بلغت حدة الأزمة.

4ـ3 السعي للشفاعة مقابل مقاومة التغير كتمثل مشترك بين فاعلي الانتقالية الجزائرية:

متلازمتا التاريخ والريع المثبطتان للسيرورة الانتقالية الجزائرية ترتبطان بشكل وثيق بخلفية تثبيط سلوكية تميز الفرد في هذا الفضاء. فتكفي المشاركة الوجدانية، المدعمة بالملاحظة المنهجية الواعية، للوقوف على ارتباط سلوك التردد والازدواجية، المفضية للتناقض في الكثير من الأحيان، في تمثلات الفرد الجزائري. الأمر الذي غالبا ما تسبب  في عطالة سيرورة الإصلاح والانتقال، على الرغم من وقوف هذا الفرد، من خلال مقارنة نمط معاشه مع باق الأنماط لأمم أخرى، على حقيقة عدم فعالية هذا السلوك في إخصاب الحاضر و إزهار المستقبل، فهو المندد بمظاهر الحقرة حول التفاوت واللاعدل في توزيع الريوع والمطالب بالمساوات في الخطاب، مقابل السعي الحثيث للانتفاع قدر الإمكان، أكثر من الآخرين، عبر التقرب من منابع توزيع هذا الريع في الفعل، كما يجتهد للتمظهر بأنه مؤمن حد النخاع بقدسية ثورته وعظمة رجالها وشرعية سلطتها وأفضال ريعها بالنهار في حين يتوق للتمتع بنواتج عمل العصرنة ورفاهية مشاريع الحداثة، التي لم يشارك فيها، بالليل.

ومن السخف المعرفي التسرع  بالإشارة لهذا السلوك بإيحائية سلبية، حال اللجوء لقوالب تفسيرية فردانية جاهزة، من طراز استرجاع نموذج مفارقة “ألسن” حول العابر المجاني؛ الذي يرجح المنطق الحسابي المنهجي المطلق للفرد، حيال القضايا الجماعية، التي يميل فيها للسعي للاستنفاع المطلق بأقل التكاليف الممكنة، ذلك أن في التراكم المعرفي التراثي وفي المخيال لاجتماعي للفاعل، في هذا الفضاء الجغرافي المفصلي الخصب، ما يدفع للتعمق في فهم وتفسير هذا السلوك المتموج من خلال عوامل فردانية وجبرية في نفس الآن؛ فمألوف لدى البدو والحضر، في هذا الفضاء، السعي للأيسر ما إن توافر، على جد تعبير ابن خلدون، و الأيسر هنا هو أنه على المريد القناعة بالرزق من خلال التقرب من الشيخ بالمبايعة والتودد لحصد البركات والتمكن من عطايا الواحد الرزاق، خير من تكبد عناء البعد بالممانعة وشق عصى الطاعة من خلال السعي للتفرد والاستقلال بالعمل والكد والاجتهاد لإثبات الوجود والأحقية في الوجاهة والمقام بالمنافسة والاستخلاف والتناوب.

نطرح مفهوم السعي للشفاعة كفئة أنثروبولوجية معرفية وكمفهوم فكري تفسيري للخلفية الازدواجية المميزة لتمثلات الفاعل الاجتماعي، المغاربي بصفة عامة والجزائري المستكين للريع بصفة أخص، تمكنه، حسب بنائه الإدراكي، من تيسير الاستفادة مما هو حق طبيعي ثابت لكن دون أن يكابد عناء الواجب الملزم لتحمل مسؤولية الاستهلاك وفهم سيرورة نشوء هذه الفائدة، بصيغة أخرى، يسعى لأخذ الحرية المطلقة في استهلاك منتوج هو غير ملزم بالمعرفة الواعية أو المشاركة الفاعلة في سيرورة إنتاجه للتسليم بتواجد جهة أخرى تتكفل بذلك.

ينطلق الفاعل هنا من مسلمة حقوقية ذات بنية مضاعفة، الحق في الاسترزاق مما هو مصدر رباني مشاع والحق في اتخاد ما تيسر من الأسباب للوصول لهذا الحق، وما تيسر من الأسباب هنا هو كل من رضي للتأسس كواسطة وشفيع لتوزيع هذا المصدر، بحيث تكون له بالمقابل وجاهة وعوائد الشفيع وتكون عليه مكابدة عناء المحاصصة.

أوليس في وجود زوايا ومزارات مباركة، بتخصصات شفاعة محددة، خير برهان عن إيلاف الفرد الجزائري السعي لشفاعة سيدي فلان للحصول على محصول جيد والسعي لشفاعة “المزارة” الفلانية لإنجاب البنين دون البنات والسعي لشفاعة الزاوية الفلانية لإرجاع الزوج أو الابن المهاجر سالما من غربته.

 فأمام احتكار الوظائف الاستخراجية والتوزيعية للريوع من قبل الدولة، ثم رصدها كمصدر للاستمرار وكوسيلة للمحاصصة، لم يجد هذا الفرد من وسيلة، للانتفاع الغير مجهد من الريع، خير من سلوك السعي للتقرب من مصدر التوزيع عبر الحصول على شفاعة ممثلي الموزع الحصري لهذا الريع، عبر إبداء الولاء والمبايعة على الطاعة وتحصين مقام الشفيع لدى آلهة الغدق في المناسبات التي تقتضي هذا الولاء، ولو بالمجاهرة الشكلية دون الممارسة بالفعل.

طبعا لا فضل اجتهادي ولا كفاءة مهنية للشفيع إلا بموقعه النسبي في حواشي مراكز التوزيع، نتيجة لمختلف الشرعيات العقيمة السالفة، لدى فالمنتفع يبرر حصوله على المزية بأنه حق مسترجع لا يهمه المسار الذي سلكه حتى بلغ ضالته ولا يكن حتى الكثير من الاحترام الفعلي للشفيع لأن مكانته، في اعتقاد المنتفع، ليس نتيجة جهد عملي في الأساس بل التواجد الموضعي كحلقة توزيع و ربط، بل أن مهمة النفع هي شرعية وجود هذا الشفيع فهو لا يتوانى في إضمار بعض البغضاء له، باعتبار أن الزائد في امتيازات مقام الشفيع هو نقصان في الحقوق المشاعة للآخرين.

لا تقتصر الاستفادة هنا على الريع المادي لبرامج الدعم المختلفة سواء الفئوية الموجهة للمجاهدين وابنائهم ودوي الحقوق وللبطالين والمعوقين والنساء والشيوخ أو المهنية كدعم خلق المؤسسات للشباب والبطالين والماكثات في البيوت والفلاحين والبحارين إلخ…؛ إنما تمتد الاستفادة بالتأسيس والإرساء لسوق للمزايا بمنطق عمل معين وقوانين تبادل محددة ويتعلق الأمر هنا بالمزايا والتسهيلات في مجال الخدمات التي تمكن المريد من الحصول عليها من قبل الشفيع في مناسبات محددة كالمرض وتسهيل الدخول للعلاج بنوعية جيدة ومجانية أو التعليم من خلال تمكين الأولاد من الحصول على توجيه لارتياد أحسن المؤسسات وأضمن التخصصات وحتى الترفيهية من خلال اتاحة فرصة الولوج لمراكز الراحة المجانية المخصصة لدوي الحقوق التاريخية والتعاضديات المهنية.

وتبقى ذروة سنام هذه الازدواجية السعي للشفاعة للتمكين من التطهير الروحي والأخلاقي بوسائل المحاباة اللاأخلاقية؛ صكوك الغفران نحو الحج والعمرة بجواز سفر مجاملة.

الشفيع في هذا السياق ليس بالسخيف الذي لا يدرك موارد مقامه ومتكآت سلطانه لذلك وجب عليه، إن كان حريصا على ديمومة هذا المقام، الحرص على استمرارية التدفقات عبره، من منبع الريوع لمصبها، وفي اتجاه معاكس، من منبع الولاءات لمصبها. إذن يتعلق الأمر هنا بسيرورة جديدة للشرعنة لا عن طريق التمثيل ولا من خلال الفعالية الاقتصادية،[16] إنما عن عن طريق وفرة الشفاعة.

السعي للشفاعة هنا هو نمط مشابه للصفقات المتواطئة transactions collusives التي أوردها “ميشال دوبري”، في المصدر السابق ذكره، والمرسية لشرعية أفقية بديلة للشرعية العمودية التقليدية عند “ماكس فيبر”. مع الفارق الطفيف أن هذا النمط الجديد من أشكال التبادل هو ما يعمل في اتجاه إرساء منظومة قيم تبادلية فعلية لصالح المواقع وليس لصالح شاغليها، فكلا المستويين التبادليين هو منبع وهو مصب في نفس الوقت، لكن مع حتمية وجود الطوق الناقل وهو الشفيع.

  الإحساس بالتأسس، من خلال الانتفاع، كمصدر لشرعية وجود بنيوي، هو الشيء الذي يثبط العزائم تجاه السعي للتغيير والإصلاح، فريع الموقع المدعم بمثل هذه الشرعية ينمي الشعور الوجداني لدى الأفراد بحتمية الصبر والانتظار وبالتالي إضفاء الميوعة على النظام الكلي وإثقال سيرورة الانتقال، فالشفعاء على قدر شفاعتهم ذاهبون أما الريوع والمواقع فباقية. وهناك دائما فرصة متجددة للانتفاع من المواقع المذرة للريوع بالسعي لشفاعة جديدة.

سيكون من السطحي ايعاز هذا التمثل، المستكين لريع الموقع، أورد هذا الشعور، بالتأسيس لشرعية حقوقية أفقية مثبطة، لظروف مرحلية أو رد فعلية متعلقة بتوافر موارد ريعية مشجعة بعينها، دون الغوص في أغوار التاريخ والبحث عن الدوافع الهيكلية التي طالما عملت على ترسيخ هذا التمثل في المخيال الاجتماعي للفاعلين في هذا الفضاء، فالسعي للشفاعة حالة فكرية بنيوية نتجت من خلال تظافر عوامل مشجعة غائصة في الزمن.

ثلاث محطات زمنية يمكن رصدها كسيرورة معززة لتجدر هذه البنية الفكرية:

ـ انحسار الفكر العقلاني، الرشدي على الخصوص، لفائدة الفكر الباطني خلال الفترة الانتقالية، انطلاقا من القرن الثالث عشر حتى ما بعد سقوط غرناظة في القرن السادس عشر، حيث كانت أفكار ابن رشد العقلانية قد مهدت للتيار السكولاستيكي واسترجعت كأحد مصادر الفكر العلماني النهضوي لأوروبا ما بعد القروسطية، في حين حل التصوف الشعبي السهل، الممجد للشيخ الشفيع ودوره الاستثنائي في سلك الطريق الباطن للوصول للأرزاق والبركات، محل التصوف الفلسفي الممتنع للغزالي، المبني على دعوى الحلول والاتحاد وانكار الشرائع، في الفضاء المغربي .

تكنية التصوف الشعبي هنا بالسهل راجع لتعقد الفكر الصوفي النخبوي وعسر فهمه من قبل الغوغاء، التي بطبعها تستعجل الحصول على المنافع والبركات لكن لا تفقه سبيل الوصول إليه، لذلك تفضل في الأخير تسليم أمرها للشفيع الذي يتلقى العهود بالولاء والطاعة ويعطي هو الضمان بالإيصال للبركة والجدب.

 طغيان الجهل المقدس والتسليم بالسهل الموصل للبركات، في الزمان والمكان، هو ما عدد من الطرق والزوايا وجعلها تتأسس كغايات اجتماعية دنيوية تدرك في حد ذاتها، في استخلاف دراماتيكي للغايات الروحية الواردة في الفكر الصوفي الأصيل.

ـ دعم التنظيم السياسي للفضاء وكيفيات التعامل مع موارده، خلال ازدهار العهد الحمائي العثماني في المغرب الأوسط، ثم اللجوء لاعتماد نفس النمط الاستغلالي من قبل النظام الاستعماري الفرنسي، التواجد البنيوي للهياكل الوسيطة بين السلطة المركزية والتشكيلات القبلية المختلفة، ففي حين اعتمد البايلك على وحدة المخزن كحلقة ربط، من جهة بين دار السلطان ومن جهة أخرى بين قبائل الرعية والسايبة، اعتمد التشريع الفرنسي على إعادة إنتاج تشكيلة الوساطة، على الخصوص في تقسيم الأراضي، من خلال مفاهيم وبنى ربط مستحدثة كالقياد، الدواير، والمصابحية أو كالحقوق المشاعة، الحقوق الغير مشاعة و حقوق الأعراش، وهو  ما كرس تنظيميا بشكل جلي من خلال قانون الأهالي لسنة 1871.

ــ اعتماد النظام السياسي، لجزائر ما بعد الاستقلال، على كيان الحزب ـ الأداة كحلقة وصل بين السلطة المركزية والمجتمع، تعنى بالوظائف التوزيعية والرقابية، مقابل ترجيح نمط انتاجي قائم على مبدأ المفتاح في اليد ونمط استهلاكي قائم على مبدأ المنتوج في اليد، مع الارتكاز على استراتيجية شغل العمق الجهوي للولايات الثورية التاريخية عبر التعيين بالامتياز لفئات المجاهدين ودوي الحقوق كممثلين عن طريق المحاصصة، هو ما دعم من بنى وكيانات الشفاعة كامتداد تنظيمي لهذا النظام المركزي ومن ثمة تشجيع سلوك السعي للشفاعة لدى الأفراد.

7ـ استخلاص:

إن الفشل التاريخي، لمشروع البناء الوطني للدولة، في إخصاب فكر الفرد الجزائري بقيم العمل المبدع المذر للثروات، مقابل إبقائه رهين خسائس الحاجات القاعدية والدفع به للسعي للتحرك داخل أطر الشرعيات الريعية العقيمة، الضامنة لغيض الاستهلاك والاستكانة للدعة وخفض العيش، مع إحلال الشفاعة كوسيلة لبلوغ الأفضال، بدل التشجيع على السعي للتمكن من نواميس الابداع والتغيير المفضية للحياة الأزهر، هي أهم العوامل الترابطية التي جعلت سيرورة الانتقالية الجزائرية تنحى مسار غير ذا مخرج، على الأقل مقارنة بالمسارات الانتقالية في التجارب التي تزامن نشوبها مع التجربة الجزائرية.

ودون الافراط في التعاطي مع أوهام العلاقات السببية ذات العمق الزمني، من خلال إيعاز مسؤولية الأزمة لطرف دون سواه أو ردها لحقبة تاريخية بعينها دون أخرى، فإن أزمة الانتقال في الجزائر، باعتبارها وضعية جماعية مميزة بالكثير من التناقضات ومليئة بالتوترات، لا يمكن فهم كنهها إلا على شكل سيرورة إنسانية متكاملة، تتطور وفق الثقافة السياسية السائدة لجميع الفاعلين، أي كحتميات طاغية رسخها الزمن، دون إغفال أثر خياراتهم اللحظية حال التفاعل مع مصادر هذا الانتقال ومواجهة رهاناته.

لذلك يمكن الجزم أن البحث عن تسوية عقدية ضمنية بين جميع الفاعلين، ولو على شكل توازن ظرفي، لبعث الفرد، ككائن حقوقي لا كمصدر تعبئة وكمنبع اقتراح لكل مشروع إصلاحي لا كمجرد مصب، وحده كفيل بعودة سيرورة الانتقال لمسلكها التجريبي السليم، عبر محطات الانفتاح، البناء ثم الترسيخ.

 

قائمة المراجع:

01 -Huntington, Samuel Philips. (1991) : The third wave : Democratization in the late twentieth century, Oklahoma, Journal of Democracy, university of Oklahoma press.

02-Ricœur, Paul. (1988) : La Crise ; un phénomène spécifiquement moderne. In : Revue de la théologie et de la philosophie, Paris, n°120.

03-Clausewitz, C.V. (1886) : De la guerre, traduction par le lieutenant-colonel De Vatry, éditée une première fois en trois tomes par la Librairie militaire Baudoin (1886), puis édition complétée et révisée par Jean-Pierre Baudet, volume relié, Champ Libre, 1989. France, éditions Ivrea.

04-Kuhn, TH. S. (1983) : La structure des révolutions scientifiques, France, éditions Champs Flammarion,

05Marx, Karl. (2009) : Les crises du capitalisme, Préface de Daniel Bensaïd Édition établie et traduite par Jacques Hebenstreit, France, éd : Demopolis.

Encyclopaedia universalis. (1968), Paris, Edition Encyclopedia.

06- Luhmann, Niklas. (1995) : Social Systems,USA, Stanford University Press.

07- Touraine, Alain. (1973) : La production de la société. Paris, Edition Seuil

08- Crozier, M et Friedberg, E. (1977) : L’Acteur et le système, France. Editions du Seuil.

09- Freund, Julien. (1976) : Sur deux catégories de la dynamique polémogène, France, Revue Communications, Volume 25, Numéro 1.

10- Dobry, Michel. (2009) : Sociologie des crises politiques, Paris. Éd : Presses de la fondation nationale des sciences sociales, 3me Edition.

11 – Weber, Max. (1995) : Économie et société. France. Collection Agora, volume 1.

12 – Kagan, Robert. (2009) : The Return of History and the End of Dreams, USA, Vintage.

13 – Addi, Lahouari. (2008) : Souveraineté nationale et souveraineté populaire, in EL WATAN, quotidien Algérien du 07/12/2008.

14 – Rocton, Stephane. (2012) : Légitimité et Légitimation, Une théorie wébérienne de la légitimité du politique. Paris, Soutenue le 29-11-2012 dans le cadre de École doctorale Concepts et langages, Université Sorbonne.

 

[1]

1 -Huntington, Samuel Philips. (1991) : The third wave : Democratization in the late twentieth century, Oklahoma, Journal of Democracy, university of Oklahoma press.

[3] -Ricœur, Paul. (1988) : La Crise ; un phénomène spécifiquement moderne. In : Revue de la théologie et de la philosophie, Paris, n°120, pp. 1-19

[4] -Clausewitz, C.V. (1886) : De la guerre, traduction par le lieutenant-colonel De Vatry, éditée une première fois en trois tomes par la Librairie militaire Baudoin (1886), puis édition complétée et révisée par Jean-Pierre Baudet, volume relié, Champ Libre, 1989. France, éditions Ivrea.

[5] -Kuhn, TH. S. (1983) : La structure des révolutions scientifiques, France, éditions Champs Flammarion, p.23.

[6] -Marx, Karl. (2009) : Les crises du capitalisme, Préface de Daniel Bensaïd Édition établie et traduite par Jacques Hebenstreit, France, éd : Demopolis, p.8.

[7] -Encyclopaedia universalis. (1968), Paris, Edition Encyclopedia, p. 38.

[8] - Luhmann, Niklas. (1995) : Social Systems,USA, Stanford University Press, p. 53.

[9] – Touraine, Alain. (1973) : La production de la société. Paris, Edition Seuil, p. 78.

[10] – Crozier, M et Friedberg, E. (1977) : L’Acteur et le système, France. Editions du Seuil. p56.

[11] – Freund, Julien. (1976) : Sur deux catégories de la dynamique polémogène, France, Revue Communications, Volume 25, Numéro 1, pp. 101-112.

[12]- Dobry, Michel. (2009) : Sociologie des crises politiques, Paris. Éd : Presses de la fondation nationale des sciences sociales, 3me Edition.p.4.

[13] – Weber, Max. (1995) : Économie et société. France. Collection Agora, volume 1, P 97.

[14] – Kagan, Robert. (2009) : The Return of History and the End of Dreams, USA, Vintage, p. 128.

[15] – Addi, Lahouari. (2008) : Souveraineté nationale et souveraineté populaire, in EL WATAN, quotidien Algérien du 07/12/2008.

[16] – Rocton, Stephane. (2012) : Légitimité et Légitimation, Une théorie wébérienne de la légitimité du politique. Paris, Soutenue le 29-11-2012 dans le cadre de École doctorale Concepts et langages, Université Sorbonne.p.15.


Updated: 2017-12-03 — 20:57

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme