آلية التماثل ودورها في بناء متخيل الجسد في الثقافة العربية “شجرة الكون” لابن عربي نموذجا The mechanism of analogy and its role in building the imaginary of the body in Arabic culture : The “tree of the universe“of Ibn Arabi as a model


 

آلية التماثل ودورها في بناء متخيل الجسد في الثقافة العربية “شجرة الكون” لابن عربي نموذجا

The mechanism of analogy and its role in building the imaginary of the body in Arabic culture : The “tree of the universe“of Ibn Arabi as a model

الطيب هلو – جامعة محمد الأول، وجدة، المملكة المغربية

Tayeb Hallou – Mohammed I University – Oujda – Morocco

 مقال نشر في مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 60 الصفحة 129.

     

Abstract

The purpose of this article was to introduce the concept of analogy, as a mechanism adopted by the mind to understand topics at hand through topics of previous knowledge. First, we have attempted to approximate this concept in theory, and then through an applied analysis of a model text for further clarification, this applied model has focused on a “sufi text” excerpt from the book “tree of the universe” by Ibn Aarabi.

We have concluded, at the end of this article, that Ibn Arabi has used the mechanism of analogy to highlight the image of the metaphysical world and the image of the universe by investing his knowledge of the body and his experience in it, through his ability to establish analogy between all elements of the two worlds.

Key words: The mechanism of analogy –  the imaginary of the body  – Ibn Arabi

 

الملخص

كان الهدف من هذه المقالة هو تقديم مفهوم المماثلة، باعتباره آلية يعتمدها الذهن في فهم الموضوعات المطروحة أمامه من خلال موضوعات يمتلك معرفة سابقة بشأنها. وقد حاولنا تقريب هذا المفهوم نظريا، أولا، ثم من خلال تحليل تطبيقي لنص نموذجي قصد توضيح هذا المفهوم بشكل أكبر، وهذا النموذج التطبيقي انصب على نص صوفي مقتبس من كتاب “شجرة الكون” لمحيي الدين بن عربي.

وقد خلصنا، في نهاية المقالة، إلى أن ابن عربي قد وظف آلية التماثل توظيفا جيدا في سعيه لإبراز صورة العالم الغيبي وصورة الكون من خلال استثمار معرفته بالجسد وخبرته به، من خلال قدرته على إقامة التماثل بين كافة عناصر العالمين، حيث طابق بينهما مطابقة تامة، فذكر المطابقات الواضحة وترك ثقوبا داخل الخطاب كي يملأها المتلقي من خلال قياس الغائب على الشاهد للوصول إلى المطابقة التامة.

الكلمات المفاتيح: آلية المماثلة، متخيل الجسد، ابن عربي.

 

توطئة:

يعدّ متخيّل الجسد، بمعناه الكلي، مفهوما مركزيا داخل تصور ابن عربي الصوفي والفلسفي، حيث يمكن لقارئ “فتوحاته المكية” و”فصوص حكمه” وجل رسائله أن يكتشف قدر الاحتفاء الأكبر بالجسد واستعاراته وطرق توظيفه في تنظيم العلاقات داخل الكون، مما يتيح إمكانية تفنيد الفكرة السائدة عن أن المتصوفة يعلون من شأن الروح على حساب الجسد، ويمنح دراستنا الجدة ومشروعية خوض هذه المغامرة المعرفية.

وبقدر ما يمنح البحث في متخيل الجسد من متع، فإنه لا يخلو من صعوبات، يمكن رد بعضها إلى ما أشرنا إليه من وجود تصورات مسبقة عن الخطاب الصوفي ترى أنه خطاب يعلي من شأن الروح على حساب الجسد الذي يعاني من النبذ والإقصاء والتحقير. وقد حالت هذه الفكرة القبلية دون قيام دراسات جادة عن الجسد في الخطاب الصوفي، كما يمكن رد صعوبات أخرى إلى استراتيجية الكتابة عند ابن عربي حيث نجده يعمد إلى تشتيت المادة المعرفية في ثنايا فصول كتبه وأبوابها، كما تتوزع هذه المادة بين كتب عديدة، مما يصعّب من مهمة الباحث في تناول أي موضوع من الموضوعات التي يعالجها، ويفرض عليه القيام بعملية استقراء وتجميع لتلك المادة.

نشير أيضا إلى أن دال “الجسد” عند ابن عربي يرتبط بدوال أخرى، كالصورة والهيكل والجسم والبدن وغيرها، فتكون مرادفة له أحيانا، وتكون مستقلة عنه دلاليا أحيانا أخرى، حسب سياق القول، لكن ما يمكن قوله في هذا الصدد أن ابن عربي دقيق في استخدام هذه الدوال للتعبير عن مدلولاتها، وأنه خاضع للمعاني المعجمية واستعمالاتها. فالجسم هو الصورة الخارجية للشيء، وهو لفظ عام لكل المخلوقات التي لها تمظهر خارجي، في حين يكون الجسد دالا على جسم الإنسان فقط.

نضيف إلى ما سبق أن حضور مفهوم الجسد عند ابن عربي يستمد خصوصيته ومركزيته من كونه مجالا لتوليد الاستعارات وتناسلها، فتنوع أعضائه شكلا ومادة يسمح بتوليد استعارات عديدة، إذ كل عضو منه يشكّل مفهوما جوهريا يوظَّف قصد توليد استعارات جزئية كثيرة تغذي الاستعارات الكبرى وتقويها، كما أنه عنصر يستمد الخصوبة الضرورية لذلك من حركيته اللامحدودة ومن تفاعله مع العالم، بما يمنح الكون نوعا من الانسجام والتناغم، ويمنح الجسد العناصر التي تجعل منه وسيلة إدراكية وتفسيرية لتفاعل عناصر الكون وطريقة لفهم العلاقات القائمة بينها.

وإذا كنا قد قررنا أن الجسد عند ابن عربي جسد متخيل فإننا نؤسس للقول باستحالة اعتباره جسدا واقعيا يمكن التعبير عنه وإدراكه بشكل مباشر، وإنما هو جسد استعاري يتخذ التعبير عنه أشكالا مراوغة وغير مباشرة، وبالتالي فالتعبير عنه محكوم بمجموعة من القوانين الخاصة والآليات التي تمكّنه من التحقق والظهور على هذه الصورة أو تلك. ولا شك أن هذه الآليات كثيرة ومتعددة، حسب نمط النص المتضمن الحديثَ عن الجسد، وحسب وظيفته المتعلقة بالمتلقي المفترض، كما أن بعض هذه الآليات أكثر شيوعا وحضورا في التعبير عن الجسد من غيرها.

وبما أن ابن عربي انبرى للحديث عن جسد متخيل فإنه وظف كل الآليات الممكنة لتجلية سمات الجسد، ومنها آلية التماثل وآلية التمثيل وآلية التجانس الصوتي وآلية الاستقراء وغيرها. ونظرا للحجم المقدر لهذه المقالة ارتأينا الاقتصار على كشف اشتغال آلية واحدة في بناء متخيل الجسد عند ابن عربي، ألا وهي آلية التماثل، وتأجيل الحديث عن بقية الآليات إلى دراسات لاحقة.

  1. مفهوم آلية التماثل ومركزيتها في بناء متخيل الجسد في الثقافة العربية:

يعتمد الذهن البشري على مجموعة من الآليات لإدراك الموضوعات والأشياء. ومن تلك الآليات التي يوظفها الذهن لهذا الإدراك آلية التماثل (l’analogie)، أو الأنموذج، أو المشابهة، أو المطابقة، بين عالمين منفصلين واقعا ومستقلين عقلا، كما بين عالم الجسد وعالم آخر، كالطبيعة مثلا، ذلك أن «مفاهيم المضاهاة والمطابقة والمناسبة والمناظرة والمقايسة والمماثلة (تستعمل) للربط بين العوالم والأكوان. هذه المفاهيم وظفها بعض البشر الممتازون لإيجاد العلائق بين الموجودات المدركة بالحواس والأذهان والتعرف على درجات كل موجود ومرتبته، وعلى مدى مقبوليته للعروج والتنزل.»[1]

يعتبر التماثل آلية لتقريب صورة عالم أو موضوع إلى الذهن من خلال عالم أو موضوع آخر، كما أنه يعد آلية تفسيرية عند كافة الحضارات، حيث «إن التفسير عند اليونان لا يقوم إلا على التسليم بالتماثل بين الحالات في الحياة اليومية وفي الكون. وتأتي بداهة ذلك عندهم من المبدأ الميتافيزيقي الذي يقرر وجود تعاطف بين العالم الأصغر والعالم الأكبر. وسارت الفلسفة على نمط هذا التفسير.»[2]

وقد وظف أفلاطون هذه الآلية وبيّن أن اللجوء إليها يكون عندما نريد فهم شيء من أشياء الواقع، فلكي نفهم مثلا فن السياسة ندرس أولا فن النسيج قصد تفسير عالم السياسة استنادا إلى عالم النسيج، كما أن أرسطو سمى هذه الطريقة برهانا بالمثال، «وبين أنه لا ينطلق، مثل القياس، من الكلي إلى الجزئي، ولا كالاستقراء من الجزئي إلى الكلي، وإنما من الجزئي إلى الجزئي، ويرى أن العلم يستعمل هذا الاستدلال من حيث أنه مبدأ للاكتشاف، للبحث عن حلول في اتجاه ما.»[3]

إن آلية المماثلة تستضمر مسألة التجربة أو الخبرة أو المعرفة، إذ لا بد من معرفة قوية بالمجال الذي نريد أن نمثل به، وإلا كانت المماثلة مستعصية. كما أن المعارف المسبقة لدى أي باحث تحضر تلقائيا لمقاربة أي موضوع جديد فتمده بما يكفي من الجزئيات لإقامة هذا التماثل، لذلك ف«إن أي باحث مهما حاول أن يتجرد من مسبقاته ومعارفه حينما يبحث في موضوع ما فإنه لن يستطيع أن يكون صفحة بيضاء. ذلك أن معرفة المجهول بالمعلوم قانون إنساني عام، وقانون نفساني لا مدفع له ولا راد لسلطته.»[4]

إن جوهر فلسفة التماثل يقوم على مجموعة من المبادئ الأساسية «مثل مبدأ: كل شيء يماثل أو يشبه، أو يتصل، أو ينسجم مع كل شيء بجهة من الجهات لا من جميع الجهات، وعلى الأسس المنهاجية التي تحقق ذلك التماثل مثل تشغيل منطق الدرجات، أو المنطق المائع، أو المنطق المتداخل، ونظرية المجموعات.

وغايات تلك المبادئ وتلك المنهاجية هي إيضاح تماثل آليات التفكير البشري لتماثل بنياته الذهنية، وإيجاد علائق وصلات بين كل ما في الكون حتى تنتشر روح التعاون والتسامح والأخوة، وتقلل النزاعات العرقية، ويخفف التعصب الفكري والديني.»[5]

وبما أن مقالتنا تتخذ الجسد موضوعا لها وجبت الإشارة إلى أن الإنسان العربي، مثلا، كان ينظر إلى الجسد من خلال عوالم أخرى، ويصفه مستحضرا عوالم الطبيعة الجامدة أو المتحركة من حوله، حيث نجده يلجأ إلى الطبيعة لوصف الجسد، وذلك بما تمنحه إياه من عناصر تفيده في إجراء المماثلة وتقرب الموضوعات المدركات من الذهن، كما أن المماثلة تسمح بإقامة المبالغة تضخيما وتقزيما، ويمكن أن نرجع ذلك إلى الارتباط القوي بين الإنسان العربي والطبيعة البدوية المحيطة به إلى درجة إمكانية القول إن الإنسان العربي لم ير شيئا مستقلا عن بقية العناصر الموجودة في بيئته أو خارجا عنها، ومنها الجسد الذي كان يرى فيه أو في أحد أعضائه مماثلا لما يوجد في هذه الطبيعة، وبشكل خاص جسد المرأة الذي كان تشبه أعضاؤه بكل ما في الطبيعة من عناصر جامدة أو متحركة، فكان فرعا وكانت الطبيعة هي الأصل الذي يقاس عليه؛ «ومن ثم فإن الصفات الحسنة في المظاهر الطبيعية تضفي  على المرأة القسيمة الوسيمة الوضيئة أما النعوت الكريهة فإنها تغدو من نصيب المرأة القبيحة الذميمة.»[6]

إن معاشرة الإنسان العربي للناقة والفرس جعله ينظر إلى المرأة من خلال مماثلتها بهما، ومن ثم أسبغ عليها جل الصفات التي كانت تستهويه فيهما. ومن الدارسين الذين حاولوا الكشف عن هذه الظاهرة في الثقافة العربية خليل عبد الكريم الذي قام بجرد صفات الناقة المثالية ضخامة وقوة، وبيّن أن الغالبية العظمى من تلك الصفات نقلها الإنسان العربي إلى المرأة، معتبرا أنه من البداهة أن هذه المرأة في نظرهم هي الأنثى المثالية تماما مثلما أن الناقة التي تنعت بهذه النعوت هي الناقة المفضلة التي لا قبلها ولا بعدها. ويرى أن علة افتتان العربي بالمرأة الثدياء (عظيمة الثديين) هي تفضيله للناقة ذات الضروع العظيمة التي ترويه وتغذيه معا من لبنها الغزير الذي هو بالنسبة له ري من ظمأ وشبع من سغب.[7]

وبعد جرد معجمي طويل للألفاظ المشتركة بين الناقة والمرأة يخلص خليل عبد الكريم إلى أن الناقة هي الميزان الدقيق الذي يزن به العربي المرأة.[8]

إن ما سبق إيراده يكشف أن نظرة العربي «تأثرت كلية بمظاهر الطبيعة كافة حولهم حتى أنها انطبعت بها وحملت بصماتها عندما وجهوا باصرتهم نحو جسد المرأة أو تعاملوا معه»[9]، مما يكشف الذهنية الثقافية التي يصدر عنها وصف الجسد، ويعكس المستوى الحضاري الذي شكل الخلفية الأساسية لهذا التصوير، كما يبرز استعمالهم لآلية المماثلة لبيان تلك العلاقة بين الإنسان والطبيعة.

2 . توظيف آلية التماثل في بناء متخيل الجسد في “شجرة الكون” لابن عربي:

لا يشذ ابن عربي عن هذا المبدأ العقلي، حيث تعد آلية التماثل من أكثر الآليات التي وظفها في موضوعات كثيرة، وفي كافة مصنفاته، تأثرا بالفلسفة اليونانية، خاصة فلسفة أفلاطون وأرسطو اللذين وظفا هذه الآلية بشكل كبير.

وحتى نبرز اشتغال آلية التماثل في بناء ابن عربي لمتخيل الجسد سنكتفي بتحليل نص واحد ورد في “شجرة الكون” لأن تتبع توظيف هذه الآلية في مصنفات ابن عربي يمكن أن يستغرق بحوثا عديدة.

يقول ابن عربي في كتابه “شجرة الكون” ما يلي:

«وقولنا كوَّن الأكوان على هيئة رسمه.. لأن العالم عالمان: “عالم المَلك” و”عالم الملكوت”، فعالم الملك كعالم جسمانيته، وعالم الملكوت كعالم روحانيته، فكثيف العالم السفلي ككثيف جسمانيته، ولطيف العالم العلوي كلطيف روحانيته، فما في الأرض من الجبال التي جعلت في الأرض أوتادا، فهي بمنزلة جبال عظامه التي جعلت أوتاد جسمه. وما فيها من بحار مسجورة جارية وغير جارية، عذبة وغير عذبة فهي بمنزلة ما في جسده من دم جار في تيار العروق، وساكنٍ في اختلاف جداول الأعضاء، واختلاف أذواقها، فمنها ما هو عذب وهو ماء الريق، يطيب بعجينة المآكل والمشارب، ومنها ما هو مالح، وهو ماء العين، تحفظه شحمة العين، ومنها ما هو مر، وهو ماء الأذن، لصيانة الأذن من حيوان ودبيب يصل إليها فيقتله ذلك الماء.

ثم في أرض جسده ما ينبت كالأرض الجزر، والأرض السبخة التي لا تنبت ويستحيل النبت فيها، ثم لما كان في الأرض بحار عظيمة تتفرع منها أنهارا[10] وسواقٍ لنفع الناس بها، كذلك في أرض جسده عروق غلاظ كالوتين الذي يبث الدم، وتستمد منه العروق إلى سائر الجسد.»[11]

يكشف ابن عربي عن مبدأ التماثل من خلال التصريح المبدئي أن تكوين الأكوان مماثل لهيئة الرسم/ أي هيئة الجسد، ثم في التلميح إلى أن الجسد أصل سابق، وعلى منواله كوّن الكون لتصير النتيجة هي الحصول على عالمين متماثلين هما: عالم المَلك وعالم الملكوت. وقد حرص ابن عربي على تفاصيل هذا التماثل وجزئياته حتى يصل إلى المطابقة المطلقة بين العالمين، ذلك أن عالم الملك يماثل عالم جسمانيته، وعالم الملكوت يماثل عالم روحانيته، وكثيف العالم السفلي يماثل كثيف جسمانيته، كما يماثل لطيف العالم العلوي كلطيف روحانيته.

ويستمر ابن عربي في استعمال كافة عناصر المماثلة والمقايسة بين العالمين لتحقيق ما في ذهنه من تناظر بينهما، وإيجاد الروابط بين ما في العوالم والكون، بما يخدم فلسفته في وحدة الوجود. ويقوم هذا التماثل أحيانا بشكل متناسل يتولد بعض أجزائه عن بعض، بما ينسجم مع فكرة “الفيض” أو “العقل الكلي” الذي تنحدر منه الموجودات، ذلك أن فلسفة انتظام الكون هذه تتم وفق آلية التماثل التي «تسلم بوجود “شيء ما” تتوالد منه الموجودات، وإذ كانت هذه الموجودات تنتمي إلى “أب” واحد، فإن بينها تشابها واختلافا بالضرورة. وأما إذا افترضت وجود شيء من لا شيء فإنه يلزم وجود أشياء متباعدة، لكن لا بد من الوصل بينها حتى يمكن إيجاد سلسلة  رابطة ونسب جامع، وعليه فلابد من إنشاء فضاء للتشاكل والعلاقات لترتيب الموجودات والكائنات مهما كانت طبيعة  المسلمة المنطلق منها.»[12]

يقيم ابن عربي، إذن، تناظرا بين عالم الملك وعالم الملكوت ويقيم التماثلات بين كافة عناصرهما كما يبين الجدول:

عالم الملكوت عالم الملك
الجبال التي جعلت في الأرض أوتادا جبال عظامه التي جعلت أوتاد جسمه
بحار مسجورة جارية وغير جارية، عذبة وغير عذبة ما في جسده من دم جار في تيار العروق، وساكنٍ في اختلاف جداول الأعضاء
ما هو عذب من المياه ماء الريق
ما هو مالح من المياه ماء العين (الدموع)
ما هو مر من المياه ماء الأذن
الأرض الجزر التي تنبت أرض البدن التي تنجب
الأرض السبخة التي لا تنبت أرض البدن العقيم
البحار العظيمة التي تتفرع منها الأنهار والسواقي عروق غلاظ كالوتين الذي يبث الدم، وتستمد منه العروق إلى سائر الجسد

بعد هذا التماثل الذي يقيمه ابن عربي بين “جسد” الكون وجسد الإنسان ينتقل إلى مماثلات مركبة تجمع بين عناصر متعددة بهدف تقريب الصورة والمعنى، ومنها المماثلة بين العالم العلوي، وهو عالم السماء، وعالم الإنسان، فيرى أن الله جعل في عالم السماء «شمسا كالسراج يستضيء به أهل الأرض، كذلك جُعِلت الروح في الجسد يستضيء بها الجسد، فلو غابت بالموت لأظلم الجسد كظلمة الأرض إذا غابت عنها الشمس. [13]«

الروح، إذن، شمس وسراج بجامع النور والضياء، مع إيماء إلى أن الأصل في الجسد الظلمة، والروح سراجه وشمسه. وهذا ناتج عن تصور فلسفي يوناني يرى في الجسد سجنا أو قبرا مظلما والروح أسيرة مكبلة فيه.

ولأن التصور التماثلي والفلسفي الذي يؤسسه ابن عربي يقوم على الثنائيات الطبيعية المتلازمة في التصور الديني القاعدي، فإن ذكر الشمس يستدعي ذكر القمر. وإذا كانت الشمس تماثل الروح فإن القمر يماثل العقل، ذلك أن الله «جعل العقل بمنزلة القمر يستنير في فلك السماء.» [14] وبما أن القمر ليس مكتملا دائما كما هو الأمر بالنسبة للشمس فقد ربط ابن عربي بين شكله الذي يزيد تارة وينقص تارة أخرى، حسب أيام الشهر، «فابتداؤه صغير وهو هلال كابتداء عقل الصغير في صغره، ثم يزيد كزيادة القمر ليلة تمامه، ثم يبدو بعودته للنقص، فهو بمنزلة بلوغ الأجل إلى تمام الأربعين، ثم يعود في النقص في تركيبه وقوته.»[15]

لا يخفي  في هذه المماثلة الجزئية ما يستبطنه ابن عربي من تصور للإنسان والزمن، وهو تصور فلسفي يجعل عمر الإنسان كاليوم له شروق وغروب، أي كدورة الشمس، أو أنه كالشهر الذي يدل عليه الهلال، ولادةً واستواءً ثم انحدارا فأفولا، أي وفق دورة القمر.

هذه التفاصيل تمنح الإنسان صورة عن الكون من جهة، بالنظر إلى جسده، وصورة عن جسده بالنظر إلى الكون. فكما أن الروح شمس الجسد والعقل قمره، فالشمس روح الكون والقمر عقله.

ويستمر ابن عربي في إجراء التماثل بين الكون والإنسان بأقل شبه أحيانا أو بأدنى إيحاء، انطلاقا مما أوردنا سابقا من كون كل شيء يشبه، أو يتصل، أو ينسجم مع كل شيء بجهة من الجهات، لا من جميع الجهات، فيجعل الكواكب الخمس التي سماها «الخمس الخنس (الجواري الكنس) بمنزلة الحواس الخمس، وهي: الذوق والشم واللمس والسمع والبصر.»[16]

ولما كان التشابه غير قائم على تصور فلسفي، كسابقيه، ونظرا لصعوبة إبراز التطابق بين كل كوكب وحاسة من الحواس، لأنه ربط بين محسوس ومجرد، ولأن الحواس وسائل للإدراك وليست أعضاء ملموسة، فإن ابن عربي ارتهن للعدد ليجعل التطابق في حكم الممكن.

وإذا كان أرسطو، مثلا، يستعمل تمثيلات بيولوجية ليصف بها الكواكب أو السماء الأولى، «فقد قيل إن أرسطو، قبل الرواقيين، شبه العالم بكائن حي، معتبرا أن النشاط العملي للكواكب مثل النشاط الذي تقوم به الحيوانات والنباتات، وتكثر عنده التمثيلات الصناعية في البرهان على المحرك الأول. وهو يميل للوصول إلى الله الذي هو خارج العالم بالانطلاق من هذا العالم»[17] فإن ابن عربي يحاول، كذلك، توظيف آلية التماثل في إقامة علاقة بين الملأ الأعلى والإنسان، فيجعل صدر الإنسان مماثلا للكرسي لأن الصدر، من جهة، «وعاء الأسرار، أسراره، وكنانة أنواره، ومستودع ما في دائرة {وسع كرسيه السموات والأرض}»[18]، ومن جهة ثانية، «لأن فيه تحصيل العلوم الصادرة بمنزلة الساحة على باب القلب والنفس، يشرع منه بابان إليهما، فما صدر عن القلب من خير، أو عن النفس من شر، فهو محصل في الصدر، وعنه يصدر إلى الجوارح، وهو معنى قوله تعالى:{وحصل ما في الصدور}.»[19]

وحتى تكتمل الصورة لا بد من الحديث عن العرش، لأنه ملازم للكرسي في الملأ الأعلى. فإذا كان الصدر هو الكرسي اتساعا واستيعابا، فإن القلب يماثل العرش، فهو بمنزلته. وليس اختيار ابن عربي لهذا التماثل اعتباطيا، وإنما هو يصدر عن رؤيته الصوفية الفلسفية التي ترى أن الله يسكن قلب عبده المؤمن، وفق الحديث الذي يتداوله الصوفية ويردده ابن عربي كثيرا وهو (ما وسعتني سمواتي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن)، وهو ما يفسر قوله: «عرشه في السماء معروف، وعرشه في الأرض مسكون، لأن عرش القلوب أفضل من عرش السماء، ولأن ذلك العرش لا يسعه، ولا يحمله، ولا يدركه، وهذا عرش في كل حين ينظر إليه، ويتجلى عليه، وينزل من سماء كرمه إليه.»[20]

ويستمر ابن عربي في إجراء المطابقات باعتبارها حتمية لا محيد عنها، مرددا الصيغة الشرطية التالية: “ولما جعل… كذلك جعل…” فماثل بين الجنة والخير الساكن في سويداء قلب المؤمن، لأن قلب المؤمن «محل المشاهدة والتجلي والمناجاة والمنازلات ومنبع الأنوار.»[21] وماثل بين النفس وجهنم، إذ «النفس بمنزلة النار، لأنها منبع الشر، ومحل الوسواس، ورَبَعَ الشيطان، ومحل الظلمة.» [22]

واستكمالا للصورة، يماثل ابن عربي بين ثنائية اللوح والقلم وثنائية الصدر واللسان، فاللسان يطابق القلم والصدر يماثل اللوح «فما نطق به اللسان، رقمته الأذهان في ألواح الصدور، وما أرخته إرادة القلب إلى الصدر عبر عنه اللسان كالترجمان.» [23]

أما الحواس فهي بمثابة رسل القلب «يستنسخ ما حصل فيها، فالسمع رسول، وهو جاسوسه، والبصر رسول، وهو حارسه، واللسان رسول، وهو ترجمانه.» [24]

من خلال ما سبق، يمكن القول إن ابن عربي يحاول تقريب عالم مجرد لا يدرك بالحواس باستثمار كافة المعارف المتاحة لدى المتلقي التي ستمكنه من فهم ذلك المجرد، بدءا من جسده وانتهاء بالعوالم الكبرى، ذلك أن ابن عربي يحقق بذلك علاقات بين بنية أقل معرفة، هي الأفلاك وحركاتها والملأ الأعلى/ الغيب، بأسراره واستحالة إدراكه، وبين بنيات طبيعية ثقافية معروفة وممكنة الإدراك.

ولعل أقرب مدرك بالنسبة للإنسان هو جسده، لذلك نجد ابن عربي مقتنعا بأن تركيبة جسد الإنسان وعلاقته بالروح أكثر وسائل الله فاعلية في تقريب ذاته للإنسان، فيرى – تبعا لذلك – أن الله «جعل في الإنسان ما هو دلالة على الربوبية، وتصديق الرسالة المحمدية، وذلك الهيكل[25] الإنساني لمّا افتقر إلى مدبر وهو الروح، وكان مدبره واحدا، وكانت الروح غير مرئية، ولا مكيفة، ولا متحيزة في شيء من الجسد، ولا يتحرك شيء من الجسد إلا بشعورها به، وإرادتها له، لا يحس ولا يمس إلا بها، وكان ذلك كله دلالة على أن العوالم لا بد لهم من مدبر ومحرك، ويلزم منه أن يكون واحدا عالما بما يحدث في ملكه، قادرا على حدوثه، وأنه غير مكيف، ولا متمثل، ولا مرئي، ولا متحيز، ولا متبعِّض، ولا محسوس، ولا ملموس، ولا مقبوس، بل {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}.»[26]

من خلال هذا النص نكتشف أن ابن عربي يقيم تماثلا بين الله والروح. ومن أوجه الاشتراك التي يراها نذكر:

  • العالم مفتقر إلى مدبر كما أن الجسد (الهيكل الإنساني) مفتقر إليه.
  • يُفترض في مدبر الكون (أي الله) أن يكون واحدا، غير مرئي ولا مكيف ولا متحيز في شيء، كما أن الروح واحدة غير مرئية ولا مكيفة ولا متحيزة في الجسد.
  • يفترض أن لا يتحرك شيء في الكون إلا بشعور المدبر وأرادته ولا يدرك إلا بواسطتها، كما أن لا شيء يتحرك في الجسد إلا بشعور الروح وإرادتها ولا يحس ولا يمس إلا بها.
  • ما دام لمدبر الكون (الله) رسولان أحدهما ظاهر هو محمد رسول الله ﷺ، والثاني باطن هو جبريل، فكذلك كان للروح (مدبر هذا الهيكل الإنساني) «رسولان: باطن وظاهر، فالرسول الباطن هي الإرادة، بمنزلة جبريل يوحي إلى اللسان، واللسان يعبر عن الإرادة، وهو بمنزلة سيدنا محمد ﷺ.»[27]

وقد ساعدت إقامةُ هذا التماثل ابنَ عربي على تأكيد قدرة الله ووحدانيته، وعلمه بما يحدث في ملكه، وقدرته على إحداثه، وتنزهه عن الكيف والتحيز والتبعض والظهور للعيان والإدراك بالحواس.

لا شك أن حرص ابن عربي على تحقيق التماثل بين كافة العناصر والأركان أوقعه في بعض الأخطاء حيث قد يكون العنصر الواحد في مجال ما مطابقا لأكثر من عنصر في المجال المقابل، فالصدر يماثل الكرسي حينا ويماثل اللوح حينا آخر، والحواس الخمس تناظر الكواكب الخمس تارة وتكون بمثابة رسل القلب تارة أخرى.

خاتمة:

حاولنا في هذه الورقات تقديم مفهوم المماثلة باعتباره آلية من آليات الاستدلال، كما حاولنا تقريبه إلى المتلقي من خلال نموذج تطبيقي يساعد على توضيحه بشكل أكبر.

ويمكن أن نخلص إلى أن ابن عربي قد وظف هذه الآلية توظيفا جيدا في سعيه لإبراز صورة الجسد من خلال موضوع ما، أو للحديث عن موضوع ما من خلال الجسد. وفي الصيغتين معا يكون الجسد مركزيا لديه، فقد وظف ابن عربي الجسد في وصف المدن والممالك، كما قدمه من خلالها في عملية تبادلية غاية في الدقة، كما وظف خبرته الجسدية في بيان كيفية انتظام الكون والعالم العلوي ونظام ترتيبه، انطلاقا من مسلمة صوفية مفادها «أن العالم يحتوي على أكوان منتظمة مرتبطة مترابطة بمبادئ متعددة، وقد تحول بعض تلك المبادئ إلى نظريات، مثل نظرية العناصر الأربعة، ونظرية الطبائع الأربعة، ونظرية الاستحالة.»[28]

إن آلية التماثل التي يرسيها ابن عربي لبناء متخيل الجسد تبدو مهيمنة وواضحة المعالم، فهو يطابق بين العالمين مطابقة تامة، فيذكر النماذج الواضحة ويترك ثقوبا داخل الخطاب يملأها المتلقي عبر قياس الغائب على الشاهد للوصول إلى المطابقة التامة.

إن المنهج الذي يقترحه ابن عربي يجد تأصيله في أول مراحل الخلق الإنساني، ذلك أنه يرى أن آدم هو أول من نظر مثل هذا النظر عندما علمه الله الأسماء الحسنى، إذ «إنه عاين المسميات لكن على صورة ما وذلك أنه عاينها في نفسه من حيث أنه مجمع أسرار العالم، ونسخته الصغرى، وبرنامجه الجامع لفوائده.»[29]

حسبنا، في هذه المقالة، إضاءة مفهوم التماثل نظريا باعتباره آلية ذهنية تساعد على إدراك عالم من خلال آخر، وتقريبه تطبيقيا من خلال نص واحد، مما يساعد القراء على استيعابه وتوظيفه في فهم العوالم أو الموضوعات بعضها من خلال بعض، وتقديم جزء من تصور الخطاب الصوفي للجسد بقصد إزالة بعض التعتيم الذي يطول هذا الموضوع الهام.

لائحة المصادر والمراجع:

  1. ابن عربي، محيي الدين بن عربي، شجرة الكون، ضبطه وحققه وقدم له رياض العبد الله، دار القلم، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1405 ه 1985 م
  2. ابن عربي، محيي الدين، كتاب التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية، ضمن رسائل ابن عربي، تحقيق وتقديم سعيد عبد الفتاح، الجزء الثاني، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى 2016
  3. خليل، عبد الكريم، العرب والمرأة: حفرية في الإسطير المخيم، الانتشار العربي (بيروت ـ لندن) وسينا للنشر (القاهرة، مصر)، الطبعة الأولى 1998
  4. مفتاح، محمد، رؤيا التماثل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ـ المغرب، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى 2005
  5. وعزيز، الطاهر ، المناهج الفلسفية، المركز الثقافي العربي، بيروت ـ الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1990

 

 

[1] ـ مفتاح، محمد، رؤيا التماثل، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ـ المغرب، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى 2005

ص 21

[2]  ـ الطاهر وعزيز، المناهج الفلسفية، المركز الثقافي العربي، بيروت ـ الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1990، ص 54

[3]  ـ المرجع نفسه، ص 55

[4]  ـ محمد مفتاح، رؤيا التماثل، مرجع سابق، ص 144 ـ 145

[5]  ـ محمد مفتاح، رؤيا التماثل، المرجع السابق، ص 5

[6]  ـ خليل عبد الكريم، العرب والمرأة: حفرية في الإسطير المخيم، الانتشار العربي (بيروت ـ لندن) وسينا للنشر (القاهرة، مصر)، الطبعة الأولى 1998 ص 8 ـ 9

[7]  ـ المرجع نفسه، ص 37

[8]  ـ المرجع نفسه، ص 46

[9]  ـ المرجع نفسه، ص 10

[10]  ـ كذا وردت، والصواب أنهارٌ، بالرفع.

[11]  ـ محيي الدين بن عربي، شجرة الكون، ضبطه وحققه وقدم له رياض العبد الله، دار القلم، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1405 ه 1985 م، ص 65 – 66

[12]  ـ محمد مفتاح، رؤيا التماثل، مرجع سابق، ص 16

[13]  ـ ابن عربي، شجرة الكون، صدر سابق، ص 66

[14]  ـ ابن عربي، شجرة الكون، مصدر سابق، ص 66

[15]  ـ المصدر نفسه

[16]  ـ المصدر السابق ص 66

[17] ـ الطاهر وعزيز، مرجع سابق، ص 56

[18]  ـ شجرة الكون، مصدر سابق، ص 67

[19]  ـ المصدر نفسه

[20]  ـ المصدر نفسه، ص 68

[21]  ـ المصدر نفسه، ص 68 ـ 69

[22]  ـ المصدر نفسه، ـ 69

[23]  ـ المصدر نفسه، ص 70

[24]  ـ المصدر نفسه

[25]  ـ يستعمل ابن عربي مصطلح الهيكل مرادفا للجسد. وهو مصطلح متداول في الفلسفة الإشراقية، كما نجده هند السهروردي في “هياكل النور” والحلاج في ديوانه.

[26]  ـ ابن عربي، شجرة الكون، مصدر سابق، ص 70

[27]  ـ المصدر نفسه، ص 71

[28]  ـ محمد مفتاح، رؤيا التماثل، مرجع سابق، ص 5

[29] ـ محيي الدين بن عربي، كتاب التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية، ضمن رسائل ابن عربي، تحقيق وتقديم سعيد عبد الفتاح، الجزء الثاني، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، مصر،  الطبعة الأولى 2016، ص 314


Updated: 2020-04-26 — 17:59
JiL Scientific Research Center © Frontier Theme