آليات تلقي شروح ديوان المتنبي شرح مشكل أبيات المتنبي لابن سيدة أنموذجاً


 

آليات تلقي شروح ديوان المتنبي

شرح مشكل أبيات المتنبي لابن سيدة أنموذجاً

الدكتور محمد بوسعيد، جامعة محمد بوضياف/ المسيلة/الجزائر

مقال نشر في مجلة جيل الدراسات الادبية والفكرية العدد 45 الصفحة 25.

       الملخص:

   يسعى هذا البحث إلى إبراز عناية الشراح بديوان المتنبي، وتجلية ما انطوى عليه من غموض دلالي وجمالي، وتحديد آليات شرحه، متخذاً من شرح مشكل أبيات المتنبي لابن سيدة الأندلسي أنموذجاً، على ضوء الانفتاح على نظرية القراءة والتلقي وما تقترحه من حوار ومحايثة بين النص والقارئ. وسيحاول هذا البحث تفحص مــتن شرح ديوان المتنبي واستخلاص مكوناته المعجمية والنحوية والبلاغية والدلالية، التي يُعوَّل عليها في كشف المعنى وتجلياته، فإلى أي حد أسهمت هذه الحقول في إيضاح متن الشرح الذي يعد نصاً ثانياً للنص الأصلي(نص المتنبي) الذي يبقى  مفتوحاً للقراءة؟

   الكلمات المفتاحية:آليات الشرح، المتنبي، ابن سيدة، الانفتاح الدلالي، التشكيل اللغوي والدلالي

      مقدمة:

     يمثل شرح الشعر بموصفاته الدلالية والمعرفية والجمالية اتجاهاً بارزاً في تراثنا النقدي، حتى غـــدا مـــع مرور الزمن من أهم الفنون الأدبية المتميّزة. والفكرة الأساسية لهذه الدراسة محاولة تأسيس قراءة جديدة لمقاربة عوالم شرح الشعر، متخذاً من شرح مشكل أبيات المتنبي لابن سيدة الأندلسي أنموذجاً، على ضوء نظريات القراءة والتلقي، لأن شراح المتنبي لم يؤلفوا شروحهم لغرض تعليمي فحسب، بل أبدعـــوا نصاً موازياً يتواشج مع الأدب، ولا يقل عنه متعة وفائدة، ممّا يستوجب إثراء فعل القراءة لهذا الفن. وقد اقتضت طبيعة الدراسة أن نستهدي بالمنهج التاريخي الوصفي التحليلي لتأصيل ظاهرة شرح شعر المتنبي لدى ابن سيدة، وإبراز خصائصها اللغوية والأدبية والفنية.

 أولاً:الانفتاح الدلالي في شعر المتنبي

   ينبغي أولا أن نشير إلى أن نص المتنبي ببنيته العميقة يمثل فضاء دلالياً مفتوحاً على تعدد القراءات ، بحمولاته المتباينة، لأن الشاعر كرّس سلطة النص ومركزيته في الإبداع الشعري بصراحة، منذ أن شكل صدمة شعرية تشي بتعالي نصه على القراء، وفاجأهم بما هو غير متوقع بقوله:

أَنامُ مِلءَ جُفوني عَنْ شَوارِدِها     وَيَسْهُر الخَلْقُ جَرَّاها وَيخْتَصِمُ(1)

وقوله:

أُراكِضُ مُعْوِصاتِ الشِّعْرِ قَسْراً     فَاَقْتُلُها وَغَيْرِي في الطِّرَادِ(2)

   وهذا إشارة من المتنبي إلى أن شعره سيبلغ الآفاق,وسيظلُ فضاءً دلالياً مفتوحاً، يستثير القراء ويمنحهم مزايا قرائيـــة متعددة كلما أمْعَنوا فيه النظر،ويضعهم أمامَ توقعات وآفاق انتظار تصنعها كل قراءة جديدة، لأن الفضاء الشعري عنده يتشكّل من ظواهر نصية معقّدة لا تبوح بأسرارها ومدلولاتها بسهولة.وربما هذا ما جعل ديوانه قبلة للشراح والمفسرين، إذ لم يظفر ديوان شعر في العربية في عصره وبعد عصره باهتمام الشراح والمفسرين كديوانه، فقد كثرت حوله الشروح والحواشي والتعليقات والمآخذ،وهذا دليل على سلطة

نصه ومركزيته، وانفتاحه الدلالي، فلا يشتغل” النّص إذاً إلاّ حين ينفتح دلالياً…فيمنح نفسه للقارئ من

منافذ متعددة، دون أن يكون ثمّة باب رئيس تفضي إليه”(1)

   وتنتزع شروح ديوان المتنبي حقَّها في الحضور ِكواحدة من أهم مدونات النقد العربي، وتشكّل خطــاباً مرجعياً ضمن هذا الحقل يجسد حوار النصوص، واختلاف الشراح حيال معانيها”ففي الوقت الذي يرى فيه أحد الشارحين معنى ما في بيت من الأبيات، أو في قصيدة من القصائد، يتجه ذهن شـارح آخر للنّص نفسه وجهة أخرى تباين الاتجاه الذي ذهب إليه ذهن الشارح السابق، مع أن النص هو ذاته”(2)

   ولم يتوقف الأمر عند الشرح، بل تعداه إلى تصنيف كتب خصصت لنقد هذه الشروح والرد عليها ، وهو ما يندرج في سياق مصطلح نقد النقد.أي أنّ نَص المتنبي فرض سلطته على القراء، ونتج عن ذلك تفاعلاً بينه وبين متلقيه، بين مبدع يعد القارئ الأول، ومتلق يعد القارئ الثاني ” ويقودنا هذا التصور إلى نتيجة مفادها أنه ليست للعمل الأدبي دلالة جاهزة أو معنى ثابت مطلق ونهائي، إذ يظل منطوياً على إمكانيات دلالية تقتضي تحققها مساهمة القارئ ومحاورته للنص الذي يكتسب مع كل قراءة جديدة دلالة جديدة، وهذا ما دعا إليه رولان بارت”(3)

   وتعد العلاقة بين منتج النص ومتلقيه أساس القراءة عند فولفغانغ إيزر “إنّ الشيء الأساسي في قراءة أي عمل أدبي هو التفاعل بين بنيته ومتلقيه لهذا نبهت نظرية الفيوميولوجيا إلى أن دراسة العمــل الأدبي يجب أن تكون تهتم ليس فقط بالنص الفعلي، بل كذلك وبنفس الدرجة بالأفعال المرتبطة بالتجاوب مع ذات النص”(4)

   إن شروح ديوان المتنبي جسدت مبدأ تلقي نصه الشعري، وبينت مدى تفاعل القراء معه، وفق آليات تعدد القراءات،وهذا يضعنا في صلب نظرية التلقي وتفاعلاتها على مستوى الإجراء،وإن لم يكن للقدامى وعي بها نظرياً، فقد مارســوا أبجدياتها الأولى دون معرفة سابقة. فالشارح يعد قارئاً للنص حســـب نظرية القراءة والتلقي، ومؤولاً حسب نظرية الهرمنيوطيقا التي تبحث علاقة المفسر بالنـــص بحثاً عن المعنى الخفي .وهو في عملية القبـض على المعنى، يمارس فاعلية قرائية، بل التأويل بأبعاده المتقاربة والمتباعدة،ولا ننـسى أن التأويل يعد عند أسلافنا ضرباً من التفسير اللغوي “التأويل كان يدل في مراحله الأُولى على التفسير والبيان أي التركيز على المعنى اللغوي للمصطلح، وقد كانت العرب في معاجمها تعرف التفسير بأنه البيان والكشف والإظهار.لا فرق إذا عند السلف الأوائل بين التأويل والتفسير”(5)

  وشعر المتنبي يختزن دلالات متعددة، لم يُصرَح بها، ولم تفصح عنها البنية الظاهرة، فقد كان يتلاعب بالدلالة، ويميل إلى المرواغة..يستثير قارئه، ويبث فيه روح المغامرة، ويجعله يقوم بعملية حفر في طبقات النص لكشف الدلالة الغامضة أو المسكوت عنها، فقد نسج حول شعره ظلالاً من الحجب والتمويه، والصدمة غير المتوقعة، وجعل تراكيبه تخرج  بالانزياح الدلالي واللغوي عن المألوف” إنّه رجل الاختلاف والشوارد والخصومات لأنّه صاحب نص مختلف ومفتوح”(1)

   وهذه الأسباب وغيرها جعلت نصه محوراً للجدل والنقاش والخصومة، وكانت سبباً في تعدد شـروح ديوانه، وتباين وجهات نظر شراحه، وما تلك الشروح إلا متون جديدة حول المتن الأساسي. وكثرة هذه الشروح تفرض علينا الاختصار والاشتغال على شرح واحد، وهو شرح مشكل أبيات المتنبي لابن سيــدة الأندلسي تـ 458ه، ومحاولة جلاء ملامح  هذا المتن من خلال المتن الأصلي، أي نص المتنبي ذي البنية المفتوحة والذي هو ملتقى وعي الشاعر والقارئ”(2)

   وبنية النص المفتوح مؤشر على أنّ نصيته” تتقاسمها مناحٍ متعددة، وروافد متنوعة؛ إذ أنه يترجح بين: المرئي/ وغير المرئي، والداخل والخارج، والحاضر/ والغائب، والنص والسياق”(3). وهذه المؤشرات لها دور أساسي في عملية الاتصال بين النص والقارئ، وهو ما مثلته تجربة ابن سيدة في شرحه لأبيات المتنبي المشكلة التي أثارت بسبب ما يلفها من غموض أو إبهام جدلا واسعاً بين الشراح، وكانت سبباً في تباين وجهات نظرهم، واختلاف آرائهم، وكثرة شروحهم، لأنّ تتبع الشارح للمعنى لا يعني القبض على المعنى فحسب، بل يعني إنتاج المعنى من خلال الشرح والتفسير، أي إنتاج نص مواز للنص الأصلي.

   وتشغل مدونة الشروح فضاء رحباً في الحقل المعرفي، وتنم عما يتمتع بـــه الشارح مِنْ ذوقٍ أدبي رفيع ، وحس جمالي، جعل منها موضوعاً طريفاً، يغري القارئ بتتبع مناحيها الدلالية والجمالية والفلسفية، فهي ليست عملاً تجميعياً على نحو ما يقرره حسن حنفي”إنّ الشروح والملخصات ذاتها لم تكن مجردَ جمعِ مادة أو إسقاط أخرى،بل كانت محاولات فلسفية تزيد من نطاق التحليل الفعلي وبيان أسسها النظرية وهذا هو الشرح “(4)

   وإذا كانت متون الشروح تسعى إلى تفسير النص باعتباره يمثّل دالةً كلية أو نسقاً من العلامات، فإن مَهمّة الشارح الأساسية تكمن في تفكيك هذه العلامات لتحديد هوية النص ومقصديته، وتأهيل القارئ للولوج إلى عالم النّص، ومن ثَمَّ يكون الشرح  معبرَ القارئ إلى النّص، يَفتح معالمه المغلقة، على أن ذلك لا يعني أن وظيفة القارئ تقتصر على التلقي فحسب، وإنما يشارك هو الآخر في بناء المعنى من خــلال النشاط التفسيري الذي يقوم به.

   ومن كل ما سبق نخلص إلى أن مدونة ابن سيدة في شرح مشكل أبيات المتنبي تمثل حقلاً معرفياً

يرتكز على منظومة مفاهيمية يقترحها الشارح لفك الإشكال وشرح الغامض، قوامها التشكيل اللغـــوي والدلالي والبلاغي والنحوي، وحوار النصوص. وهذه أهم آليات الشرح التي يمكن تتبعها في مدونة ابن سيدة، وقبل استعراضها نتوقف أولاً عند منهج الشارح .

    منهج الشرح

   إن آليات الشرح السابقة تتقاسمها مدونة الشروح جميعاً، وتعزى في مفاهيمها ومنظومتها المصطلحية إلى أبي الفتح ابن جني ت392ه الذي أثار اهتمام الدارسين والنقاد، ومثَّلَ استراتيجيات الشرح الأُولى، وكان له الأثر البالغ في رسم إطارها الدلالي والجمالي، وتحديد آليات التواصل مع نص المتنبي.إنه أول مَنْ أسس القراءة الأولى لهذا الديوان ” أّوّل مَنْ فتح مغاليقها وأبان غموضها ويسّر فهم الناس لها”(1)، وفتح باب الردود والمآخذ على شرحه.

   يقوم منهج ابن سيدة على شرح الأبيات الغامضة أو التي أثارت إشكالاً بين نقاد المتنبي ومتلقي شعره، فيشرحها بيتاً بيتاً، مقدماً له بقوله:وله..وله أيضاً، متبعاً المنهج التاريخي في ترتيب مادة الشرح، فيبدأ بالقصائد التي نظمها المتنبي في صباه، منطلقاً من تشكيلات الألفاظ فيشرح الغامض منها، ثم يعرج على المعنى فَينْثره، ويقلّبه على عدّة أوجه إذا كان حمّال أوجه، ثم ينتقل إلى العناصر المحايثة والمجاورة للنّص المركزي التي تؤثر في عملية الاستجابة، لما تحمله من قرائن موجهة للقراءة، ومساعدة على فهم النص واستيعابه. فيناقش القضايا اللغوية والبلاغية والنحوية، مدعماً مقارباته بشواهد يحوج إليها سياق النّص، كالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وأشعار من مختلف العصور.

  التشكيل اللغوي

  يُشكِّل الشرح اللغوي اتجاهاً قاراً في شروح الشعر، ويمثِّل دوما نقطة انطلاق الشارح في تقصي المعــنى وتتبع خصائصه الدلالية ووحداته المعجمية،لأنّ “لكل كلمة معنىً معجميّاً، يمثل معناها الحقيقي، ومعنىً تاريخياً تكتسبه بفعل الاستعمال العُرفي، ومعنىً ظرفياً آنياً تكتسبه في سياقات خاصة وظروف محددة يعيشها المتكلم”(2)

  وانطلاقا من أهمية الكلمة فإنّ كل مَنْ رام شرح ديوان المتنبي من القدماء،كان ينطلق من الدلالة المعجمية المفردة ويتخذها مدخلاً لشرح البيت، لأنّ الكلمة المفردة هي النواة الصلبة التي نمر عبرها لتحديد المعنى “إنّ أوّلَ ما يستوقف الناظر في المؤلفات التي تعامل بها القدماء مع شعر المتنبي، إنما هو تلك العناية التي خصّ بها أصحابه ألفاظه المفردة: فليس في أولئك الشراح والنقاد الذين تعاقبوا على

تدارس هذا الديوان ونقده، مَنْ لم يتصد لألفاظه المفردة فيوسعها تفسيراً وانتقاداً، ويتخذها مدخلاً

للبتِّ في معاني أبياته وقيمتها”(1)

   وهذا طبيعي لأن المعنى المعجمي يُشكِّل المدخلَ الرئيس لتحليل النّص واستيعابه، ويظل فهمهُ متوقفاً على تفكيك الألفاظ المعجمية،التي هي أَوّل ما يحتك به متلقي النّص،فهي منبع الدلالة وأساس تَشكّلها في القصيدة، وإن كانت لا تقوم بهذه الوظيفة منفردة، بل باندماجها مع أجوارها من الكلمات لتشكيل حقول دلالية تضمن انسجام النص وتماسكه، لأن النّص يتألف مِنْ مضامين ورموز لكل منها معنى معجمي، ومعنى دلالي. وهذا ربما يبرز أهمية المظهر اللغوي الذي أصبح مِنْ أهم قوانين الشعر الحديث.

   وقد أدرك قدماء شراح المتنبي أهمية الألفاظ في إيضاح المعنى فَأَوْلوها عناية خاصة، تندرج في سياق اهتمامات العرب بلغتهِم، وحرصهم على سلامتها ونقائها”ففي أعمال ابن جني والمعري وابن فورّجة وابن سيدة والواحدي، ومَنْ إليهم من الشيوخ الأوائل، كان الكلام على اللفظ يتصدر كلامهم على أبيات أبي الطيب ويرد في وسطه وفي آخره دون أن تكون له فيها مرتبة ثابتة منهجياً. ثم إن هؤلاء الشراح الذين أسسوا لشعر أبي الطيب أشهر قراءاته وأسيرها، كانوا لا يقفون على الألفاظ المفردة إلاّ بذلك المقدار الذي يكشف عن دلالاتها أو قيمتها في البيت.وإذا كان البعض منهم قد سمح لنفسه، بين الحين والحين، بأن يبحر في صنوف المعاني الكائنة في حقول اللفظ الدلالية، فلأن الكلام كثيراً ما يستدعي الكلام، ولأن قضاياه، في الغالب، متلامسة ومتشابكة”(2)

 ويبدو أن ابن سيدة في تعامله مع ألفاظ المتنبي كغيره من الشراح كان ينطلق من اتجاهين أحدهما يمثل النزعة المعجمية تأثر بطريقة المعاجم العربية، والثاني نزعة فنية حاول أصحابها أن ينظروا إلى ما وراء اللفظ من أسرار جمالية لتعميق الدلالة(3)

  ا- الشرح المعجمي

  تركز المعجمية على المفردة كنواة لفهم النّ3ص، فالشارح يجد نفسه ملزماً بالعودة إلى المعجم لشرح بعض الكلمات العويصة، وفك غموضها. ويراد بالمعجمية”المعنى الذي نستقيه من المعجمات المختلفة، ويمثّل المعنى الوضعي الأصلي للفظ، الذي سُمي المعنى المركزي”(4).ومَنْ يتأمل مدونة الشروح، يلاحظ أن الشراح انطلقوا مـن الدلالة المعجمية في الْتماس المعنى، وكأنهم ينقلون من معجمات اللغة مباشرة ، فيشرحون  اللفظة بمرادفها، أو بضدها، أو بجملة. ولم يشذ ابن سيدة عن هذه القاعدة فكان ينطلق من المفردة المعجمية المُشَكِّلة لبناء النّص، ويتكئ عليها في شرح المعنى، فتارة يشرح الكلمة بمرادفها، وتارة بضدها، وأخرى بجملة، فهو يشتغل ضمن حقل المعجمية العربية التي شَكَّلت مرجعيتــه في اقتنــاص الدلالة، فتظهر الكلمة وكأنَّها منتزعة من سياقها.ولعل هذا يحيلنا إلى ما ذهب إليه”مولينو” و”تامين” في التمييز بين أربع علاقات أساسية تنسجم”مع الأنواع الأربعة التي حدد في ضوئها السلجماسي جنس المناسبة، وهذه العلاقات هي:

   أولاً: علاقة دلالية تنبني على أساس الترادف .

   ثانيا: علاقة دلالية تنبني على أساس التضاد.

   ثالثا: علاقة دلالية تنبني على أساس الارتباط الشرطي”(1)

   ومن أمثلة الشرح بالمترادف قول ابن سيدة في بيت المتنبي :

إذا أَضَلَ الهُمامُ مُهْجتَهُ     يوماً فَأطْرافهنَّ تَنْشُدُها

   نشدتُ الضالة: طلبتها، وأنشدتُها: عرَّفْتها..”(2)

   وقوله في شرح هذا البيت:

   وعجبتُ حتّى ما عجبتُ من الظُّبى     ورأيتُ حتّى ما رأيتُ من السَّنا

   الظُّبَى: السيوف. والسَّنا: الضوء..” (3)

   وقوله في شرح هذا البيت:

   لو عدا عنكِ غيرَ هجرِكِ بُعْدٌ     لأَرارَ الرَّسيمُ مُخَّ المَنَاقي

   عَدَا: صرف. وأرارَ: أذاب. والرسيم: ضرب من السير. والمناقي: الإبل السمان”(4)

   ويبد من خلال هذه الشواهد أن ابن سيدة يتكئ على المرادف لفك الالتباس أو الغموض في البيت ، ويربط الدلالة المعجمية بالسياق، ومن ثم يصبح المعجم عاملاً مهماً في حل الإشكال اللغوي، لأنّ الفرد حين يتكلم” يغترف من هذا المعين الصامت (المعجم) فيصير الكلمات ألفاظاً ويصوغها بحسب الأنظمة اللغوية فالمتكلم إذاً يحول الكلمات من وادي القوة إلى وادي الفعل”(5)

   ولا يكتفي ابن سيدة بالمرادف، بل يبحث أحياناً عن دلالة المشابهة”السرب:القطيع من الظباء والشاء والبقر، وعَني –هنا- النساء تشبيهاً لهن بالظباء والمَها”(6). وقوله: “عني بالقوافي الخيل، وخصّها بالذكر

لأنَّها أشرف ما في الشِّعْر” (7)

   وبالرغم من أهمية المرادف في الشرح، فإنّه لا يخلو مِنْ مزالق لأنّه قد يصعب التوافق بين لفظتين وأكثر كلياً، وربما تكون الفروق اللغوية غير واضحة، ولذلك احترز بعض علماء اللغة من الترادف(1)

   وكان الشرح بالضد من آليات شرح الشعر عند القدماء، كون بنية التضاد عنصراً من عناصر بناء النص الشعري، ومظهراً من مظاهره الأسلوبية، فالأشياء المتضادة “يوضح بعضُها بعضا، وبضدها تتمايز الأشياء، وقانون التضاد أحد قوانين التداعي والتقابل”(2). وتمثل بنية الأضداد خاصية مميِّزة تشد القارئ إلى النص الشعري، لأن طبيعة الشعر قائمة على التضاد والمغايرة. وقد تناول النقاد العرب التضاد تحت مسميات الطباق والمقابلة والمماثلة وغيرها، وربما كان عبد القاهر الجرجاني أكثرهم التفاتاً إلى أهمية هذه الفاعلية في الشعر”وهل تشك في أنه يعمل عمل السحر في تأليف المتباينين حتى يختصر لك بعد ما بين المشرق والمغرب، ويجمع ما بين المشئم والمعرق…ويريك التئام عين الأضداد، فيأتيك بالحياة بعد الموت مجموعين، والماء والنار مجتمعين، كما يقال في الممدوح وهو حياة لأوليائه، موت لأعدائه، ويجعل الشيء من جهة ماء، ومن جهة أخرى ناراً”(3)

   ولا ريب أن يتكئ ابن سيدة على فاعلية التضاد في شرحه لبعض ألفاظ المتنبي، لأنَّه يُعّد ضرباً من العلاقة بين المعاني، وربما كان أقرب إلى الذهن من أي علاقة أخرى، فذكر معنى من المعاني يستدعي ضده .قال في شرح بيت المتنبي:

   اخْتَرْتُ دهماءَتَيْنِ يا مَطَرُ    وَمَنْ لـه في الفضائل الخِيَرُ

   “… والفضيلة: الخصلة يستحق بها الفضل، وضدها الرذيلة” (4)

   وقوله في شرح هذا البيت:

  ابْعدْ بَعدتَ بياضاً لا بياض له     لأنتَ أَسودُ في عيني من الظُّلَمِ

   “…ابعد: أي اهلك، بعد الشيء بعداً: ضد قرب”(5)

   وقوله في شرح هذا البيت:

   ولا ليلةً قصَّرتُها بقَصُورة     أطالَتْ يدي في جيدها صُحبة العقدِ

   ” قصَّرتها: جعلتها قصيرة، أي: ضد الطويلة..” (6)

     وشعرية التضاد كمرجعية أسلوبية في اكتشاف قيم النص تشمل أيضا الصناعة البديعية التي تعني الجمع بين الشيء وضده، حيث يلتقي الضد مع ضده، ويحتفظ كل منهما بسياقه ومرشحاته، أو المعاني المتقابلة كالطباق والمقابلة، والتي كانت مِنْ آليات الشرح والتأويل والمقاربة، وإن ظل التعامل معها مقتصراً على حدود رصدها في البيت دون الالتفات إلى وظيفتها في تشكيل جمالية القصيدة كما شاع في النقد الحديث، إلاّ ما ندر.

     وقد وظف ابن سيدة بنية الطباق للكشف عن فاعلية المعنى كقوله في شرح هذا البيت:

     حَبَبْتُك قلبي قبل حبك من نأى     وقد كان غدّاراً فَكنْ لي وَافيَا

    “…ولو أسعده الوزن بأن يقول: وقد كان غادراً، ليطابق قوله:”وافياً” لكن أذهب في الصناعة وأدل على الاستطاعة” (1)

   أما المقابلة فأشار إليها في أكثر من موضع، وكان يستحسن ورودها في أشعار المتنبي تارة، ولا يوافقه في استعمالها تارة أخرى، ويرى أن الوزن قد صرفه عن استعمالها على الوجه الحسن ملتمساً له العذر. فمن الوجه الأول قوله في شرح البيت الآتي:

   غضُّ الشباب بعيدٌ فجرُ ليلتِهِ     مُجانبُ الجَفْن والوَسَنِ

  “… وما أحسن مقابلته للشباب بالفحشاء والسهر بالوسن، وكأنَّه قال: غَضُّ الشباب مجانب الطرف للفحشاء”(2)

  ومِن الوجه الثاني قوله في شرح هذا البيت:

  ومنافعُها ما ضَرَّ في نَفْع غيرها     تَغَذّى وتَرْوى أن تجوعَ وأن تظْما

  ” تغذى بالجوع وتَروى بالعطش، وكان وجه الصنعة لو استقام له الوزن أَنْ يقول: تشبع وتروى، ليقابل الجوع بالشبع كما قابل العطش بالري” (3)

   فابن سيدة في هذه النماذج يكشف عن شفافية تذوقه لهذه الفاعلية الأسلوبية التي هي ليست مجرد زخارف يلجأ إليها الشاعر لغرض الزينة، بل تعد فاعلية فنية تمنح الكلام جمالية الأداء، لاسيما إذا كانت فطرية بعيدة عن التكلف والتمحل.وما ينبغي التنبيه إليه أنّ الأضداد التي استند إليها ابن سيدة في الشرح لم تكن مقصودة لذاتها،وإنما كانت ترد في سياق شرحه للألفاظ الغريبة أو المستغلقة، لأن الثنائية الضدية  لا يصعب على الذهن كشف العلاقات بينها”الشرح بالضد أكثر منطقية من الشرح بالمرادف لأن معظم الألفاظ التي يكثر تداولها في الكلام لها أضداد معروفة”(4)

   أما الشرح بالجملة فمن أمثلته قوله في شرح هذا البيت :

   أحْيَيْتُها والدموع تنجدُني     شُؤونُها والظَّلامُ يُنْجِدها

   “أحييتها: يعني الليالي. تنجدني: تُعينني. والشؤون: مجاري الدمع، واحدها شأن أي : أحييت الليالي بالسهر والبكاء ” (1)

   وقوله في شرح هذا البيت:

   وقد طرقتُ فتاة الحيِّ مرتدياً    بصاحبٍ غَيْر عِزْهاةٍ ولا غَزِلِ

   “الفتاة:أنثى الفتى، كقولهم غلام وغلامة ورَجُل ورَجُلة. والطرق: الإتيان ليلاً…والعزهاة الماقت لحديث  النساء ومجالستهن”(2)

      وحين لا تفي اللفظة المعجمية بالمعنى يحاول الشارح ربطها بالسياق، لأنَّ ضَمَّ الألفاظ بعضها إلى بعض عن طريق المجاز والانزياح الدلالي يجعلها تجري على نسق خاص، قد لا يفي التفسير المعجمـــي بمدلولها الحقيقي، ولذلك لم يعتمد الشراح في هذه الحال على معاجم اللغة كثيراً، وفسروها حسب السياق حتى لا ينحرف المتلقي عن فهم مقصدية المبدع، وهذا ما نجده عند ابن سيدة في شرح لفظة” غيضت” في بيت المتنبي:

   فلا غيضَتْ بحارُكَ ياجَموماً    على عَلَل الغَرائب والدّخالِ

” والدِّخال: أَنْ تدخل بَعِيراً قد شرب بين بعيرين لم يشربا. والغرائب الإبل الواردة حياض غير أهلها فهي مدفوعة عنها ممنوعة دونها…وغيضتْ: نقضت…وفي التزيل:{وغِيضَ الماءُ}. والعلل الشرب الثاني من المنهل” (3)

    ومن الواضح أن القارئ قد يلتبس عليه الأمر وينحرف عن فهم الدلالة المقصودة، وهنا يتدخل الشارح فيوجهه نحو الدلالة المقصودة من خلال السياق النصي، فقد يتوهم أن لفظة “غيضت” من الغيض، أي الغضب، لكن الشارح يدفع هذا التوهم، ويثبت غيره أي نقصان الماء.

   وقد يزدادُ الأمرُ عسراً على المتلقي إذا كان للفظة أكثر من دلالة يقبلها السياق جميعا، لاسيما في الاستعمال المجازي الذي تنأى فيه اللفظة عن دلالاتها المعجمية، ويتسع نطاق حقلها الدلالي، نحو عبارة “الطالبين” في بيت المتنبي:

   يوسِّطه المفاوزَ كلَّ يومٍ     طِلابُ الطالبين لا الانتِظارُ

   قال ابن سيدة:”طلاب الطالبين كان الأحسن في الظاهر لو اتَّزنَ له أَنْ يقول:طلاب المطلوبين، ولكن هذا يتجه على ثلاثة أوجه:إِمَّا أنْ يكون عنى بالطالبين أعداءه الذين كانوا يطلبونه قبل وهم الآن مطلبون. وإمّا أن يكون عنى الطالبين للنجاة وهم هؤلاء المهزمون. وإمّا أَنْ يكون “الطالبين” بمعنى المطلوبين، فقد يجئ فاعل بمعنى مفعول كما يجئ عكس ذلك، فممّا جاء فاعل فيه بمعنى مفعول قول بشر بن أبي خازم:

   ذكرتُ بها سلمى فَبِتُّ كأنّني     ذكرتُ حبيباً فاقداً تحت مَرْمَسِ

أي: مفقودا

   وأما عكسه فنحو قوله تعالى:{إِنَّه ُكانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً}…” (1)

   فالشارح هنا لم يكتف بوجهٍ واحد، وإنما ذكر الأوجه كلّها، دون أَنْ يرجح وجهاً معينا، معتمداً على القرآن الكريم والشِّعر القديم للتدليل على صحة ما ذهب إليه.

   ب :شرح التراكيب

   وجه ابن سيدة عنايته نحو تراكيب المتنبي، لأنَّها أساس التفاضل في الأداء اللغوي، في تعطي الكلام صورته النهائية، وتحدد مكونات الجملة الصوتية والتأليفية لتشكيل دلالة معينة، لكنّه كغيره مِنَ الشراح لم يقف على جميع تراكيب المتنبي، وإنّما وقف عند بعضها، وكان الحذفُ مِنْ أهم التراكيب التي لفتتْ انتباهه،  لأنّه يدل على بلاغة الكلام، كما أَنَّ الجملة العربية لا تتأثر بالمحذوف إذا بقي في الكلام ما يدل عليه، وهو من الظواهر التي تختص العربية بها ” حذفت العرب الجملة، والمفردة، والحرف والحركة. وليس شيء من ذلك إلاّ عن دليل عليه”(2)

   ومن أمثلة الحذف التي توقف عندها حذف المفعول، وهو من ألطف الحذف في بيت المتنبي :

   لم تُسْمَ يا هارون إلاّ بعدما اقتــ     تَرَعَتْ ونازعت اسمَكَ الأسماءُ

   ” وتقديره:لم تُسْمَ هارون يا هارون فاكتفى من ذكر المفعول الثاني بقوله: “يا هارون”،لأن نداءه إياه به دليل على أنه اسمه. وهذا من أحسن الحذف” (3)

   ومن أنواع الحذف حذف المضاف، كما في قول المتنبي:

   إذا امتلأت عيون الخيل منّي     فويل للتَّيقظ والمنامِ

   قال ابن سيدة:” وأراد المتنبي : إذا امتلأت عيون فرسان الخيل، فحذف المضاف وأراد: فويل لها من التيقظ والمنام..”(4)

   ومن حذف الجملة قول المتنبي:

   فتىً يشتهي طولَ البلاد ووقْتِه     تضيقُ به أوقاتُه والمقاصِدُ

   قال ابن سيدة:”أي همته يقصر عنها الدهر، فهو يشتهي طول الدهر ليسع همّته، وجيشه عظيم تضيق عنه البلاد، فهو يشتهي أن تتسع البلاد وتطول لتحمل جمعه…وفي البيت حذف، وتمامه لو اتزن له: فتىً يشتهي طول البلاد لجيشه وسعة الأوقات لهمِّه، فهمه تضيق عنه الأوقات، وجيشه تضيق عنه البلاد”(1)

   ومن حذف الحرف قول المتنبي:

   أقَرَّ جِلدي بِها عَلَيَّ فَلاَ     أَقدِرُ حتّى الممات أَجْحَدُها

   قال ابن سيدة:”…أراد على أَنْ أجحدَها، فحذف “على”و”أن”ورفع الفعلَ لعدم العامل الذي كان ينصبُه وهو”أَنْ”، ونظيرُه قولُه تعالى,{قُلْ أَفَغيرَ اللهِ تَأْمُرونِي أَعْبُدُ}أي تأمروني أَنْ أعبدَ فحذف “أَنْ”ورفعَ الفعل. ولوكانت القطعة  مفتوحة الرويِّ لقال أجحدَها، فأَعْمَلَ أَنْ مُضْمَرةً إعْمَالها مظهرةً… ” (2)

   وكما تَخْتَصُ التراكيب بالحذف تختص أيضاً بالزيادة، والزيادة في المبنى زيادة في المعنى، حتى لا يبقى الإبداع منحصراً في دوائر مغلقة، فيعيش حياة السكون والجمود، وحين يتجاوز الشاعر المألوف تنفتح أمامه الآفاق، وتتعمق لديه الرؤية، وهذه حال المتنبي في تعامله مع اللغة، إذ كان يستغني عن بعض تراكيبها أو يزيد فيها ليفتح البنية على الاحتمال وتعدد الدلالة، وربما كان ابن سيدة يعي هذه الحقيقة، ولا يلومه حين يخالف المألوف. قال المتنبي:

   بِنْتُمُ عن العين القريحة فيكُمُ     وسكنتُمُ وَطَنَ الفؤادِ الوالِهِ

   وقال ابن سيدة”…كان يغني من ذلك أن يقول: وسكنتم الفؤاد، ولكنّه وطَّأَ بذكر الوطن صَنْعَة وتَسَبُّباً إلى حفظ إعراب القافية، وجعل الهاء الأصلية في “الوَالِهِ” صلة، لأن العرب تصل بها أصلا”(3)

   وقال أبو الطيب:

   لساني وعيني والفؤادُ وهمَّتي     أوُدُّ اللَّواتي ذا اسْمُها منكَ والشَّطرُ

   وقال ابن سيدة:”…لساني موافق للسانك يقول ما تقول، وعيني مطابقة لعينك تستحسن ما تستحسن، وفؤادي ملائماً لفؤادك يهوى ما يهواه، وهذه عمدة أعضاء الإنسان… وأمّا قوله”همَّتي” فزيادة، لأن الفؤاد محل الهمّة فهو يغني عنها”(4)

   وممّا تختص به التراكيب أيضاً التقديم والتأخير، أي تغيير رتب الكلام، وهو باب له محاسن كثيرة، تجعل الكلام أكثر تأثيراً في النفس، وقد تصرف المتنبي في بعض رتب ألفاظه، فغير مواقعها، جرياً على أساليب العرب، أو من أجل إحداث الغموض ومفاجأة المتلقي كقوله :

   أولى اللِّئام كُوَيْفيرٌ بمعذرةٍ     في كل لُؤْمٍ وبعض العذر تفنيدُ

   قال ابن سيدة:”…أراد: أولى اللّئام بمعذرة كويفير، لأن قوله:”بمعذرة”من تمام الاسم الذي هو أولى،

فكان ينبغي له أن لا يجئ بالخبر الذي هو” كويفير”إلاّ بع قوله:”بمعذرة” لتعلق الباء بأولى…”(1)

  وفي ضوء ما تقدم يتضح أن تراكيب المتنبي أثارت جدلاً واسعاً بين شراحه ونقاده، لما اتصف به من جرأة  على مغايرة سنن العرب، وعياً بأهمية المتغيرات الزمنية والاجتماعية والذوقية للمتلقي، ممّا أدى إلى ظهور تيارين متباينين حيال شعره حاور أحدهم  فنه وأعجب بقدرته الإبداعية ، وحاول الآخر نقضه، ومن التيار الأول أغلب شراحه من الأندلس الذين أجازوا له الإبداع في التراكيب توسعاً، ولم يطعنوا في ألفاظه وتراكيبه وإن بدا بعضها مبايناً لطرق العرب، عكس المشارقة .

  جـ : الشرح النحوي

   أولت الدراسات اللسانية الحديثة عناية لدراسة الجملة نحوياٌ، وقدمت مقاربات منهجية، انتقلت عبرها من نحو الجملة إلى نحو النص محاولة تحديد شبكات العلاقات الداخلية للنّص. ولم يغب عن شراح ديوان المتنبي دور الوظائف النحوية في تحديد الدلالة، بعدما تبين لهم أن بعض ما أشكل من ألفاظه له علاقــــة بالوظائف النحوية والصرفية “فإن ألفاظاً  كثيرة في شعر أبي الطيب لم تستبهم على الأذهان من أجل علاقتها بالدلالات التي وضعت لها، وإنما استبهمت من أجل الوظائف النحوية التي تضطلع بها في الكلام، ومن أجل الصيغ الصرفية التي جاءت عليها”(2)

   وبناء على هذا حاول شراح المتنبي فك ما في شعره من غموض استناداً إلى معاني النحو وأحكامه، لعلمهم أن الرجل على دراية واسعة بدقائق اللغة وأسرارها، ونظامها النحوي والصرفي. وقد وظف ابن

سيدة هذه الآلية لإزالة اللَّبس عن بعض معاني المتنبي، كما في هذا البيت :

   لا تَعذُلِ المرضَ الذي بكَ شائقٌ     أنت الرجالَ وشائقٌ عِلاّتِها

  وقال ابن سيدة ” لا تعذل مرضك لأنك تشوق الرجال وتشوق عللها، فـ”شائق” خبر مبتدأ مقدم و”أنت” مبتدأ، أي: أنت شائق الرجال وعللها، ولا يجوز أن يكون”شائق” مبتدأ و”أنت” فاعل بـ”شائق” لأن اسم الفاعل إنما يعمل عمل الفعل إذا كان على شيء قد عمل في الاسم قبله،أعني:كأن يكون خبراً لمبتدأ أو فاعلاً لفعل أو صفة لموصوف أو حالا ونحو ذلك، فأما أيكون يعمل عمل الفعل وهو مبتدأ فلا يجوز.ولو قلت: ضاربٌ زيداً تريد اضرب زيداً كان خطأ”(3)

   ولاحظ ابن سيدة أن المتنبي لم يحسن تأليف هذا البيت بسبب الفصل بين المبتدأ والخبر بأجنبي

   أنّى يكون أبا البريّة آدمٌ    وأبوك والثَّقلان أنت محمّد

      “…إنه لم يحسن تأليف البيت، ولم يوفق إقامة إعرابه، ألا تراه فصل بين المبتدأ والخبر بجملة أجنبية

في قوله:”وأبوك محمد والثقلان أنت محمد” وموضوع الكلام أبوك محمد والثقلان أنت”(1)

   وأشار ابن سيدة إلى تأنيث الفعل في البيت في قول المتنبي:

   تُفَدِّي أتَمُّ الطير عُمْراً سلاحَه     نُورُ المَلا أحداثُها والقَشاعِمُ

   ” وقال:”تفدي” فَأَنَّثَ الفعل وإن كان للـ”أَتَمٍّ”ـ والْأَتَّمُ مذكرــ حَمْلاً على المعنى، لِأَنَّ الأَتَمَّ هو النسور في الحقيقة، ونظيره قول بعض العرب: فلان لعوب جاءتْه كتابي فاحتقرها، أنَّثَ الكتاب لما كان في معنى الصحيفة،و”نسور الملا”بَدَلٌ من”أتمّ الطير”،و”أحداثها والقشاعم”بدل من النسور، وكلاهما بدل بيان”(2)

    د:شرح المعنى

   يدخل المعنى ضمن اهتمامات الشارح ويُشكِّل لديه غاية أساسية، لأنّه المحور الرئيس الذي تدور في فلكه جميع آليات الشرح ومكوناته اللغوية، من ألفاظ وتراكيب ونحو،إذ تتقاطع جميعاً في تحديد الدلالة، وتتعاضد لعقد الألفة بين النص والمتلقي،ولذا ينبغي أن يوجه القارئ نحو الطبيعة الدلالية للأدب، وأن التشكيل اللغوي بجمع مكوناته غايته كشف المعنى، وإزاحة أي غموض يحول بينه وبين المعنى الذي لا يكون الأدب عارياً منه، وعناية العرب بالألفاظ تأليفاً وتنظيراً مصروفة إلى خدمة المعاني كما يرى ابن جني” فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظها وحسنوها…فلا  تَرَيَنَّ أن العناية إذ ذاك إنما  هي بالألفاظ ، بل هي عندنا خدمة للمعاني”(3)

   وإذا كان كشف المعنى هو المقصود من الشرح، فكيف ظهرت تجلياته عند ابن سيدة في تعامله مع  شعر أبي الطيب؟ ينبغي التذكير أولاً أن ابن سيدة لم يشرح ديوان المتنبي كاملاً، وإنما شرح أبياته المُشكِلة، وأظهر قدرة عجيبة على استقصاء معانيها وتأويلها، مستعيناً بثقافته اللغوية والنحوية والفلسفية، فكان يتتبع أوجه المعنى المختلفة، ويناقش ما يتعلق به من قضايا لغوية ونحوية وصرفية، ولا يخلص إلى المعنى إلاّ بعد مناقشات طويلة، ولذا كان شرحه مزيجاً من اللغة والنحو والمنطق والفلسفة.وقبل أن يصل إلى تحديد الدلالة يمر ببعض الفواتح أو الملفوظات المحددة للسياق الذي يضع البيت الشعري ضمنه، باعتباره حدثاً كلامياً يرتبط بقرائن غير لسانية مؤثرة، أو ما هو غير لغــوي، تتصل بالنص كالتقديم للمعنى وذكر مناسبة القصيدة في أحيان قليلة.

   وقد اشتمل شرح ابن سيدة لأبيات المتنبي على مقدمات هيأت القارئ لتلقي المعنى، وأسهمت في تشكيل أفق التوقع لديه، إذ التقديم”يضطلع بوظيفة تنبيهية،إذ أنه يقدم سلسلة من العلامات والمُوجِّهات التي تسمح بإقامة فعل الإبلاغ وتوجيه التلقي “(3)

   وقد ورد التقديم عند ابن سيدة بصيغ متعددة، فلا يكاد يخلو منه بيت، ويأتي في الغالب مصدراً بأداة التفسير”أي”أو”يريد”أو”يقول”،وقد جاء على أوجه عدة، فتارة يرد على وجه واحد كقوله في هذا البيت:

   وفي الحرب حتّى ولو أراد تَأَخُّراً     لأَخّرهُ الطَّبعُ الكريمُ إلى القُدْمِ

   “أي: إنّ طبعه إتيانُ الفضائل وتنكب الرذائل…” (1)

   وقد يأتي على وجهين كقوله مقدماً لشرح هذا البيت:

   لَمْ يلقَ قبلك مَنْ إذا اشتجر القنا     جَعَلَ الطِّعانَ من الطِّعانِ مَلاذَا

   ” إن شئت قلت: معناه…وإن شئت قلت: معناه…” (2)

   وأحياناً يأتي على ثلاث أوجه كقوله في شرح بيت المتنبي :

   طِوالُ الرُّدَيْنِياتِ يَقْصِفُها دَمي     وبيضُ السّثرَيْجياتِ يقطعُها لحمي

   ” إن شئت قلتَ…وقد يكون… وقد يجوز…”(3)

   وهذا التنوع في التقديم يعكس اهتمام الشارح بالمتلقي، كي يتضح له المعنى من جميع الجوانب، ولعله أثر من آثار تشبع ابن سيد بالفلسفة والمنطق. والدراسات الحديثة تولي أهمية لشعرية العتبات أو المرفقات النصية لأنها تعد مفاتيح أساسية لاستكشاف أغوار النص العميقة.

   أما عناية ابن سيدة بمناسبة القصيدة وأسباب نظمها فتكاد تكون نادرة، فلم يشر إليها إلاّ في مواضع قليلة عندما تضيق دلالة البيت، فيشير إليها باقتضاب لإيضاح ما خفي من الدلالة، ومن ذلك ما عرض له في شرح هذا البيت:

   عُقبى اليمين على عُقْبى الوَغى نَدمُ     ماذا يزيدُكَ في إقدامِك القَسَمُ

   “كان الدُّمستُق آلى أن يلقى سيف الدولة، فلمّا لقيه انهزم فندم على قسمه، فجعله المتنبي مثلاً”(4)

   وأشار أيضاَ إلى مناسبة القصيدة أثناء شرحه لهذا البيت:

ولّى صَوارمَه إكذابَ قولهمُ     فَهُنَّ أَلْسِنَةٌ أفواهُها القِمَمُ

   ” كان زعيم الروم أقسم ليغلبنَّ سيف الدولة أو لايبرح فكان الأمر بخلاف ما أقسم عليه ليكوننَّ، فأعقب ما كان من ذلك القسم أشدّ ما يكون من الندم”(5)

  وأحياناً يتصور ابن سيدة مناسبة للبيت الذي يشرحه على نحو ما ذهب إليه في شرح هذا البيت:

   فَلِمْ لا تلومُ الذي لامَها     وما فَصُّ خاتَمِهِ يذبُلُ

   ” كأنّ لائماً لام هذه الخيمة على عجزها عن الاستقرار على سيف الدولة والاعتلاء له حين

تقوّضت فيقول…”(1)

   وبعد أن استحضر الشارح سياقات إنتاج النص، وعقد صلة بين مقدماته والمتلقي، تحول إلى شرح المتن الشعري محاولاً الإمساك بالمعنى الكلي للبيت، والكشف عن ملامحه الصريحة والضمنية، بحيث تصبح المقدمات أشبه بنصوص موازية أو مرفقات مساعدة على كشف المعنى.ومن ذلك قوله في شرح هذا البيت:

   يَتَداوى من كثرة المال بإلإقــــ     ـلال جُوداً كأنَّ مَالاً سقام

   ” يتشافى بالجود حتى كأنّ المالَ مرضٌ يبغي إزالته والإقلالَ برءٌ يطلبه. وقوله:”كأنّ مالاً سقام” أراد: كأن وجود المال، لأن المال لا يقال له سقام، إذ هو جوهر والسقام عَرَض”(2)

 و لاشك أن الشارح سعى إلى تحديد معنى البيت، وقد وصل إلى القصد دون أن يمر بالشرح المعجمي، كون البيت صيغ بألفاظ واضحة لا تحتاج إلى معجم، وكأن الغاية من الشرح هو فك انتظامها بألفاظ أقرب إلى ألفاظ البيت، أي نقلها من جنس الشعر إلى جنس النثر، على شاكلة شرحه لهذا البيت:

   إذا غدرتْ حسناءُ أَوْفَتْ بعهدها     ومن عهدها أنْ لا يدومَ لها عهدُ

   “شيمة المرأة الغدر، وهي التي عهدتْ عليه، فمتى غدرتْ فقد أوفت بعهدها” (3)

   وأحياناً يتعمق الدلالة، ويبدي قدرة عجيبة على تقصي احتمالات المعنى الممكنة، فيلجأ إلى التأويل الذي يجري عنده على عدة أوجه، أقلها واحد، وأكثرها ثلاثة.فأحياناً يذكر وجهين، دون ترجح أحدهما على الآخر، وكأن البيت يحتمل الوجهين معاً، كقوله في شرح هذا البيت:

   تلجُّ دموعي بالجفون كأنما     جفوني لعينَيْ كلِّ باكية خَدُّ

  ” أي أن جفوني مسارب للدمع لا تخلو منها حتى كأنّها خد لكل باكية، فالدمع يلازمها كما يلازم خد الباكية. وإن شئت قلت: ذهب في ذلك إلى غزر الدمع، أي : ان جفون دموعي مجتمع الدموع حتى كأنها خد لعيني كل باكية”(4)

   وقال في شرح  هذا البيت:

   وليس مُودِّباً إلاّ بِنَصْل     كفَى الصّمْصامةُ التًّعَبَ القَطيعا

   ” أي: أرهب سيفُه الناسَ حتى ليس تفعل في أيّامه ما تستحق عليه السوطَ فضلاً عن غير ذلك، فقد كفى سيفُه السوطَ التعبَ. وإن شئتَ قلتَ: انّه لا ينزل عقوبة بجبانٍ إلاّ القتل، لا يضربه بسوط، فقــــــــد

استغنى بالسيف عن السوط، وكُفِيَ السوطُ التعبَ لذلك”(1)

   وأحياناً يذكر للبيت ثلاثة أوجه كقوله في هذا البيت:

   طِوالُ الرُّدَيْنياتِ يقصِفُها دَمي     وبيضُ السُّرَيْجيّاتِ يقطعُها لحمي

   “إن شئت قلت: إن دمه يقصف الرمحَ بحدَّته وقوَّته،أي : إنه أقوى من الرمح، وبيضُ السريجيات يقطعها لحمي” أي :انه أحدُّ من السيف، فهو يؤثر في السيوف تأثير السيوف في غيره. وقد يكون: إن الرماح والسيوف تنبو عنه فلا تؤثر فيه البتة، فكأنّ دمَه كسر الرمح وكأنّ لحمه قطع السيف. وقد يجوز أن يعني: انه من نفسه وعشيرته في منعة، فإذا أصابه طعنٌ أو ضَربٌ في طلب ثأره حتى تنقصف الرماح وتنقطع السيوف”(2)

   فالشرح هنا قائم على استقصاء جميع أوجه الدلالة التي يمكن أن يحتملها البيت، وتقليبها على عدة أوجه، دون ترجيح وجه على آخر،وكأن البيت يقبلها جميعاً، فأيها أخذا المتلقي يكون قد أمسك بالمعنى.

  وفي بعض الأحيان لا يكتفي الشارح باستقصاء أوجه الدلالة فحسب،بل يختار الدلالة الأقوى ويرجها على ما سواها. ومن أمثلة ذلك ما جاء في تفسيره لهذا البيت:

   ما شاركتْه منيّةٌ في مُهْجَةٍ     إلاّ لِشَفْرته على يدها يدُ

   ” فمعنى البيت: أن لشفرته الأثر الأظهر، فإمّا أن يكون لأن تأثير السيف أظهر من تأثير المنية، لأنَ تأثير السيف جثماني عليه يقع الحس، وتأثير المنية نفساني لا يقع عليه حس،وقد يجوز أن تكون لشفرته اليد على المنية، من جهة أن المنية معلولة للسيف، والسيف علّة لها، والعلّة أشرف من المعلول، فوجبت المزية للسيف بذلك وقد يتوجه يد صاحبه، فإذا شاركت المنية سيفه فحكمه أمضى والأول عندي أقوى”(3)

   وربما انفرد ابن سيدة من بين شراح المتنبي باللجوء إلى مفاهيم الفلسفة والمنطق لتفسير الدلالة الغامضة في شعر المتنبي، بسبب ميل الشاعر إلى تضمين شعره بعض المفاهيم الفلسفية، مثل” أن الشيء إذا زاد عن حّده انقلب إلى ضده” نحو قوله في شرح بيت المتنبي:

   ولَجُدتَ حتى كدتَ تبخل حائلاً     للمُنْتَهى ومن السُّرور بكاءُ

    “إن شئت قلت: بلغ جودك الغاية، ومعروف أن الشيء إذا انتهى انعكس ضداًن فكذلك جودك لمـّا  انتهى فلم يك مزيدٌ كاد أن يستحيل بخلاً.وقوله :”ومن السرور بكاء”أعلمنا أن الشيء إذا انتهى عاد إلى ضده كالسرور إذا أفرط كان بكاء..”(4)

   ه :التناص وحوار النصوص

   إذا كانت الغاية من الشرح بيان ما خفي من الدلالة، فإن شراح المتنبي سلكوا آليات متعددة للقبض على المعنى المستتر وراء مستويات التشكيل اللغوي، ولعل التناص أو محـاورة النصوص من أهمها كــــون النص ليس بنية مغلقة،ولم ينشأ من فراغ البتة، بل له امتددات عميقة داخل سياقات مختلفة تاريخية ودينية وانتروبولوجية تحيل على مرجعيات حتى غدا النّص محضناً لنصوص أخرى تشربها ودخل معها في علاقة” إن النص الشعري يدخل في علاقة مع نص شارح، فيفقد استقلاله ويتحول إلى متن، ويبدأ فعل القراءة  في صورة حوار بين متون النصوص ومتون الشروح”(1).وهكذا يؤسس”الطرفان نصية النص، أي كيفية قراءته”(2). والشاعر في هذا لا يقوم بمجرد استحضار هذه النصوص وإنما يقوم بفتح حوار معها بهدف توظيفها وإعادة إنتاجها، برؤية مختلفة تحدث إضافة نوعية للمعنى.

   وقد كان ابن سيدة يستدعي نصوصاً سابقة ويحاورها لفك شفرة نص المتنبي، ومن خلالها يتم العبور إلى متنه الشعري واستكشاف عوالمه الغامضة، وهو ما اصطلح على تسميته عند القدماء بالسرقات.وقد شكلت هذه القضية ملمحاً بارزاً في حقل النقد العربي القديم، ومثَّلت موقفاً نقدياً أُصّلت فيه مسألة التأثير والتأثر، حيث أقام النقاد على حوار النصوص تأيداً ومخالفةً، وحسبنا مثلاً ابن رشيق الذي ناقش القضية وفكك عناصرها، وبين أطرها، من خلال حوار مع نص للجرجاني”وقال الجرجاني – وهو أصح مذهباً، وأكثر تحقيقاً من كثير ممّن نظر في هذا الشأن – ولست تعدّ من جهابذة الكلام، ولا من نقاد الشعر، حتى تميّز بين أصنافه وأقسامه، وتحيط علماً برتبه ومنازله، فتفصل بين السَّرق والغصب وبين الإغارة والاختلاس، وتعرف الإلمامَ من الملاحظة، وتفرق بين المشترك الذي لا يجوز ادعاء السّرقة فيه والمبتذل الذي ليس واحد أحقَّ به من الآخر، وبين المختص الذي حازه المبتدي فملكه واجتباه السابق فاقتطعه”(3)

   وكان ابن سيدة في حواره للنصوص يهدف في الغالب إلى الدفاع عن لغة المتنبي، ورد تهمة السرقة عنه، إقراراً بعدم خروجه عن سنن العربية، وإن اجترأ على بعض أنظمتها، وصدم الذوق العام، مبيّناً أن استعمالاته التي أثارت الخصومة والجدل لها نظائر في كلام العرب . والعلاقات الحوارية التي ينشئها ابن سيدة مع شعر المتنبي تتم وفق مستويين، حوار داخلي بين أشعار الشاعر نفسه، وحوار خارجي ينفتح على نصوص أخرى، معبراً عن هذا التوجه بعدة صيغ مثل”هذا كقوله هو”و” قوله بعد هذا” و”ما أشبه هذا بقوله” و”يقويه قوله بعد هذا”. ومن أمثلة الحوار الداخلي بين نصوص الشاعر ذاته قوله في شرح هذا البيت:

   وكم مِنْ عائبٍ قَولاً صحيحاً     وآفَتُه مِن الفَهْم السَّقيمِ

   ” قد يكون القول صحيحاً في ذاته، ولا تلوح صحته إلى الجاهل به فيعيبه، لأنه يظنه على خلاف ما هو به…ويشبه هذا البيت قوله هو:

ومَنْ يكُ ذا فمٍ مُرٍّ مريض     يَجِدْ مُرّاً بـــه الماءَ الزُّلالاَ (1)

   وكان ابن سيدة في مواضع كثيرة يتعامل مع شعر المتنبي وفق هذا المنهج محاولاً إقامة حوار داخلي                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                     بين نصوص الشاعر نفسه كقوله في شرح هذا البيت:

   قاسَمتْك المنونُ شخصَيْن جَوْراً     جعل القَسْمَ فيك عَدْلا

 ” أخذت المنون إحداهما وهي الصغرى وأبقت لك هذه الأخرى، وهذه المقاسمة جور…إلاّ أن القسم

 صيَّر نفسه عدلاً في ذلك الجور بِأَنْ أبقى لك الكبرى وسلبك الصغرى، كقوله:

   قد كان قاسمك الشخصين دَهْرُهما     فعاش دُرُّهما المَفْدِيُّ بالذّهب “(2)

   أما الحوار الخارجي فقد كان يتم بين شعر المتنبي وأشعار أخرى في مدونة الشعر العربي، مركزاً على المعاني التي شارك فيها المتنبي بعض الشعراء، وتَفوَّق على بعضهم، ممّا ينفي عنه تهمة السرقة، بحيث كان التنبيه إلى المعاني المشتركة أساس إدراك العلاقات التناصية كقوله في بيت المتنبي:

   ولو لم أخَفْ غيرَ أعدائه     عليه لَبَشَّرْتُه بالخلودِ

   قال ابن سيدة:” غيرُ أعدائه: الِحمام الطبيعي. فيقول: لو لم أخف عليه الموت إلاّ من قبل أعدائه لتيقّنت أنه خالد، لقصور عداه عنه، وهو نحو قول جرير:

   زعم الفرزدقُ أنْ سيقتل مَرْبَعاً     أبْشِرْ بطول سلامةٍ يا مربعُ

   إلاّ أنّ قول أبي الطيب أبلغ، لأن جريراً بشَّر مربعاً بطول السلامة ولم يفصح بالخلود، وأبو الطيب أراد أن يبشره بالخلد” (3)

   وأشار ابن سيدة إلى بعض مصطلحات السرق مثل الإلمام في شرح هذا البيت:

   ناعمةُ الجسم لا عظامَ لها     لها بناتٌ وما لها رحِمُ

   ” وقد ألَّم في هذا بقول ابن الرومي يستهدي سمكاً:

   وبناتُ دجلةَ في قِبَابِكُمُ     مأسورة في كلِّ مُعْتَرَكِ

إلاَّ أن المتنبي زاد عليه بقوله:” وما لها رَحِم” فأغرب” (4)

   والعلاقة التناصية بين المعنيين قائمة على أساس أخذ المعنى والزيادة عليه، هذه الزيادة التي جعلت

ابن سيدة يستظرف معنى المتنبي لما يوحي به من أجواء غريبة صنعتها الاستعارة” ما لها رحم”.فقد تمثل المتنبي البركة أُمّاً، والسمك بنات لها، ثم استدرك أنّها ليست أمّاً حقيقية فزاد هذه العبارة، ولا شك أن الزيادة في المعنى من المعايير التي أقرها النقاد (1)

   و: المعنى والرواية

   عنى ابن سيدة بتتبع الروايات المختلفة في شرحه، لأن كثيراً ما يتوقف عليها فاعلية توجيه المعنى وتحديده “فالرواية الأدبية من أهم جوانب شرح الشعر وأخطرها، وكثيراً ما يتوقف عليها توجيه المعنى وتحديده”(2)

   وأشار إليها في بضعة عشر بيتاً، وكان يفاضل بينها، ويكتفي في الغالب برواية واحدة للبيت المشروح، ويغلب عليه المنهج الدفاعي، ويختار الرواية الأصح معنى. وتتجلى عنايته بها في عدة مظاهر منها مراعاة اتساقها مع مذاهب العرب، أو السياق الاجتماعي، وانسجامها مع قواعد النحو الصرف، أو مخالفتها لها.ومن أمثلة اتساقها مع مذهب العرب كلامه على بيت المتنبي:

   وأن البُخْت لا يُعْرِقُن إلاَّ     وقد أنْضى العُذافِرةَ اللِّكَاكا

   قال ابن سيدة:”وقد رواه بعضهم اللُّكاكا” وفُعال من الجمع العزيز إلاّ أنه له نظائر جمّة كعَرْق وعُراق، قنل وقُنّي، وقد ذكر سيبويه وأهل اللغة منه حروفاً جمّة وعليه وجّه الفارسي قراءة من قرأ{إنّا بُراءٌ منكم} قال هو جمع برئ كفَرير وفرار- يعني ولد البقرة- وجعل بعضهم الفُرار لغة في الفرير” (3)

   ومن أمثلة ربط الرواية بالسياق الاجتماعي، إشارته إلى أَنّ نساء العرب يحببْن من الرجال الشجاعةَ والإقدام في الحرب. وأشار  إلى هذه الظاهرة من خلال تحليله لرواية هذا البيت:

   وما كلُّ مَنْ يهوى يَعِفُّ إذا خَلا     عَفافي ويُرْضي الحِبَّ والخيلُ تلتقي

   قال ابن سيدة:” ويروى ” ويرعى الحِبَّ”.فمن رواه:”يُرْضي” فإن من شأن نساء العرب أن يُحببنَ مِنْ محبِّيهنَّ الشجاعةَ والإقدام، كقول عمرو بن كلثوم:

   ويقلنَ لستُم بُعُولَتَنا     إذا لم تَمنَعونا

  فيقول:أنا أعفّ كرماً وأُرضي محبوبي في الحرب بمشاهدته مني ما يهواه مني أو بإخباره ذلك عني، وليس

كل واحدٍ من العشاق يجمع عفَّةً وشجاعة، إذ العشق والعفة والفتك عزيزة الاجتماع.

   ومن رواه:” ويرعى الحِبَّ” فهو يقول: أنا أعفُّ كرماً لا فتوراً في هواي، بل إني مُراع المحبوب حتى إني أذكره في الحرب وأراعيه أَوانَ الشِّدة فكيف في حال السكون والهُدُون”(4)

   ومن أمثلة مخالفة الرواية لقواعد النحو والصرف، مناقشته لرواية هذا البيت:

   ومَلْمُومَةٌ سَيْفيَّة رَبَعِيَّة     تَصيحُ الحَصى فيها صياحَ اللّقالِقِ

   ومن رواه”تُصيح” أراد تصيح هذه الكتيبةُ الحصى، وكان يجب على هذه الرواية أن يقول “إصاحة اللقالق” لأن مصدر أَفْعَلَ إنما هو الإفعال، فإن كان الفعل معتلّ العين كان مصدره إفالة، تُحذف العين وتجعل الهاء عوضاً منها كقوله أقالَه إقالَةً وأقامه إقامةً، لكنه قال:”صياح” فجاء بالمصدر على غير فِعْله لأنه أراد:فتصيح صياح اللقالق، وفي التنزيل{واللهُ أًنْبتَكم مِنَ الأرضِ نَباتاً}أي: فنبتُّم نَباتا، ومثله كثير قد أفرد سيبويه فيه باباً”(1)

   وبناء على ما تقدم فإن شرح مشكل أبيات المتنبي بشتى عناصرها، وتشكلاتها اللغوية والفنية والمعرفية، تمثل مستويات القراءة في النقد العربي، وستظل حقلاً معرفياً وتحليلياً مادامت نصوص هذا الشاعر لا تبوح بأسرار إلاّ بالحفر في طبقاتها.كما أن ابن سيدة في مقاربة معاني أبيات المتنبى، ربّما أثقل شرحه بالآراء الفلسفية والمنطقية والاستنتاجات البعيدة التي لا تنسجم مع طبيعة النص الشعري،  فضلاً عن مبالغته في تتبع القضايا اللغوية والنحوية في شرح بعض الأبيات.

 ومن خلال تصفحنا لشرح المشكل من أبيات المتنبي لابن سيدة الأندلسي نخلص إلى ما يأتي:

   - إن شرح ابن سيدة ليس متناً معجمياً بسيطاً يروم بيان معنى البيت، وإنما كان قراءة واعية لشعر المتنبي وتحليل عناصره، والتوغل في بنيته العميقة، ومرتكزاته اللغوية والدلالية والجمالية.

   – استطاع الشارح أن يرصد البيت الشعري من خلال بنية الكلمة المعجمية والتركيبية والنحوية والدلالية.

   - حرص الشارح على أن يؤصل طريقة المتنبي، بردها إلى سنن العرب وطريقتهم في نظم الكلام، ملتمساً لها شواهد من القرآن الكريم وأشعار العرب وأمثالهم .

   - استطاع بناء متن مواز للمتن الأصلي، وتحرك ضمن حقول متعددة، وهو ما تحرص عليه نظرية القراءة والتلقي التي تعتبر القراءة إعادة إنتاج للنص.

(1) أبو البقاء العكبري:شرح ديوان المتنبي، تحقيق مصطفى السقا وآخرون،دار المعرفة، بيروت3/366

(2) المصدر السابق 2/18

(1) رشيد : بنحدو: قراءة في القراءة، مجلة الفكر العربي المعاصر، العدد 48-49، مركز الإنماء القومي، بيروت 1988م

(2) فاطمة البريكي: قضية التلقي في النقد العربي القديم،ط1،دار العلم العربي للنشر والتوزيع، دبي 2006،ص:155

(3) صالح هويدي: النقد الأدبي الحديث قضاياه ومناهجه، ط1 منشورات جامعة السابع من أفريل، ليبيا1426هـ،ص:124

(4) فولفغانغ إيزر: فعل القراءة، ترجمة حميد لحمداني، والجيلالي الكدية، مكتبة المناهل، فاس، المغرب(د.ط.ت) ص:12

(5) عبد الغني بارة:الهيرمينوطيقا والفلسفة، تحو مشروع عقلي تأويلي، ط1،الدار العربية للعلوم ناشرون،بيروت 2008م،ص:131

(1) عبد الله الغذامي:المشاكلة والاختلاف،قراءة في النظرية النقدية العربية،ط1، المركز العربي، الدار البيضاء1994م، ص:94

(2) راي وليم : المعنى الأدبي من الظاهرتية إلى التفكيكية، ترجمة يؤيل يوسف عزيز،ط1، دار المأمون،ص:25

(3) ج.هيو سلفرمان: نصيات: بين الهرمنيوطيقا والتفكيكية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح،ط1، المركز العربي، الدار البيضاء2002 ،ص:134

(4) حسن حنفي: التراث والتجديد، ط4، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1412ه – 1992م ،ص:83

(1) ابن جني: الفتح الوهبي على مشكلات المتنبي، تحقيق محسن غياض، دار الحرية للطباعة، بغداد 1973م،  ص:13

(2) العبيدي رشيد عبد الرحمن :أبحاث ونصوص في فقه اللغة العربية، ص:25

(1) حسين الواد:المتنبي والتجربة الجمالية عند العرب،ط2، دار الغرب الإسلامي2004م ، ص:107

(2) المرجع السابق، ص:113

(3) المرجع السابق، ص:114

(4) إبراهيم أنيس: دلالة الألفاظ،ط5، مكتبة الأنجلو المصرية 1984م، ص:213 هويدي: النقد الأدبي الحديث قضاياه ومناهجه، ط1 منشورات جامعة السابع من أفريل، ليبيا1426هـ،ص:124

(4) فولفغانغ إيزر: فعل القراءة، ترجمة حميد لحمداني، والجيلالي الكدية، مكتبة المناهل، فاس، المغرب(د.ط.ت) ص:12

(5) عبد الغني بارة:الهيرمينوطيقا والفلسفة، تحو مشروع عقلي تأويلي، ط1،الدار العربية للعلوم ناشرون،بيروت 2008م،ص:131

(1) عبد الله الغذامي:المشاكلة والاختلاف،قراءة في النظرية النقدية العربية،ط1، المركز العربي، الدار البيضاء1994م، ص:94

(2) راي وليم : المعنى الأدبي من الظاهرتية إلى التفكيكية، ترجمة يؤيل يوسف عزيز،ط1، دار المأمون،ص:25

(3) ج.هيو سلفرمان: نصيات: بين الهرمنيوطيقا والتفكيكية، ترجمة حسن ناظم وعلي حاكم صالح،ط1، المركز العربي، الدار البيضاء2002 ،ص:134

(4) حسن حنفي: التراث والتجديد، ط4، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت 1412ه – 1992م ،ص:83

(1) ابن جني: الفتح الوهبي على مشكلات المتنبي، تحقيق محسن غياض، دار الحرية للطباعة، بغداد 1973م،  ص:13

(2) العبيدي رشيد عبد الرحمن :أبحاث ونصوص في فقه اللغة العربية، ص:25

(1) حسين الواد:المتنبي والتجربة الجمالية عند العرب،ط2، دار الغرب الإسلامي2004م ، ص:107

(2) المرجع السابق، ص:113

(3) المرجع السابق، ص:114

(1) عبد الله خضر حمد: السبع المعلقات، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت (د.ت)، ص:204

(2) ابن سيدة : شرح مشكل أبيات المتنبي، تحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين، وزارة الإعلام الجمهورية العراقية، ص:55

(3) المصدر السابق، ص:125

(4) المصدر السابق، ص:181

(5) تمام حسن : اللغة العربية مبناها ومعناها ،دار الثقافة ،الدار البيضاء، المغرب 1994م، ص: 316

(6) ابن سيدة: المصدر السابق، 134

(7) المصدر السابق، ص:151

(1) ينظر السيوطي : المزهر في علو اللغة1/405

(2) جميل صليبيا: المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، ص:285

(3) عبد القاهر الجرجاني: أسرار البلاغة ط1، قرأه وعلق عليه محمود شاكر، مطبعة المدني، القاهرة(د.ت)، ص:32

(4) ابن سيدة : المصدر السابق، ص:214

(5) المصدر السابق، ص: 52

(6) المصدر السابق، ص:362

(1) المصدر السابق، ص:314

(2) المصدر السابق، ص:151

(3) المصدر السابق، ص:133

(4) حسين الواد :المرجع السابق، ص:116

(1) ابن سيدة: شرح مشكل أبيات المتنبي، ص:31

(2) المصدر السابق، ص:249

(3) المصدر السابق، ص:214

(1) المصدر السابق، ص:284

(2) ابن جني : الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، المكتبة العلمية،بيروت(د.ت)  2/360

(3) ابن سيدة: المصدر السابق، ص:106

(4) المصدر السابق، ص:67

(1) المصدر السابق، ص:204

(2) المصدر السابق، ص:36

(3) المصدر السابق، ص:231

(4) المصدر السابق، ص:145

(1) المصدر السابق، ص:338

(2) حسين الواد: المرجع السابق، ص:129

(3) ابن سيدة: شرح مشكل أبيات المتنبي، ص:141

(1) المصدر السابق، ص:65

(2) المصدر السابق، ص:272

(3) ابن جني: المصدر السابق1/217

(3) دي لنجو أندريه:في إنشائية الفواتح النصية، ترجمة: سعاد بن إدريس: مجلة نوافذ، العدد10،ص27 (النادي الأدبي الثقافي بجدة)

(1) ابن سيدة: شرح مشكل أبيات المتنبي، ص:78

(2) المصدر السابق، ص:74

(3) المصدر السابق، ص:77

(4) المصدر السابق، ص:298

(5) المصدر السابق، ص:298

(1) المصدر السابق، ص:225

(2) المصدر السابق، ص:127

(3) المصدر السابق، ص:153

(4) المصدر السابق، ص:147

(1) المصدر السابق، ص:86

(2) المصدر السابق، ص:70

(3) المصدر السابق، ص:64

(4) المصدر السابق، ص:107

(1) سيزا قاسم: القارئ والنص: العلامة والدلالة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2002م، ص: 139 -140

(2) ج.هيو سلفر: المرجع السابق، ص:128

(3) ابن رشيق: العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد،دار الجيل بيروت، 2/280

(1) ابن سيدة: المصدر السابق، ص:160

(2) المصدر السابق، ص:289

(3) المصدر السابق، ص:184

(4) المصدر السابق، ص:92

(1) ينظر أبو هلال العسكري : الصناعتين، تحقيق مفيد قميحة،ط1،دار الكتب العلمية،بيروت 1401هـ -1981م، ص: 218

(2)  الوارث الحسن:التطور والتجديد في شرح الشعر العربي القديم،ط1،الوراق للنشر والتوزيع، عمان، الأردن 2013،ص:275

(3) ابن سيدة: المصدر السابق، ص:394

(4) المصدر السابق، ص: 252

(1) المصدر السابق، ص:280، 281


Updated: 2018-11-02 — 20:43

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme