أبعاد الاغتراب الوظيفي في ظل النظريات الأساسية / لبنى ذياب


 

أبعاد الاغتراب الوظيفي في ظل النظريات الأساسية

أ.لبنى ذياب/جامعة محمد لمين دباغين،سطيف 02،الجزائر

مقال نشر في  مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد 40 الصفحة 57.

   

ملخص:

تعتبر ظاهرة الاغتراب ظاهرة إنسانية لها وجود في مختلف أنماط الحياة وقد تزايدت مشاعر هذا الاغتراب وتعددت وكان من أبرزها ما عرف بين الباحثين والكتاب بالاغتراب الشخصي والاغتراب الاجتماعي، كما أضحت المنظمات اليوم تمتلئ بشواهد وصنوف شتى من أعراض عدم الرضا وفقدان الانتماء الوظيفي والتنظيمي، وقد أرجعت أسباب هذه المشاعر السلبية إلى ظاهرة الاغتراب الوظيفي ذلك أن الموظف لا يشعر برابط وحافز يشده لعمله، لذلك تنمو وتترعرع لديه نواة الاغتراب وقد تحدث البعض عن جذور هذا الاغتراب وأسبابه، من التحول الصناعي وسيطرة الأدوات التكنولوجية الحديثة والاعتماد على رأس المال الفكري إلى اشتداد حدة المنافسة والعولمة التي طرقت أبوابنا بالإضافة إلى طبيعة النظم الحديثة وما لحق وسائل الإنتاج من تطور، مما خلق لدى الفرد شعورا بالعزلة وفقدان المعايير والإحساس بالعجز والشعور بالقلق المستمر والتشاؤم وحالة اليأس التي قادت كلها إلى الاغتراب بالرغم من كثرة الناس المحيطين بالفرد، كل ذلك أدى إلى الاهتمام بظاهرة الاغتراب والبحث عن جذورها ومسبباتها، وإنطلاقا من ذلك سيتم تناول في هذا المقام أبعاد الإغتراب الوظيفي في ظل نظرياته الأساسية.

الكلمات المفتاحية: الاغتراب الوظيفي ، العجز ، العزلة ، اللامعنى ، الللامعيارية.

مقدمة :

يعد مفهوم الاغتراب ظاهرة إنسانية يتميز بها الإنسان دون غيره من الكائنات، فهو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن ينفصل عن ذاته وقد ينفصل عن مجتمعه أو عن كليهما معا، وتختلف درجة الإحساس بالاغتراب باختلاف الظروف التي تحيط بالفرد، إضافة إلى أن الأفراد يتباينون في شدة إحساسهم بالاغتراب، إذ أن مشكلة الاغتراب تعد ظاهرة بارزة ومتميزة في العصر الحديث، لأنه عصر يعكس أزمات سياسية واجتماعية وفكرية وأخلاقية، ولعل ذلك ما جعل مصطلح الاغتراب لا يمكن التعامل معه على أنه مفهوم مطلق وواضح إذ لا يزال في حقيقة الأمر يشوبه الكثير من الغموض والتداخلات، لذلك أستخدم هذا المصطلح بدلالات مختلفة ظهر الكثير منها بشكل يفتقر إلى التمييز بشدة إلى درجة الحد الذي لا يمكننا فيه التحديد بوضوح من هو المغترب.

لقد وقع إختلاف في تحديد مفهوم الإغتراب بين علماء الفلسفة ورواد علم النفس، ورجال الدين أين نظر كل واحد منهم بزاويته المختلفة في مقاربات مختلفة ومتباينة ووفق منحى واتجاه خاص، أين تم إستخدام مصطلح الإغتراب بأشكال وجوانب مختلفة من قبل العديد من المفكرين والكتاب في مختلف فروع المعرفة: الفلسفة والاجتماع، والنفس، والسياسة، والاقتصاد وعلم الدين. وانطلاقا من تلك الأهمية تزايد اهتمام العلماء الدارسين في مجال الإدارة بهذا المفهوم حيث أنتقل الاهتمام به في مجال الإدارة منذ بدايات عام 1950 ممثلاً بأعمال، (David & Timothey، 1977)، (Miller،1967)، (1959Argyris، ) (2006(Nelson & ODonohue، ، (Kakabads، 1986)، (Leonord، 1984) (Katz & Kahn، 1978) (Mendoza 2007 وقد أبرز لنا علماء التحليل النفسي لا عقلانية الإنسان وغياب وعيه بدوافعه ومشاكله، والصراع المعقد والمحتدم والمعضلات العميقة بداخله، فهذا الإنسان ليس فاقدا للسيطرة حيال نفسه، [1]حيث أنصبت جهود هؤلاء على الكشف عن مدى العلاقة بين أبعاد الاغتراب وبعض المتغيرات التنظيمية في مجال الإدارة كالرضا عن العمل، ضغط العمل، الشعور بالعجز وفقدان السيطرة، الالتزام التنظيمي، القيادة الإدارية، سلوك المواطنة التنظيمية، الهيكل التنظيمي وغيرها من متغيرات السلوك التنظيمي وٕإدارة الموارد البشرية.

1/- تعريف الاغتراب:

على الرغم من تعدد الكتاب والأبحاث في مجال الاغتراب سواء في مجال الفكر الإداري أو في مجال علم النفس الذين تناولوا موضوع الاغتراب، إلا انه لا يوجد تعريف أو عوامل مسببة أو مظاهر موحدة للاغتراب الوظيفي لدى العاملين في المنظمات.[2]

إن التطرق لمصطلح الاغتراب الوظيفي أكاديمياً يدعونا لتناوله من خلال تعريفات الباحثين والمتخصصين في هذا المجال.

لق أكد (1992) Kanungo أن: الاغتراب الوظيفي هو شعور الفرد بالعزلة والضياع والوحدة، وعدم الانتماء، وفقدان الثقة، والإحساس بالقلق والعدوان، ورفض القيم والمعايير الاجتماعية، والمعاناة من الضغوط النفسية، ومن الناحية الاصطلاحية، فان مفهوم الاغتراب يشير إلى الشعور بالانفصال عن الذات والمجتمع، أو بين الذات والمجتمع، أو بين الذات ونفسها[3]

كما عرفه (2001)، Vandenberghe بأنه ضعف العلاقة بين الفرد والوظيفة ومستوى الاندماج، وهذا الاندماج قد يكون نفسيا أو فكريا أو مهنيا. في حين أشار(الحمد، 2004) أنه إذا عدنا إلى كلمة اغتراب نجد أنها ترجمة لكلمة  Alienationفي الإنجليزية لكن هي في الحقيقة ترجمة لكلمة Estrangement أيضا، لذا يفضل بعض الباحثين إبقاء كلمة إستلاب للكلمة الأولى واغتراب للثانية، فالمعنى اللغوي لكلمة Estrangement بالإنجليزية وEnterendung بالألمانية مشتق من Estrange وتعني أن يكون بعيدا عن الحياة الاجتماعية لكن Alienat في الإنجليزية تعني أن يغدو المرء حاملا لمشاعر العداء أو اللامبالاة بدلا من التفاني والإرتباط، وعليه يبدو أن كلمة اغتراب هي أقرب إلى القبول من الإستلاب لأن هذه تعني سلب شيء بينما الاغتراب قد تعني هذا وقد تعني بعض المشاعر التي تحملها كلمة Alienato وفي الفرنسية Alienation تحمل تقريبا نفس المعنى في الإنجليزية وهو Aversion أو Hostelirt إنها حالة إنسان الذي يكون لنفسه في ظروف اجتماعية معينة رموزا ومؤسسات يخضع لها خضوعا أعمى، ولقد إستخدمت كلمة غربة في الشعر الوجداني أو في شعر الزهد بمعنى النزوح عن الوطن والبعد والنوى والإنفصال عن الآخرين ولم تقتصر على البعد المكاني وإنما تعدت هذا إلى التعبير عن مشاعر الخوف والرجاء والشوق والحنين وترقب الموت.

ما يمكن تأكيده أن موضوع الإغتراب استحوذ على اهتمام العديد من علماء الاجتماع مثل Seeman 1959 ، Durkeheim 1959 ، Pearlin 1963، Johnson 1973،. وقد أجمعوا على اعتباره أحد السمات الأساسية للإنسان المعاصر، وقد أطلق Hegel مصطلح الاغتراب على الإنسان بصفته كائن اجتماعي ليعبر به عن كل ما يحدث له من انفعالات، في حين اعتبر Marx العمل أحد العوامل التي تؤدي إلى الاغتراب من خلال ما يثيره من صراع بين اهتمامات الفرد وحاجاته، أما Durkeheim فقد عبر عنه بالشذوذ عن قيم ومعايير الجماعة، ووصفه Seeman 1959 بخمسة أبعاد وهي: فقدان القوى، وانعدام المعنى، وفقدان المعايير والقواعد المتحكمة بالسلوك أو العزلة والاغتراب عن الذات[4].

1-2/-المعنى اللغوي لكلمة اغتراب تاريخيا: له سياقات أربع وهي:

1-2-1/-السياق القانوني: حيث استخدم في القانون الروماني بمعنى النقل والتسليم واستنبط هيجل معنى الاغتراب من معرفته بالقانون فاعتبر النقل والتسليم عنصران يؤلفان ما يمكن تسميته بالحركة الجدلية للاغتراب.

1-2-2/-السياق النفسي الاجتماعي: وتشير كلمة اغتراب هنا إلى ما يحدث للفرد من اضطرابات نفسية وعقلية وما يشعر به من غربة وجفاء مع من حوله.

1-2-3/-السياق الديني: ووردت كلمة اغتراب في الترجمات والشروح اللاتينية فيما يتعلق بالخطيئة كالانفصال عن الله.

1-2-4/-السياق السيكولوجي: ويعني الاغتراب فقدان الوعي وعجز أو فقدان القوى العقلية أو الحواس.[5]

وما يلاحظ أن كلمة اغتراب قد تواجدت في مختلف اللغات وحملت تقريبا نفس المعنى وهو الابتعاد، والاستلاب، والانفصال عن الشيء.

وتأسيسا على ما ورد أعلاه يمكن القول بأن الاغتراب الوظيفي هو حالة نفسية يعاني منها الفرد ويشعر معها بعدم الصلة بالواقع الذي يحيط به نتيجة تعرضه لمثيرات أو عوامل ذاتية أو بيئية لا يكون قادرا على التكيف معها بحيث يؤدي هذا الانفصال إلى ركون الفرد للعزلة والانطواء وتحقير الذات وذلك لعدم الشعور بأهمية ما يقوم به من أعمال داخل محيط العمل.[6]

2/- أبعاد الاغتراب: تتمثل أهم أبعاد الإغتراب في ما يلي:

2-1/-العجز: وهذا المعنى للاغتراب يشير إلى شعور الفرد بأنه لا يستطيع التأثير(ليست لديه القدرة) على المواقف الاجتماعية التي يتفاعل معها، فالفرد المغترب هنا لا يتمكن من تقرير مصيره أو التأثير في مجرى الأحداث الكبرى أو في صنع القرارات المهمة التي تتناول حياته ومصيره فيعجز بذلك عن تحقيق ذاته.[7]

2-2/- اللا معنى: ويعني أن الفرد لن يستطيع التنبؤ بدرجة عالية من الكفاءة بالنتائج المستقبلية، كما يشعر الفرد أن الحياة فقدت معناها، ودلالتها ومعقوليتها ويمكن أن يؤدي ذلك إلى فقدان مسوغات استمرارها في نظرهم، وينجم مثل هذا الشعور لديهم بسبب الإحباط الذي يمكن أن يتعرضوا له، وعدم إشباع الحاجات المختلفة الجسدية والنفسية والاجتماعية ويعبر اللا معنى عن نوع من الضياع، يعجز فيه الفرد عن توجيه سلوكه نحو أهداف معينة، لأنه لا يستطيع فهم المعايير التي توجه تصرفات المسئولين وقد ربط أحد الباحثين اللا معنى بالمدخلات التي يستقبلها الفرد من بيئته، وهي نابعة من النظام الاجتماعي والتي قد يصعب عليه فهمها وإيجاد معنى لها.[8]

2-3/- اللامعيارية: اشتق سيمان هذا المصطلح من وصف دوركايم للحالة التي تصيب المجتمع، وتوصف هذه الحالة بانهيار المعايير التي تنظم السلوك وتوجهه، وتعني شعور الفرد بأن الوسائل غير المشروعة مطلوبة وأنه بحاجة إليها لإنجاز الأهداف، وهذه الحالة تنشأ عندما تتفكك القيم والمعايير الاجتماعية وتفشل في السيطرة على السلوك الفردي وضبطه.

2-4-/-العزلة الاجتماعية: وهذا المعنى للاغتراب يشير إلى شعور الفرد بالغربة والانعزال عن الأهداف السائدة في المجتمع، وفي هذه الحالة لا يشعر الفرد بالانتماء إلى المجتمع أو الأمة، وتمثل العزلة الاجتماعية مظهرا من مظاهر السلوك الإنساني له تأثيرات خطيرة على شخصية الفرد وعلاقته بالآخرين حيث تشير إلى عدم قدرته على الانخراط في العلاقات الاجتماعية أو على مواصلة الانخراط فيه وعلى تقوقعه أو تمركزه حول ذاته حيث تنفصل ذاته في هذه الحالة عن ذوات الآخرين مما يدل على عدم كفاية جاذبية شبكة العلاقات الاجتماعية للفرد من حيث عدم الارتباط بين أعضائها أو الاغتراب فيما بينهم.[9]

3/- النظريات المفسرة للاغتراب:

1.3 أنواع الإغتراب وفق النظرية: يحدد ” السيد شتا” (1974) ثلاثة أنواع من الاغتراب النفسي على المستوى الشخصي والتي يمكن إجمالها كالآتي: [10]

3-1-1/-اغتراب الهو: ويمثل في سلب حريته وذلك أن حرية الهو تعني وقوع الأنا تحت ضغط الأنا الأعلى والواقع الاجتماعي أي أن سلطة الماضي تمارس ضغطا قويا عليه من ناحية ويزداد افتنانه بالواقع من ناحية أخرى، ومن ثم يقوم الأنا بعملية السلب أو الانفصال(سلب حرية الهو) ويحقق الأنا ذلك بطرق عدة إما بسلب حرية الهو والقبض على زمام الرغبات الغريزية وإما بإصدار حكمه والسماح لها بالإشباع أو تأجيل هذا الإشباع.

3-1-2/-اغتراب الأنا:ويكون ذا بعدين، مرتبط الأول بسلب حريته في إصدار حكمه فيما يتعلق بالسماح للرغبات الغريزية بالإشباع من ناحية وسلب معرفته بالواقع وسلطة الماضي (الأنا الأعلى) في حالة السماح لهذه الرغبات بالإشباع من ناحية أخرى ومن ثم يكون الأنا في وضع مختلف دائما سواء في علاقته بالهو أو بالأنا الأعلى وهنا يجتمع اغترابه بين الخضوع والانفصال.

3-1-3/- اغتراب الأنا الأعلى: ويتمثل هذا النوع من الاغتراب في فقدان السيطرة على الأنا وهي الحالة التي تأتي بدورها نتيجة لسلب معرفة الأنا بسلطة الماضي، أو زيادة الهو على الأنا، وهذا هو الجانب السلبي للاغتراب الأنا الأعلى، أما الجانب الإيجابي للاغتراب فإنه يتمثل بمظهر الاعتماد والذي يصاحبه عدم افتتان الأنا بالواقع الاجتماعي.

ويقرر فرويد بأن الاغتراب النفسي هو سمة متأصلة بالذات الإنسانية إذ لا سبيل مطلقا لتجاوز الاغتراب بين الأنا والهو والأنا الأعلى لأنه لا مجال لإشباع كل الدوافع الغريزية والتوافق بين الأهداف والمطلب وبين الغرائز وبعضها البعض.

3-2/- النظرية السلوكية :يرى أصحاب هذه النظرية بأن المشكلات السلوكية هي عبارة عن أنماط من الاستجابات الخاطئة أو الغير سوية المتعلمة بارتباطاتها بمثيرات منفردة وتحتفظ بها الفرد لفاعليتها في تجنب مواقف أو خبرات غير مرغوبة وأن الفرد وفقا لهذه النظرية يشعر بالاغتراب عن ذاته عندما ينصاع ويندمج بين الآخرين إلى رأي أو فكر محدد حتى لا يفقد التواصل معهم، وبدلا من ذلك يفقد تواصله مع ذاته

3-3/-نظرية المجال: فحوى هذه النظرية يمكن أن ينصب في أنه عند التصدي للاضطرابات والمشكلات النفسية، فإنها تواجه الاهتمام بشكل مركز على شخصية العميل وخصائص هذه الشخصية المرتبطة الاضطرابات والمسببة له، وكذلك على خصائص الحيز الجنائي الخاص للعميل في زمن حدوث الاضطرابات بالإضافة إلى أسباب اضطرابه شخصيا وبيئيا مثل الاحباطات والعوائق المادية، ويرى أحمد زهران بأن الحواجز النفسية التي تحول دون تحقيق أهداف الفرد والصراعات وما قد يصحبها من إقدام وهجوم غاضبا أو إحجام وتقهقر خائف، وعلى هذا فإن الاغتراب هنا ليس ناتجا من عوامل داخلية فقط بل من عوامل خارجية تتضمن سرعة التغيرات البيئية والاتجاه نحو هذه التغيرات والعوامل.[11]

3-5/-نظرية الذات: إن مفهوم الذات يتكون من مفهوم الذات المدرك ومفهوم الذات الاجتماعي ومفهوم الذات المثالي وبالتالي فإنه يتكون من كل ما ندركه من أنفسنا ويتم تنظيم مكوناته من المشاعر والمعتقدات التي تشكل في مجموعها إجابة عن تساؤلات من نوع: من تكون؟ وكيف تبدو أمام الآخرين؟ وكيف ينبغي أن تتصرف؟ وإلى من تنتمي ؟

إن العنصر المهم في تشكيل مفهوم الذات كما يرى المختصين هو الطريقة التي تحقق بها عملية تنظيم المشاعر والمعتقدات المتناثرة في إطار وحدة متكاملة، فالاغتراب وفقا لهذه النظرية ينشأ من الإدراك السلبي للذات وعدم فهمها بشكل سليم وكذلك نتيجة للهوة الكبيرة بين تصور الفرد لذاته المثالية وذاته الواقعية.[12]

3-6/-نظرية اغتراب الشباب عندكينستون: عرض كينستون 1965 نظريته عن الاغتراب الشباب في كتاب ” الاغتراب الشباب في المجتمع الأمريكي “حيث بين أن الاغتراب يحدث في كل المجتمعات باختلاف أنماطها الثقافية والسياسية والاجتماعية، فنظرية الاغتراب تحمل معاني تشاؤمية ولا يتحدد وجود الاغتراب بعوامل محددة، لو زالت هذه العوامل زال معه الاغتراب.[13]

3-7/- نظرية أزمة الهوية عنداريكسون“:إن الهدف الأساسي لنظرية اريكسون هو اهتمام النظرية بتطور هوية الأنا، ويرى اريكسون 1968 إن فترة المراهقة حاسمة في نمو هوية الأنا لدى الفرد حيث عندما يكون الفرد المراهق هدفا مركزيا محدد، فإن ذلك يعطيه إحساسا بالتوحد، فتحدد هويته ويدخل مرحلة الألفة والانتماء لأن عدم تحديد الهوية للمراهق وعدم توحده يؤدي بالفرد إلى الشعور بالاغتراب، خاصة وأن ظاهرة الاغتراب من الظواهر التي شغلت بال الكثير من الباحثين والفلاسفة في كل العصور، وقد ركزت معظم الدراسات على النشأة التاريخية لظاهرة الاغتراب وأهملت الاهتمام بأسبابها.[14]

وقد أشار (1973 Mehra) أنه يوجد مدرستان تناولت الاغتراب:

 المدرسة الأولى: تناولت ظاهرة الاغتراب من ناحية اجتماعية، واعتبرت أنه مشكلة اجتماعية تنشأ كرد فعل للضغوط والتفكك والظلم الموجود في النظام الاجتماعي، ولاسيما في المجتمع الليبرالي، وينظر للفرد المغترب بأنه ضحية لمجتمعه، وأن اغترابه قد فرض عليه بواسطة النظام الاجتماعي غير العادل، وهذه النظرية أغفلت أثر شخصية الفرد وما يعاني من اضطرابات.

أما المدرسة الثانية: عالجت هذه الظاهرة من الناحية النفسية، باعتبارها مشكلة نفسية وينظر إليها على أنها تطورية بطبيعتها وتعزو أسبابها الجذرية إلى الأمراض الشخصية وهذا الاعتقاد ينظر للإنسان على أنه ضحية لخبرات طفولته المبكرة وأنماط العلاقات الأسرية، فالاغتراب الفرد يعد اختيار ذاتيا ويستخدم كميكانيزم دفاع ضد الصراع النفسي.[15]

4/- استراتيجيات التعامل مع الاغتراب الوظيفي:

تعتمد المنظمات على عدة استراتيجيات أو وسائل من أجل الحد من ظاهرة الاغتراب الوظيفي ومنع إنتشارها داخل الوسط العمالي، لأن الاغتراب المهني إذا كان عاما فذلك يؤدي إلى عواقب وخيمة تؤثر سلبيا ليس على الأفراد فقط بل على المنظمة باعتبارها مجموعة من الأفراد، لذا تسعى جميع المنظمات بكل الوسائل مستخدمة جهدها إن لم يكن للقضاء على هذه الظاهرة فعلى الأقل التخفيف منها، وسنذكر بعض هذه الاستراتيجيات فيما يأتي.[16]

4-1/ مساهمة مجلس العمال والنقابات:  يرى “جيمس أوتول Jimes outtl)) أن مجلس العمل هو القاعدة العمالية التي تملك الصلاحيات في أداء دورهم في تفهم قضايا العمال، وتشجيعهم على الممارسة الفعالة واستمرار العمل المنتج بكل الوسائل مهما كانت الصعوبات، وبذلك يخلص إلى أن المجالس العمالية هي العلاج الأساسي للاغتراب.

4-2/-توفير الظروف والوسائل الملائمة للعمال: حتى يتسنى لهم رؤية العمليات الإنتاجية، أين يذهب هذا الإنتاج، فالعمال بذلك يشعرون بالرضا عن العمل وارتفاع الروح المعنوية وحب المؤسسة.

4-3/-المشاركة في اتخاذ القرارات: إن إحلال تنظيم جيد يدل على مساهمة العمال في تكوينه وإبعاد التنظيم البيروقراطي والتسلط الذي يؤدي في غالب الأحيان إلى كساد الإنتاج وظهور روح اللامبالاة من قبل العمال، حيث تكشف دراسة سيمان ونيل (Seeman et Neal) أن مشاركة الأفراد داخل المنظمة تقلل الشعور بفقد القوة، فالأعضاء المشاركين في المنظمة أقل شعورا بفقد القوة بالمقارنة بالأعضاء غير المشاركين.

4-4/-التكوين المهني: إن دخول فترات تكوينية من حين لآخر، وبعث العمال إلى المؤسسات الصناعية في الدول الصناعية الكبرى، يساعد على التكيف التكنولوجي واستفادة العمال من تسيير المؤسسات العمالية المحلية، فقد قدمت نتائج بعض الدراسات أن هناك فرق جوهري بين ذوي المؤهل الجامعي الأقل شعورا بالاغتراب المهني من ذوي المؤهل المتوسط.

4-5/-تحسين بيئة العمل: إن تحسين بيئة العامل من توفير فترات للراحة وتحسين وتكييف الجو والتخفيف من حدة الظروف السيئة من شأنه إزالة الاغتراب المهني، كما أن إحداث بعض التغييرات في بيئة العمل من حين لآخر، يجعل العامل لا يمل من بيئة العمل.

4-6/المساعدات المالية: إن تقديم بعض القروض للعمال من أجل حل المشاكل الأسرية ومساعدتهم على حل مختلف المشاكل وهذا لإعادة الاعتبار للعامل بأنه يتمتع بثقة الإدارة واهتمام المشرفين وهذا يدل على تحسين جو العمل.

4-7/-توفير روح المبادرة حيث أن ذلك زيادة على رفع القدرات المبذولة لخدمة مصالح العامل والمؤسسة من شأنه الإسهام في التنمية الوطنية ويستفيد العامل بالالتزام الإنتاجي والتنظيمي.

4-8/-تقوية علاقات العامل: وتتضمن النقاط التالية:

تقوية علاقة العامل بالمؤسسة: وذلك من خلال إنشاء وحدة للبحوث النفسية والاجتماعية والتي من بين أهدافها دراسة مشكلات العاملين والوقوف على المصادر الخاصة بها، ودراسة هذه المتغيرات يمكن أن يساعد على وضع الحلول الوقائية والعلاجية لمشكلات العاملين والعمل على تقوية عوامل الرضا والإرضاء لديهم.

خلق الانسجام بين العامل وعمله، ويتم ذلك من خلال عدة اعتبارات منها أن تكون العلاقة بين الرئيس والمرؤوس قائمة على الاحترام المتبادل وأن يكون قوامها الود والدفء وأن يكون للعمال حضور وتمثيل قوي في مجلس الإدارة والنقابة حتى يشعرون بدواتهم وبقوى انتمائهم للعمل.

تقوية علاقة العامل بزملائه، وتعتمد علاقة العامل بزملائه على اعتبارين رئيسيين هما التعاون والمنافسة فضلا عن إثراء الحياة الاجتماعية داخل المؤسسة الإنتاجية ولن يتم ذلك إلا من خلال تعددية الأنشطة وإثرائها بالقيام بالرحلات والحفلات والمسابقات.

4-9/-تقبل العامل لمهنته: لن يتقبل العامل المهنة إلا إذا اختار العمل الذي يناسب قدراته ويتوافق وميولاته واستعداداته وكذلك سماته الشخصية وهذا ما يؤدي بشعوره بالرضا عن عمله.[17]

خاتمة:

يعتبر الاغتراب الوظيفي أحد الظواهر الاجتماعية الأكثر انتشار في بيئة عمل مختلف المؤسسات تلك المتعلق بالموارد البشرية والمؤسسة وما يترتب عليه من آثار سلبية على المجتمع ونظرا لما يفرزه من مخاطر جمة، وما خلقه لدى الفرد عن طريق ما يمثله من شعور بالعزلة وفقدان المعايير والإحساس بالعجز والشعور بالقلق المستمر والتشاؤم وحالة اليأس التي قادت كلها إلى الاغتراب بالرغم من كثرة الناس المحيطين بالفرد، كل ذلك أدى إلى الاهتمام بظاهرة الاغتراب في مختلف التنظيمات والتي تهدد الموارد البشرية التي تشكل رأسمال المنظمة البشري والفكري، واستنادا إلى النظريات المفسرة لهذه الظاهرة من خلال التوصل إلى استراتيجيات التعامل مع هذه الظاهرة على ضرورة الاهتمام ببيئة العمل من حيث إحقاق نظام حوافز فعال وعادل، وإتباع مبدأ الشفافية في الإعلان عن تلك الحوافز سواء كانت مادية او معنوية من خلال التركيز على دور الفرد، من خلال تمكينه مما يعطيه سقفا من الحرية لتحمل المسؤولية مما يشعره بقيمته وفاعليته في تلك المؤسسة و ذلك يساعد في التقليل من هذه الظاهرة الاجتماعية التي تهدد موظفين في مختلف المؤسسات.

قائمة المراجع :

باللغة العربية

  • جلال إسماعيل شبات، الاغتراب الوظيفي وعلاقته بالمتغيرات الشخصية في الجامعات الفلسطينية دراسة حالة، جامعة القدس المفتوحة، جامعة القدس المفتوحة، فلسطين، 2012.
  • خضير، نعمة عباس، النعيمي، عدنان تايه والنعيمي، فلاح تايه، البيروقراطية والاغتراب التنظيمي: دراسة تطبيقية في منظمات خدميه، مجلة كلية الإدارة والاقتصاد، جامعة بغداد، 1998.
  • بحري صابر،” الإجهاد المهني وعلاقته بالاغتراب المهني لدى الأطباء العامون العاملون بالمستشفيات العمومية، رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير، جامعة قسنطينة، الجزائر، 2009.
  • رنا ناصر صبر، أثر مصادر ضغوط العمل في مستوى الشعور بالاغتراب الوظيفي، مجلة كلية بغداد للعلوم الاقتصادية الجامعة”، ع37، 2013.
  • منصور بن الزاهي، الشعور بالاغتراب الوظيفي وعلاقته بالدافعية لدى الإطارات الوسطى لقطاع المحروقات، أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة قسنطينة، الجزائر2007.
  • شعيل بن بغيث المطرفي، الاغتراب وعلاقته بالأداء: دراسة مسحية على العاملين بالإدارة جوازات منطقة مكة المكرمة رسالة مقدمة لاستكمال متطلبات ماجستير في العلوم الإدارية جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية”، الرياض، الممكلة العربية السعودية، 2005.
  • زوليخة طوطاوي، الجو التنظيمي السائد في الجامعة الجزائرية وعلاقته برضا الأساتذة، وأدائهم، أطروحة ماجستير غير منشورة، جامعة الجزائر، 1993.

المراجع الأجنبية :

1- Barakat Halim” Alienation a process of encounter between utopia and reality” Brit J.socialvol 20. 1969.

[1] – Barakat Halim” Alienation a process of encounter between utopia and reality.” Brit J.socialvol 20. 1969.P02.

[2]- جلال إسماعيل شبات، الاغتراب الوظيفي وعلاقته بالمتغيرات الشخصية في الجامعات الفلسطينية دراسة حالة، جامعة القدس المفتوحة، جامعة القدس المفتوحة، فلسطين، 2012، ص4.

[3]- نفس المرجع، ص4.

[4]- خضير، نعمة عباس، النعيمي، عدنان تايه والنعيمي، فلاح تايه، البيروقراطية والاغتراب التنظيمي: دراسة تطبيقية في منظمات خدماتية، مجلة كلية الإدارة والاقتصاد، جامعة بغداد، 1998.

[5]- بحري صابر، الإجهاد المهني وعلاقته بالاغتراب المهني لدى الأطباء العامون العاملون بالمستشفيات العمومية، دراسة ميدانية مقدمة لنيل شهادة الماجستير، جامعة قسنطينة، الجزائر، 2009.

[6]-رنا ناصر صبر، أثر مصادر ضغوط العمل في مستوى الشعور بالاغتراب الوظيفي، مجلة كلية بغداد للعلوم الاقتصادية الجامعة” ع37،  2013، 243-263، ص 251.

[7]- شعيل بن بغيث المطرفي، الاغتراب وعلاقته بالأداء: دراسة مسحية على العاملين بالإدارة جوازات منطقة مكة المكرمة رسالة مقدمة لاستكمال متطلبات ماجستير في العلوم الإدارية جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، المملكة العربية السعودية، 2005، ص17.

[8] – شعيل بن بغيث المطرفي، المرجع السابق، ص18.

[9] -المرجع نفسه.

[10] – زوليخة طوطاوي، الجو التنظيمي السائد في الجامعة الجزائرية وعلاقته برضا الأساتذة، وأدائهم، أطروحة ماجستير غير منشورة، جامعة الجزائر، 1993.

[11] – جديدي زوليخة، المرجع السابق، ص، 357-359.

[12]- جديدي زوليخة، المرجع نفسه.

[13]- منصور بن الزاهي، الشعور بالاغتراب الوظيفي وعلاقته بالدافعية لدى الإطارات الوسطى لقطاع المحروقات”، أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة قسنطينة، الجزائر، 2007.

[14]- منصور بن زاهي، تاوريريت نور الدين، المرجع نفسه.

[15]- منصور بن زاهي. تاوريريت نور الدين، المرجع نفسه.”

[16]- بحري صابر، المرجع السابق، ص112-114.

[17]- بحري صابر، المرجع نفسه.
Updated: 2018-03-26 — 21:03

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme