أخلاقيات البحث العلمي وإشكاليات الأمانة العلمية د. بن الدين بخولة


 

أخلاقيات البحث العلمي وإشكاليات الأمانة العلمية

د. بن الدين بخولة / جامعة حسيبة بن بوعلي.

 

   ينظر:   كتاب أعمال ملتقى الأمانة العلمية، المنعقد بالجزائر العاصمة يوم 2017/07/11 ص 55

    ملخص:

   مما لا شك فيه أن للبحث العلمي أركانا تشمل المؤهلات والخبرات الواجب التزود بها للخوض في غمار الأبحاث العلمية المحددة التي لا يمكن الحياد عنها ؛ ذلك أن البحث العلمي إذا لم يتم بالطريقة العلمية الصحيحة تتخلخل بنيته البحثية و تضيع معها النتائج، ومن ثم لا تتحقق الفائدة المرجوة منه. فمعظم  الجامعات الجزائرية تقدم ضمن برامجها مادة بعنوان ( مناهج البحث)  تمكن الطلبة الباحثين من التعاطي مع متطلبات البحث المطلوب منهم ابتغاء الحصول على الدرجة العلمية لئن  كان ذلك لا يشكل  عائقا، فإنه على المستوى التطبيقي يسجل أن منهجية البحث هذه ظلت عصية تتمنع على مريديها ، وهي في حاجة  ماسة إلى من يرعاها حق رعايتها حتى تؤتي أكلها و انعكست صعوبتها تلك على محتويات البحوث العلمية التي ينجزها الطلبة المعنيون على نحو تبدى فيه سوء استثمارها في شكل تلك البحوث العلمية ومضمونها:( مذكرات التخرج – الماجستير- الدكتوراه). وإزاء هذه المعطيات نحاول من خلال هذه المداخلة أن نتناول أخلاقيات البحث العلمي الذي لا يتهيأ له أن يوصف بهذا الوصف ،إلا إذا استوفى شروطا أخلاقية ومنهجية وعلمية تتظافر جميعها متعاضدة لتحفظ له  هويته ومكانته وعليه سنحاول الاجابة على التساؤولات الآتية : ماذا نعني بالبحث العلمي؟ ماهي صفات الباحث؟ ما المقصود بأخلاقيات البحث؟ ما هي الامانة العلمية؟

والأهداف من ذلك:

ـ توجيه المستفيدين من البحث العلمي الى السلوك المناسب والأمانة العلمية

ـ تعزيز السلوك الاخلاقي

 

مقدمة:

 ارتبط البحث العلمي  بمحاولة الإنسان الدائبة للمعرفة وفهم الكون الذي يعيش فيه  وقد ظلت الرغبة في المعرفة ملازمة للإنسان منذ المراحل الأولى لتطور الحضارة، فقد تنوعت تعريفات ولكن معظمها تلتقي حول التأكيد على دراسة مشكلة ما بقصد حلها ؛ وفقا لقواعد علمية دقيقة ؛ وهذا يعطي نوعا من الوحدة بين البحوث العلمية رغم اختلاف حياديتها وتعدد أنواعها؛ فالبحث طلبُ الشيء والسؤالُ عنه يقال : بحثتُ بحثاً)، وقد وردت مادة (بحث) في القرآن الكريم في موضع واحد فقط وهو قوله تعالى : “فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ” (1); وقيل طلبك الشيئ في التراب، وقيل أن تشال عن شيئ وتستخبر، وبحث عن الخبر، وبحثه بحثا، واستبحثت عنه:سأل، واستبحثت وابتحثت عن الشيئ، فتشت عنه ومنه سميت سورة براءة بالبحوث لأنها  بحثت عن المنافقين وأسرارهم؛أي استثارتها وفتشت عنها(2) وفي حديث المِقداد قال : أَبَت علينا سورة البحوث : “انفِروا خِفَافاً وَثِقالاً “(3) ويعرفه بعض المحدثين : البحث في اللغة معناه التنقيب عن الشيء، ويقال: بحث ، يبحث ، بحثا وتبحث واستبحث ، وابتحث؛ أي فتَّش ونقَّب ، ويقال بحث في الأرض أي حفر”(4)

أما كلمة بحث اصطلاحا ، فهي محاولة لاكتشاف جزء من المعرفة، لإذاعته بين الناس والاستفادة منه(5) ومعناه أيضا محاولة التوصل إلى شيء غير ظاهر لكونه مختلطا بغيره ممَّا  يجعله غير متمايز إلى حدّ ما عن هذا الغير، أو محاولة الوصول إلى شيئ له صفات معينة من بين عدَّة أشياء(1) فهو محاولة لاكتشاف المعرفـة ، والتنقيـب عنـها، وتطويرها وفحصها ، وتحقيقها بتقص دقيـق ونقـد عميق ثم عرضهاً عرضـاً مكتملاً بذكـاء وإدراك –  لتسير في ركب الحضارة العالمية وتسهم فيه إسهاماً حياً شاملاً

هو الوسيلة للوصول إلى تطوير المعرفة بطريقة منتظمة وطريقة لإيجاد حلول لمشكلات التغير  الاجتمـاعي في مختلف النواحي ، لكي يسير المجتمع في سبيل التقدم ويحقق ما يصبو إليه .     من خلال ذلك يعرف البحث العلمي بأنه : الوسيلة الاستقصائية المنظمة التي يقوم بها الباحث في ميدان العلوم الإنسانية ولاجتماعية أو في ميدان العلوم الطبيعية والتقنية ، وذلك بإتباع أدوات بحث معينة ووفق خطوات بحث معينة وذلك من أجل الكشف عن الحقيقة العلمية بشأن المشكلة محل الدراسة والتحليل.

وبعبارة أخرى فإن البحث العلمي هو: التقصي المنظم بإتباع أساليب ومناهج علمية محددة للحقائق العلمية بقصد التأكد من صحتها أو تعديلها وإضافة الجديد لها  .

تختلف موضوعات البحث بحسب طبيعة مادته سواء أكانت نظرية أم تطبيقية فالأول يدور موضوعه حول تحليل مفهوم او نظرية معينة فصد الوقوف عند تطورها اما التطبيقي، فهو البحث الموجه الى استغلال مفاهيم نظرية معينة وتحويلها الى آليات ووسائل لتحليل ظاهرة ما. ومن خصائصه:

- البحث العلمي بحث موضوعي

- البحث العلمي بحث تفسيري لأنه يهتم بتفسير الظواهر والأشياء بواسطة مجموعة متسلسلة ومترابطة من المفاهيم تدعى النظريات .

- البحث العلمي يتميز بالعمومية في دراسة وتحليل الظواهر معتمدا في ذلك على العينات .

- البحث العلمي بحث منظم ومضبوط لأنه يقوم على المنهجية العلمية بمفهومها الضيق والواسع ، الأمر الذي يجعل البحث العلمي أمر موثوق به في خطواته ونتائجه .(1)

 صفات الباحث

ما هي الصفات التي يجب أن تتوفر في الشخص حتى يمكنه أن ينتمي إلى فئة الباحثين؟ وما هي المؤهلات التي عليه أن يُحَصِّلها حتى يُمْكِنَه ممارسة البحث العلمي والنبوغ فيه؟

من الصفات الضرورية للباحث التي  لا يُتصور أن يَتَّسِمَ الإنسان بصفة الباحث إذا لم يتحلَّ بها أو لم يحرص على أن تتحقق فيه، ومنها:

1- الازدياد المستمر من العلم والمعرفة: فالإنسان الذي لا يعنيه من العلم والبحث العلمي سوى الحصول على شهادة جامعية تؤهله للحصول على منصب عمل، لا يمكنه أبدا أن يصبح باحثا أو ينتمي إلى زمرة الباحثين. ذلك أن البحث العلمي تطلعٌ مستمرٌ إلى زيادة المعرفة، وتعطشٌ دائم إلى اكتشاف المجهول والباحث هو من لا يكفُّ عن الاطلاع، ولا يتوقف عن القراءة،. 2 – الصبر واستسهال الصعاب: البحث العلمي في الواقع من أصعب الأعمال وأشقها وأحوجها إلى بذل الكثير من الجهد  . فالبحث العلمي بما أنه اقتحام للمجهول وسعي إلى كشف خباياه، لا يتيح للإنسان أن يصل إلى بُغيته من أقصر طريق أو في أول محاولة، بل إنه ليتمنع عليه ويرهقه، ولا يمكنه مما يطلب حتى يختبر صدقه وإخلاصه.

3- التواضع والاستفادة من أيٍّ كان وعدم التعالي على النقد: فلا يمكن أن ينتمي إلى ميدان البحث العلمي أو يفلح فيه إلا من كان متواضعا، ليّنا بعيدا عن الغرور والغطرسة الزائفة والاستعلاء الكاذب، مستعدا لاستفادة المعرفة وأخذها من أي كان، بل حريصا على تلقف الحكمة من حيث جاءت، لا يجد في نفسه حرجا على تقبل النقد من الآخرين.

4- الأمانة العلمية: والأمانة في العلم ليس المقصود بها مجرد نسبة الأقوال إلى قائليها، أو إحالة النصوص المقتبسة إلى مصاردها، فهذا يمثل الصورة المثلى للأمانة العلمية التي تفرضها السلطة الصارمة لتطبيقات المناهج الأكاديمية، وتتعامل بها شتى الجامعات في مختلف أنحاء العالم، أما جوهرها فهو الصدق في طلب العلم والإخلاص للمعرفة والحقيقة، والحرص على خدمة العلم والمجتمع.

5 – استثمار الفرص المُشَجِّعَة على البحث: بما أن العمل في ميدان البحث العلمي صعب وشاق، ويتطلب صبرا واحتسابا، فإن الباحث يحتاج إلى مُحَفِّزات ومُشَجِّعَات تُعينُه على المُرَابَطَة في هذا الميدان ومواصلة الانتماء إلى أهله، ولذلك فهو حريص على انتهاز كل فرصة أو مناسبة من شأنها أن تمكنه من ذلك. ومن هذه الفرص والمناسبات: المشاركة في المؤتمرات العلمية بتقديم البحوث والمداخلات الجادة، الاشتراك في تأليف الكتب الجماعية بتدبيج المقالات الرصينة المجدية، التقدم بالإسهامات العلمية والمشاركة في المنافسات الجادة التي لها صلة بتطوير البحث تلك أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها الإنسان إذا ما أراد أن ينتمي إلى ميدان البحث العلمي، وأن يحظى بشرف الانتساب إلى أهله وذويه. لكن هذه الصفات وحدها، وإن كانت ضرورية، إلا أنها لا تكفي وحدها لتصنع منه باحثا، بل لابد أن يُحَصِّلَ إلى جانبها جملة من المؤهلات التي تمكنه من ممارسة البحث فعلا، وتحقيق نتائج تخدم العلم وتضيف إلى رصيد المعرفة الإنسانية وتنفع المجتمع والناس. ومن أهم هذه المؤهلات، ما يلي:  (1).

1- التخصص العلمي والتعمق فيه: البحث العلمي ليس هواية يمارسها الإنسان في أوقات الفراغ، وإنما هو عمل جاد وشاق، واقتحام لآفاق صعبة المسالك غير مطروقة، ويقتضي التسلح بالمعارف الأولية الضرورية في ميدانه، وهذا يتطلب ممن ينتمي إلى عالم البحث العلمي في مجال معين أن يكون متخصصا في هذا المجال، وأن يكون قد حصل على الحد الأدنى من التكوين العلمي فيه، إذ لا يُتصور ممن يجهل المعارف الأساسية في مجال علمي معين أن يبدع فيه أو يضيف إلى رصيده المعرفي شيئا، بل المتوقع أن يأتي فيه بما لا علاقة له به، وقديما قيل: “من تحدث في غير فنه أتى بالعجائب”. ولا يكفي مجرد التخصص، فهذا هو الحد الأدنى، بل لابد من التعمق فيه والحرص على بلوغ أسمى المراتب في مجاله.

 2- معرفة مصادر البحث في مجال التخصص: وهذا أمر بدهي، إذ كيف يُتصور أن يلج إنسان ما ميدان البحث العلمي في تخصص معين، دون أن يكون له معرفة سابقة بمصادر البحث في هذا المجال، فضلا عن الرصيد المعرفي الضخم الذي سبق للعلماء والباحثين أن قدموه فيه. ولا تكفي مجرد المعرفة السطحية المتوقفة عند معرفة عناوين الكتب وأسماء المؤلفين، بل لابد من الاطلاع الفعلي والتواصل العملي مع هذه المصادر ومعرفة مضمونها .

3- متابعة كل جديد في مجال التخصص: إن الباحث الجاد والجدير بصفة الباحث فعلا، هو من يعرف الرصيد العلمي المُنْجَز في ميدان تخصصه، لكنه لا يكتفي بذلك ، بل يضيف إليه متابعة كلِّ جديد مُفيد في هذا التخصص، فتراه دائب السؤال عن الجديد، حريصا على الحصول على كل كتاب أو بحث أو مقال يَظهر، مُهْتَمًّا بمعرفة مضمونِه وقيمتِه، مُطَّلِعًا ومُسْتَفِيدًا من الإضافة التي يحملها. وذلك ما يؤهله لأن يكون مواكبا للتطور العلمي في تخصصه،

4- الاطلاع على العلوم المكمِّلة للتخصص: التخصص العلمي لا يعني الانكفاء على مجال علمي واحد، والنبوغ فيه وترك الاهتمام بغيره من المجالات. موقفٌ كهذا هو أيضا مصدرُ خَطَرٍ على الباحث، فالعلوم متكاملة فيما بينها، وجسور التواصل والترابط بينها قائمة، وبخاصة تلك العلوم التي تنتمي إلى مجال علمي واحد في الأصل، ثم انفصل بعضها عن الآخر لما تكاثر الرصيد المعرفي المتراكم منها. ولذلك لابد أن يكون الباحث على اطلاع كاف على هذه العلوم القريبة من العلم الذي تخصص فيه، وأن تكون له متابعة دائمة للجديد المفيد فيها،

5- الممارسة الدائمة للبحث وعدم التوقف عنه: البحث العلمي ليس محطة معينة أو مرحلة محددة يمر بها الإنسان ثم ينتقل منها إلى غيرها، البحث العلمي ليس رسالة جامعية يحصل بها الإنسان على شهادة تمكنه من الحصول على عمل، أو مقالة ينشرها ليحصل بها على ترقية إدارية. بل البحث العلمي هو مسيرة متكاملة يبدؤها الإنسان منذ أن يَلِجَ عالمَها إلى أن يطويه الموتُ أو يمنعه العجزُ المطلق. ولذلك فإن الباحثَ هو من يمارس البحثَ العلمي بصفة دائمة، بل يُصبح البحثُ بالنسبة له  هاجسا دائما. ولذلك فإن من يمارس البحث العلمي لغاية معينة أو لغرض محدد ثم تنقطع صلته بالبحث وتنتهي علاقته به، فهذا لم يكتسب صفة الباحث ولن يكتسبها أبدا.

 6- الحرص على التجديد والإبداع في مجال البحث: فالبحث العلمي ليس تجميع ما سبق أن قدمه الآخرون من العلماء والباحثين، أو إعادة تقديمه كما هو دون أية إضافة أو تجديد، ربما يصلح هذا في البدايات الأولى، أي في مرحلة التدرب والمران على البحث وبواكير ممارسته، أما بعد ذلك فإن البحث العلمي هو التجديد والإبداع، ولسنا نعني بذلك الانقطاع عن الرصيد المعرفي السابق، وإنما الانطلاق منه فهما ونقدا وتصحيحا، ثم الإضافة إليه والإسهام في تطويره وإحيائه. ما المقصود بأخلاقيات البحث؟

إن التقدم العلمي في شتى العلوم يحتاج إلى قيم وأخلاقيات فقد اصطلح أهل العلم على أن لكل علم آدابه وأخلاقه وضوابطه المتعارف عليها ، والتي لابد من الالتزام بها ، وتجاهل الباحث العلمي لأخلاقيات البحث العلمي ينسف الصفة العلمية والقيمية لعمله البحثي فأخلاقيات البحث العلمي تقتضي احترام حقوق الآخرين وآرائهم وكرامتهم ومبادئ أخلاقيات البحث العلمي عامة قيمتي ” العمل الإيجابي ” و ” تجنب الضرر ” ، وهاتان القيمتان يجب أن تكونا ركيزتي الاعتبارات الأخلاقية خلال عملية البحث ، وهناك بعض الاعتبارات بالنسبة للسلوك   الأخلاقي تتضمن الآتي :

المصداقية والثقة ومراعاة مشاعر الاخرين  فالأخلاق العلمية للباحث هي مجموعة المبادئ والواجبات الاخلاقية المتعلقة بنشاط بحثه فيتوجب عليه ان يلتزم واجبات ومسؤوليات يتطلبها البحث العلمي كي لا يتعرض هو او يعرض عمله للطعن.ويقصد كذلك الامانة العلمية في النقل وفي حسن التأويل وفي الدقة المطلوب انتهاجها  فكلما كان الباحث متحليا بالصفات العلمية لا شك انه سينجح في انجازه بحثه (1)

الأمانة العلمية

      لا شك أن الباحث بحاجة إلى حس إيماني صادق والعمل البحثي أمانة في عنق من يقوم به فقد كان علماء المسلمين في كل علومهم، سواء كان علمًا شرعيًّا أو حياتيًّا -كانوا حريصين أشد الحرص على تحري الدقة والأمانة العلمية فيما ينقلونه عن غيرهم، حتى ولو كان النقل عن مجهولين، وكان ذلك واضحًا في كل كتبهم وتصانيفهم. من هذا مثلاً ما يقوله ابن الأثير في مقدمة كتابه (الكامل)، بعد أن يذكر السبب الذي من أجله كان كتابه هذا: “ولا أقولُ إني أتيتُ على جميع الحوادث المتعلّقة بالتاريخ؛ فإنَّ من هو بالموصل لابد أن يشذَّ عنه ما هو بأقصى الشرق والغرب، ولكن أقول: إنني قد جمعت في كتابي هذا ما لم يجتمع في كتاب واحد، ومن تأمَّله علم صحَّة ذلك. فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنّفه الإمام أبو جعفر الطبري؛ إذ هو الكتاب المعوّل عند الكافة عليه، والمرجوعُ عند الاختلاف إليه، فأخذت ما فيه من جميع تراجمه، لم أُخلّ بترجمة واحدة منها، وقد ذكر هو في أكثر الحوادث روايات ذوات عدد، كلّ رواية منها مثل التي قبلها أو أقل منها، وربّما زاد الشيء اليسير أو نقصه، فقصدتُ أتمّ الروايات، فنقلتها وأضفت إليها من غيرها ما ليس فيها، وأودعت كل شيء مكانه، فجاء جميع ما في تلك الحادثة على اختلاف طرقها سياقًا واحدًا على ما تراه. فلمّا فرغتُ منه وأخذتُ غيره من التواريخ المشهورة فطالعتها وأضفت منها إلى ما نقلته من تاريخ الطبري ما ليس فيه، ووضعتُ كلّ شيء منها موضعه(1) فهذا ابن نفيس النفيس شيخ الطب في زمانه، ومكتشف الدورة الدموية الصغرى، تقدم إليه أحد المرضى، وسأله عن علاج لورمٍ في يده، فلمّا فحصه قال في تواضع: “أعرف صفة الورم، وأتفهَّم أسبابه، ولكنني لا أعرف له علاجًا؛ فالتمسه عند غيري(2)

الأمانة العلمية هي أن لا يقوم الباحث بنسخ ما قاله الأخرون دون  إعطاء كل ذي حق حقه وعدم الأمانة العلمية هي أن يقوم شخص بنقل أو نسب تعب ومجهود الأخرين دون الإشارة  لهم(3) فمن أبرز خصالِ طالب العلم تمتعه بالأمانة العلمية ، و التي بها يَثِقُ الناسُ بما يحويه من علم ، و يعرفون مدى تأثره بالعلم.

       ومن صور عدم الأمانة العلمية: السطو على بحوث الغير ونتائجها دون أية إشارة إليها، ومن ذلك أيضاً عدم التدقيق في فهم آراء الغير، والتسرع في تأويلها وحملها على غير معناها الواضح من عبارتها، بغية تعريضها للنقد أو الهجوم على غير ما تستحقه.   فعلى الباحث الأمين ألا يشوه الآراء والأفكار التي قال بها غيره  ولا تروقه أو لا تعجبه، كما عليه ألا يزيد أو يبالغ في إطراء تلك الأفكار إن كان بها معجباً (4)

 لماذا يلجأ الباحث إلى السرقة العلمية؟

السرقة العلمية من المشاكل الأخلاقية المعقدة في البيئة الجامعية. ويمكن تعريف السرقة العلمية، بشكل مبسط، في المحيط الجامعي، على أنها تحدث عندما يقوم الكاتب متعمداً باستخدام كلمات أو أفكار أو معلومات   شخص آخر دون تعريف أو ذكر هذا الشخص أو مصدر هذه الكلمات أو المعلومات، ناسبها إلى نفسه وقد جاء في التعريف الذي قدمته وكالة الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي بجامعة الملك سعود، بحيث ذكرت أنّ ” السرقة العلمية في أبسط معانيها بأنّها استخدام غير معترف به لأفكار وأعمال الآخرين بقصد أو من غير قصد(4) وهذا التعريف. وتحدث السرقة العلمية بشكل مبسط في المحيط الجامعي، عندما يقوم الكاتب متعمدا باستخدام كلمات أو أفكار أو معلومات (ليست عامة) خاصة المتعلقة بشخص آخر دون تعرف أو ذكر هذا الشخص أو مصدر هذه الأفكار أو المعلومات، وقد نسبها إلى نفسه ،  سواء تم ذلك ورقياً أو إلكترونياً  ومن أكثر أسباب اللُّجوء للسرقة العلمية (1)

قصر الوقت

  -تأجيل إنجاز المهام إلى أن يحل الموعد النهائي لتسليم البحث،

 – صعوبة البحث المطلوب

 – غياب الوازع الديني

- العجز والتكاسل العلمي

ولكل هذه الأسباب آثار سلبية منها

  – تقضي على ملكة البحث العلمي النزيه وتجعل الباحث لا يبالي من أين أتى بالمعلومة ، ولا مصدرها ،    – تنشئ عقليات هشة علميا، متهرئة فكريا ، ويكون نتاجها أن تكون الأمة فراغا من كل عقلية بحثية .

  – تقتل موهبة الإبداع والتنافس.

الخاتمة

أنّ الممارسات والسلوكيات المنافية لأخلاقيات البحث العلمي المنتشرة بكثرة في مؤسساتنا الجامعية، إلاّ أن من بين كل هذه المخالفات تعد  السرقة العلمية الأكثر سوءا والأشد ضرراً؛ ذلك أنّها أصبحت من بين أكثر الظواهر السلبية التي تتهدد مستقبل البحث العلمي.  وعليه فإنّه يمكن القول أنّ تلقين أبجديات البحث العلمي الأكاديمي الصحيح يبقى السبيل الأول للوقاية من عمليات السرقة العلمية والانتحال في الأوساط الأكاديمية حتى ولو كانت غير مقصودة.

التوصيات

1/  تأسيس مؤسسة وطنية تتابع حقوق الباحث العلمي، وتقاضي المعتدين على حقوقهم الفكرية.

       2/ إنشاء لجنة لأخلاقيات البحث العلمي في المؤسسات الأكاديمية والبحثية لوضع ضوابط للعمل البحثي والنشر العلمي

       3 / إعداد دليل لأخلاقيات البحث العلمي في الحقول المعرفية المتعددة، يبين سمات أخلاقيات البحث العلمي في كل تخصص

         4/ تبني استراتيجيات وبرامج من شأنها توعية جمهور الطلبة بماهية الأمانة العلمية وخطورة الانتهاكات المترتبة عليها. ويتم ذلك من خلال تنظيم محاضرات عامة وتوزيع نشرات توعية

       5/ عدم تساهل أساتذة الجامعات مع أية حالات انتهاك لحق المؤلف، وبخاصة الرسائل والبحوث الجامعية

مراجع البحث

 1  ابن منظور، لسان العرب/ مادة بحث

2  داود حامد حنفي، المنهج العلمي في البحث العلمي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزار، 1983،

3 ينظر  إميل يعقوب، كيف تكتب بحثا او منهجية البحث ، جروس برس، طرابلس ن لبنان 1986،

4علي عبد المعطي محمد، ومحمد السرياقوسي، أساليب البحث العلمي، مكتبة الفلاح، ، الكويت، ط3، 1988،

5صبري الدمرداش: قطوف من سير العلماء، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2006م،

6 وجيه يوسف, البحث اللاهوتي: كيف تكتب بحثا ُأكاديميا ً, ( القاهرة 2007.

7  أحمد عبد الكريم سلامة، الأصول المنهجية لإعداد البحوث العلمية، ط1، دار النهضة العربية، القاهرة، 1999

 8 ، صالح لجلوحي،  محاضرات في منهجية البحث العلمي في اللغة والأدب ، ،ط1، دار قرطبة للنشر والتوزيع

(1)  سورة المائدة:31

(2)  ابن منظور، لسان العرب/مادة بحث، المجلد 1،ص214، دار صادر – بيروت

(3)  التوبة:41

(4)  داود حامد حنفي، المنهج العلمي في البحث العلمي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزار، 1983، ص، 17

(5)  ينظر إميل يعقوب، كيف تكتب بحثا او منهجية البحث ، جروس برس، طرابلس ، لبنان، 1986، ص، 27

(1)  علي عبد المعطي محمد، ومحمد السرياقوسي، أساليب البحث العلمي، مكتبة الفلاح، ، الكويت، ط3، 1988، ص 65

(1)  منهجية البحث، مانيو جيدير، تر، ملكة أبيض، تنسيق، د.محمد عبدالنبي السيد غانم، دليل الباحث المبتدئ في موضوعات البحث ورسائل الماجستير والدكتوراه ، ص 19

(1)  محاضرات في منهجية البحث العلمي في اللغة والأدب ، صالح لجلوحي، ،ط1، دار قرطبة للنشر والتوزيع، 2016، ص 24

(1)  صالح بلعيد، في الناهج اللغوية وأعداد الأبحاث، دار هومة، للطباعة والنشر والتوزيع ، الجزائر ط 2013

(1)  ابن الأثير: الكامل في التاريخ 1/8،7

(2)  انظر في ذلك صبري الدمرداش: قطوف من سير العلماء، الهيئة المصرية العامة للكتاب مصر ،  2006  ، 2/175

(3)  وجيه يوسف, البحث اللاهوتي: كيف تكتب بحثا ُأكاديميا ً, ( القاهرة 2007 ) 43 .

(4)  أحمد عبد الكريم سلامة، الأصول المنهجية لإعداد البحوث العلمية، ط1، دار النهضة العربية، القاهرة، 1999 ص 54

(4)  وكالة الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي والخطة الوطنية للعلوم والتقنية والابتكار، جامعة الملك سعود، الاقتباس والسرقة العلمية في البحوث العلمية من منظور أخلاقي، ص 3، منشور على الموقع: https://www.ut.edu.sa/documents

(1) عمادة تطوير المهارات، وكالة الجامعة للتطوير والجودة بجامعة الملك سعود، كيف تجنب طلابك خطأ الوقوع في السرقة العلمية، ورقة منشورة ضمن أعمال سلسلة نصائح في التدريس الجامعي، 2012، متاحة على الموقع: www.dsd.edu.sa.

 51


Updated: 2017-09-13 — 16:26

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme