أحكام التحقيق مع الحدث دراسة مقارنة بين القانون العراقي واللبناني


     

أحكام التحقيق مع الحدث دراسة مقارنة بين القانون العراقي واللبناني

The Provisions of the Investigation with the Juveniles A Comparative Study between Iraqi and Lebanese Laws

أكرم زاده الكوردي، ماجستير في القانون المقارن، محكمة استئناف منطقة دهوك

Akram Zada Al-Kurdi, Master of Comparative Law,Duhok District Court of Appeal

مقال نشر في مجلة جيل الدراسات المقارنة العدد 11 الصفحة 109.

  الملخص:

يتناول هذا البحث خصوصيات المتهم الحدث خلال مرحلة التحقيق في قانون الأحداث العراقي واللبناني. والغرض منه هو بيان أوجه التشابه والاختلاف بين قانون الأحداث لكلا البلدين فيما يتعلق بموضوع الدراسة، بهدف الاستفادة من نقاط القوة في كل قانون. واختتم البحث بنتائج وهي: التشابه بين القانونين في بعض المسائل، مثل منح السلطة التقديرية لقاضي التحقيق في توقيف المتهم الحدث من عدمه في جرائم الجنح والجنايات، وغلق التحقيق بحق المتهم الحدث لتقادم الجريمة، والاختلاف في مسائل أخرى. وبخصوص مسائل الخلاف، فإن كفة الرجحان كانت لصالح القانون اللبناني في بعض المسائل، مثل عدم جواز توقيف الحدث الذي لم يكمل الثانية عشرة من عمره. وفي مسائل أخرى، كفة الرجحان كانت لصالح القانون العراقي، مثل إعفاء الحدث من أخذ بصمة أصابعه وبالنتيجة عدم اعتبار التدابير الصادرة بحقه سوابق قضائية.

الكلمات الافتتاحية: خصوصيات، التحقيق، الأحداث، العراق، ولبنان.

Abstract:

     This research deals with the privacy of the Juvenile accused during the investigation stage in the Iraqi and Lebanon juvenile law. Its purpose is to clarify the similarities and differences between the laws of juveniles of both countries in relation to the subject matter of the study, in order to take advantage of the strengths of each law. The study concluded with results: the similarity between the two laws on certain issues, such as granting the discretionary power to the investigating judge to arrest juvenile accused in cases of misdemeanors and felonies, the closure of the investigation to the Juvenile accused because of aging out of the crime. On the issues of disagreement, the case for argument was in favor of Lebanon law on certain issues, such as the juvenile who has not completed the age of 12 years may not be arrested. On other issues, the balance was the odds in favor of Iraqi law, such as exempt the juvenile from fingerprinting and as a result, the measures against him are not considered judicial precedents.

Key Words: Privacy, investigation, juveniles, Iraq and Lebanon.

  مقدمة

في العصور القديمة، المتهم الحدث كان يعامل معاملة المتهم البالغ خلال مرحلتي التحقيق والمحاكمة، دون أي اعتبار لصغر سنه وعدم نضجه العقلي والإدراكي. أمام هذا الحيف والظلم بحق المتهمين الأحداث بذل الفقهاء والمدارس القانونية جهوداً عظيمة على المستوى المحلي والدولي لغرض رفع هذا الظلم عنهم، ومعاملتهم معاملة منصفة مناسبة لعمرهم ونضجهم العقلي. وبفضل هذه الجهود المبذولة أقرّ المشرع الجنائي في العديد من الدول بخصوصيات للمتهم الحدث خلال مرحلتي التحقيق والمحاكمة، وفيما بعد صدرت اتفاقات ومعاهدات واعلانات دولية بحقوق الأطفال بشكل عام وبموضوع قضاء الأحداث بشكل خاص. منها، قواعد الأمم المتحدة الدنيا النموذجية لإدارة شؤون قضاء الأحداث المعروف بقواعد بكين لعام 1985م[1]، اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989م، وقواعد الأمم المتحدة بشأن حماية الأحداث المجردين من حريتهم لعام 1990م. وقام المشرع الجنائي العراقي بدوره في قانون رعاية الأحداث رقم 76 لعام 1983م المعدل، وكذلك قام المشرع اللبناني بدوره في قانون حماية الأحداث المخالفين للقانون أو المعرضين للخطر رقم 422 لعام 2002م، بدرج خصوصيات للمتهم الحدث خلال مرحلة التحقيق.

أولاً: أهمية البحث.

تكمن أهميته في أنه ومن خلال هذا البحث يمكن التعرّف على خصوصيات المتهم الحدث خلال مرحلة التحقيق في قانون الأحداث العراقي واللبناني، والتطلع على أماكن القوة فيهما بغية الاستفادة منها، وكذلك الكشف عن أماكن الضعف فيهما بغية إصلاحها وتحسينها.

ثانياً: إشكالية البحث.

تكمن في الإجابة عن التساؤلات الآتية:

  1. ما هي أوجه الاختلاف والاتفاق بين قانونيّ الأحداث العراقي واللبناني فيما يتعلق بخصوصيات المتهم الحدث خلال مرحلة التحقيق؟.
  2. ما هو فيصل التفاضل بين خصوصيات المتهم الحدث خلال مرحلة التحقيق في قانون البلدين؟.

ثالثاً: منهجية البحث.

 ارتأى الباحث اعتماد المنهج الاستقرائي لخصوصيات المتهم الحدث خلال مرحلة التحقيق في قانون البلدين، إضافة إلى المنهج المقارن وتحليلها تحليلاً قانونياً بطريقة نقدية بغية الوقوف على نقاط القوة والضعف في كل قانون.

رابعاً: أهداف البحث.

 يهدف هذا البحث إلى التعرف على أوجه التشابه والاختلاف بين خصوصيات المتهم الحدث خلال مرحلة التحقيق في قانونيّ الأحداث العراقي واللبناني، وكذلك البحث والتحري عن نقاط القوة والتفاضل بينهما بغية إفادة المشرعين من الجانبين.

خامساً: خطة البحث.

لغرض الإجابة عن تساؤلات البحث، سيتم عرض ومناقشة موضوع البحث من خلال خمسة مباحث. في الأول سنتناول: الجهات التي تتعامل مع الأحداث. وفي الثاني: حضور المحامي والولي أثناء التحقيق. وفي الثالث: توقيف الحدث ودراسة شخصيته. أما في المبحث الرابع فسنتطرق إلى: غلق الأوراق التحقيقية. وسنختم الدراسة بالمبحث الخامس وسنبيّن فيه: سوابق المتهم وكشف الدلالة وإحالته للمحكمة الجزائية.

المبحث الأول: الجهات التي تتعامل مع الأحداث.

حينما يرتكب الحدث جريمة فإن أكثر من جهة تتعامل معه لحين إحالته لمحكمة الأحداث لغرض محاكمته. وتعتبر مراكز الشرطة هي أولى الجهات التي تتعامل معه لكون أفراد الشرطة هم أول السلطات الرسمية التي تحضر محل الجريمة، كما أن الضحية عادة تطلب النجدة منهم. ولكون تقرير مصير الحدث المتهم ليس بيد أفراد الشرطة فيتم إحضاره من قبلهم أمام السلطات التحقيقية  القضائية التي تتمثل في محكمة التحقيق. لكن ما يثار هنا: هل يجوز لأي فرد من أفراد الشرطة ولأي قاضٍ من قضاة التحقيق التعامل مع قضايا الأحداث أم يجب أن يتوفر فيهم نوعية خاصة من المؤهلات والقدرات؟ سنجيب عن هذا التساؤل من خلال مطلبين. سنخصّص الأول، لشرطة الأحداث، أما الثاني فلمحكمة تحقيق الأحداث.

المطلب الأول: شرطة الأحداث.

أوصت الجمعية العامة للمنظمة الدولية للشرطة الجنائية (أنتربول) في مؤتمرها الدولي المنعقد في عام 1958م بإنشاء شرطة متخصصة لوقاية الأحداث. كما أن المؤتمرات الدولية كافة والدراسات الخاصة بالأحداث توصلت إلى ضرورة استحداث شرطة متخصصة بشؤون الأحداث على أن تكون من بينهم عنصر نسوي لأنهن أكثر دراية بالتعامل مع الأحداث، وأن الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر في مقدمة الدول التي أخذت بنظام شرطة الأحداث والشرطة النسائية[2].

ويرى المتخصصون أن هناك ضرورة في أن يتلقى ضبّاط ورجال الشرطة الذين يتعاملون كثيراً مع الأحداث تدريباً خاصاً لكي يتسنى لهم أداء مهامهم على أفضل وجه، وإنشاء وحدات شرطة خاصة في المدن الكبيرة. ويجب التأكيد على ضرورة ترسيخ مبدأ التدريب المستمر بحيث يكون الجيل الأول قادر على تدريب الجيل الثاني وهكذا، لضمان أن يتم التعامل مع الأحداث من قبل أفراد متخصصين. ومن المهم أن تكون اتفاقية حقوق الطفل ومعايير الأمم المتحدة لقضاء الأحداث جزء من التكوين العلمي والمهني للهيئات المعنية بالعمل مع الطفل، ويمكن إدراج اتفاقية حقوق الطفل في المناهج الدراسية لطلبة كلية الشرطة والحقوق والخدمة الاجتماعية[3].

ورغم هذه التدريبات والدورات فإن بعض الدراسات أكدّت على أن شرطة الأحداث ليست كما هي مطلوب منها من حيث كفاءة الكادر وكذلك من حيث العدد والآليات والأجهزة والتعليمات الضرورية وأماكن تواجدها، أما بخصوص وجود عنصر نسوي ضمن تشكيلات هذه المراكز فإن هذه التجربة هي الأخرى لم تنجح[4].

وبالرجوع إلى موقف المشرع العراقي، فإيماناً منه بضرورة معالجة ظاهرة جنوح الأحداث استحدثت شرطة الأحداث التي تعتبر من الأجهزة الحديثة المتمشية مع روح الدولة العصرية ومتممة لها، ورابطة وصل للأجهزة المختصة بمعالجة ظاهرة الجنوح لكون هذه الشرطة هي أول من تتلقى الحدث الجانح وتتعامل معه ومن ثم محكمة الأحداث ودور الرعاية الاجتماعية[5]،  حيث تم تشكيل أول معاونية لشرطة الأحداث في 24/5/1975 سميت في حينه بمركز شرطة الأحداث ضمن مديرية شرطة محافظة بغداد وتم ربطه بمديرية الشرطة القضائية وقد باشر المركز عمله في 27/12/1975م[6].

ولو رجعنا إلى قانون رعاية الأحداث العراقي، سنجد بأن مهمة شرطة الأحداث لا تنحصر في التعامل مع قضايا الأحداث المشردين والمتهمين فقط، وإنما عليها وقايتهم من الجنوح أيضاً. ففي المادة (23/أولا) منه والمدرجة ضمن باب الوقاية من الجنوح، نص المشرع على دور شرطة الأحداث في هذا الخصوص بالقول: “تتولى شرطة الأحداث البحث عن الصغار الضالين والهاربين من أسرهم والمهملين من قبل أولياء أمورهم، والكشف عن الأحداث المعرضين للجنوح في أماكن جذب الأحداث كالمقاهي والمشارب والمراقص ودور السينما في ساعات متأخرة من الليل”، كما نص في الفقرة الثانية من المادة نفسها على شرطة الأحداث: “إيصال الصغير أو الحدث عند العثور عليه في الأماكن التي تعرضه للجنوح إلى ذويه”.ونعتقد أن المشرع لم يكن موفقاً عندما ربط عملية الكشف عن الأحداث بساعات متأخرة من الليل، لأن هذه الأماكن هي منبع الجريمة سواء كان الوقت نهاراً أو ليلاً وإن كانت نسبة ارتكاب الجريمة أكثر في الليل، ولهذا نجد ضرورة لتعديل النص بما يضمن إجراء عملية البحث والكشف في جميع الأوقات.

أما بخصوص دور شرطة الأحداث في التعامل مع الأحداث المتهمين، فإن المادة (48) تنص على: “يسلم الحدث فور القبض عليه إلى مركز شرطة الأحداث في الأماكن التي توجد فيها شرطة أحداث، لتتولى إحضاره أمام قاضي التحقيق أو محكمة الأحداث”. يفهم من النص، أن شرطة الأحداث هي الجهة الوحيدة التي تتعامل مع قضايا الأحداث في أماكن تواجدها، ولا يجوز لغيرها من أقسام الشرطة التدخل في هذا المجال. فحتى لو ألقي القبض على متهم حدث أو مشرد من قبل الشرطة العادية لا يجوز لها قانوناً إحضاره أمام الجهات القضائية المختصة، وإنما عليها تسليمه إلى شرطة الأحداث، لتتولى هي إحضاره أمامها. وإن النص المذكور دليل على حرص المشرع العراقي على الأحداث، لكن النص لم يترجم إلى الواقع في أغلب الأحيان، فمثلاً، لو كان المتهمون في جريمة القتل مجموعة من الأشخاص ومن بينهم حدث، والقضية مسجّلة لدى مكتب مكافحة القتل. ففي هذه الحالة لا يتم تسليم الحدث لشرطة الأحداث إلاّ بعد قطع مرحلة من التحقيقات وصدور قرار من المحكمة المختصة بتفرقة أوراق المتهم الحدث عن المتهمين البالغين.

أما عن موقف المشرع اللبناني، فإنه لم ينص على إنشاء شرطة متخصصة للأحداث ولهذا يتم التعامل معهم من قبل رجال الأمن والشرطة العادية، ونظراً لعدم معرفة هؤلاء بكيفية التعامل مع الأحداث، يلجؤون للعنف الجسدي واللفظي بحقهم، ومرات يعتدون عليهم بالضرب المبرح، ويقول أحد القضاة اللبنانيين بأنه” أبطل عدة تحقيقات في محكمة جنايات صيدا لثبوت تعرض الحدث للتعنيف من قبل الشرطة”، ويستمر في القول: “استطعنا بعد جهود حثيثة إنشاء شرطة للأحداث، لكن تم ضمّها لشرطة الآداب في مخفر حبيش فقط، بينما كنا نأمل وجود هذه الشرطة في كافة مناطق لبنان. علماً، بسبب عدم وجود شرطة الأحداث في جميع الأماكن تم نقل أحد المتهمين الأحداث بين ستة مخافر ومفارز مختلفة في ليلة واحدة لحين تسليمه لمخفر حبيش[7].

وفيما يخص المقارنة بين القانونين العراقي واللبناني، يلاحظ بأن شرطة الأحداث وجدت في العراق منذ عام 1975م ولم يغفل قانون الأحداث العراقي الصادر عام 1983م على تكليف هذه الشرطة بالتعامل مع قضايا الأحداث المتهمين والمشردين ووقايتهم من الجنوح والتشرد. بينما المشرع اللبناني تغافل عن إنشاء شرطة متخصصة بالأحداث، واستمر في سياسته هذه في قانون الأحداث الصادر عام 2002م، إذ خلا القانون المذكور من أي نص يشير إلى شرطة الأحداث، وأنه بجهود العاملين في قضاء الأحداث تم إنشاء شرطة أحداث لكن تم دمجه في مخفر واحد فقط على مستوى لبنان كله،. وعليه، نرجح مسلك المشرع العراقي في هذا الشأن، الذي استطاع مواكبة التطور الحاصل في المجتمع الدولي وخاصة في مجال القانون الجنائي للأحداث.

المطلب الثاني: محكمة تحقيق الأحداث.

إن الاهتمام بفكرة تخصيص قضاة الأحداث في موضوع جنوح الأحداث وطرق التربية والتهذيب والإلمام الكافي بالدراسات النفسية والاجتماعية والقانونية ضروري جداً، وأن ينسحب هذا التخصص على قضاة المراحل الأخرى التي تمر بها دعوى الحدث كقاضي تحقيق الأحداث وقاضي تنفيذ التدبير[8] وعلى هيئات الطعن بالأحكام. إذ أن التحقيق سيكون سليماً إذا تولّته سلطة مختصة قوامها قاضي تحقيق الأحداث ونائب للمدعي العام خاص بالأحداث يساعده في ذلك بعض المحققين الذين لهم خبرة علمية ونظرية في شؤون الأحداث. وقد طبقت هذه القاعدة بصورة موسعة في انكلترا وفي الولايات المتحدة الأمريكية وبلجيكا وهولندا وإيطاليا وسويسرا والنمسا والسويد[9].

وإن من أهم توصيات الاتفاقيات والقواعد الدولية هي:” تخصيص قضاة لتحقيق الأحداث يكون لديهم معرفة وإلمام واسع في علم النفس والاجتماع والطب العدلي والتربية وغيرها من العلوم التي تساعد على فهم الحدث. أما نشأة محاكم تحقيق الأحداث فهي حديثة النشأة حيث لم يتم إنشاؤها إلاّ بعد إنشاء محاكم خاصة للأحداث”[10].

أما المشرع العراقي فقد نص في المادة 49 من قانون الأحداث على أنه: “يتولى التحقيق في قضايا الأحداث قاضي تحقيق الأحداث، وفي حالة عدم وجوده يتولى قاضي التحقيق أو المحقق القضائي العادي بذلك،  ويجوز تشكيل محكمة تحقيق أحداث بأمر من وزير العدل –مجلس القضاء- في الأماكن التي يعينها”. يفهم من النص بأن الجهة المختصة بالتحقيق في قضايا الأحداث هي (محكمة تحقيق الأحداث)، وفي حالة عدم وجودها يقوم بها القاضي المخصّص لتحقيق الأحداث، وأجاز المشرع استثناءً لقاضي التحقيق الذي يتولى التحقيق في جرائم البالغين والمحقق القضائي بإجراء التحقيق مع الأحداث في حالة عدم وجود محكمة تحقيق الأحداث والقاضي المخصص. ولهذا يجب تفريق أوراق المتهم الحدث عن المتهمين البالغين فور إدلائه بإفادته، ليتسنى للجهات المعنية التحقيق معه. وقد أكّدت المادة 53 من قانون الأحداث على تفرقة الأوراق هذه بالقول: “إذا اتهم حدث مع أحد بالغ سن الرشد بارتكاب جريمة فعلى قاضي التحقيق تفريق الدعوى وإحالة كل منهما على المحكمة المختصة”.

ونرى أن من أسباب إصرار المشرع على إجراء التحقيق مع الحدث من قبل محكمة تحقيق الأحداث أو القاضي المخصص لتحقيق الأحداث هي ما نصّت عليها المادة 20 من قانون الأحداث الملغي رقم 64 لعام 1972م بقولها: “يجب أن يتم إجراء التحقيق معه برفق وأن يلفت نظر ذوى العلاقة في الدعوى إلى عدم التهجّم عليه عند الإدلاء بأقواله ولا يجوز تكبيله بالسلاسل أو تقييد يديه بالأصداف”. وكذلك ليتم وصفه وصفاً قانونياً سليماً خلال مرحلة التحقيق، فإن ارتكب جريمة اعتبر متهماً، وإن وقع في حالة من حالات التشرد اعتبر مشرداً، أما إذا وقع في حالة من حالات الانحراف فيعتبر منحرفاً.

ونرى بأن وصف المشرد أو المنحرف بالمتهم من قبل محاكم التحقيق من الناحية العملية، هو تطبيق غير سليم للقانون وإجحاف بحق الحدث، لكونه لم يرتكب جريمة في هذه الحالات. وأن الانتباه لهذه المصطلحات القانونية الدقيقة لن يتم إلاّ إذا كانت الجهات التحقيقية جهات مختصة ولها إلمام جيد بقانون الأحداث.

أما فيما يتعلق بتشكيل محكمة تحقيق خاصة بالأحداث التي نصّت عليها الفقرة الثانية من المادة 49 والتي سبق ذكرها، فإنها شبه معطلة منذ صدور قانون الأحداث، وهناك حاجة ملحّة لتفعيلها، لأن النص عليها لم يأتِ من الفراغ وإنما جاءت تنفيذاً  للاتفاقيات والمعاهدات والإعلانات الدولية الخاصة بقضاء الأحداث والتي انضمّت إليها العراق. ونعتقد أن السبب وراء تعطيل هذه الفقرة هو أن المشرع لم يلزم مجلس القضاء بتشكيل هذه المحكمة، إنما أعطى له سلطة تقديرية في هذا الخصوص.

ويتجه البعض إلى أن محاكم تحقيق الأحداث موجودة فقط في بغداد وبعض محافظات العراق، ولهذا دعا إلى تعميم هذه التجربة في جميع المحافظات، واستمر في القول: “أن نطاق اختصاص المحاكم الموجودة حالياً في مراكز تلك المحافظات تشمل الجرائم التي ترتكب ضمن نطاقها الإداري فقط وليست ضمن جميع حدود المحافظة”[11]. أما بقية المحافظات ومن ضمنها محافظات إقليم كردستان، فإنها تعتمد على تكليف القضاة في محاكم التحقيق العادية لتولي التحقيق في قضايا الأحداث، وبه يكون التحقيق في قضايا الأحداث جزء ثانوي من عملهم.

التساؤل المطروح في هذا السياق: هل القاضي غير المتفرغ لتحقيق الأحداث سيواجه ويتعامل مع المتهم الحدث كحدث أم سيتعامل معه معاملة البالغ؟ نرى بأن قاضي التحقيق في هذه الحالة سيجد صعوبة في التعامل مع هؤلاء المتهمين بتوازن، لأن تعامله اليومي مع البالغين أصبح طبعاً وعادةً له، فبسبب الروتين أو النسيان أحياناً يعمم التعامل نفسه على المتهم الحدث أيضاً. عليه، من الضروري جداً أن يكون قاضي الأحداث متفرّغاً فقط لقضايا الأحداث مهما كانت عدد قضايا الأحداث، وعدم تكليفه بقضايا البالغين حتى لا يؤثر على عمله. وعلى ضوء ما تقدم نرى ضرورة تعديل (المادة ٤٩ / ثانياً) من قانون رعاية الأحداث واستبدال كلمة (يجوز) بكلمة (يجب) لإلزام وزير العدل – سواء في الحكومة المركزية أو في حكومة إقليم كوردستان- بتشكيل محكمة خاصة متفرغة للتحقيق في قضايا جانحي الأحداث ضماناً لحقوقهم الجديرة بالحماية ورعايةً لخصوصية الدعاوى الخاصة بهم.

أما عن موقف المشرع اللبناني، فإنه لم يذكر في قانون الأحداث ولا في قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني رقم 328 لسنة 2001م، ما يشير إلى محكمة تحقيق الأحداث ولا إلى قاضي تحقيق الأحداث، لكن ذلك لم يمنعه من تخصيص المعاملة مع الأحداث، فبموجب المادة 33 من قانون الأحداث اللبناني، إذا اشترك حدث مع راشد في جريمة واحدة أو جرائم متلازمة فإن الحدث يخضع مع الراشد إلى إجراءات الملاحقة والتحقيق والمحاكمة أمام المرجع العادي دون أن يتم تفرقة أوراق المتهم الحدث عن البالغ، وعلى هذه المراجع أن يطبق بالنسبة له الضمانات الإجرائية المنصوص عليها في قانون الأحداث.

وعادة يقوم بالتحقيق الضابطة العدلية، المؤلفة من النواب والمحامين العامين تحت إشراف النائب العام لدى محكمة التمييز، ويساعدهم في ذلك عدد من الأشخاص والجهات التي نصّت عليها المادة 38 من قانون الأصول، وقد يقوم بالتحقيق قاضي التحقيق العادي نفسه، وحتى في الحالة الأولى حينما تقوم الضابطة العدلية بالتحقيق فإنها تعرض الأوراق على محكمة التحقيق في النهاية[12].

قبل الانتقال إلى المقارنة بين القانونين نود الإشارة بأن هناك جهوداً تبذل من أجل إناطة التحقيق مع الأحداث بقضاة متخصصين، إذ يقول أحد القضاة: “سأصر في التشكيلات المقبلة على أن يكون هناك تخصّص في معهد القضاء لأن العمل مع الأحداث ليس بالسهل أبداً ولا يمكن لقاضٍ عقاري مثلاً أن يصبح قاضي أحداث”[13].

عند المقارنة بين القانونين، نستنتج بأن القانون العراقي متقدم على القانون اللبناني في أكثر من ناحية:

  1. أناط المشرع العراقي التحقيق مع الحدث بمحكمة تحقيق الأحداث إن كانت موجودة، وفي حالة عدم وجودها، يتم إجراؤه من قبل قاضي التحقيق المخصص للأحداث، ولم يسمح المشرع لقاضي التحقيق العادي والمحقق القضائي القيام بالتحقيق إلاّ بعد غياب محكمة تحقيق الأحداث والقاضي المخصص لتحقيق الأحداث. أما المشرع اللبناني فلم يواكب التطور الحاصل في عالم اليوم بخصوص قضاء الأحداث، ولهذا لم ينص لا على تشكيل محكمة ولا تخصيص قضاة للتحقيق مع الأحداث سوى النص على إلزام الجهات العادية التي تقوم بالتحقيق، بتنفيذ الضمانات المنصوص عليها في قانون الأحداث عند إجراء التحقيق مع الحدث. عليه، نؤيد موقف المشرع العراقي، وندعوه إلى تعزيزه أكثر بإجراء تعديل في صياغة (المادة ٤٩ /ثاني اً) من قانون رعاية الأحداث ليجعل إنشاء المحاكم الخاصة بجانحي الأحداث أمراً وجوبياً، لكونه أضمن لسلامة التحقيق مع الحدث، وموافق للاتجاه السائد في الفقه القانوني المعاصر وللاتفاقيات والمعاهدات الدولية المتعلقة بالأطفال والأحداث.
  2. نظراً لوجود غطاء قانوني في العراق لتولي جهة قضائية متخصصة التحقيق مع الأحداث، فإن أوراق المتهم الحدث يتم تفرقته عن أوراق المتهم البالغ، وبالتالي يتم التحقيق مع كل واحد منهما من قبل جهة خاصة به، وذلك بعكس القانون اللبناني إذ القائم بالتحقيق مع الحدث والبالغ جهة واحدة وبالنتيجة لا يتم تفرقة أوراق متهم الحدث عن المتهم البالغ.

 

المبحث الثاني: حضور المحامي والولي أثناء التحقيق.

لا شكّ أن الحدث حينما يرى نفسه في قبضة أفراد الشرطة وسلطات التحقيق القضائية، سوف يشعر بالرهبة والذعر في نفسه خاصة حينما يحضر أمام هذه الجهات لأول مرة، وقد يسبّب وضعه هذا في أن يعترف على نفسه بجرائم لم يرتكبها مطلقاً. فلضمان حقوقه وتوفير جوٍ من الطمأنينة في نفسه ألزمت بعض القوانين الجنائية حضور المحامي وولي الحدث عند إحضاره لمراكز الشرطة وكذلك أثناء التحقيق معه. ولغرض التعرف على موقف القانونين العراقي واللبناني في هذا الخصوص، سنتناول هذا المبحث من خلال مطلبين. سنخصّص الأول، لحضور محامي الدفاع أثناء التحقيق ، أما الثاني فلحضور الولي أثناء التحقيق.

المطلب الأول: حضور محامي الدفاع أثناء التحقيق.

نصت قواعد الأمم المتحدة الدنيا النموذجية لإدارة شؤون قضاء الأحداث (قواعد بكين) لعام 1985م تدعيماً لحق الحدث في الدفاع نصت في المادة 7 على أنه:” تكفل في جميع مراحل الإجراءات ضمانات إجرائية أساسية مثل…، والحق في الحصول على خدمات محام، …”.

وقد جعلت هذه القواعد من اللازم أن يكون الحدث مؤازراً بمحام للدفاع عنه، وإذا لم يكن لوالدي الحدث الإمكانيات لتنصيب دفاع، يتم تعيين محام للحدث في إطار المساعدة القضائية. إذ نصت في المادة  ( ١٥ /ف ١) على: ” للحدث الحق في أن يمثله طوال سيرة الإجراءات القضائية مستشاره القانوني أو أن يطلب أن تنتدب له المحكمة محامياً مجاناً … “. كما أن حق المتهمين الأحداث في الحصول على محامٍ مجاناً دون مقابل نصت عليه اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 إذ نصت المادة 4/2/ب على ضمانات لكل طفل يدعي بأنه انتهك قانون العقوبات أو يتّهم بذلك ومن ضمن هذه الضمانات الحصول على مساعدة قانونية أو غيرها من المساعدات الملائمة لإعداد وتقديم دفاعه.

ولم يتطرق المشرع العراقي إلى مسألة انتداب المحامي للمتهم خلال مرحلة التحقيق على نفقة الدولة في قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم 23 لعام 1971م،وتجنباً لهذه الثغرة التشريعية عدّل المشرع الكردستاني المادة 123 من القانون المذكور بموجب المادة (3) من القانون رقم 22 لعام 2003م الصادر من برلمان كوردستان وبموجب التعديل أوجب على محكمة التحقيق بانتداب محامٍ للمتهم في قضايا الجنايات والجنح إن لم يكن له محام أصيل لغرض الدفاع عنه، كما أوجب على قاضي التحقيق والمحقق القضائي أخذ رأي المتهم قبل استجوابه فيما إذا كان لديه الرغبة في توكيل محام ينوب عنه أم لا، وإذا أبدى رغبته في ذلك ولم يكن في مقدوره توكيل محام له عندئذ أوجب المشرع بانتداب محام له في قضايا الجنح والجنايات، وبعد التوكيل أو الانتداب يتم استجوابه.

وبالنسبة للمتهمين الأحداث نعتقد بأن المشرع الكردستاني أغفل مراعاتهم إذ أن هذه الفئة من المتهمين غير ناضجين وملكاتهم العقلية لا زالت ناقصة، لذا كان من المفروض جعل انتداب المحامي لهم في حالة عدم وجوده في مرحلة التحقيق أمراً إلزامياً  كما هو الحال أثناء المحاكمة وعدم تعليق انتداب المحامي له على أخذ رأيه أو رأي وليّه، وقد تم تدارك ذلك في مشروع دستور الإقليم الذي صادق عليه برلمان كوردستان في 24/6/2009 إذ نصت الفقرة الثانية من المادة 22 على أنه: “يجب إبلاغ الشخص الموقوف بالتهمة الموجهة إليه فوراً وبلغته وله الحق في الاستعانة بمحام وتنتدب المحكمة محامياً على نفقة الحكومة للدفاع عن المتهم بارتكاب جناية أو جنحة في مرحلة التحقيق والمحاكمة لمن ليس له محام يدافع عنه”. بموجب هذا النص لا يؤخذ رأي المتهم بالغاً كان أم حدثاً لانتداب محامٍ له من عدمه، وإنما بمجرد أن يحضر أمام سلطات التحقيق وليس له محام أصيل ينتدب له محام على نفقة الحكومة. علماً أنه، لم يتم المصادقة على مشروع الدستور من قبل رئيس الإقليم لحد الآن، ولم يسر لحد كتابة هذه الأسطر.

كما أن إعلان حقوق السجناء والمعتقلين في إقليم كوردستان، هو الآخر لم يغفل النص على هذا الحق إذ جاءت في المادة 6/ 3  منه: “يكون لكل حدث محروم من حريته أو وليّه الحق في الحصول بسرعة على مساعدة قانونية للحدث وغيرها من المساعدات المناسبة فضلاً عن الطعن بشرعية حرمان الحدث من الحرية أمام المحكمة أو سلطة مختصة مستقلة ومحايدة أخرى وفي أن يجري البت بسرعة في أي إجراء من هذا القبيل”.

ومن التطبيقات القضائية في هذا الخصوص، جاء في قرار لمحكمة أحداث دهوك بصفتها التمييزية ما يلي: “أغفلت محكمة التحقيق السؤال من المتهم إن كان يرغب بتوكيل محامي أو إحضار محامي منتدب يدافع عنه، عليه ولجميع هذه الأسباب قررت المحكمة التدخل في قرار الإحالة ونقضه وإعادة القضية إلى محكمة تحقيق”[14].

أما عن موقف المشرع اللبناني بخصوص حضور المحامي أثناء سير الإجراءات التحقيقية بحق المتهم الحدث، فإن مركز المتهم الحدث والبالغ هو نفسه، وهذا ما نستنتجه من نص المادتين 76 و 78 من قانون الأصول حيث ألزم بموجبهما قاضي التحقيق بإخبار المتهم أثناء الاستجواب بحقه في الاستعانة بمحامٍ، فإذا رغب في ذلك لكن تعذر عليه تكليف محامٍ لنفسه على حسابه الخاص، عندها القاضي ملزم بتعين محامٍ له على نفقة الدولة، أو يطلب من نقابة المحامين تعين محام له. وإذا أغفل القاضي أن ينبه المتهم على حقه في الاستعانة محامٍ فإن الاستجواب سيكون باطلاً.

وقد ذكر أحد المحامين، أن نسبة 98% من القضايا التي تجري فيها التحقيق من قبل قضاة التحقيق والتي يبدي فيها المتهم برغبته في الاستعانة بمحام لا يتم تعيين ولا تكليف محامٍ فيها، لسببين. أولاً، قلة عدد المحامين المستعدين للتطوع. وثانياً، عدم توفر الإمكانات الكافية لدى نقابة المحامين لتغطية جميع الطلبات. ولتجنب بطلان الإجراءات التحقيقية، يدوّن القاضي بأن المتهم صرّح بعدم رغبته في الاستعانة بمحامٍ. علماً، أن بعض المتهمين الذين لديهم سوابق في هذا الخصوص يرفضون الاستعانة بالمحامي[15].

وعند إجراء المقارنة بين القانونين العراقي واللبناني، يلاحظ بأن المشرع العراقي أغفل النص على حق المتهم في توكيل محامٍ عنه أثناء مرحلة التحقيق، وانتداب محامٍ له في حالة عدم مقدوره على ذلك، بينما أكّد المشرع اللبناني على هذا الحق. ونظراً، لتعديل المشرع الكردستاني قانون الأصول العراقي في الإقليم الخاضع لسلطته، والنص على تمتّع المتهم بالحق المذكور، عليه سنقتصر المقارنة بين القانون اللبناني والكردستاني، وهو كما يلي:

  1. كلا القانونين لا يقبلان استجواب المتهم الحدث إلاّ بعد إخباره بأن لديه الحق في حضور محامٍ معه، والسؤال منه فيما إذا كان لديه رغبة في توكيل محامٍ عنه من عدمه، وانتداب محامٍ له على نفقة الدولة إذا لم تساعده ظروفه المالية. وهذا يعتبر موقفاً حسناً للمشرعين اللبناني والكردستاني، وندعو المشرع العراقي للاقتداء بهما.
  2. في لبنان وإقليم كوردستان يعتبر الاستجواب الحاصل في غياب المحامي باطلاً، إذا كان المتهم قد أبدى رغبته في توكيل محامٍ ولم يعطِ له القاضي المدة الكافية لتوكيل المحامي أو أبدى رغبته في انتداب محامٍ ولم ينتدب له محام، أو لم يخبر القائم بالتحقيق المتهم بحقه هذا. وهذه نقطة قوة أخرى للمشرعين اللبناني والكردستاني.
  3. المشرع اللبناني لم يحصر انتداب المحامي للمتهم في نوع معيّن من القضايا الجزائية بعكس المشرع الكردستاني الذي قيد ذلك بالقضايا الجنايات والجنح دون المخالفات. وعليه، نرجّح موقف المشرع اللبناني لأنه أصلح للمتهم الحدث.
  4. من الناحية العملية، يعتري عمل القضاء في كلا البلدين ثغرات تطبيقية. فقد تبيّن لنا أن القاضي اللبناني عادة يدوّن على لسان المتهم بأنه لم يبدِ رغبته في توكيل أو انتداب محامٍ له، كما أن النقابة هي الأخرى تعطي الأهمية لقضايا الجنايات دون غيرها في حالة الطلب منها بانتداب محامٍ للمتهم[16]. أما في الإقليم، فإن محاكم التحقيق بسبب الأزمة المالية التي يمرّ بها الإقليم منذ عام 2014م فإنها تنتدب المحامي للمتهم المعترف وحده، أما في مرحلة المحاكمة فإن جميع دعاوى الجنايات والجنح تنتدب فيها المحامي على حساب خزينة الإقليم.

المطلب الثاني: حضور الولي أثناء التحقيق.

لم ينص المشرع العراقي على ما يستوجب حضور ولي المتهم الحدث ولا تدوين إفادته خلال مرحلة التحقيق، لكن لكونه مسؤولاً عنه واستناداً إلى الأحكام والمبادئ العامة للقانون وقواعد العدالة والولاية الجبرية جرت العادة على وجوب تدوين إفادته. فقد جاء في قرار لمحكمة أحداث دهوك بصفتها التمييزية: “وجد أن قرار الإحالة  غير صحيح ومخالف للقانون….للأسباب التالية:… لم يتم تدوين إفادة ولي أمر المتهم فكان من المفروض تدوين إفادته وفي حالة وفاته يتم تدوين إفادة وصييه، عليه وللأسباب أعلاه قررت المحكمة نقض قرار الإحالة  أعلاه…”[17]، لكن في قرار آخر لها لم تتدخل المحكمة تمييزاً في قرار الإحالة رغم طعنه من قبل نائب المدعي العام لعدم تدوين إفادة ولي أمر الحدث، ونرى أن هذا القرار غريبٌ من نوعه حيث أن محكمة أحداث دهوك من عادتها أنها تتدخل تمييزاً في أية قضية لم تدوّن فيها إفادة ولي أمر الحدث، وهذا نص القرار: “وحيث أن محاكمة المتهم المحال تجري بحضور ولي أمره عليه فإن عدم إحضاره أمام حاكم التحقيق ليس مؤثراً في صحة قرار الإحالة لما تقدم نرى رد اللائحة التمييزية للأسباب المبينة أعلاه وتصديق قرار الإحالة وتعين يوم للمحاكمة وصدر القرار بالاتفاق”[18].

ورغم أن الولي غير ملزم بالحضور مع ولده الحدث خلال مرحلة التحقيق لكن المشرع الجنائي العراقي نصّ في المادة 240 من قانون الأصول على أنه: ” كل إجراء أو قرار أو حكم يوجب القانون تبليغه إلى الحدث يبلّغ بقدر الإمكان إلى أحد والديه أو إلى من له الولاية على نفسه ولأي من هؤلاء أن يراجع السلطات المختصة عن كل ما يتعلق بالتحقيق في الجريمة المسندة إلى الحدث أو محاكمته عنها أو بالحكم أو القرار الصادر عليه أو الطعن فيه أو تنفيذه”.

في ضوء المادة السابقة يجب تبليغ ولي المتهم الحدث عند إلقاء القبض على المتهم الحدث أو حضوره أمام مراكز الشرطة وقبل مثوله أمام القضاء يجب تبليغ وليّه بالموضوع، حتى يكون على علم بما اتخذ وستتخذ بحق ولده. أما عدم القيام بذلك، إلاّ بعد مثوله أمام القضاء واستجوابه وتوقيفه أو إطلاق سراحه بكفالة، يشكّل إجحافاً بحقه وخرق لمضمون هذه المادة. وكثيراً ما ينتقد أولياء أمور الأحداث السلطات المختصة، لكونهم لا يعرفون شيئاً عن أولادهم إلاّ بعد أن تم اتخاذ الإجراءات القانونية بحق أولادهم وهم غافلين عن ذلك.

ومن التطبيقات القضائية في هذا المجال، جاء في قرار لمحكمة أحداث دهوك بصفتها التمييزية: “لدى التدقيق والمداولة وجد أن الطعن مقدم ضمن مدته القانونية عليه قرر قبوله شكلاً ولدى تدقيق أعمار المتهمين تبين أن المتهمين لم يبلغا السن القانوني فليس لهما صلاحية التمييز عليه قررت المحكمة رد اللائحة التمييزية شكلاً، ومن خلال التدقيق لأوراق القضية رأت المحكمة أن هناك ما يستوجب نقض القرار المميز وأن قرار حاكم التحقيق جاء مخالفاً للقانون”[19].

يتّضح من هذا القرار مدى ضرورة علم أولياء أمور المتهمين بشؤون أولادهم، فرغم طعن المتهمين الأحداث بالقرار الصادر بحقهما لكن محكمة الأحداث رفضت الطعن المقدم من قبلهما على أساس أنهما غير بالغين السن القانوني.

ومراعاةً لنفسية المتهم الحدث ومشاعره وسنه أجاز المشرع في المادة (50) من قانون رعاية الأحداث إجراء التحقيق في الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة في غير مواجهته، بشرطين وهما: أن يحضر التحقيق من يحق له الدفاع عن الحدث، وتبليغ الحدث من قبل المحكمة بالإجراء المتخذ بحقه في غيابه. وعليه، فإذا ما أخلّت المحكمة بهذين الشرطين أو أحدهما، فإن الإجراءات المتخذة بغيابه ستكون باطلة، وبحكم عمل الباحث كمحقق قضائي في مجال التحقيق مع الأحداث فإن هذه المادة القانونية معطّلة من الناحية العملية.

أما عن موقف المشرع اللبناني، فإنه نصّ بصورة جليّة في المادة 34 من قانون الأحداث على وجوب إعلام أهل المتهم الحدث أو ولي أمره أو المسؤولين عنه حينما يتم إحضاره أمام النيابة العامة أو الضابطة العدلية للتحقيق معه في الجرائم المشهودة إن كان ذلك متيسراً. وهذا موقف حسن من المشرع، لأنه يبعث الاطمئنان لنفسية المتهم خاصة حينما تكون هذه أول مرة يحضر أمام السلطات التحقيقية، كما سيطّلع الولي على ما اتخذ من إجراءات بحق ولده المتهم. لكن المشكلة تكمن في عدم تنفيذ هذه المادة بشكل سليم، ففي إحدى القضايا تم توقيف متهم حدث في مخفر حبيش لثلاثة أيام دون إخبار عائلته بذلك، وقد وجدته والدته هناك من باب الصدفة حيث كانت تبحث عن ولدها[20]. وعند قراءة نص المادة 34 بتمعّن يفهم منها، ما يلي:

أولاً: وجوب إعلام الولي للحضور يكون في حالة التيسير، فإذا لم يكن ذلك متيسراً لا يتم إعلام الولي.

ثانياً: وجوب إعلام الولي يكون عندما تقوم النيابة العامة أو الضابطة العدلية بالتحقيق حصراً، أما بالنسبة لمحكمة التحقيق فالمسألة جوزاية لها.

ثالثاً: أن تكون الجريمة التي تجري فيها التحقيق جريمة مشهودة.

وبالمقارنة بين القانونين العراقي واللبناني، سنتوصل إلى النتائج الآتية:

  1. في الوقت الذي نصّ القانون اللبناني على حضور الولي مع المتهم الحدث خلال مرحلة التحقيق، خلا قانون الأحداث العراقي من أي نص مماثل، لكن القضاء العراقي استطاع سد هذه الثغرة التشريعية وذلك بإلزام الولي الحضور أمام محكمة التحقيق لتدوين إفادته قضائياً في جميع القضايا الجزائية وحتى في حالات التشرد والانحراف، وهذا موقف حسن من القضاء العراقي وأخص بالذكر القضاء الكردستاني.
  2. القضاء العراقي يلزم القائم بالتحقيق بإعلام الولي أو المسؤول عنه للحضور في جميع الحالات، بينما القانون اللبناني قيّد ذلك بحالة التيسير فقط.
  3. في القانون اللبناني، نطاق الجرائم المشمولة بإعلام الولي للحضور محصورة بالجرائم المشهودة فقط، بينما في القضاء العراقي جميع الجرائم مشمولة بذلك.
  4. قاضي التحقيق اللبناني غير ملزم بإعلام الولي للحضور بموجب المادة 35 من قانون الأحداث، أما القاضي العراقي وبحكم العرف القضائي ملزم بذلك.
  5. مراعاةً لنفسية وصغر عمر الحدث أجاز القانون العراقي لقاضي التحقيق إجراء التحقيق بحق المتهم الحدث في الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة في غيابه إذا كان الولي حاضراً للدفاع عنه، بينما خلا القانون اللبناني من نص مشابه.
  6. المادة 240 من قانون الأصول العراقي نص وبكل وضوح على تبليغ أحد والدي المتهم الحدث أو وليّه قدر الإمكان عن كل إجراء أو قرار أو حكم يوجب القانون تبليغه إلى الحدث خلال مرحلتي التحقيق والمحاكمة. أما القانون اللبناني، فاقتصر ذلك على مرحلة المحاكمة دون التحقيق حسب المادة 36 من قانون الأحداث.

المبحث الثالث: توقيف الحدث ودراسة شخصيته.

قد يتطلب إجراءات التحقيق مع المتهم الحدث ضرورة توقيفه ودراسة شخصيته، لكن هل يعامله القانون مثلما يعامل المتهم البالغ من حيث حالات التوقيف، والمدة القصوى التي يمكن أن تقضيه خلال فترة التوقيف، وكذلك مكان إيداعه. سنحاول بيان موقف القانونين العراقي واللبناني من هذه التساؤلات من خلال مطلبين. سنخصّص الأول، لتوقيف المتهم الحدث. أما الثاني، فلدراسة شخصية المتهم الحدث أثناء فترة التحقيق.

المطلب الأول: توقيف الحدث.

لم يعرّف المشرع الجنائي العراقي التوقيف في قانون الأحداث ولا في قانون الأصول، لكن بعض الفقهاء عرّفه بأنه: “إيداع المتهم الحدث في دار الملاحظة بقرار قضائي[21] لفترة مؤقتة قبل محاكمته، لمقتضيات مصلحة التحقيق، أو حماية المجتمع منه، أو حمايته من أهل المشتكي وغير ذلك من المبررات”[22]. ولغرض التعرّف على أحكام توقيف المتهم الحدث بصورة جليّة سنتناولها من خلال ثلاث محاور، وكما يلي:

أولاً: حالات التوقيف.

بالرجوع إلى المادة 52 من قانون الأحداث، يلاحظ بأنها تنص على:

  1. يجب توقيف الحدث المتهم بجناية عقوبتها الإعدام إذا كان عمره قد تجاوز 14 سنة.
  2. يجوز توقيفه في الجنح والجنايات لغرض فحصه ودراسة شخصيته أو عند تعذر وجود كفيل له.
  3. يمنع توقيف الحدث في المخالفات[23].

يلاحظ بأن القانون أوجب توقيف المتهم في حالة واحدة فقط، وهي ارتكابه جريمة عقوبتها الإعدام وقد تجاوز عمره 14 سنة أي إن كان فتى، كما منع القاضي من توقيفه في جرائم المخالفات مهما كانت ظروف الجريمة وحتى إن لم يكن لديه كفيل،  أما بخصوص جرائم الجنح والجنايات، فإن القانون أجاز للقاضي توقيفه لسببين فقط. وعليه، فإذا لم يتوفر أحد السببين من المفروض عدم توقيفه، وهما: عرضه على مكتب دراسة الشخصية، أو تعذر وجود كفيل. وهناك ضرورة ملحّة جداً في تدوين الغرض من التوقيف ضمن القرار لكي يكون مسبباً[24].

وعادة لا يتم توقيف الحدث في هذه الجرائم (جنح، جنايات) لهذين السببين، فالكفيل غالباً ما يكون موجوداً ورغم ذلك يتم توقيفه، أما التوقيف لغرض عرضه على مكتب دراسة الشخصية، فهو الآخر غير موجود من الناحية العملية. وما عليه العمل هو أن قضاة تحقيق الأحداث وبحكم عملهم مع المتهمين البالغين في الوقت نفسه، يتم توقيف الحدث من قبلهم بذريعة سلامة التحقيق أو عدم إكمال التحقيق، بينما هذا السبب غير منصوص عليه في قانون الأحداث ولا يتلاءم مطلقاً مع روح هذا القانون، لأن المتهم الحدث لا يشكّل خطراً أو تهديداً على سير إجراءات التحقيق إلاّ نادراً.

ومن التطبيقات القضائية في هذا الخصوص، جاء في قرار لمحكمة أحداث دهوك بصفتها التمييزية: “تبين بأنه قد قام قاضي تحقيق (ص) بتوقيف المتهم الحدث بتاريخ 5/4/2008 وفق المادة 413 من قانون العقوبات وقد قدم المتهم الحدث طلباً إلى محكمة تحقيق (ص) يطلب فيها إخلاء سبيله بكفالة وتم رفض الطلب من قبل قاضي تحقيق (ص) بقراره المؤرخ في 24/4/2008 لذا بادر المتهم إلى طعنه. عليه وجد أن قرار قاضي تحقيق (ص) غير صحيح ومخالف للقانون لكون المتهم حدث ولمرور فترة طويلة على توقيفه وأن المادة 413 من قانون العقوبات لا يستوجب توقيف المتهم الحدث عليه قررت هذه المحكمة إخلاء سبيل المتهم الحدث (ر) بكفالة شخص معروف ومقتدر بمبلغ (خمسة ملايين دينار عراقي) على أن يتم تنظيم الكفالة من قبل محكمة تحقيق…”[25].

وجاء في قرار آخر لها ما يلي: “تبين لهذه المحكمة بأن المتهم (ح) هو من مواليد 18/7/1986 حسب بطاقته الأحوال المدنية العائدة له… وقت ارتكابه الحادث قد تجاوز الرابعة عشر عاماً وحيث أن القضية هي من الجنايات وعقوبتها هي الإعدام عليه فلا يجوز والحالة هذه إخلاء سبيله بكفالة عليه قررت المحكمة التدخل في قرار الإحالة ونقضه وإعادة أوراق القضية بنسختيها إلى محكمتها لإصدار أمر القبض بحقه وزجه في التوقيف وإحالته موقوفاً على هذه المحكمة”[26].

أما فيما يتعلق بمكان التوقيف، فإنه لا يجوز توقيف الحدث إلاّ في دار الملاحظة فهو الدار المخصص لتوقيف الأحداث حسب المادة 10/أولاً من قانون الأحداث، أما إذا لم يوجد دار الملاحظة فيتم توقيفه في الأماكن التي يوقف فيها الكبار ولكن يجب اتخاذ التدابير اللازمة لمنع اختلاط الأحداث مع الموقوفين بالغي سن الرشد[27].

أما عن المدة التي يمكن أن يقضيها المتهم الحدث في التوقيف فلم يتطرق قانون الأحداث إلى ذلك، لكن بموجب قانون الأصول، فقد أجاز المشرع توقيف الحدث في كل مرة لحد 15 يوم أي أسبوعين على أن لا تتجاوز جميع مدد التوقيف على ربع الحد الأقصى للعقوبة ولا يزيد بأية حال على 6 أشهر وإذا اقتضى الحال تمديد التوقيف أكثر من 6 أشهر فعلى قاضي التحقيق عرض الأمر على محكمة الأحداث لتأذن له بتمديد التوقيف مدة مناسبة على أن لا تتجاوز ربع الحد الأقصى للعقوبة أو أن تقرر إطلاق سراحه بكفالة أو بدونها[28].

وتجدر الإشارة، بأن مدة توقيف الحدث لا تختلف عن مدة توقيف البالغ في القانون العراقي، وهذا يعتبر إجحافاً بحق الأحداث. لذا ننادي المشرع العراقي الاقتداء بالمشرع الإيطالي في هذه المسألة الذي جعل مدة توقيف الحدث (الفتى) الذي يقل عمره عن 18 سنة نصف مدة توقيف البالغ، أما إذا كان عمره أقل من 16 سنة (صبي) فمدته ثلثي مدة توقيف البالغ، بموجب المادة 23/ثانياً من المرسوم الرئاسي المرقم 448 لعام 1988[29].

ومن التطبيقات القضائية في هذا المجال، جاء في قرار تمييزي لمحكمة أحداث دهوك بتاريخ 13/6/2011:”وجد أنه قد مضى أكثر من ستة أشهر على موقوفية المتهمة (س) ولم يكتمل التحقيق في القضية عليه قرر إعطاء الأذن لقاضي تحقيق دهوك بتمديد موقوفية المتهمة المذكورة أعلاه ولمدة ستين يوماً اعتباراً من تاريخ صدور هذا القرار على أن يكمل التحقيق خلالها وإعادة الأوراق إلى محكمتها وصدر القرار بالاتفاق”.

أما عن موقف المشرع اللبناني فإن المادة (35) من قانون الأحداث اللبناني أجازت توقيف الحدث الذي أتم الثانية عشرة من عمره في الأماكن المحددة لتوقيف الأحداث وذلك في الجرائم المعاقب عليها بسنة حبس على الأقل لغرض الحفاظ على أدلة الجريمة، ظروف وحاجات التحقيق، أو منعه من الهروب. أما الأحداث الذين لم يتمّوا هذا السن فلا يجوز توقيفهم إلاّ إذا وجدوا في حالات التسول أو التشرد وفي هذه الحالات يجري توقيفهم في مؤسسة اجتماعية متخصصة. وله أيضاً أن يودع الحدث في دار الملاحظة لمدة أقصاها ثلاثة أشهر إذا اقتضى التحقيق الاجتماعي أو المعاينة مثل هذا التدبير ولا تمدد هذه المهلة إلاّ بقرار معلل[30].

 وفيما يتعلق بمدة التوقيف، فإنها شهرين في جرائم الجنح بشرط أن لا يكون المتهم محكوماً سابقاً بعقوبة الحبس سنة على الأقل. وفي جرائم الجنايات ستة أشهر، بشرط أن لا تكون القضية جريمة قتل، اعتداء على أمن الدولة، مخدرات، ذات خطر شامل، أو محكوم سابقاً في جنائية. أما إذا لم تتوفر هذه الشروط فيجوز تجاوز المدد المذكورة. أما عن الحد الأقصى فيجوز التمديد لمدة مماثلة في الحالتين عند الضرورة القصوى. بمعنى لا تتجاوز مدة التوقيف عن أربعة أشهر في الجنح، و عن سنة واحدة في الجنايات مهما كانت ظروف وحاجات التحقيق[31]. أما بخصوص جرائم المخالفات فإن القانون لم يتطرق إليها. علماً، هذه المدد هي نفسها بخصوص المتهم البالغ.

 بعد بيان موقف المشرعين العراقي واللبناني عن توقيف المتهم الحدث، سنقارن بينهما لمعرفة أوجه التشابه والاختلاف:

  1. يعامل المتهم الحدث معاملة المتهم البالغ بخصوص مدة التوقيف في كلا البلدين، وهذا إجحاف بحق الحدث. وندعو كلا المشرعين الاقتداء بالمشرع الإيطالي في هذا الخصوص وذلك بجعل مدة توقيف الحدث أقل من البالغ.
  2. قاضي التحقيق اللبناني لديه السلطة التقديرية في توقيف المتهم الحدث من عدمه في جرائم الجنح والجنايات مهما كانت عقوبتها، ولم يبيّن موقفه من جرائم المخالفات. أما القاضي العراقي، فملزم بتوقيف الحدث إذا كان متهماً بجريمة جنائية عقوبتها الإعدام وتجاوز عمره 14 سنة، وغير مسموح له بتوقيف الحدث في المخالفات، أما في جرائم الجنح والجنايات الأخرى فله السلطة التقديرية في توقيف الحدث من عدمه. نعتقد أن موقف الشرع العراقي هو الأكثر توفيقاً، لأنه أعطى توازن بين سلطة القاضي التقديرية، والحالات الأخرى التي يجب أو لا يجوز توقيف الحدث فيها، بعكس المشرع اللبناني الذي أعطى كل الصلاحية للقاضي وحده.
  3. عند المقارنة بين الحد الأقصى لمدد التوقيف في القانونين، يستنتج بأن القانون اللبناني أصلح للمتهم الحدث من القانون العراقي، لكون الحد الأقصى لتوقيف المتهم بالنسبة للجرائم التي ارتكبها أقل مما هو منصوص عليها في القانون العراقي. ورغم ذلك، ندعو مشرع كلا البلدين، بمراجعة موقفهما من مدة توقيف المتهم الحدث وتمييزه عن البالغ.
  4. في كلا البلدين يتم إيداع المتهم الحدث خلال فترة التوقيف في الأماكن المخصصة لهم والتي هي عادة دار الملاحظة، وفي حالة عدم وجودها يتم اتخاذ الإجراءات الاحتياطية بعدم الخلط بينهم وبين البالغين، وهذا موقف حسن منهما. لكن في إحدى التقصّيات الصحفية التي أجريت في لبنان، لأحد المتهمين الأحداث توصلت أنه تم توقيف الحدث في مخفر (حبيش) لأربعة أيام في غرفة واحدة مظلمة دون إضاءة مع 32 متهمين بالغين من مدمني المخدرات[32]. علماً، أن العراق ليست خالية من هذه الثغرات التطبيقية، وخاصة خارج مركز المحافظات.
  5. المشرع اللبناني لا يسمح بتوقيف الحدث الذي لم يكمل 12 من عمره مهما كانت الجريمة المرتكبة من قبله، وهذا يسمح له بحرية أوسع من نظيره العراقي، لكن هذا يتناقض مع موقف المشرع نفسه حينما أجاز توقيف من لم يكمل هذا السن إذا وقع في حالات التسول والتشرد. إذ التساؤل المطروح هنا: كيف يسمح المشرع للقاضي بتوقيف متهم وقع في حالات التسول والتشرد التي هي حالات لا تصل لمستوى الجريمة، بينما يمنع توقيفه إذا ارتكب جريمة؟. ولغرض رفع هذا التناقض نرى من المفروض إعطاء سلطة تقديرية لقاضي التحقيق في توقيف الحدث في هذه الحالة، إذ قد يكون الحدث متهماً بجريمة خطيرة والتوقيف خير وسيلة للحفاظ على حياته من ذوي المجنى عليه.

 المطلب الثاني: دراسة شخصية المتهم الحدث.

في مستهل هذا المطلب، نود الإشارة وبشكل مختصر إلى تشكيلة مكتب دراسة الشخصية ومهامها. فبموجب المادة (12) من قانون الأحداث يشكّل هذا المكتب في كل محكمة أحداث ويكون مرتبط بها، يتألف من أطباء متخصصين أو ممارسين في مجال الأمراض العقلية والعصبية أو الأطفال، متخصصين في مجال علم أو التحليل النفسي، باحثين اجتماعيين، متخصصين في مجال العلوم الجنائية أو العلوم الأخرى لها علاقة بشؤون الأحداث.

أما المادة (14) فقد نصّت على مهامها وهي: فحص المتهم الحدث بدنياً وعقلياً ونفسياً لتشخيص الأمراض التي يشكو منها وبيان حالته العقلية ونضجه الانفعالي ومدى إدراكه لطبيعة فعله المخالف للقانون وتقرير المعالجة اللازمة له، ودراسة حالته الاجتماعية وبيئته التي يعيش فيها وبيان مدى علاقتهما بالجريمة التي ارتكبها، تنظيم تقرير مفصل عن الحدث مبيّناً فيه حالته البدنية والعقلية والنفسية والاجتماعية والأسباب التي دفعته إلى الوقوع في الجنوح والتدبير المقترح لمعالجته.

ألزم المشرع العراقي بموجب المادة (51) من قانون الأحداث قاضي التحقيق بعرض الحدث المتهم في قضية جنائية على مكتب دراسة الشخصية لغرض دراسة شخصيته إذا كانت الأدلة تكفي لإحالته على محكمة الأحداث. أما إذا كان متهماً في قضية جنحية وكانت الأدلة كافية بحقه فأجاز للقاضي عرضه على المكتب المذكور إذا كانت ظروف القضية أو حالة الحدث تقتضي ذلك[33]. وبدورنا نعتقد بضرورة جعل جميع قضايا الجنح من الحالات الوجوبية للأسباب التالية:

  1. هناك تدابير جنح خطيرة قد تصل إلى ثلاث سنوات في مدرسة التأهيل.
  2. عند إحالة الدعوى إلى محكمة الأحداث قد ترى هذه المحكمة (أحداث) بأنه كان من المفروض على محكمة التحقيق عرض الحدث على المكتب لأن ظروف القضية أو حالة الحدث تقتضي ذلك، عندئذ تتدخل محكمة الأحداث في قرار الإحالة تمييزاً وتعيد أوراق القضية إلى محكمة التحقيق للغرض المذكور وهذا ما يجري عليه العمل رغم وجود المادة 66/ثالثاً من قانون الأحداث التي تجيز لمحكمة الأحداث بإرسال الحدث المحال عليه إلى المكتب المذكور في قضايا الجنح التي لم يرسل فيها الحدث إلى المكتب وهكذا تطيل مدة حسم القضية.
  3. أهمية تقرير مكتب دراسة الشخصية، إذ محكمة الأحداث ملزم قانوناً بمراعاة مضمونه عند إصدار الحكم على الحدث.

 وتجدر الإشارة، بأن دراسة الشخصية هذه تجعل القاضي مطمئناً عندما يصدر قراره سواء كان بالبراءة أو الإفراج عنه بكفالة لحين المحاكمة أو عندما يصدر أي قرار آخر[34].

 ومن التطبيقات القضائية في هذا الخصوص: جاء في قرار لمحكمة أحداث دهوك بصفتها التمييزية: “لوحظ أنه لم يتم عرض المتهم على مكتب دراسة الشخصية رغم صراحة المادة 51/أولاً من قانون رعاية الأحداث المعدل التي تنص على وجوب عرض المتهم على مكتب دراسة الشخصية عليه قررت المحكمة نقض قرار الإحالة”[35]. كما جاء في القرار التمييزي لمحكمة تمييز العراق: “لا تجوز لمحكمة الأحداث محاكمة المتهمة عن جناية وإصدار قراراتها في الدعوى دون إرسال المتهمة إلى مكتب دراسة الشخصية لمخالفة ذلك أحكام المادة 51 من قانون رعاية الأحداث، أو الاطلاع على تقرير ممثل المكتب استناداً لأحكام المادتين 61و62 من القانون المذكور”[36].

 أما ما جاء في القرار التمييزي الصادر من محكمة التمييز الاتحادية فيؤكد مدى تأثير مضمون التقرير على قرار المحكمة إذ جاء فيه: “لدى التدقيق والمداولة وجد أن كافة القرارات الصادرة بتاريخ 20/11/2008 في الدعوى المرقمة 56/أحداث/2008 من قبل محكمة أحداث واسط … قد جانب الصواب وجاء سابقاً لأوانه حيث وجد من خلال تقرير مكتب دراسة الشخصية المؤرخ في 27/5/2008 بأن المتهم الحدث يمر بمرحلة يدل بها على اضطراب شخصيته مما كان والحالة هذه يستوجب إحالته على اللجنة الطبية العدلية والنفسية في مستشفى الرشاد لغرض فحصه وبيان عما إذا كان يقدّر مسؤولية أعماله يوم الحادث وهل يستطيع الدفاع عن نفسه أمام المحكمة أو لا ومن ثم إصدار القرار القانوني على ضوء ذلك”[37].

 تبين لنا فيما سبق، بأن القانون أعطى الخيار لقاضي التحقيق في عرض المتهم في قضايا الجنح على مكتب دراسة الشخصية أو عدم عرضه. لكن من الناحية العملية، محكمة الأحداث تتدخل تمييزاً في أية دعوى أحيلت إليها ولم يعرض فيها المتهم الحدث على المكتب المذكور، بغض النظر فيما إذا كانت القضية جناية أو جنحة، وهذا الإجراء غير موفق كما نراه، لكونه يناقض القانون بشكل صريح، حيث أن قاضي التحقيق يستعمل سلطته التقديرية في هذا الخصوص بموجب المادة 51/ثانياً من قانون الأحداث، لكن محكمة الأحداث تجرّدها من حقها تلك، وعلى سبيل المثال جاء في قرار لمحكمة أحداث دهوك بصفتها التمييزية ما يأتي: “لاحظت المحكمة أن قرار الإحالة جاء غير صحيح ومخالف للقانون وصدر قبل أن يستكمل التحقيق غايته وذلك للأسباب الآتية:… نظراً لكون المتهم حدث كان من المفروض عرضه على مكتب الدراسة الشخصية…، عليه قررت المحكمة إعادة القضية إلى محكمتها للسير فيها وفق المنوال المشروح أعلاه”[38]. علماً، هذه الدعوى كانت جنحة، إذ تم إحالتها بموجب المادة 413 من قانون العقوبات وكان بإمكان محكمة الأحداث عرض الحدث على مكتب الدراسة الشخصية مباشرة فيما يخص هذا السبب.

 أما عن موقف المشرع اللبناني، فقد نص قانون الأحداث اللبناني في المادة (34) منه على: “عند إحضار الحدث أمام النيابة العامة أو الضابطة العدلية للتحقيق معه في الجريمة المشهودة أوجب على المسؤول عن التحقيق أن يتصل فوراً بالباحث الاجتماعي المعتمد ويدعوه إلى حضور التحقيق، ويجب عليه الحضور خلال ست ساعات من تاريخ دعوته، ولا يجوز البدء بالتحقيق ما لم يكن الباحث حاضراً، وفي حال تعذر حضوره لأي سبب كان، على النيابة العامة أو مصلحة الأحداث في وزارة العدل أن تعين باحثاً من إحدى الجمعيات المصنفة في هذه المصلحة ليحضر مع الحدث أثناء التحقيق، ولا يكتفي فقط بحضور الباحث بل يجب على هذا الأخير أن يباشر بحثاً اجتماعياً ويقدم إلى من يقوم بالتحقيق مع الحدث“. كما أن المادة (35) من القانون نفسه أجاز لقاضي الأحداث أن يتبع نفس هذه الإجراءات عند التحقيق في كافة الجرائم.

 وفيما يتعلق بالبحث أو الملف الاجتماعي للحدث الذي يقوم بإعداده الباحث الاجتماعي المعتمد فيشتمل على المعلومات اللازمة عن أحوال ذوي الحدث المادية والاجتماعية وعن محيطه الاجتماعي والمدرسي والمهني وعن أخلاقه ودرجة ذكائه وحالته الصحية والعقلية وسوابقه الإجرامية، مع التدبير المناسب لإصلاحه[39].

 ومن الناحية العملية، يشوب المادة 34 ثغرات تطبيقية، إذ يقول رئيس المجلس الأعلى للطفولة الدكتور إيلي ميخائيل: وجوب الاتصال بالباحث الاجتماعي عند توقيف الطفل لحضور التحقيق حقّ كرسّه القانون، لكنه غالباً ما يتمّ التغاضي عنه. كما أن وزيرة الشؤون الاجتماعية (منى عفيش) هي الأخرى شكت من تعامل المدعين العامين مع الباحثين بالتساؤل: إلى أي مدى يستمع المدعي العام إلى الباحث الاجتماعي؟ وفي آخر كلامها أعربت عن تمنيها في أن يستمع المدعي العام للباحث الاجتماعي[40].

 عند المقارنة بين القانونين العراقي واللبناني، توصلنا إلى النتائج التالية:

  1. في القانون العراقي، دراسة شخصية المتهم الحدث وجوبية في جرائم الجنايات. أما في القانون اللبناني، فإنها وجوبية في الجرائم المشهودة وحينما يكون القائم بالتحقيق النيابة العامة أو الضابطة العدلية.
  2. قاضي التحقيق اللبناني مخير في إجراء البحث الاجتماعي للمتهم الحدث مهما كانت نوعية الجريمة المرتكبة من قبل المتهم. أما القاضي العراقي، فكما ذكرنا آنفاً أنه ملزم بعرض المتهم على مكتب دراسة الشخصية في جرائم الجنايات، ومخيّر في جرائم الجنح، أما في جرائم المخالفات فلم يتطرق القانون اليها. وعليه، نرجّح موقف المشرع العراقي، لأنه في الوقت الذي أعطى سلطة تقديرية للقاضي في جرائم الجنح، ألزمه بإجراء الدراسة في الجرائم الخطيرة التي هي الجنايات.
  3. يشتمل تقرير دراسة الشخصية للمتهم الحدث في القانون العراقي على معلومات أكثر من الملف الاجتماعي في القانون اللبناني. إضافة إلى ذلك، يتم تنظيم تقرير دراسة الشخصية في العراق من قبل مكتب مرتبط بمحكمة الأحداث يتألف من طاقم متخصص في المجال الصحي والنفسي والعقلي والاجتماعي، بينما يتم تنظيم الملف الاجتماعي في لبنان من قبل الباحث الاجتماعي وحده. وعليه، نرجّح موقف المشرع العراقي.

المبحث الرابع: غــلـــق الأوراق التـحـقــيـقـيـة.

لا ينظر المشرع الجنائي إلى المتهمين الأحداث مثلما ينظر إلى نظرائهم من البالغين، فالحدث الذي لم يكمل سناً معيناً لا يعتبر مسؤولاً جزائياً عن جريمته التي ارتكبها وذلك لعدم نضجه العقلي والإدراكي، وبذلك يتم غلق الأوراق التحقيقية بحقه. إضافة إلى ذلك، فإن بعض التشريعات لا تجيز بقاء الدعاوى الجزائية للأحداث مفتوحة مهما مضى عليها الزمن، وإنما خضعتها للتقادم فإن مضت عليها مدة معينة تغلق الأوراق. ولغرض التعرّف على موقف القانونين العراقي واللبناني في هذا الخصوص، سنتناول هذا المبحث من خلال مطلبين. سنخصّص الأول، لغلق الأوراق التحقيقية لعدم إكمال المتهم سن المسؤولية الجزائية. أما الثاني، فلغلق الأوراق التحقيقية لتقادم الجريمة.

المطلب الأول: غلق الأوراق التحقيقية لعدم إكمال سن المسؤولية الجزائية.

 أما عن موقف المشرع العراقي، فإنه وبموجب المادة 47/أولاً من قانون الأحداث تقام الدعوى الجزائية على من أتم التاسعة من عمره وفي إقليم كوردستان على من أتم الحادية عشرة من عمره وقت ارتكاب الجريمة بموجب القانون رقم 14 لعام 2001م الصادر من برلمان الإقليم، بمعنى أن عمر الحدث وقت ارتكاب الجريمة يعتبر أساساً لتعيين مسؤوليته والمحكمة المختصة بمحاكمته، وهذا يعني أن الصغير لا تقام عليه الدعوى الجزائية لكونه لم يكمل سن المسؤولية الجزائية. وأن مسألة تعيين أو تحديد تاريخ ارتكاب الجريمة في حال عدم معرفته، يتم إثباته بطرق الإثبات كافة لكونه واقعة مادية وأن هذه المسألة متروكة لتقدير المحكمة[41].  أما المتضرر من الجريمة، فله الحق في مراجعة المحاكم المدنية لغرض مطالبة الولي إضافة لأموال الصغير بالتعويض عن الأضرار الملحقة به.

 ولكون الصغير غير مسؤول قانوناً كما تبيّن، فعلى المحكمة وحسب المادة 130/أ من قانون الأصول أن تقرر رفض الشكوى وغلق القضية نهائياً بحقه لعدم المسؤولية بسبب صغر سنه. وأضاف المشرع الجنائي في قانون الأحداث تدبيراً بحق الصغير في هذه الحالة إذ ألزمت المحكمة بموجب المادة 47/ثانياً بتسليم الصغير إلى وليّه ليقوم بتنفيذ ما تقررها من توصيات للمحافظة على حسن سلوكه بموجب تعهد مقترن بضمان مالي لا يقل عن مائتي دينار ولا يزيد على خمسمائة دينار لمدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على خمس سنوات[42].

 ونرى أنه كان على المشرع معاقبة الولي في هذه الحالة وعدم الاكتفاء بهذا التعهد المالي القليل غير المناسب، لأنه في المادة 29 عاقب ولي الصغير المهمل واللامبالي في رعاية وتربية ولده الصغير بمجرد تشرده أو انحراف سلوكه[43]، بينما لم يعاقبه في الحالة التي نحن بصددها رغم وقوع ولده في مستنقع الجريمة، فهذا تناقض صريح ؟!. ونعتقد أن المشرع لا يعاقب الولي في هذه الحالة على أساس أن الصغير غير مسؤول جزائياً وبالتالي لا يجوز معاقبة الولي جزائياً أيضاً تبعاً لذلك.

ومن الناحية العملية، فإن محكمتي التحقيق والأحداث لا يطبّقان المادة 47 من قانون الأحداث بشكل سليم. فما هو جارٍ عليه هو: غلق الأوراق التحقيقية بحق الصغير وتدوين إفادته بصفة شاهد إن كان في القضية متهمين آخرين لكي يكون شاهداً عليهم. أما فيما يتعلق بتسليمه إلى وليه مقابل تعهد وتنفيذ توصياتها، فإني لم أرَهُ رغم عملي في محكمتي التحقيق والأحداث لسنوات. وهنا أدعوا قضاة هذه المحاكم بضرورة تنفيذ ذلك بشكل سليم، لأن المشرع لم ينص على هذا التدبير إلاّ لتحقيق مصلحة الصغير الفضلى. إذ أن أخذ التعهد من الولي سيكون ردعاً له دون شك وسيجعله يهتم بولده الصغير أكثر من السابق.

 ومن التطبيقات القضائية في هذا المجال، جاء في قرار لمحكمة أحداث دهوك بصفتها التمييزية: “لاحظت المحكمة من خلال هوية الأحوال المدنية للمتهم (د) أن عمره وقت ارتكاب الحادث هو عشر سنوات وثمانية أشهر وتسعة وعشرون يوم عليه يكون لم يصل السن القانونية للمساءلة الجزائية حيث أن السن القانوني للمساءلة الجزائية هو تمام الحادية عشرة سنة حسب قانون رقم 14 الصادر من برلمان كوردستان العراق لعام 2001 فكان من المفروض على حاكم التحقيق رفض الشكوى وغلق الدعوى بحقه استناداً لأحكام المادة 130/1 من قانون أصول المحاكمات الجزائية المعدل وأخذ إفادته كشاهد في القضية فقط لغرض الاستئناس وذلك لصغر سنه عليه قررت المحكمة نقض قرار الإحالة”[44].

هذا القرار يؤكد كلامنا الآنف الذكر بكل وضوح، فحتى محكمة الأحداث تلزم محكمة التحقيق بغلق الدعوى بحق الصغير وتدوين إفادته بصفة شاهد، دون إلزامها بتسليم الصغير إلى وليه مقابل تعهد.

 أما عن موقف المشرع اللبناني، فإن الحدث لا يمكن ملاحقته جزائياً إلاّ إذا أتمّ السابعة من عمره وقت ارتكابه الجريمة بموجب المادة 3 من قانون الأحداث. وعليه، فإن الدعوى الجزائية تغلق بحقه إذا لم يكمل هذا السن وقت اقترافه الجريمة، ورغم ارتكابه الجريمة في هذه الحالة لكن المشرع لم يلزم قاضي التحقيق باتخاذ تدبير بحقه، في حين نصّ على اتخاذ تدابير بحقه إذا وقع في الحالات المهددة لحياته (تشرد وتسول) المنصوص عليها المادة 25 من قانون الأحداث.

 ولو أجرينا مقارنة بين موقف المشرعين العراقي واللبناني، نفضلّ موقف المشرع العراقي لأنه أعطى للحدث حرية أكثر، فرغم أن غالبية القوانين العربية تعتبر عمر السابعة هو سن التمييز، لكن الحدث في هذا السن لا يزال ملكاته الذهنية والعقلية ناقصة وقد لا يفرّق بين الخير والشر بشكل جيد ويمكن استغلاله بكل سهولة من قبل الأشخاص غير الأسوياء. وقد جاء موقف المشرع الكردستاني بأفضل من المشرع العراقي، لكونه جعل سن المسؤولية إكمال 11 سنة.

 وما يؤكد وجهة نظرنا، أن المنظمات الدولية لا تقبل تحديد سن المسؤولية بتمام سبع سنوات، ومنها اللجنة الدولية لحقوق الطفل، إذ أوصت جميع الدول العربية التأكد من تطبيق معايير قضاء الأحداث وخاصة المواد 37، 39، و40 من اتفاقية حقوق الطفل وأيضاً معايير الأمم المتحدة في قضاء الأحداث، ومن المسائل التي ركزّت عليها بشكل خاص هي رفع سن المسؤولية الجنائية إلى مستوى مقبول دولياً. واعتبرت سن المسؤولية بسبع سنوات انتهاكاً لاتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، كما أكدّت قلقها إزاء هذا الأمر خلال مناقشات تقارير الدول العربية الدورية المقدمة لها حول مدى تطبيق اتفاقية حقوق الطفل، لأن كثير من قوانين البلاد العربية يعرّف الحدث بأنه كل طفل بلغ السابعة من عمره ولم يبلغ سن الرشد، وعليه يطبّق قانون الأحداث على الطفل ابن السابعة[45].

كما نرجح موقف المشرع العراقي من حيث اتخاذ التدابير بحق الصغير مرتكب الجريمة، إذ يتم تسليمه إلى وليّه مقابل تعهد لمدة معلومة وتفرض عليه المحكمة التوصيات اللازمة لتجنبه من العودة إلى عالم الجنوح مرة أخرى، بينما قانون الأحداث اللبناني جاء خالياً من أي نص يشير إلى ذلك.

لمطلب الثاني: غلق الأوراق التحقيقية لتقادم الجريمة.

 التقادم، يعني انقضاء حق الدولة في العقاب لمرور فترة زمنية محددة منذ وقوع الجريمة أو منذ صدور حكم بات في الدعوى الجزائية من غير أن تبادر الدولة إلى اقتضاء حقها في العقاب من مرتكب الجريمة. والتقادم نوعان: أولاً، تقادم الجريمة، ويكون عندما لا تباشر الدعوى الجزائية خلال المدة المحددة من تاريخ ارتكاب الجريمة. ثانياً، تقادم العقوبة. ويكون عندما لا تنفذ العقوبة المحكوم بها على مرتكب الجريمة خلال المدة المحددة من تاريخ صدور الحكم[46].

 أغلبية القوانين الأجنبية والعربية أخذت بالتقادم، أما القانون العراقي فلم يأخذ به كمبدأ عام، إلا أنه أخذ به في حالات خاصة كما هو الحال في بعض الجرائم الواردة حصراً في المادة الثالثة من قانون الأصول الجزائية وفي بعض القوانين الخاصة كقانون المطبوعات رقم 206 لعام 1968 وقانون رعاية الأحداث رقم 76 لعام 1983م[47]. أما فيما يتعلق بموقف الفقه الإسلامي من التقادم الجنائي، فهناك اختلاف بين الفقهاء، إذ أن أكثرية الفقهاء لا يسلمون به، ومن يرونه مسقطاً للعقوبة لا يجعلونه سبباً عاماً مسقطاً لكل عقوبة[48].

 بالرجوع إلى المادة 70/أولاً من قانون الأحداث العراقي التي تناولت تقادم الجريمة، يلاحظ بأن المشرع الجنائي نصت وبكل وضوح على انقضاء دعاوي الجنح والجنايات خلال مدد معينة. فالجنايات، تنقضي بعد مرور عشر سنوات من ارتكابها، أما الجنح فتنقضي بعد مضيء خمس سنوات.

 وعند قراءة المادة المذكورة أعلاه، يظهر بأن المشرع لم تشمل جرائم المخالفات بالتقادم، وهذا موقف منتقد، لأن هذه الجرائم تعتبر من أقل الجرائم خطورة[49]،  ولا يمكن القول: بما أن جرائم الجنايات والجنح مشمولة بالتقادم، فالمخالفات مشمولة من باب أولى، وعدم الجواز هذا يأتي من أن النص واضح ولا اجتهاد في مورده. علماً، أن التقادم من النظام العام ويمكن التمسك به في أي مرحلة تكون عليها الدعوى.

 وهناك من دعا إلى عدم شمول جرائم القتل العمد التي لم يتنازل فيها المدعون بالحق الشخصي عن الشكوى بالتقادم، لأن عدم اتخاذ الإجراءات بحق المتهم الحدث القاتل مهما طال الزمن لن يؤدي إلى إطفاء روح الثأر والانتقام لديهم[50]. وهذا ما نؤيده وندعو المشرع العراقي بعدم شمول هذه الجرائم بالتقادم.

 ومن التطبيقات القضائية في هذا الخصوص، جاء في قرار لمحكمة تمييز العراق: “أن الحدث الذي ارتكب جريمة وفرّ هارباً من وجه العدالة لسنوات طويلة، وعند القبض عليه وإحالته إلى محكمة الجنايات فإن هذه المحكمة ليست بذات اختصاص لمحاكمته بالنظر لكونه كان حدثاً عندما ارتكب الجريمة وتقديمه إلى محكمة الأحداث باعتبارها هي المحكمة المختصة فإن التقادم الذي شمل الدعوى بموجب المادة 70 من قانون رعاية الأحداث رقم 76 لعام 1983 يمنع محاكمته لمرور المدة القانونية على جريمته التي تعتبرها منقضية”[51].

 وجاء في قرار تمييزي لمحكمة أحداث دهوك بتاريخ 9/8/2010: “لدى عطف النظر على القرار المميز أعلاه وجد بأنه غير صحيح ومخالف للقانون لأن المتهم وهو من مواليد 1972 قد ارتكب الجريمة المسندة إليه تهمتها في عام 1988 ويكون عمره حينها ستة عشر سنة وبذلك يخضع لأحكام قانون رعاية الأحداث رقم 17لعام 1983 ولأن اتخاذ الإجراءات القانونية بحقه جاء بعد مرور اثنين وعشرين سنة بموجب كتاب محكمة الأحوال الشخصية في…المرقم 42/ش/2010 في 16/3/2010 ولأن التهمة المسندة إليه وفق المادة القانونية المحال بموجبه هي من الجنح ولشمول القضية لأحكام مدة التقادم وانقضاء الدعوى الجزائية وفق أحكام المادة 70/أولاً من قانون رعاية الأحداث عليه قررت المحكمة تأييد اللائحة التمييزية ونقض قرار الإحالة أعلاه وغلق التحقيق بحق المتهم (ز) نهائياً والإفراج عنه”.

 القرارات المذكورة أعلاه، تبيّن لنا وبكل وضوح أن مرور مدة التقادم المنصوص عليها في قانون الأحداث على الجرائم المرتكبة من قبل المتهمين الأحداث، تمنع المحاكم المختصة من اتخاذ الإجراءات التحقيقية والمحاكمة بحقهم، وذلك لانقضاء الدعوى الجزائية في هذه الحالة، والمفروض غلق التحقيق بحقهم نهائياً.

 أما عن موقف المشرع اللبناني، فإنه قد أخذ بنظام تقادم الجريمة كمبدأ عام ولهذا نص عليه في قانون الأصول الجزائية ولم يتطرق إليه في قانون الأحداث مرة أخرى، وهذا يعني أن مدد تقادم الجريمة بحق المتهم الحدث والبالغ هي نفسها. وبالرجوع إلى المادة 10 من قانون الأصول، فإن مدة التقادم في جرائم الجنايات هي عشر سنوات، وثلاث سنوات في جرائم الجنح، وسنة واحدة في جرائم المخالفات. وأن مدة التقادم تبدأ من لحظة وقوعها في الجرائم الآنية، أما بخصوص الجرائم المتمادية أو المتعاقبة أو المستمرة فتبدأ من انتهاء الحالة الجرمية.

 لو أجرينا مقارنة بين موقف المشرعين العراقي واللبناني، سنتوصل إلى النتائج التالية:

  1. ما ينتقد على موقف المشرع اللبناني هو تعامله مع المتهم الحدث معاملة المتهم البالغ، والمفروض أن تكون مدة تقادم الجريمة بحق المتهم الحدث أقل من المتهم البالغ. أما بخصوص موقف المشرع العراقي، فرغم شموله المتهم الحدث بالتقادم دون البالغ وهو موقف حسن، لكن مدته مشابهة بل وأطول مما هو عليه في القانون اللبناني.
  2. موقف كلا المشرعين واحد بخصوص مدة التقادم في جرائم الجنايات التي هي عشر سنوات.
  3. المشرع العراقي جعل مدة تقادم جرائم الجنح خمسة سنوات وهي نصف مدة تقادم جرائم الجنايات، في حين المشرع اللبناني جعلها ثلاث سنوات وخالف اتجاه المشرع العراقي في ذلك. وعليه، نرجّح موقف المشرع اللبناني، لأنه تقصّر فترة القلق وعدم الارتياح لدى الحدث.
  4. في الوقت الذي أغفل المشرع العراقي بيان موقفه من جرائم المخالفات التي تعتبر من أخف الجرائم خطورة. بيّن المشرع اللبناني موقفه من ذلك وجعل مدة التقادم في هذه الجرائم سنة واحدة. وعليه، نرجح القانون اللبناني، وندعو المشرع العراقي إلى سد هذه الثغرة التشريعية ببيان موقفه من ذلك.

المبحث الخامس: سوابق المتهم وكشف الدلالة وإحالته للمحكمة الجزائية.

لكون المتهم الحدث لم ينضج ملكاته العقلية بعد، فإن أغلبية القوانين الجزائية لا يعاقبهم بعقوبات جزائية وإنما تتخذ بحقهم تدابير احترازية ولا تعتبر الجرائم التي ارتكبوها سابقة إجرامية بحقهم حفاظاً على مستقبلهم، وإذا حصل وأن اعترف على نفسه بارتكاب جريمة فلا يتم إجراء كشف الدلالة لمحل الجريمة بدلالته وذلك لعدم كشف هويته، وإذا أكمل الأوراق التحقيقية بحقه فإن أحكام إحالتها للمحكمة الجزائية المختصة تختلف عن أحكام إحالة أوراق المتهمين البالغين حيث توجد محكمة مختصة لمحاكمتهم إلى جانب المحاكم الجزائية العادية. فلغرض التعرّف على أحكام القانونين العراقي واللبناني من هذه المسائل القانونية، سنتناول هذا المبحث من خلال ثلاثة مطالب. سنخصّص الأول، لربط صحيفة سوابق المتهم الحدث بالأوراق. أما الثاني، فلإجراء كشف الدلالة للمتهم الحدث المعترف. وفي الأخير سنتناول، إحالة المتهم الحدث إلى المحكمة الجزائية المختصة.

المطلب الأول: ربط صحيفة سوابق المتهم الحدث بالأوراق.

أعفى المشرع العراقي في المادة 242/ب من قانون الأصول الحدث من أخذ بصمة أصابعه، وهذا الإجراء يرسّخ عدم تطبيق أحكام العود على الحدث، أي ليس هناك اعتبار لسوابق الحدث عند إصدار الحكم عليه من قبل المحكمة، ولهذا عند الاطلاع على الأوراق التحقيقية للمتهمين الأحداث لا تجد صحيفة سوابق المتهم مربوطة بالأوراق وذلك لأنه لا توجد ضمن قرارات قاضي التحقيق الصادرة في القضية قرار يقضي بربط صحيفة المتهم بالأوراق وإن وجد فإنه إمّا وقع عن طريق السهو أو الغلط أو الجهل بخصوصيات الأحداث. وفي هذه الحالة، عادة تتدخل محكمة الأحداث تميزاً في قرار الإحالة لغرض رفع هذه الصحيفة من الأوراق. ونرى بأن هذا الإجراء من قبل المحكمة في غير محله ويؤخر حسم الدعوى، والأفضل هو رفع هذه الصحيفة من قبلها دون إعادتها إلى محكمة التحقيق وبيان ذلك ضمن محضر الجلسة.

ومن التطبيقات القضائية، جاء في قرار لمحكمة أحداث دهوك بصفتها التمييزية ما يلي: “لا يجوز ربط سوابق المتهمين الأحداث بالإضبارة التحقيقية …عليه قرر التدخل التمييزي في قرار الإحالة ونقضه وإعادة الإضبارة بنسختيها إلى المحكمة للسير وفق المنوال المذكور”[52]. وجاء في قرار آخر لها: “لقد تم إرسال الحدث إلى قسم طبعات الأصابع في مكتب تحقيق الأدلة الجنائية حيث تم أخذ طبعات أصابعه وتنظيم صحيفة سوابقه وهذا مخالف للقانون مما يقتضي رفعه من أوراق القضية”[53].

 أما المشرع اللبناني فقد ميّز بين الحدث الذي أتم الخامسة عشرة من عمره الذي يقابل الفتى في القانون العراقي، والأحداث الذين يقل أعمارهم عن هذا السن. فالمادة 50 من قانون الأحداث اللبناني اعتبرت الأحكام المتضمنة عقوبة بحق الحدث سابقة قضائية وتدرج في السجل العدلي، أما الأحكام التي تتضمن تدابير بحق الأحداث الجانحين فلا تدرج في السجل المذكور. وبالرجوع إلى المادة 6 من قانون الأحداث يظهر، بأن الحدث الذي يمكن أن يصدر بحقه العقوبة هو الفتى دون غيره من الأحداث. وعليه، فإن إرسال المتهم الحدث الفتى إلى الجهة المختصة لأخذ بصمة أصابعه من قبل قاضي التحقيق اللبناني إجراء سليم وتطبيق موافق للقانون.

 ولو أجرينا مقارنة بين القانون العراقي واللبناني، نرجّح موقف المشرع العراقي، لأنه قد راع عدم النضوج العقلي للحدث والتغيرات الفسيولوجية لجسمه خلال هذه الفترة من عمره. إذ ليس من العدالة حرمانه من مستقبله الذي ينتظره بسبب جرم اقترفه وهو في سنٍ حرجة من حياته. فالسوابق القضائية قد تحرمه من التوظيف في الدوائر الحكومية، والترشيح للمجالس النيابية، وتسلّم الكثير من المناصب في الدولة وغير ذلك من الحقوق. وعليه، قد يدفعه ذلك إلى الانتقام ويصبح مجرماً خطيراً على الدولة والمجتمع معاً. ولهذا السبب يسعى مجلس الأعلى للطفولة في لبنان لإلغاء كلمة عقوبة أو الغرامة عند صدور الحكم بحق الحدث لتجنبه من تدوين الحكم في السجل العدلي[54].

المطلب الثاني: إجراء كشف الدلالة للمتهم الحدث.

كشف الدلالة هو “استصحاب المتهم المعترف إلى محل ارتكاب الجريمة من قبل –القاضي- أو المحقق القضائي للتعرف منه عن كيفية ارتكابه للجريمة بصورة تفصيلية للتأكد من أقواله”[55].

 لا يوجد نص في قانون الأصول الجزائية العراقي ينظّم أحكامه، لكن العرف القضائي العراقي جارٍ على إجرائه بمجرد أن يعترف المتهم بالجريمة. أما قانون رعاية الأحداث فإنه مثل قانون الأصول ليس فيه أية مادة تتطرق إلى هذه المسألة، لكن بالرجوع إلى المادة 63 منه، يستنتج بأنه لا يجوز إجراء كشف الدلالة للمتهم الحدث المعترف، لأنه لا يمكن إجراء الكشف إلاّ بنقل المتهم لمحل الجريمة لكي يقوم بتمثيل جريمته، وغالباً ما يتم  كشف اسمه وهويته في هذه الحالة، وهذا يتعارض مع المادة المذكورة.

 وبحكم عمل الباحث في محكمة الأحداث ومحكمة التحقيق وبالتحديد في مجال التحقيق مع الأحداث لسنوات، فإن كلتا المحكمتين ترفعان محضر كشف الدلالة للمتهم الحدث المعترف من الأوراق التحقيقية، حينما تحيل الأوراق إلى محكمة الأحداث من محاكم التحقيق، أو حينما تحيل الأوراق من مراكز الشرطة العادية أو مكاتب مكافحة الإجرام إلى مركز شرطة الأحداث ضمن نطاق محكمة التحقيق. وتلك هي عين الصواب، وما يتطلبه روح قانون رعاية الأحداث.

وما يجلب الانتباه هو: اطلعنا على عدد من القرارات الصادرة من محكمتي الأحداث في أربيل والسليمانية الصادرة قبل عام 1998م، وفيها استندت على عدد من الأدلة والوقائع ومن ضمنها (محضر كشف الدلالة)، ورغم إجراء التدقيقات التمييزية على هذه القرارات من قبل محكمة تمييز الإقليم، إلا أن محكمة التمييز لم تنبّه هذه المحاكم بعدم جواز إجراء كشف الدلالة للمتهم الحدث المعترف أو حتى رفع المحضر من الأوراق.

 وينتقد الباحث هذا التوجه مع جلّ تقديره واحترامه للمحاكم الموقرة، لأنه يتناقض صراحة مع المادة 63 من قانون الأحداث، وأدناه أمثلة على هذه القرارات: جاء في قرار تمييزي صادر من محكمة تمييز إقليم كوردستان: “أن إقرار المتهم في كافة المراحل جاء صريحاً وعلى وجه التفصيل ومطابقاً لوقائع الحادث وعزز بشهادة المشتكي وبمحضر الكشف على محل الحادث ومخططه ومحضري الضبط والاستلام ومحضر كشف الدلالة[56]. وجاء في قرار آخر لها: “أن إقرار المتهم أمام القائم بالتحقيق والمحقق العدلي جاء صريحاً وعلى وجه التفصيل ومطابقاً لوقائع الحادث وعزز بشهادة المشتكين وبمحضر الكشف على محل الحادث ومخططه ومحضر كشف الدلالة[57].

 أما عن موقف المشرع اللبناني، فإنه مثل نظيره العراقي لم يتناول إجراء كشف الدلالة للمتهم المعترف، لا في قانون أصول المحاكمات الجزائية ولا في قانون الأحداث. أما من الناحية العملية، فلم نستطيع التأكيد عليه.

 وبالمقارنة بين موقف المشرعين العراقي واللبناني، فإن كلاهما لم ينصّا على إجراء كشف الدلالة للمتهم المعترف، لكن على الرغم من ذلك أصبح ذلك عرفاً في القضاء العراقي يتم إجراؤه للمتهم البالغ المعترف دون الحدث، أما فيما يتعلق بموقف القضاء اللبناني فلم نستطع التأكيد عليه كما أشرنا إليه قبل قليل رغم بذل الجهود.

المطلب الثالث: إحالة المتهم الحدث إلى المحكمة الجزائية المختصة.

بما أن القانون جعل من السن وقت ارتكاب الجريمة أساساً لتعيين المسؤولية، وبالتالي يكون أساساً لتعيين المحكمة الجزائية المختصة، فإنه على قاضي التحقيق أن يحيل مرتكب الجريمة الذي لم يكمل 18 من عمره وقت ارتكاب الجريمة إلى محكمة الأحداث وإن أتمّ ذلك العمر أثناء التحقيق وهذا ما نستنتجه من المواد 53 و66/أولاً وثانياً و 79/ثانياً من قانون الأحداث.

 أما قانون الأصول ففي الفقرة (ج) من المادة 233 أوجبت إرسال الحدث الذي أتم 18 من عمره أثناء التحقيق إلى محكمة الجنح أو الجنايات، أما إذا أكمل هذا السن بعد إحالته لمحكمة الأحداث فيستمر المحكمة الأخيرة في محاكمته. لكن لكون هذه الفقرة لا تتلاءم أسس وأهداف قانون رعاية الأحداث وبالتالي لا تطبّق.

 أما قاضي التحقيق في الأقضية والنواحي فإن عليه الانتباه عند إحالة الحدث المتهم في قضايا الجنح والمخالفات إلى المحكمة المختصة، فإذا كانت القضية جنحة معاقب عليها بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات عندها تحيل القضية إلى قاضي الجنح التابع لها محكمة التحقيق، أما إذا كانت الجنحة معاقب عليها بالحبس مدة تزيد على ثلاث سنوات عندها تحيل القضية إلى محكمة الأحداث المختصة، هذا ما نستنتجه من المادة 57 من قانون الأحداث، أما إذا كانت القضية مخالفة فإنها تحسم في محكمة التحقيق كأمر جزائي استناداً للمادة 205 من قانون الأصول إذا توفرت فيها شروط الأمر الجزائي[58] وإلاّ سوف تحيل إلى محكمة الجنح المختصة.

 وفي حالات التشرد وانحراف السلوك فإن قانون الأحداث “قرر اتخاذ إجراءات خاصة بالحدث حيث جعل مهمة التحقيق فقط إحالة الأوراق إلى محكمة الأحداث دون إجراء التحقيق فيها ماعدا تدوين أقواله وسبب تواجده والتأكد من عمره وحضور الولي”[59]، بمعنى يجب على محاكم التحقيق في مراكز المحافظات وحتى في الأقضية والنواحي إحالة أوراق التشرد والانحراف إلى محاكم الأحداث حصراً. 

 وهنا نود الإشارة، بأن قانون الأحداث لم يتطرق إلى تفاصيل مسألة الإحالة، كما هو منصوص عليها في المواد (131 -136) من قانون الأصول. وعليه، فإن قاضي تحقيق الأحداث ملزم بالمواد المذكورة بموجب المادة 108 من قانون الأحداث. أما ما جاء في المادة 67 من القانون الأخير، بجواز القاضي محاكمة المتهم الحدث بدعوى واحدة إذا اتهم بارتكاب أكثر من جريمة يضمها باب واحد من قانون العقوبات، فسنترك الحديث عنه في هذا البحث لكون المادة المذكورة لم تدرج ضمن المواد التي تناولت التحقيق مع الأحداث في الباب الرابع (قضاء الأحداث) من قانون الأحداث وإنما تم ادراجها ضمن الفصل الثاني من الباب المذكور الخاص بموضوع المحاكمة[60]، وسنتطرق إليها في بحث مستقل.

 أما فيما يتعلق بمدى جواز إحالة المتهم الحدث غيابياً إلى محكمة الأحداث، فإن قانون الأحداث لم يتطرق إليها بشكل صريح، لكن نعتقد أن المادة 63 من القانون المذكور قد تناول هذه المسألة ضمناً، إذ أن هذه المادة تمنع إعلان أو نشر أي شيء يؤدي إلى معرفة هوية الحدث، واعتبرت ذلك جريمة ويعاقب عليها، وحيث أن المادة 143/ج من قانون الأصول أوجبت بعد استنفاذ الطرق العادية لإحضار المتهم الهارب، نشر وإعلان معلومات عن المتهم في الجرائد والإذاعات والتلفزيونات لكي تتمكن المحكمة من محاكمة المتهم غيابياً، وهذا يتناقض صراحة مع نص المادة 63 من قانون الأحداث. وعليه، لا يجوز لمحكمة التحقيق إحالة المتهم الحدث الهارب إلى محكمة الأحداث أو محكمة الجنح في الأقضية والنواحي ليتم محاكمته غيابياً، بل عليها استنفاذ جميع الطرق في سبيل القبض عليه وإن بقي هارباً رغم استنفاذ جميع الطرق، عندئذ يحتفظون بالأوراق وبين فترة وأخرى يبحثون عنه وإذا ألقي القبض عليه يحال إلى محكمة الأحداث. كما يجب مراعاة مواعيد التقادم.

 ومن التطبيقات القضائية في هذه المسألة، جاء في قرار لمحكمة أحداث دهوك بصفتها التمييزية:”لا يجوز إحالة المتهم الحدث غيابياً لأنه لا يجوز إعلان اسم الحدث في الصحف الرسمية عليه قرر التدخل في قرار الإحالة المشار إليه أعلاه ونقضه وإعادة أوراق القضية إلى محكمتها لبذل الجهود ومعرفة عنوان المتهم والقبض عليه وإحالته موقوفاً على هذه المحكمة وصدر القرار بالاتفاق”[61].

 والتساؤل المطروح هنا: هل يجوز الحجز على أموال المتهم الحدث الهارب لارتكابه جريمة جنائية؟ هذا الإجراء هو الآخر غير ممكن وغير مقبول بالنسبة للمتهمين الأحداث، لكونه يعتبر من أحد الوسائل التي يمكن أن تلجأ إليها محكمة التحقيق لكي يسلّم المتهم الهارب نفسه إليها، وبالتالي إحالته ومحاكمته. وعدم جواز اتخاذ هذا الإجراء بحق الحدث يعود إلى أنه بعد حجز أمواله، يتم نشر اسمه والجريمة المسندة إليه وغير ذلك من المعلومات عنه في الجرائد والصحف، وهذا يتناقض مع المادة 63 من قانون الأحداث. وما يؤيد ذلك هو القرار الصادر من محكمة أحداث دهوك بصفتها التمييزية: “لدى التدقيق والمداولة تبين بأن قرار الإحالة غير صحيح ومخالف للقانون مما يستوجب التدخل في قرار الإحالة المشار إليه أعلاه وذلك لأنه لا يجوز حجز أموال المتهم الحدث”[62].

 أما عن موقف المشرع اللبناني، فإنه لم يتطرق إلى مسألة الإحالة، سوى أنه نصّ في المادة 30 من قانون الأحداث، أن محكمة الأحداث تتألف من قاضٍ منفرد للنظر في الجنح والمخالفات، ومن الغرفة الابتدائية –هيئة- للنظر في الجنايات. وفي المادة التالية أشار إلى تطبيق قانوني الأصول والعقوبات عند التحقيق والمحاكمة بحق المتهمين الأحداث مع مراعاة  الاستثناء  ات المنصوص عليها في قانون الأحداث. وعليه، يتم تطبيق قانون الأصول فيما يتعلق بتفاصيل مسألة الإحالة، وحسب المادة 30 المذكورة آنفاً يفهم بأن قضايا الجنح والمخالفات يتم إحالتها لقاضي الأحداث المنفرد، أما قضايا الجنايات فللغرفة الابتدائية لمحكمة الأحداث.

 أما بخصوص إحالة المتهم الحدث الذي اشترك مع متهم بالغ في جريمة واحدة أو جرائم متلازمة، فقد تناوله قانون الأحداث في المادة (33) وبموجبها لا يتم تفرقة أوراقهما، وإنما يبقى المتهم الحدث مع البالغ، ويتم إجراء التحقيق معه ومحاكمته من قبل القضاء العادي، مع مراعاة مواد قانون الأحداث بحق الحدث، وبعد أن يثبت التهمة عليه بعد المحاكمة لا يصدر المحكمة العادية الحكم عليه، وإنما يتم إحالته لمحكمة الأحداث لغرض فرض التدابير أو العقوبات المخفضة بحقه. ورغم النقد الموجه لهذه المادة من قبل البعض إلى أن هناك آخرين يدافعون عنها، بحجة: في حال تم تفريق الملف يحوّل كل من الراشد والقاصر المشتركين في الجرم نفسه الى محكمة مختلفة ومن الممكن أن تتناقض الأحكام بين المحكمتين[63].

 أما فيما يخصّ إحالة المتهم غيابياً، فإن دولة لبنان من ضمن الدول العربية التي أجازت محاكمة الأحداث غيابياً[64].  إذ أجازت المادة 45 من قانون الأحداث اللبناني للحدث المحكوم عليه غيابياً أن يعترض على الحكم عن طريق وليّه أو الشخص المسؤول عنه في جرائم الجنح والمخالفات، أما في الجرائم الجنايات فيعتبر الحكم الغيابي كأنه لم يكن من تاريخ تسليم الحدث نفسه للسلطة أو إلقاء القبض عليه، عندها تجري محاكمته مجدداً.

 نعتقد أن هناك تناقض في موقف المشرع اللبناني، ففي الوقت الذي أجاز محاكمة الحدث غيابياً كما يفهم من المادة (45) المذكورة آنفاً، جاء نص في المادة (48) من قانون الأحداث على حظر نشر صورة الحدث ووقائع مرحلتي التحقيق والمحاكمة وملخصهما، كما حظرت نشر الحكم النهائي في الدعوى إذا ذكر فيها اسم المتهم ولقبه وعاقب على كل من يخالف ذلك، وحسب المواد (282-288) من قانون الأصول المخصصة بالإجراءات الواجب اتباعها بحق المتهم الهارب من وجه العدالة، لا يمكن محاكمته إلاّ بعد تبليغه بموعد المحاكمة من خلال نشر اسمه وغير ذلك من المعلومات عنه بعد استنفاذ الطرق العادية لتبليغه أو إجباره للحضور، وبعد صدور الحكم الغيابي الصادر بحقه يتم تبليغه بالحكم مرة أخرى بواسطة نشره في الجرائد الرسمية، وكل ذلك يخالف المادة (48) من قانون الأحداث.

بناء على ما تقدم، توصلنا إلى أوجه تشابه واختلاف بين القانونين العراقي واللبناني، وهي كما يلي:

  1. قانون الأحداث في كلا البلدين لم يتناولا تفاصيل إحالة المتهم الحدث للمحكمة المختصة، وتركها لقانون الأصول.
  2. في كلا البلدين، تحيل محكمة التحقيق المتهم الحدث إلى محكمة الأحداث طالما أنه كان حدثاً حينما اقترف الجريمة، لكن المشرع اللبناني استثنى من ذلك حالة خاصة وهي إذا كان مشتركاً مع متهم بالغ، ففي هذه الحالة يبقى المتهم الحدث مع البالغ ويتم إحالته معه إلى المحكمة المختصة بمحاكمة الأخير، وبعد ثبوت التهمة ضده عندها يتم إحالته لمحكمة الأحداث، لإصدار التدابير المناسبة بحقه. وعليه، نرجح القانون العراقي، القاضي بتفريق أوراق المتهم الحدث عن البالغ منذ فترة التحقيق، ومن ثم إحالته لمحكمة الأحداث.
  3. رغم عدم تناول مسألة إحالة المتهم الهارب إلى محكمة الأحداث لمحاكمته غيابيا في قانون الأحداث العراقي، إلاّ أن القضاء العراقي لا يسمح بمثل تلك الإحالة لكونها تتناقض مع المادة 63 من القانون المذكور القاضي بعدم جواز أي عمل أو إجراء يؤدي إلى كشف هوية المتهم الحدث، وهذا موقف حسن من القضاء وتفسير منطقي للنص. أما المشرع اللبناني، فقد وقع في تناقض، ففي الوقت الذي أدرج المادة 48 في قانون الأحداث المشابه للمادة 63 المذكور آنفاً، جاء وتناول مسألة الطعن بالحكم الصادر بحق المتهم الحدث غيابياً في المادة 45 التي توحي ضمناً أنه يجوز محاكمته غيابياً. وعليه، نرجح اتجاه المشرع العراقي بهذا الصدد.

 

الخـــــــــــــاتــــــمـــــــــــــــــة

بفضل الله ومنته وصلنا إلى نهاية هذه الدراسة، ومن خلالها توصلنا إلى الاستنتاجات والتوصيات التالية:

أولاً: الاستنتاجات.

  1. شرطة الأحداث هي الجهة المختصة بالتعامل مع قضايا الأحداث في العراق منذ عام 1975م وقد أكد المشرع الجنائي على ذلك في قانون الأحداث لعام 1983م، أما قانون الأحداث اللبناني الصادر عام 2002م فجاء خالياً من أي نص يشير إلى ذلك.
  2. في العراق، محكمة تحقيق الأحداث وفي حالة عدم تشكيلها، قاضي تحقيق الأحداث من الجهات الحصرية للتحقيق مع الأحداث، ومن باب الضرورة أجاز لقاضي التحقيق العادي والمحقق القضائي إجراء التحقيق مع الأحداث في حالة عدم توفر هذه الجهات. أما القانون اللبناني، فخلا من أي نص يشير إلى محكمة تحقيق الأحداث ولا قاضي الأحداث.
  3. في لبنان وإقليم كوردستان العراق، ينتدب محامي للمتهم أثناء الاستجواب إذا أبدى رغبته في ذلك ولم يكن بمقدروه توكيل محام، وبعكسه يبطل الاستجواب. وفي الوقت الذي ينتدب المحامي للمتهم في كل القضايا الجزائية في لبنان، فإنه يتمتّع بهذه الخصوصية في قضايا الجنايات والجنح دون المخالفات في إقليم كوردستان. أما القانون العراقي فخلا من أي نص يشير إلى ذلك. علماً، يعتري عمل القضاء في البلدين ثغرات تطبيقية.
  4. القانون اللبناني ألزم النيابة العامة والضابطة العدلية بإخبار ولي أمر المتهم الحدث للحضور عند قيامهم بالتحقيق مع الحدث في الجرائم المشهودة وحينما يكون ذلك متيسراً، أما قاضي التحقيق فغير ملزم بذلك. أما القانون العراقي فجاء خالياً من أي نص يتطرق إلى ذلك، لكن القضاء سدّ هذه الثغرة وألزم ولي الأمر بالحضور أمام القاضي المختص لتدوين إفادته خلال مرحلة التحقيق.
  5. إجراء التحقيق بحق المتهم الحدث في الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة في غيابه عمل جائز في القانون العراقي إذا كان الولي حاضراً، بينما خلا القانون اللبناني من أي نص مشابه.
  6. في العراق، يتم تبليغ ولي أمر الحدث قدر الإمكان عن كل إجراء أو قرار أو حكم يوجب القانون تبليغه إلى الحدث خلال مرحلتي التحقيق والمحاكمة. أما القانون اللبناني، فاقتصر ذلك على مرحلة المحاكمة دون التحقيق.
  7. قاضي التحقيق العراقي واللبناني لديهما السلطة التقديرية في توقيف المتهم الحدث من عدمه في جرائم الجنح والجنايات، سوى الجناية المعاقب عليها بالإعدام وقد تجاوز عمره 14 سنة فإن القاضي العراقي ملزم بتوقيفه. وفي الوقت الذي لم يبدِ القانون اللبناني موقفه من جرائم المخالفات، القاضي العراقي ممنوع من توقيف الحدث في هذه الجرائم، مثل القاضي اللبناني الممنوع من توقيف الحدث الذي لم يكمل 12 من عمره مهما كانت الجريمة المرتكبة من قبله، كما أن مدة الحد الأقصى للتوقيف في القانون اللبناني فإنها أقل من نظيره العراقي.
  8. قاضي التحقيق العراقي، ملزم بعرض المتهم على مكتب دراسة شخصية في الجرائم الجنايات ومخيّر في الجنح، أما في القانون اللبناني، فإنها وجوبية في الجرائم المشهودة وحينما يكون القائم بالتحقيق النيابة العامة أو الضابطة العدلية، أما قاضي التحقيق اللبناني فمخيّر في إجراء البحث الاجتماعي للمتهم الحدث في جميع الحالات والجرائم.
  9. في كلا البلدين، يغلق التحقيق بحق المتهم الحدث في حالتين: لعدم إكماله السن الجزائي، ولتقادم الجريمة. لكن ما اختلف عليه قانون البلدين، هو أن سن المسؤولية في العراق إكمال 9 سنوات وفي إقليم كوردستان إكمال 11 سنة، مع اتخاذ تدبير بحق الحدث الصغير، بينما في لبنان إكمال سبع 7سنوات، دون اتخاذ أية تدابير بحق الصغير، ولهذا رجّحنا القانون العراقي. أما بخصوص مدة التقادم، فقد رجّحنا القانون اللبناني، لكون مدة تقادم جرائم الجنح فيه أقل مما هو عليه في القانون العراقي، كما بيّن موقفه من جرائم المخالفات بعكس القانون العراقي الذي لم يبيّن موقفه.
  10. في العراق، المتهم الحدث معفي من أخذ بصمة أصابعه، وبالتالي لا تعتبر الجرائم التي ارتكبها سوابق قضائية بحقه. أما المشرع اللبناني، فقد استثنى فئة الفتيان من التمتع بهذه الخصوصية.
  11. كلا المشرعين العراقي واللبناني، لم ينصّا على إجراء كشف الدلالة للمتهم المعترف، لكن المادتين 63 في قانون الأحداث العراقي و48 في قانون الأحداث اللبناني لا تسمحان بذلك ضمناً. أما القضاء العراقي فقد استقر على إجرائه للمتهم البالغ المعترف ومرّات من باب السهو أو عدم العلم بخصوصيات المتهم الحدث يجري له.
  12. في كلا البلدين، يحيل محكمة التحقيق الحدث لمحكمة الأحداث طالما أنه كان حدثاً حينما اقترف الجريمة، لكن المشرع اللبناني استثنى حالة اشتراك الحدث مع المتهم البالغ، فيتم إحالته معه إلى المحكمة المختصة للبالغ. في العراق، يتم تفرقة أوراق الحدث عن البالغ في مرحلة التحقيق، وإحالة كل واحد منهما للمحكمة المختصة به.
  13. في العراق لا يجوز الحجز على أموال المتهم الحدث الهارب ولا إحالته لمحاكمته غيابياً لكون هذه الإجراءات تقتضي كشف هويته وهذا يتعارض مع المادة 63 من قانون الأحداث. أما المشرع اللبناني، فرغم إدراجه للمادة 48 في قانون الأحداث المشابه للمادة 63 المذكور آنفاً، تناول مسألة الطعن بالحكم الصادر بحق المتهم الحدث غيابياً في المادة 45 التي توحي بجواز محاكمته غيابياً.

 

ثانياً: التوصيات.

  1. للمشرعين العراقي واللبناني، النص على: إجراء التحقيق مع المتهمين الأحداث من قبل محكمة تحقيق الأحداث حصراً. إجراء دراسة شخصية المتهم الحدث في جميع الدعاوي الجزائية خلال مرحلة التحقيق. وجوب إخبار ولي أمر المتهم للحضور أثناء الاستجواب مع المتهم في جميع الجرائم وإمهاله مدة مناسبة، وجوب حضور المحامي الخاص أو المنتدب أثناء الاستجواب، عدم إجراء كشف الدلالة وحجز أموال المتهم الهارب وإحالته غيابياً.
  2. للمشرع اللبناني: النص على تفرقة أوراق المتهم الحدث عن البالغ في مرحلة التحقيق في حالة الاشتراك في الجريمة، وإحالة كل واحد منهما للمحكمة المختصة به. إعفاء الحدث من أخذ بصمة أصابعه. إنشاء شرطة الأحداث على مستوى لبنان كلها. وبيان موقفه من توقيف الحدث في المخالفات
  3. للمشرع العراقي: بيان موقفه من تقادم جرائم المخالفات.

 

المـــــــراجــــــــع

أولاً: الكتب.

  1. إبراهيم المشاهدي، المبادئ القانونية في قضاء محكمة التمييز: القسم الجنائي، مطبعة الجاحظ، بغداد، 1990م.
  • أكرم زاده مصطفى، شرح قانون رعاية الأحداث رقم 76 لسنة 1983 المعدل وتطبيقاته العملية، ط1، مطبعة شهاب، أربيل، 2010م.
  1. براء منذر عبد اللطيف، السياسة الجنائية في قانون رعاية الأحداث العراقي:دراسة مقارنة، ط1، دار حامد للنشر والتوزيع، عمان، 2009م.
  2. سردار عزيز خوشناو، النظام القضائي المختص بالأحداث في العراق، ط1،كوردستان، 2006م.
  3. سعيد حسب الله عبد الله، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية، دار الحكمة للطباعة والنشر، الموصل، 1990م.
  4. سلطان الشاوي، أصول التحقيق الإجرامي، ط 6، شركة العاتك لصناعة الكتب، القاهرة، 2006م.
  5. عباس الحسني، فعاليات جمعية صحة وتنظيم الأسرة العراقية وأثرها في استئصال الاجرام وجنوح الأحداث والمشرين، مطبعة الإرشاد، بغداد.
  6. عبد الأمير العكيلي، سليم إبراهيم وحربة، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية، ج1، شركة العاتك لصناعة الكتب، القاهرة، 2008م.
  7. عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي، ج1، دار الكاتب العربي، بيروت.
  8. فازع احمد مجيد، جنوح الأحداث، مطبعة وزارة التربية، بغداد، 1984م.
  9. فهمي كرامي، حق الدفاع العادل: واقعه وسبل تأمينه، ، وبريجيت شلبيان، المحاماة والجمعيات المدافعة عن حقوق الإنسان: دورها وحدود تدخلها، منشورات جمعية الحركة الاجتماعية في لبنان، بيروت، 2007م.
  10. كريم محمد صوفي، كيفي مغديد قادر، المختار من المبادئ القانونية في قضاء محكمة تمييز إقليم كوردستان والعراق: قضاء الأحداث، منشورات منظمة النجدة الشعبية، ج 1، ط1، مطبعة شهاب، أربيل، 2013م.
  • وعدي سليمان المزوري، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية: نظرياً وعملياً، ط2، مطبعة روزهلات، أربيل، 2015م.

ثانياً: البحوث.

  • عباس حكمت فرمان، التحقيق والمحاكمة في جنوح الأحداث، مجلة الغري للعلوم الاقتصادية والإدارية، جامعة الكوفة، المجلد (2)، العدد (13)، النجف، 2009م.
  • محمد صالح أمين، آراء وملاحظات في قضاء الأحداث في العراق: دراسة تحليلية لأحكام قانون الأحداث، مجلة أهل البيت، جامعة أهل البيت، العدد (5)، كربلاء، 2007م.

ثالثاً: الدوريات.

  • مجلة القضاء، نقابة المحامين العراقية، العددان (1و2)، السنة السادسة والأربعون، بغداد، 1991م.

رابعاً: المراجع الالكترونية.

  1. ثائرة شعلان، قضاء الأحداث في العالم العربي بين النظرية والتطبيق، متاح على الموقع الالكتروني التالي: http://www.crin.org/docs/Juvenile_Justie_Ara.doc، تاريخ الزيارة: 16/10/2018.
  2. كلود صليبا، صغار يُزجّون في لعبة «عسكر وحرامية» مع كبار.. السجن، تحقيقات منشورة في جريدة المستقبل، الأربعاء 23/شباط/2011، العدد 3920، تحقيقات ص 9، متاح على الموقع التالي: http://claudesaliba.blogspot.com/2011/02/blog-post.html، تاريخ الزيارة: 26/9/2018.
  • جان داود فهد ، علاقة الضابطة العدلية بالقضاء، متاح على الموقع الألكتروني التالي:

https://carjj.org/sites/default/files/paper-law-enf-jean-fahd.doc،       تاريخ الزيارة: 10/23/2017.

خامساً: المتون القانونية.

  • قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم 23 لسنة 1971م.
  • قانون رعاية الأحداث العراقي رقم 76 لسنة 1983م.
  • قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني رقم 328 لسنة 2001م.
  • قانون حماية الأحداث المخالفين للقانون أو المعرضين للخطر اللبناني رقم 422 لسنة 2002م.
  • القانون رقم 22 لسنة 2003م الصادر من برلمان كوردستان.
  • الدستور العراقي لسنة 2005م.

[1]اعتمدت هذه القواعد في مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المعقود في ٢٢ المؤرخ في ٢٩ تشرين الثاني / نوفمبر ١٩٨٥ / إلى ٦ سبتمبر ١٩٨٥ واعتمدتها الجمعية العامة بقرارها ٤٠ ميلانو من ٢٦ آب.

[2]سردار عزيز خوشناو، النظام القضائي المختص بالأحداث في العراق، ط1،كوردستان، 2006م، ص 98-100.

[3] ثائرة شعلان، قضاء الأحداث في العالم العربي بين النظرية والتطبيق، متاح على الموقع الإلكتروني التالي، تاريخ الزيارة: 16/10/2018: http://www.crin.org/docs/Juvenile_Justie_Ara.doc.

[4]سردار عزيز خوشناو، مرجع سابق، ص 101.

[5]فازع احمد مجيد، جنوح الأحداث، مطبعة وزارة التربية، بغداد، 1984م، ص 43.

[6]المرجع نفسه، ص 43، 49.

[7]كلود صليبا، صغار يُزجّون في لعبة «عسكر وحرامية» مع كبار.. السجن، تحقيقات منشورة في جريدة المستقبل، الأربعاء 23/شباط/2011، العدد 3920، تحقيقات ص 9، متاح على الموقع التالي: http://claudesaliba.blogspot.com/2011/02/blog-post.html، تاريخ الزيارة: 26/9/2018.

[8]هذا الصنف من القضاة غير موجود لدينا ولكن موجود في دول أخرى ومنها على سبيل المثال دولة مصر، هذا النوع من القضاة لديهم مكان مخصص ضمن الإصلاحية يتابع سير وسلوك الأحداث الجانحين المودعين في الإصلاحية، فإذا تحسن سلوك الحدث ينزل مدة من مدة محكوميته، لا شكّ هذا التصرف يشجع الأحداث ويحفزهم نحو إصلاح ذواتهم بشكل أسرع. راجع: أكرم زاده مصطفى، شرح قانون رعاية الأحداث رقم 76 لسنة 1983 المعدل وتطبيقاته العملية، ط1، مطبعة شهاب، أربيل، 2010م، ص 132.

[9]عباس الحسني، فعاليات جمعية صحة وتنظيم الأسرة العراقية وأثرها في استئصال الاجرام وجنوح الأحداث والمشرين، مطبعة الإرشاد، بغداد،  ص 60.

[10]سردار عزيز خوشناو، مرجع سابق، ص 64.

[11]براء منذر عبداللطيف، السياسة الجنائية في قانون رعاية الأحداث العراقي: دراسة مقارنة، ط1، دار حامد للنشر والتوزيع، عمان، 2009م، ص84.

[12]جان داود فهد، علاقة الضابطة العدلية بالقضاء، متاح على الموقع الالكتروني التالي، تاريخ الزيارة: 10/23/2017.:  https://carjj.org/sites/default/files/paper-law-enf-jean-fahd.doc،

[13]كلود صليبا، مرجع سابق، (موقع انترنيت).

[14]العدد 35/ت/2009 في 27/7/2009.

[15]فهمي كرامي، حق الدفاع العادل: واقعه وسبل تأمينه، ، وبريجيت شلبيان، المحاماة والجمعيات المدافعة عن حقوق الانسان: دورها وحدود تدخلها، منشورات جمعية الحركة الاجتماعية في لبنان، بيروت، 2007م، ص 24-27.

[16]فهمي كرامي، مرجع سابق، ص 26.

[17]العدد 7/ت/2007 في 23/4/2007.

[18]العدد 39/ت/2002 في 12/8/2002. للمزيد من القرارات راجع: أكرم زاده مصطفى، مرجع سابق، ص 145.

[19]العدد 4/ت/2005 في 10/1/2005.

[20]كلود صليبا، مرجع سابق، (موقع انترنيت).

[21]المادة 37/ب من الدستور العراقي لسنة 2005م: لا يجوز توقيف أحد أو التحقيق معه إلاّ بموجب قرار قضائي.

[22]عبد الأمير العكيلي، سليم إبراهيم وحربة، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية، ج1، شركة العاتك لصناعة الكتب، القاهرة، 2008م، ص 148؛ وعدي سليمان المزوري، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية: نظرياً وعملياً، ط2، مطبعة روزهلات، أربيل، 2015م، ص 160.

[23]راجع م 237/أ قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم 23 لسنة 1971م.

[24]براء منذر عبداللطيف، مرجع سابق، ص103.

[25]العدد 16/ت/2008 في 25/5/2008.

[26]العدد 22/ت/2003 في 28/10/2003.

[27]المادة 10/أولاً: دار الملاحظة: مكان معد لتوقيف الحدث بقرار من المحكمة أو السلطة المختصة ويجري فيها فحصه بدنياً وعقلياً ودراسة شخصيته وسلوكه من قبل مكتب دراسة الشخصية تمهيداً لمحاكمته. وراجع  أيضاً المادة 52/ثالثاً ق. أحداث العراقي.

[28]م 109/ج  ق. أصول العراقي.

[29]براء منذر عبداللطيف، مرجع سابق، ص110.

[30]م 107  قانون أصول المحاكمات اللبناني رقم 328 لسنة 2001م. يجب أن يكون قرار التوقيف معللاً وأن يبين فيه قاضي التحقيق الأسباب الواقعية والمادية التي اعتمدها لإصدار قراره على أن يكون التوقيف الاحتياطي الوسيلة الوحيدة للمحافظة على أدلة الإثبات أو المعالم المادية للجريمة أو للحيلولة دون ممارسة الإكراه على الشهود أو على المجنى عليهم أو لمنع المدعى عليه من إجراء أي اتصال بشركائه في الجريمة أو المتدخلين فيها أو المحرضين عليها أو ان يكون الغرض من التوقيف حماية المدعى عليه نفسه اأ وضع حد لمفعول الجريمة أو الرغبة في اتقاء تجددها أو منع المدعى عليه من الفرار أو تجنيب النظام العام أي خلل ناجم عن الجريمة.

[31]راجع م 107  قانون الأصول اللبناني.

[32]كلود صليبا، مرجع سابق، (موقع انترنيت).

[33]راجع أيضاً م 236 ق. أصول العراقي.

[34]سردار عزيز خوشناو، مرجع سابق، ص 79.

[35]العدد 20/ت/2004 في 17/11/2004.

[36]العدد 1548/جزاء متفرقة/984-985 في 24/6/1985.للمزيد من القرارت راجع: إبراهيم المشاهدي، المبادئ القانونية في قضاء محكمة التمييز: القسم الجنائي، مطبعة الجاحظ، بغداد، 1990م، ص 236.

[37]العدد 93/جزائي/2009 في 16/2/2009.

[38]العدد 7/ت/2008 في 17/2/2008.

[39]راجع المادة 41 قانون حماية الأحداث اللبناني.

[40]كلود صليبا، مرجع سابق، (موقع انترنيت).

[41]سردار عزيز خوشناو، مرجع سابق، ص 56.

[42]محمد صالح أمين، آراء وملاحظات في قضاء الأحداث في العراق: دراسة تحليلية لأحكام قانون الأحداث، مجلة أهل البيت، جامعة أهل البيت، العدد (5)، كربلاء، 2007م، 179.

[43]المادة 29/أولاً: يعاقب بغرامة لا تقل عن مائة دينار ولا تزيد على خمسمائة دينار كل ولي أهمل رعاية الصغير أو الحدث إهمالاً أدى به إلى التشرد أو انحراف السلوك.

[44] العدد 3/ت/2007 في 3/4/2007.

[45]ثائرة شعلان، مرجع سابق، (موقع أنترنيت).

[46]سعيد حسب الله عبد الله، شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية، دار الحكمة للطباعة والنشر، الموصل، 1990م، ص 71.

[47]المرجع نفسه.

[48]عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي، ج1، دار الكاتب العربي، بيروت، ص 778-779.

[49]براء منذر عبد اللطيف، مرجع سابق، ص 172-173.

[50]براء منذر عبد اللطيف، مرجع سابق، ص 176-177.

[51] العدد/ 122،123/هيئة عامة/1989. للمزيد من القرارات راجع: مجلة القضاء، نقابة المحامين العراقية، العددان (1و2)، السنة السادسة والأربعون، بغداد، 1991م.، ص 131.

[52]العدد 11/ت/2001 في 8/4/2001.

[53]العدد 15/ت/2005 في 21/8/2005.

[54]كلود صليبا، مرجع سابق، (موقع انترنيت).

[55]سلطان الشاوي، أصول التحقيق الإجرامي، ط 6، شركة العاتك لصناعة الكتب، القاهرة، 2006م، ص 59.

[56]العدد 89/ه.ج/أحداث/1997 في 25/10/1997بخصوص قرار محكمة أحداث أربيل تحت العدد 29/ج/1997 في 8/10/1997.

[57]العدد 124/ه.ج/أحداث/1997 في 22/12/1997 بخصوص قرار محكمة أحداث السليمانية تحت العدد 104/ج/1997 في 12/11/1997. للمزيد من القرارات راجع: كريم محمد صوفي، كيفي مغديد قادر، المختار من المبادئ القانونية في قضاء محكمة تمييز إقليم كوردستان والعراق: قضاء الأحداث، منشورات منظمة النجدة الشعبية، ج 1، ط1، مطبعة شهاب، أربيل، 2013م، ص 193-194.

[58]يقصد بالأمر الجزائي: القرار الصادر من محكمة التحقيق بالإدانة والعقوبة أو بالإفراج من دون اتباع إجراءات المحاكمة العادية أي من دون تحديد جلسة للمحاكمة ومن دون حضور المتهم وبغير إجراء تحقيق أو سماع مرافعة، ويصدر كتابة على الأوراق ولا يجوز للمحكمة إصداره إلاّ إذا  وجدت من تدقيقها لأوراق الدعوى أن المخالفة لا يوجب القانون الحكم فيها بالحبس أو أن طلباً بالتعويض أو برد المال لم يقدم فيها وأن الفعل ثابت على المتهم. راجع، سعيد حسب الله عبدالله، مرجع سابق، ص 71. ص230-231.

[59]سردار عزيز خوشناو، مرجع سابق، ص 143.

[60]عباس حكمت فرمان، التحقيق والمحاكمة في جنوح الأحداث، مجلة الغري للعلوم الاقتصادية والإدارية، جامعة الكوفة، المجلد (2)، العدد (13)، النجف، 2009م، ص 328.

[61]العدد 14/ت/2001 في 6/5/2001.

[62]العدد رقم  14/ت/2001 في 6/5/2001.

[63]كلود صليبا، مرجع سابق، (موقع انترنيت).

[64]سردار عزيز خوشناو، مرجع سابق، ص 167.


Updated: 2020-11-10 — 12:17
JiL Scientific Research Center © Frontier Theme