آليات إشتغال فلسفة الخواء: “قراءة في كتابة إميل ميشال سيوران” The Mechanisms of Working the Philosophy of Emptiness: “Reading in the Writing of Emile Michel Cioran”


آليات إشتغال فلسفة الخواء: “قراءة في كتابة إميل ميشال سيوران”

The Mechanisms of Working the Philosophy of Emptiness: “Reading in the Writing of Emile Michel Cioran

د.سعدلي سليم/جامعة برج بوعريرج الجزائر

Sadli Selim, University of Bordj Bou Arreridj, Algeria

مقال نشر في  مجلة جيل العلوم الانسانية والاجتماعية العدد57   الصفحة 79.   

 

   

Abstract:

  Cioran lived on stage talking about modernism, postmodernism, is the legitimate child of the collapse of traditional structures of Western thought, the disintegration of great tidbits era, it is probably the only semi heir of «philosopher hammer» Frederic Nietzsche, away from his time, and about time. He sought to destroy the meaning to otherwise meaningless experience, it was announced that against philosophers and philosophical systems against citations, as that against intellectuals from the quote and citation.

     And thanks to the form of writing alshzerih, CT, which is devoid of wisdom’s shorthand belongs to those writing in praise of selfishness does not sacrifice, and readily desorb d suicides continue Rube in life and put fun demolition and disassembly for fun construction and installation, to look like a hymn of solitude and not To celebrate the public, it’s a deliberate flippancy of mind and rational alothoki and verbose praise of madness and delirium. So they often look, write scathing sarcastic, mocking all the big lies produced by the human mind.

     Facing alshzerih in writing “letters Cioran” big question on self accompanied by ghost of nihilism, the nugget mechanisms that represent us constraints exist and we will try to adapt the creative text alshzeri in light of a series of mechanisms, which is determined systematically through our focus on some works.

Keywords: Hypothetical writing- The Philosophy of Emptiness- Reality constraints- Self-fading in the specter of nihilism- Fun demolition and disassembly.

  ملخص :

عاش سيوران في مرحلة تتحدث عن الحداثة، وما بعد الحداثة، وكما يصرح الدكتور شادي كسحو ” فهو الابن الشرعي لانهيار البنى التقليدية للفكر الغربي، وتفكك عصر الحكايات الكبرى وربما هو الوارث شبه الوحيد لـ «فيلسوف المطرقة» فريدرك نيتشه”، اختار الابتعاد عن زمانه، وعن الزمن. سعى إلى تحطيم المعنى من أجل خوض تجربة اللامعنى، أعلن أنه ضد الفلاسفة وضد المنظومات الفلسفية والمقولات, كما أنه ضد المفكرين الذين ينطلقون من الاقتباس والاستشهاد. وفضّل شكل الكتابة الشذرية، المقطعية التي لا تخلو من الحكمة المختزلة، ويرى شادي كسحو بأن كتابته تنتمي إلى تلك الكتابة التي تمتدح الأنانية لا التضحية  وتمجـــد الانتحار على الاستمرار الساذج في الحياة، وتضع متعة الهدم والتفكيك مقابل متعة البناء والتركيب، لتبدو كأنها نشيد للعزلة وليس للاحتفال بالجمهور إنها تهكم متعمّد من العقل الوثوقي والعقلاني وامتداح مطول للجنون والهذيان. لذلك فهي كثيراً ما تبدو، كتابة لاذعة متهكمة، تسخر من كل الأكاذيب الكبرى التي أنتجها العقل البشري”.

تواجه الكتابة الشذرية في “خطابات سيوران” السؤال الأصعب المتعلق بالذات التي يرافقها شبح العدمية، وآليات الشذرة التي تمثل لنا إكراهات الوجود، وسنحاول أن نكيف النص الإبداعي الشذري في ضوء مجموعة من الآليات، التي يتم تحديدها منهجيا من خلال تركيزنا على بعض مؤلفاته.

الكلمات المفاتيح: الكتابة الشذرية، فلسفة الخواء، إكراهات الواقع، تلاشي الذات في شبح العدمية، متعة الهدم والتفكيك…

تمهيد:

كتابة الشذرات التي امتاز بها الفيلسوف الفرنسي إميل سيوران*عبارة عن تأملات ماورائية صارمة حول الحياة، وتعبير شاعري عميق عن تجارب ذاتية وموضوعية وفنية، كما أنها بمثابة جمل أو ملفوظات أو مقاطع، وهي كذلك متواليات مقطعية منفصلة عن بعضها البعض، بيد أنّها قوية وجذابة، تحمل صورا دلالية عميقة قائمة على الانزياح والمفارقة والسّخرية والإيحاء والعصف الذهني، ويتميز تتابع هذه الشذرات في حركة ما بعد الحداثة  بإيقاعية سريعة قوامها: الحركة والدينامية المستمرة. ومن هنا، فالشذرات هي كتابات ممزقة ومتفرقة تبدو أنها ضد النسقية التي تميزت بها البنى الفكرية التقليدية، وضد النظام النصي الصارم، “محكومة بتدفقات مقطعية لاتروم إلا الكلمة المواتية اللازمة، والبلاغة المقتصدة المصادمة”[1]. وتستعمل غالبا الشذرات بمثابة سلاح هجائي ضد الزمن الراهن، روحها هي روح التمرد والاختلاف، والتفكيك وتعمل على الهدم والتقويض. إنّها كما قال نيتشه: “فن الخلود” وتظهر الشذرة في المجتمعات المضطربة التي تعجز كل الأنساق عن فهمها، وتخاف الاقتراب منها، ويملك الشاذر طبيعة مقاتلة لمقاومتها، فهو لا يخاف الصراع، بل يعمل واعيا على إشعال فتيله، وهو المعارض الأبدي بامتياز، أو كما قال عنه شليغل: “يوجد دائما في وضع هجائي”[2].

ويرى شييرون بأنها ترجمة لحالات انفعالية، أو إن شئت فهي لا تولد أبدا من تلقاء ذاتها. إنّها في غالب الأحيان خاتمة تحليل أو فكرة مكتوبة توفر على القارئ عناء التفكير  فلا تعبر إلا عن خلاصة ما يبثه الفكر، لذا  لن تجد أي فيلسوف جدي كأرسطو أو هيجل يكتب شذرات، أما نيتشه فكان يفعل ذلك بسبب مرضه[3].

وهناك مجموعة من المفكرين والفلاسفة الذين وظفوا الشذرات كبلانشو وباسكال وجراسيان، ونيتشه في كتابه: “هكذا تكلم زرادشت”[4]، ومنتاني في مقالاته وفاليري، ورولان بارت، والبلغاري إلياس كانيتي كما في كتابه: “شذرات”، وكافكا وغيرهم. ويقول شييرون في حق الكتابة الشذرية: “في ما يخصني، حبي للتعبير المرح الخفيف الظل وللاقتضابية والاختصار، هو الذي يدفعني إلى تبني الخطوة التي تحدث عنها، وهذا الصنف عموما يعبر عن الإنسان في لااستمراريته وهشاشته.

ومن ثم، يؤكد شييرون ذلك بقوله:” التناقض ملازم للحياة نفسها، وبالتالي، لا أعيره أي انتباه في كتاباتي، أما التكرار، فإنّه تأكيد وتعبير عن حالة ثابتة أو وسواس. إني من هؤلاء الناس الذين يتلقون الحياة كوسواس”[5]. ويعني هذا أن شييرون يكتب أفكاره التأملية والفلسفية في شكل مقاطع وتفاريق وشذرات تتحرر من كل مقومات الفلسفة النسقية القائمة على صرامة الحجاج الفلسفي وضوابط التحليل المنطقي الاستدلالي.

وكان لهذا النموذج الخطابي الموسوم بالشذرات مكانة في كتابات إميل سيوران التي تشكل ثورة فكرية تعانق ما بعد الحداثة في أبعادها. إنّه بديل خطابي يريد من خلاله نقل النص إلى الإختلاف في الدلالة والشكل، أما التّصور الذي يُقيمه للعالم فَعمل على خلق مجال مضمر يقع بين النص والذوات المضمنة مرجعياً والذات القارئة.

  لكننا في تحليلاتنا اللاحقة سنهتم بالآليات التي تفرضها خصوصية النص الشذري، ولا ندعي فيه تمام التحليل، فسيظلّ مجالاً لافتراضات شتى وعرضة لتحليلات لا حصر لها.

1-آلية الموسيقى وخلود الجسد:

ونحن نقرأ الكتابة الشذرية في كتاب:” المياه كلها بلون الغرق” نشعر أن إميل سيوران فيلسوف الحياة والموت المرتد يميل إلى ترسيخ سؤال مفاده: هل فشلت الفلسفة بالصمود في وجه الموت؟ يلتفت إميل سيوران عبر تأمّلاته الطويلة حول الولادة، والوجود، والفناء، متسائلاً ما إذا كان بإمكان الموسيقى إنقاذنا من اليأس الذي ينتابنا عندما نواجه ساعاتنا الأخيرة، فقد عُرف عنه تعظيمه للموسيقى، حتى على حساب الفلسفة التي درسها ودرَّسها، فيقول مثلًا:

“ولماذا نعاشر (أفلاطون) إذا كان أي ساكسفون* قادرًا هو أيضًا على أن يكشف لنا عن عالم آخر”[6]. فالموسيقى إذن قادرة على الكشف عن عوالم أخرى، غير تلك التي نقدر على الكشف عنها في حياتنا. فالمحاكاة الصوتية للوجود هي ذلك اللغز المنشور اللانهائي المرئي والمستعصي على المَسك، حين يحدث لنا أن نمتحن فتنته، يصبح حلمنا الوحيد أن نُحَنّط في آهة[7].

تعتبر الموسيقى في نظر سيوران “ملجأ الأرواح التي جرحتها السعادة[8] فهي بمثابة قنوات تواصلية ووسائل تعبيرية تحاور الذات، بحيث إذا كنا قد تعودنا في تحليلاتنا أن نهتم بالفلسفة والفكر للترويح عن كلل الذات، فإننا لم نكتسب بعد قناة تواصلية فاعلة منفتحة على شبح الموت تندرج ضمن الموسيقى التي يختارها سيوران كبديل عن الفلسفة.

إنّ أي نغمة مويسقية سواء أكانت نغمة أم مكتوبة في هذا العالم المخيف تهدف إلى تحقيق التواصل والتفاعل، فوظيفة المويسقى الأساسية هي التعبير عن الأحاسيس وتبليغ الأفكار من الذات إلى الآخر، فالمويسقى بهذا الاعتبار وسيلة للتفاهم بين البشر وأداة لا غنى عنها للتعامل بها في حياتهم[9]. وهناك مويسقى غير لفظية يستطيع أن يتواصل بها الإنسان ويتفاعل مع العالم بأسره بل وتكون نغمات عالمية تسمو على “النغمات اللفظية” التي تختلف حسب الأقوام، كنغمة باخ كقول سيوران: “إذا كان ثمة من هو مدين بكل شيء لباخ*، فهو الله[10] والتي تظهر ملامحها في نصوص الكتابة الشذرية.

ونظراً لكون أوجه ومجالات الموسيقى غير اللفظية كثيرة ومعقدة يكفي أن نذكر منها على سبيل المثال: السَاكسُفون، فاشاراته الخارجية ذات دور حاسم في التواصل، فهو أساس الانطباع الوحيد الذي يضفي على هشاشة الجسد ما يطرد مخالب الموت، لكون الجاذبية الجسدية وعناصر الإثارة من أهم المثيرات المكونة لمظهر الإنسان من إشارات وحركات وما يندرج ضمنها من إيماءات، ولافتات وحركات السمع التي تعانق الكينونة[11].

ولعلّ من بين أهم مؤشرات التعبير الشذري في خطابات سيوران والتي تحتل مكانة هامة، نجد “الجانب المويسقي” الذي يصير نسقاً للتفكير في أداة معرفية واكتشاف العالم والنفاذ إلى كنه الآخرين، إنّه مرآة عاكسة وملجأ للأرواح الجريحة التي يحدق بها الموت  ولكن الموت* بهذه الطريقة هو استسلام أسهل من أن يقبل به من كان مثل سيوران، لذلك فهو يكتب كي يموت على طريقته هو، بإستطيقاه هو، عابثا بالفلسفة النسقية خصوصا  ساخرا من الفكر في صرامته البهرجيّة، آخذاً من الشعر والموسيقى جوهرهما المشترك: الومضة والاشراق…”[12].

فإن عُدنا إلى كتاباته حول الموسيقى، سنجد أنّه احتفى بهذه الأخيرة كما لو أنّها الحياة نفسها بالنسبة إليه، هنا بعض شذراته حولها:

(لما كنت قد ولدت بروح عادية، فقد طلبت روحا أخرى من الموسيقى. كان ذلك بداية مآس لم أكن أجرؤ على تمنيّها..”. ” لولا عبث الفلاسفة لقامت الموسيقى مقام الفلسفة ولكانت من ثم فرودس البداهات غير المعبر عنها..”.” بتهوفن أفسد الموسيقى: أدخل عليها اللحظات المزاجية سمح بتسلل الغضب…”. ” لما كنت بلا دفاع ضد الموسيقى فقد توجب عليّ أن أستسلم إلى استبدادها، وأن أكون حسب مشيئتها، إلهّا أو ثوبا رثا”.

” مرت بي لحظات كنت خلالها أستعبدُ وجود أبدية في وسعها أن تفصل بيني وبين الموت ومن ثم كنت أفقد كل خوف من الموت، حدث الأمر نفسه مع كل موسيقى. مع الموسيقى كلها. ” كم أود لو مت بواسطة الموسيقى عقابا لي على شكي أحيانا في جبروت قدرات الحياة الشريرة “.اللانهائي“الراهن”، الذي تعتبره الفلسفة غير معقول، هو حقيقة الموسيقى وماهيّتها)[13].

ليست الموسيقى إذن في هذه المقاطع الشذرية، كقوله: لما كنت قد ولدت بروح عادية فقد طلبت روحا أخرى من الموسيقى… لولا عبث الفلاسفة لقامت الموسيقى مقام الفلسفة ولكانت من ثم فرودس البداهات غير المعبر عنها، سوى وسيلة من وسائل تواصل الجسد مع الوجود بعيدا عن مثالب الانتحار، أو كما وصفها سيوران أحد ألسنة الذات تخاطب ما هو صميم وحميم في الإنسان يعبر بها عن أغراضه ومقاصده، إذ تنمو سيرورة الجسد التي لا تخلو من التمرّد، متوسلة بالموسيقى كأداة للتواصل غير اللفظي، فهي تصل إلى منطقة غائرة العمق، إلى الحد الذي لا يستطيع حتى الجنون نفسه التسلل إليها. من أجل تفعيل خاصية تحويل ليال الأرق إلى وسيلة للمعرفة تنتجها الموسيقى[14]، كحركة آلة السَاكسُفون وقدرتها على كشف العالم الآخر، بالنسبة له تساهم في تجسيد البعد الجمالي، فإيقاعها منظومة من النغمات يقف فيها الجسد وقفة صامتة بعيدا عن الانسلاخ الروحي، “لأن الأرق الذي يعتري الجسد وعيّ مدوّخ قادر على تحويل الفردوس إلى غرفة تعذيب”[15]، وبالتالي فالموسيقى حركات تعبر عن معنى وظيفة التواصل والتفاعل مع العالم.

ونحن لو تتبعنا الإشارات الشذرية كما في قوله: “مرت بي لحظات كنت خلالها أستعبدُ وجود أبدية في وسعها أن تفصل بيني وبين الموت ومن ثم كنت أفقد كل خوف من الموت حدث الأمر نفسه مع كل موسيقى. مع الموسيقى كلها، ” كم أود لو مت بواسطة الموسيقى عقابا لي على شكي أحيانا في جبروت قدرات الحياة الشريرة “،اللانهائي“الراهن”، الذي تعتبره الفلسفة غير معقول، هو حقيقة الموسيقى وماهيّتها”، لرأينا بأن الحدث السّردي لهذه الشذرات ينمو سرداً جسديّاً مفعما بأبدية في وسعها أن تفصل بينه وبين الموت، إذ عدم اعتماد الشاذر على تجربة الكتابة* في مواجهة فكرة الموت “أي الانفصال اللفظي” جعله بالضرورة يعتمد على “الاتصال الموسيقى” كآلية لنمو حركة الذات أمام جبروت الحياة الشريرة وإلاّ فانعدام الموسيقى في هذه المرحلة التي عاشها سيوران يعني موت الجسد الذي أنهكه الأرق، فالروح تنتعش بنغمات تحيلنا إلى رحاب الأبدية المفقودة، فأصبح لدينا اتصال غير لفظي بلغة النغمة التي تصدرها آلة  السَاكسُفون، تنمو بتعاضد الجسد مع خلود الروح بعيدا عن تجربة الكتابة التي اعتبرها تجربة عديمة الجدوة.

بناءً على ما سلف فالشاذر هو العمق الحركي لمشهد الشذرات التي تصور روعة الموسيقى وخلودها في عبارات تلخص غرابة هذا العالم الذي لم يستطع سيوران احتواءه؛ حيث تتحول هذه الشذرات إلى أداة تواصلية تصور عظمة الموسيقى عند أمثال هؤلاء طافحة بألوان من الحساسية السّاخرة التي لا تكف عن توجيه اللّوم والانتقاد تجاه هذا السقوط الذي يعصف بكينوته الذات التي رسمت لنا مشهد الكتابة كانتحار مؤجل بغض النظر عن الموسيقى التي عدها في هذه المرحلة الصعبة التي شهدت حياته الشعلة التي يحملها موسيقار العدم ليحن الى ما قبل النشأة.

  • 2-لغة الخواء ومساءلة الإنسان:
  • أ-رفض الشهرة:

يتصادم الإرث الشذري الذي ترسمه لنا “الكتابة عند سيوران” بشدة مع “رؤية سارتر لعالم الكتابة وعلاقته بالعالم الخارجي”الجمهور”، وإذا كان سارتر قد رفض نوبل لأسباب سياسية وصنع ابراهيم رفض جائزة الدولة التقديرية في مصر. فإنّ سيوران أصيب بإحباط نفسي كبير في 1988 حين أعلن أنه سينال جائزة بول موران فأعلن هو بدوره عن رفضه لهذه الجائزة، لأنّ أي جائزة تحط من منزلة الكاتب وتعمل على تدجينه وتطويقه بالمعجبين والمعجبات وهذه أفضل طريقة لتدمير المشروع المعرفي للكاتب اي كاتب. هذا كان رأي سيوران دائما؛ أي زهد لدى سيوران؟ وأي حرص على الكتابة؟ كم يخاف سيوران على سيوران من سيوران؟ أي درس في المعرفة يمنحنا هذا المجنون الناصع الصاهل في ظلمات بريّة القرن الحادي والعشرين؟. فهو القائل: لايهتم بي إلاّ من كان به بعض من مس*.

هكذا تجلت شهادات سيوران خاصة على المستوى النفسي للإنسان المرتبط بعالم حسي وهمي زائل، وعلى ما يبدو  يرى أن بنية الاعتراف الذي يبديه الناقد أو القارئ آلية مواتة     لاشعوريا على حد تعبيره: ” كل تعليق على كتاب هو سيء في اللاشعور، لا ينبغي الكتابة عن أحد، أبدا، لقد اقتنعت بجدوى هذه الفكرة إلى درجة أنني كلما ملت إلى فعل ذلك، كانت فكرتي الأولى أن أهاجم الشخص الذي سأكتب عنه، حتى وإن كنت معجبا به[16].

 وعليه تكون آلية إلغاء الثناء الكتابي الذي نصادفه بعد أي إصدار إبداعي معانقة للجمالي من الناحيتين النفسية والروحية، وهذا ما أشار إليه مترجم الكتاب في قوله: “وللخروج من هذا المأزق؛ أي عدم التعريف بالكاتب وتقديم أفكاره، التجأ الناشر إلى أسلوب آخر: أن يجعل المؤلف يتحدث عن نفسه من خلال ملحق يضم مقتطفات من الحوارات التي أجريت معه على مر حياته”[17]، وأن الحقيقة المبتغاة لمعرفة القيم الإنسانية للمفكر ليست في إستفزاز المكتوب والتنقيب في أغواره البنائية وزلاته كما يحلو للقارئ، وليس صحيحا أن نعتبر الكتابة كتلة من المعاني الزائدة، فهي تظلّ تحت قضايا المسكوت عنه، أو ما لا يسمح البوح أو التفكير به[18].

يحاول سيوران من خلال كتابته الشذرية أن ينتقد رأي الجمهور الذي يعتبر الفكر والفسلفة منبع الفضيلة، وترتب على ذلك تعزيز مكانة المفكر بجوائز قيمة يحتفي بها الجمهور على حساب الجسد الذي يعاني من أزمة وجودية لا ترده الجوائز إلى محور كينونته؛ حيث أصبحت الروح العميقة التي يبقى القارئ بعيداً عن استنطاق كُنهها موطن التسامي والفكر ورمز اللامتناهي على حساب العقل المقابل(الآخر) الذي أصبح نفاية للمكبوتات ومنبت الدوافع والغرائز النفسية التي لا تخلو من العداء الذي يضمره الإنسان لأخيه الإنسان.      

 وهو بهذا المعنى تكون “الكتابة عن أحد” عكس ما يظهر لنا، فحسب سيوران في شهادته: “كانت فكرتي الأولى أن أهاجم الشخص الذي سأكتب عنه، حتى وإن كنت معجبا به”       لا تخلو من دنس ومأوى للألم والمرض والرغبة في كسر كيان الكاتب. لقد تعمقت القطيعة بين عالم سوداوي يمثله الإنسان الفاقد لتوازنه البيولوجي، وعالم فضيلة تمثله الروح الفلسفية الخانقة وسط هذا الزحام الوجودي، حتى استبطن سيوران داخله كفعل مشين يهاجم ولو كان معجبا بغيره. يجب أن يحذر غوايته ونفسه التي لا طالما اختارت الابتعاد عن كل ما يستهوي الآخر، لأن الروح العميقة هي وحدها الجديرة بالاهتمام نظراً لكونها راعية الأسرار القدسية واللذة الحقيقية، أما المتلقي فهو مجرد مثوى لنزوات الحياة عابرة، منحلة، بينما الروح لا تبلى ولا تتبدد فهي الأصل الذي لا يتعطل[19]. إنّ هذه الثنائية تضع هوة ضخمة بين الأنا الكاتبة والذات المتلقية، وتجعل للأنا الثانية وجوداً مستقلاً، ولكنه محقر وتابع، بينما تمرح الذات المفكرة في شكل مطلق، فهي تحت وصاية “النظام الكوني الإلهي”[20].

 إنّ الفكر بالنسبة لفلاسفة العقل يستقل كليّاً عن أحكام  الآخر، إنّه يتأسس على الحقد الدفين لأخيه المفكر، أما أحكام المتلقي فهي مهيأة للحقارة  إنّها حقيقة طارئة غير جديرة بفلسفة سيوران العدمية والذي يملأ خواء الكون برمز الخواء. فالإنسان عنده هو كيان تتجاور فيه الروح المتلقي، فهي لا تستمد معناها إلاّ من ذاتها أو محاورتها على حد تعبيره، والجسد الثاني أو بالأحرى المتلقي آلة يمكن اختزالها في بنيتها العضوية التي لا تخلو من آثام النفس.

ب-نبذ الذات عن طريق فعل الولادة:

يقول سيوران على لسان أمه: “لو كنت أعلم ما كان سيصير عليه حالك لكنت قد أجهضت وارتحت”، ويقول في شذرات أخرى: “ليتهم يدركون السعادة التي يدينون لي بها أولائك الأبناء الذين لم أرغب بمجيئهم إلى هذا العالم”، “لا شيء يثبت أننا اكثر من لا شيء”، ” وعيت منذ زمن ان مكاني ليس هنا، و انه ليس بإمكاني ان اتلاءم ابدا مع دنيا الارض”، “لماذا كل هذا لأني ولدت”[21]. لايوجد هُناك مايصف شعوري تجاه هذا المقاطع الشذرية سوى هذه المقولة لنزار قباني:

فإذا وقفتُ أمامَ حسنكِ صامتاً … فالصمتُ في حرم الجمال جمالُ.

قد يتساءل القارئ: أين المفر ياسيوران من مثالب الحياة، كل عباراتك تأثرنا إلى حدِ التوحد مع كُلِ حرف وكلمة، كل الذين قرأو لسيوران قد تجتاحهم عاصفة التشاؤم ولكن كلماتهُ المتشائمة تلك أمدتهم بكثيرٍ من الحياة، رغم أن نظرة الفيلسوف “سيوران” سوداوية للحياة إلا أنّه قد يغمر القارئ بسعادة تجعله يتفائل أكثر، مثال: عندما تشاهد فلماً تدفعك أحداثه للحزن والكآبه ولكن إخراجه رائع حتماً ستستمتع بالمشاهده! .. وهذا حال القراء مع فلسفة “سيوران”[22].

  لقد كانت كل هذه الصرخة الوجودية نقطة انطلاق خطابات سيوران الشذرية التي يعثر عليها القارئ في ثنايا كتاب “مثالب الولادة“، يعرض مساوئ الولادة التي يراها على لسان أمه ندامة وشقاء، إذ بدأ في تفكيك هذه الثنائية(الولادة: كرها/ طوعا) وتعريتها بسخريته السوداء الكاشفة عن معاناة الإنسان في حيز هذا الوجود، فأكد على حد تعبيره: “ليتهم يدركون السعادة التي يدينون لي بها أولائك الأبناء الذين لم أرغب بمجيئهم إلى هذا العالم” أن تلك الفئة من الأولاد التي لم يساهم سيوران في انجابها سعيدة ولو على المستوى الميتافيزيقي    كما لا يمكن الفصل بين الواقعي والغيبي في الفكر الإنساني من ناحية، إنّه يسعى لخدمة الميكانيكية العضوية* ولذلك فإنّ ما يجب القطع به أنه لا تفاضل بين الروح التي ترى المستقبل بعين الإستشراف والروح التي تنظر إلى الواقع بعين الآنية، فهما زوجان لا ينفصلان وحاضران على الدوام في الفكر والممارسة والخطاب والوجدان[23]، يرادف ما ذهب إليه “لويس فانسان في قوله:” إنّه بسبب عجزه عن فعل شيء، لم يعد موجودا بالنسبة لنفسه، وكذلك الأمر بالنسبة للأخرين، لأنه يواجههم بعجزه، لاشيء يمكن فعله إذا لم يعد شيء يمكن فعله”[24].

       لذلك يرى سيوران أنّه كلما تحركت عقدة الأم فإنّ وعي النفس يسلم نفسه لفحوى مقولته: “لا شيء يثبت أننا اكثر من لا شيء”، وذلك لكي يلبي الآخر(الأم) تعطش الانتقام اللاوعي بمعنى يحرض اللاشعور رعشة الأمهات إزاء الولادة، إنّه التمزق الوجودي الذي يبحث عن تأسيس التوازن بين فعل الولادة والإنسان.

وبعد تأكيد سيوران على ذلك اللاشعور الذي يعتري الجسد والعقل، يضع الجسد في خانة المثالب، ويجعل من العقل المطرقة الوحيدة التي يمكن من خلالها الصمود أمام هذيان الجسد الذي يزج بالبراءة يوما بعد يوم في سجن العالم السوداوي، كما توضحه هذه الشذرة “وعيت منذ زمن أن مكاني ليس هنا، وأنه ليس بإمكاني أن أتلاءم أبداً مع دنيا الأرض” “لماذا كل هذا لأني ولدت !“. فالإنسان بجسده المثقل وجوديا كما هو ملاحظ في “الكتابة الشذرية” هو ما يستحق الاهتمام والرصد؛ حيث يجب أن يعبر بكل حرية وبكل تلقائية ومن دون موانع أو قيود؛ لكي يتجلى المسكوت عنه وتظهر الحقائق دون زيف، وهذا ما تحتاج إليه نفسية سيوران القلقة والتي زادت قساوة الأم من حدّة نزيفها، ” إنّ التجربة الأشد مباشرة للإنسان تبين لنا أنه يكون على ما يرام في عالم طبيعي، جسم بين الأجسام مصاغ بالطريقة التي صيغت فيها الوقائع التي تحيط به، فإنّ السمة الأولى للجسم الإنساني هي أن يحتل مساحة في هذا الوجود، وهو ما يترجم بعابرات المكانية، فالإنسان يقابله المكان الذي يلد فيه وتظهر رغباته واحاسيسه، ولكنه يظل في منطقة حدودية بين الكون والملكية”[25]، لذلك يرى سيوران فائدة تغييب فعل الولادة، بل يجب أن يصبح الإعتقاد بالعدمية الهامدة هو الأساس وهذا من شروط ما بعد الحداثة التي تدعو إلى تحرير الإنسانية من خلال تطبيق العقل في الممارسة الاجتماعية, ” فـــما بعد الحداثة تعني تكاثر وتزايد العلم والتقنيات خلال التصنيع وإدارة كثير من مظاهر الحياة الاجتماعية بالآلة والاستغناء عن الإنسان”[26].

وفقا لوجهة نظر سيوران فالتخبط في شرك الولادة هو الخوف من المستقبل القادم الحاضر في بؤرة اللاوعي، كي لا يغيب التفكير في القادم والشائك والمنطوي لمقولات غربية لا تخلو من العدمية ومن آثار فلسفة نيتشه.

 فاللاّخلق الذي يعتري الإنسان عنوان عريض لتلك الآلية المتبعة في الكتابة الشذرية، وهي آلية لكشف قيم ثقافية زائفة اضطهدت جوهر الإنسان وكبّلته وعطلت طاقته ومارست عليه الحجر؛ لذلك يرى “فوكو” أنه من اللازم إعادة الاعتبار للذات عبر الكشف عن المسكوت عنه، فالجسد له فكره والفكر له جسده، ومن لا جسد له، لا فكر له لأنّ الجسد حضور ووعي بالكينونة، لأنه والروح صنوان لا ينفصمان؛ إذ لا توجد ذات متعالية فوق الجسد، فهو المأوى والمثوى. ليس هذا فقط، بل إنّ فوكو “يؤكد أن تحقير الجسد وإنكاره وتغييبه بمثابة حرب مدمرة للروح أيضاً لذلك فإن حق الجسد في الوجود علامة أولى لوجود الروح وسعادتها أيضاً “[27]  ومن ثم أصبح الجسد والاحتفاء به عنده كناية عن الوجود الروحي وبالتالي فالاحتفاء بالجسد مجرد حق تمّ إرجاعه لنصابه بعد أن تم تغييبه طويلاً.

ج- نهاية التاريخ:

 عمل سيروان على نبذ التاريخ في كتابه “تاريخ ويوتوبيا”، كقوله: “ للتاريخ مجرى يسير فيه ويتبعه، لكن لامعنى له، فلنأخذ الامبرطورية الرومانية على سبيل المثال: لماذا فتحت العالم تاركة المجال للجرمانيين البرابرة لاجتياحها وهدمها؟ ليس لهذا أي معنى. لماذا شقيت أوربا لمدة قرون طويلة من أجل تأسيس حضارة كان واضحا أنها مهددة بالزوال من الداخل، لأن الاوربيين متصدعون داخليا، كل الحاضرات برمتها ناضجة للاختفاء”.  الملاحظ أن سيوران لا يرى في الغرب إلاّ عفونة ذات رائحة زكية، جثة تفوح من بعيد وفي ثناياها لعنات لا تنتهي“ففي أوروبا تنتهي السعادة عند حدود فيينا. ليس وراء تلك المدينة سوى اللعنة بعد اللعنة منذ القدم”[28].

       وفقَ تقنيب معرفيّ محكم يحاور سيوران التاريخ الغربي؛ حيثُ فكَكَ حضارة الغرب كالإمبراطورية الرومانية التي ساهمت في إخضاع الإنسان إلى أزمة وجودية عبر سيطرتها تاركة المجال للجرمانيين البرابرة لاجتياحها وهدمها؛ حسب سيوران ليس لهذا الفعل أي معنى     وفي الوقت نفسه يسلط الضوء على أروبا فهي بالنسبة إليه البلد الذي تنتهي فيه السعادة  وتقوم فيه اللعنات. على حد تعبيره هي حضارة ناضجة للاختفاء، لا تملك زمام النفس لتضع رقابة على ذواتها المتصدعة داخليا، لا يتوانى سيوران في شذراته السّاخرة التي سطرها في كتاب التاريخ واليوتوبيا عن قضية أساسية، وهي أن التاريخ كان عرضة لقوى متعددة ساهمت في إخضاعه وترويضه، فراح يزيل الستار عن الكوامن المتسترة التي تخفيها الحضارة الغربية  الزائفة.

إنّ سيوران يتصور التاريخ ككيان زائل، وممثل للحياة الزائفة التي يصنعها الطغاة على حد تعبيره: أرى أن الطغاة وإن كنت أمقتهم، هم الذين يصنعون نسيج التاريخ، ولولاهم ما كان لأحد أن يتصور كيف تنشأ، إنّهم بفاظعتهم الفائقة وبهيميّتهم الملهمة، ليمثلون الإنسان وقد دفع إلى حدوده القصوى، إلى أقصى تجلّيات حقاراته ومزياه”[29]. إنّه يؤكد على الأساس الثقافي لأفعال الطغاة البهيميّة، ويراهن على قدرتهم الملهمة في ترويض وتطويع الإنسان ودفعه إلى أقصى تجليّات الحقارة المقننة حول عنقه. يعتمد سيوران على المهارات والأدوات الثقافية المتاحة أمام حفرياته التي لا تنأى عن التنقيب في ثوب التاريخ الغربي المهترئ، لأنّ فظاعة نسيج التاريخ الغربي يحتاج إلى من يفض بكارته من أجل إنتاج تلك الآليات المسؤولة عن تفريغ المكبوت المتجذر في أعماق التاريخ الغربي المتصدع، من أجل بناء ذوات خالية من الأغلال التاريخية المتصديّة، وأكثر من ذلك فإنّ إعترافات الفيلسوف تصوب هدفها لتكتمل الصورة السيورانيّة فكرياً وأسلوبياً، بجانبها النسقي بعد أن اكتشفنا جانبها الشذري التفكيكي للتاريخ الغربي.

لقد كان سيوران منشغلاً على مدار كتاباته الشذرية السّاخرة والمفككة لتخوم العالم بالكشف عما يكبل الإنسان، ويقيده لأنّ ذلك في رأيه تكبيل للعقلّ، ففك أغلال الذات من آليات التوجيه والنفي والترويض هو إطلاق سراح العقول من سراديب الحجر والزيف والإثارة والحاجيات المزيفة[30]. ففي أعماله الأدبية المنجزة، كان يسعى إلى توظيف خطاب الخواء كمظهر من مظاهر أنشطة الكتابة التي تشكل رهاناً سياسياً، فهو من جهة يرتبط بأشكال تحرير الإنسان: ترويضه، تقويته على التنفيس الرهيب الذي جعل بعض النقاد يصنفون هذا النوع من الكتابة في دائرة العبث والعدمية.

وفي سياق تحليل الكتابة الشذرية وفق المنهج الجينالوجي* يتبين لنا سيوران كشخص يتفحص العلاقات بين السلطة والذات في العالم؛ أي أن مهمة الجينالوجي ليست البحث عن معنى عميق للسلطة قائم في ما وراء سطح الحوادث والعلاقات، وليست كشفاً لما لم يتمكن من الإعلان عن ذاته منها، وليست تحريراً لما كبتته السلطة أو قمعته وليست إعلان حقيقة مالا يجد حقيقته في ذاته، وليست وصلاً لما انقطع من عرى وحدة الذات واستمرارية التاريخ بل هي وصف للحدث كما يتبدى، ومتابعة لما هو كائن، هي انحياز لصوت المعركة ضد ثبوتية السلم المزعومة، إنها كتابة توصيفية لتقنيات الكشف عن الإنسان واستغلاله، بهذا الاعتبار نستطيع أن نبين أن ما يجمع بين أعمال سيوران حول الذات وخطاباته العدمية، إنّها العلاقة بالذات، بتاريخها، بل أيضاً بمسارها اللاعادل، نتيجة للرقابة التي تمارسها الفئة الطاغية، العابثة بمصير الإنسان، من دون أن تمارس تلك الرقابة على ذاتها[31].

انطلاقا مما سبق يمكن اعتبار “الكتابة الشذرية السيورانية” وثيقة* تحفر فيه أخاديد لا تمحى وترسم على جدرانه بوشم عصي زواله، فتكون الجينالوجيا بذلك هي إعادة رسم الشناعات والفظاعات التي تخترق التاريخ بعيون الراهن وأسئلة الحاضر، إنّ وصف الأرشيف يظهر خصوصية السلطة التي مورست والتي تمارس، لا كما يجب أن تمارس.

د- العزلة ونبذ الآخر:

يعمق سيوران في كتابه “المياه كلها بلون الغرق” المثخن بشذرات تعكس لنا فكرة التعامل مع الوجود بنظرة لا تخلو من الكآبة السوداء، ففي حديثه عن أشكال ومظاهر الناس يستخدم ضغينة الإنسان وجهله ككاشف ثمين لتحليل آليات الآخرين، وتعتبر هذه الشذرات الفلسفية   إحدى أهم الوسائط التي استخدمت لممارسة الحفر المعرفي في ذات الآخر، وتمرير رسالة إنسانية يعلن فيها عن المظاهر الزائفه.

ونستشف من هذا التوجه الفلسفي الذي أحدثه سيوران في سنن التعبير الشذري، أنه ينحو لتشييد بلاغة شذرية جديدة تحتفي بلغة ملتوية بمعانيها المتعددة التي تختزل تجارب الكون الإنساني في شذرات مقتضبة. فلغته التي تنفي الآخر لغة إقصائية تعمد إلى التخلي عن الإنسان، على حد تعبيره: صلتي بالناس أفقدتني نظارة عُصاباتي كلّها”، وعندما يصف سيرك العزلة يقول: ساعتها تفهمون فضائله التنفيسية وظيفته العلاجية، تفوق منهجه على منهج التحليل النفسي وعلى الرياضات الشرقية أو الكنائسية كلّها، ستفهمون خاصة أنا مدينون في معظمنا التجديف ولوقوفه إلى جانبنا في كل لحظة”[32]. ترتبط شذرات سيوران العميقة بالكلمات والعبارات والجمل المقتضبة، كلها تلخص سلوكات وأفعال البشر التي أنهكت ذاته، فالنسبة إليه العزلة هي المرهم الوحيد الذي يريح الروح من أرقها الدائم، فهي تفوق منهج التحليل النفسي الذي يسعى إلى إعادة التوازن إلى الذات البشرية. إنها لغة شذرية حركية حقيقتها ليست في ذاتها ولكن  في ما تحيل عليه من خبرات ومؤهلات ومحفزات، مما يلغي النظر إليها على أنها مجرد كآبات وإخفاقات خالية من المعنى، ذلك أنها ذات قوة إيحائية عالية من شأنها أن تثير دلالات وردود أفعال مختلفة تخلق أنماطا وفيرة من التفكير.             

       يتجسد كذلك سخطه من البشر في قوله:”كفّوا عن سؤالي، عن برنامجي: أن أتنفس أليس برنامجاً[33]. في هذا المقطع سّخرية مستعارة بطريقة تهكمية ودون تَّصريح، يحضر فيها ما نفهمه يوميا من تصرفات الناس، من أسئلة متكررة على برامجنا في الحياة، بدون أن يسألوا عن صحتنا. يضاف إلى ذلك وجوب طريقة مثالية لإبعاد هؤلاء عن الذات الإنسانية المختنقة وسط زحامات ومكائد الإنسان التي يشير إليها سيوران في قوله:”أفضل طريقة للابتعاد عن الآخرين تتمثل في أن ندعوهم إلى الاحتفال بهزائمنا، بعد ذلك، نحن على يقين من أننا سنكرههم إلى آخر رمق في حياتنا”[34]. يشكل هذا المقطع الشذري الذي لا يخلو من فلسفة عميقة تحتوي على الإندهاش لدى المتلقي، موضوع التحرر من الوهم المعروف في حفلاتنا التي نقيمها لنفرح فيها مع أخينا الإنسان، غير أنّ سيوران يراها تجربة إنسانية قاسية لا تخلو من العبث، إنّ معرفة الناس على حقيقتهم حسب رأيه تستلزم منا أن ندعوهم إلى الاحتفال بهزائمنا لنكرههم إلى آخر رمق في حياتنا. يرى شوبنهاور أن معرفة أمور الحياة  وباعث الألم وبؤس الحياة هما اللذان يعطيان أقوى دفع للفكر الفلسفي والتفسير المفاجىء للعالم، ما يجعله يصل إلى الرؤية الأليمة بوجود الشر في هذا البشر[35].

خاتمة:

  نجد سيوران يلخص قلقه الوجودي  بهذه الكتابة الشذرية المتشظية* التي تقودنا إلى تبطين تهكمي كتقنية يرتكز عليها لفضح الشرور التي تعاني منها البشرية، ويجدر هنا بالذات التذكير بكل ما احتفظ به سيوران من الإرث الكلاسيكي، ابتداءً من أفلاطون الذي لا يفتأ يقتبس ويستعير منه مفهوم الإنسان، يمكن اعتبارها تحليلات وتفكيكات جمالية إستعلائية تزعزع الوهم والهالة القدسية التي يتمتع بها الإنسان وهو في ثوب الأخلاق الظاهرة، وأما الباطنة فهي تثير الدهشة في زماننا هذا.

       الصورة التشاؤمية التي ينقلها لنا سيوران من صديقه الإنسان تبقى صورة تمثيلية تذكرنا بقصة قابيل مع هابيل، تجعل القارئ يستحضر صورة “دلالة الإنسان العميقة، وهذا تجاوز للنمط الكلاسيكي الذي سارت عليه النصوص الفلسفية في الفكر الغربي، ومناسبة للتواصل مع متلقيه، بما يظهره من قدرة على الاستخفاف مستثمراً فيها المراوغة والتلاعب بالألفاظ الممزوجة بالكآبة العدمية.

       دون السقوط في الفهم البائس، يمكن القول أن تآلفنا مع كاتب ما يعود دائما إلى كونه يعبر عن شيء دفين في كياننا، يستخرجه، بل يستله من أعماقنا اللاوعية ويضعنا أمام تناقضنا الوجودي. بكلمات أخرى لا نسعد سوى بقراءة من يعبر عما يختلج في دواخلنا. الكاتب الحقيقي هو ذاك الذي يكشفنا لأنفسنا، هو الذي يُطلعنا على أخبارنا، ربما لم يفعل سيوران سوى تعزيز فكرة متأصلة في كياننا وإدخال نوع من الغبطة الفلسفية الأدبية على روحنا القلقة.

الهواش:

* – ولد إميل ميشال سيوران يوم ٨ نيسان- أبريل ١٩١١ في رازيناري” وهي قرية في مقاطعة ترانسلفانيا الرومانية من أب قسيس أرثوذكسي، وعرف منذ طفولته بحبه للعزلة والتنزه في الجبال المحيطة بقريته، وأمضى الأعوام ما بين ١٩٢٨ و ١٩٣٢ في جامعة بوخارست؛ حيث حصل على دبلوم حول الفيلسوف برغسون، واكتشف الفيلسوف الألماني سيمل. ويتحدث سيوران عن حالات من الأرق واليأس لازمته خلال هذه المرحلة فأوحت إليه بكتابه الأول الذي ألفه سنة ١٩٣٢ ونشره سنة ١٩٣٤ تحت عنوان “على ذرى اليأس.” ثم أعقبته عناوين مثل “كتاب الخُدع ” و “دموع وقديسون” ومر بمرحلة صعبة في حياته لم تميزها سوى رحلة إلى باريس لمدة شهر قرر إثرها الإقامة في فرنسا التحق بالسربون لدراسة اللغة الإنكليزية فاكتشف الشعراء الإنكليز ثم قرر تعميق لغته الأم الرومانية لكنه سرعان ما استغرب هذا الاختيار، حتى قرر سنة ١٩٤٦ أن يقطع مع لغته ومع الماضي، من أجل الإقامة النهائية في فرنسا لذلك بدأ يطور لغته الفرنسية. ونشر كتابه الأول بهذه اللغة بعد ثلاثة أعوام، أي سنة ١٩٤٩، ضمن منشورات “غاليمار” التي سوف تتولى أعماله لاحقا، فكان أول كتاب ينشره بالفرنسية بعنوان “موجز التفكيك” وحصل به على جائزة اللغة الفرنسية المخصصة للكتَّاب الأجانب، كان من بين أعضاء لجنة التحكيم: أندريه جيد، جول رومان سوبرفيال، بولهان، الخ….ثم اتخذ سيوران قرارا برفض كل أنواع الجوائز. وتأكدت قيمته ككاتب باللغة الفرنسية وتوالت مؤلفاته: قياس المرارة، بحث في الفكر الرجعي “التاريخ واليوتوبيا“، “السقوط في الزمن” وخلال هذه المرحلة أي مع بداية الستينات، أشرف على سلسلة دراسات ضمن منشورات “بلون”” لكنها لم تنجح على الرغم من أهمية عناوينها. فخاب ظنه وألغى السلسلة بعد صدور الكتاب السابع، فكانت تلك تجربة النشر الوحيدة التي خاضها. وتابع إصدار مؤلفاته: الخلق السيء” ١٩٦٩  مساوئ أن يكون المرء قد ولد” ١٩٧٣، التمزق” ١٩٧٩، “تمارين الإعجاب” ١٩٨٦، وفي العام نفسه صدر له مختصر كتاب كان قد ألفه باللغة الرومانية بعنوان “دموع وقديسون” ثم أصدر “الاعترافات واللعنات” سنة ١٩٨٧ وكتاب: على ذرى اليأس سنة ١٩٩٠ مترجما عن الرومانية. ينظر: إميل سيوران، لو كان آدم سعيدا، تر: محمد علي اليوسفي، ط4، شارع الشريف ناصر بن جميل، الدوحة، 2014، ص 9-10.

[1] – بنسالم حميش: معهم حيث هم، بيت الحكمة، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1988، ص133.

2 – ينظر: جميل حمداوي، النقـــــد الشـــــذري أو الكتابة الشذرية بين النظرية والتطبيق – المغرب- موقع الحوار المتمدن موقع رقمي، العدد:3040، بتاريخ:21/06/2011، ص 1-2

3 – ينظر: فريدريك نيتشه: هكذا تكلم زرادشت، تر: محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، ط2 2011، ص 41-42. ينظر كذلك: جميل حمداوي، النقـــــد الشـــــذري أو الكتابة الشذرية بين النظرية والتطبيق، ص 2-3.

4 – جميل حمداوي، م، س، ص 144.

5 – Ph. LacoueLabarthe et J.-L. Nancy : L’absolu littaraire, Paris, seuil.Poétique, 1978.p, 33.

* – السَاكسُفون: يسمى اختصارا ً ساكس، وهي آلة نفخ أسطوانية تصويرية تنتمي لعائلة آلات النفخ الخشبية، تصنع عادة من النحاس الأصفر ويتم العزف بها عن طريق قصبة هوائية واحدة, اخترعها البلجيكي آدولف ساكس عام 1840 يحتوي جسم الآلة على عشرين ثقباً يتم التحكم بها عن طريق مفاتيح ويتم التحكم بالمفاتيح على شكل مجموعات بواسطة الأصابع الثلاث الأولى من كل يد وهناك أيضا ثقبين آخرين يستخدمان لرفع الأصوات الناتجة عن الآلة أوكتافاً إلى الأعلى أو إلى الأسفل من الطبقة العادية وهناك عدة أنواع من الساكسفون حسب الطبقة الصوتية التي ينتجها مثل ساكسفون سوبرانو وساكسفون ألتو وساكسفون تينور وغيرها ولجميع الأنواع مجال صوتي يبلغ الأوكتافين ونصف الأوكتاف تم استخدام الساكسفون في الأوركسترا لأول مرة عام 1844 وكتب العديد من المؤلفين الموسيقيين أعمالا موسيقية للساكسفون. ينظر: الموسوعة الحرة: https://ar.wikipedia.org/wiki/

6 – إميل سيوران، المياه كلها بلون الغرق، تر: آدم فتحي، منشورات دار الجمل، 2003، ص 149-150.

7 – ينظر: قيمة الموسيقى عند سيوران:  http://www.saqya.com

8 – إميل سيوران، المياه كلها بلون الغرق، ص 150.

9 – ينظر: ضياء غني العبودي، متتالية الجسد السّردية، دراسة في مجموعة “تراتيل الماء  قصة”، س ص ع، “لعبة الأقدام اختياراً”، ص 1، الموقع: http:ahmedtoson.blogspot.com

*- يوهان سباستيان باخ: بالألمانيةJohann Sebastian Bach ع أرغن ومؤلف موسيقي ألماني ولد في 1685 ورحل في 1750 ميلادية يعتبر أحد أكبر عباقرة الموسيقى الكلاسيكية في التاريخ الغربي.

10 – إميل سيوران، م، س، ص 149.

1[1] – ينظر: ادريس القصوري، شعرية الجسد، واللغة غير اللفظية، “وقائع ندوة”، رهانات الكتابة عند محمد برادة، مختبر السّرديات، كلية الآداب واللغات، بنمسيك، الدار البيضاء، ط1، 1995، ص 30-31.

* – تنويه: ما أن بلغت المراهقة حتى كانت فكرة الموت تخرجني عن طوري، فلا أجد مهربًا منها إلا في المسارعة إلى الماخور مستغيثًا هناك بالموسيقى. إلا أن التقدم في السن يعلّمنا أن نتأقلم مع مخاوفنا، فنتخلى عن أي محاولة للتهرب منها، ونتبرجز في الهاوية. وإذا كنت ذات يوم قد حسدت رهبان مصر، الذين كانوا يحفرون قبورهم بأنفسهم ليذرفوا فيها الدموع، فإني الآن لو حفرت قبري بيدي، لما ألقيت فيه إلا بأعقاب السجائر . ينظر: فكرة-الموت-عند-ايميل-سيورانhttp://www.saqya.com

12 – إميل سيوران، المياه كلها بلون الغرق، ص 6.

13  – ينظر: م، ن ، ص 149-150-152.

14 – ينظر: إميل سيوران، المياه كلها بلون الغرق، ص 12.

15  – م، ن، ص ن.

* – تجربة الاقلاع عن الكتابة التي عدها كانتحار مؤجل، معروفة عند اميل سيوران، كقوله: “في جميع الأوقات خاصة الآن حيث لم أعد أكتب، توقفت عن الكتابة، بدا لي انه من غير المجدي الاستمرار، فلم الكتابة في ظروف كهذه؟ في كل الأحوال، لم الكتابة أصلا؟ لماذا نراكم الكتب؟ لماذا نسعي جاهدين الى أن نصير كتابا؟ لقد صار الناس، منذ زمن، يكتبون كثيرا وهذه هي المعضلة، هذه الانتاجية عديمة الجدوى وبلا معنى، في باريس خاصة، لماذا هذا الالحاح؟ أنا شخصيا فكرت دائما، في ترك الكتابة جانبا، او الاقلال منها الى أبعد حد، لكنني، في كل مرة  أنساق وراء اللعبة، الآن تأكدت من أنني فقدت القدرة على مواصلة هذه المهزلة، من ذي قبل لم تكن الكتابة مهزلة. كان فعل الكتابة استجابة لضرورة ما، كانت الكتابة، عندي، طريقة في التخلص من نفسي، يجب القول ان أفضل طريقة لاختصار الأشياء كلها، هي الكتابة، ما ان نكتب شيئا حتى يكون قد فقد سحره، صار بلا معنى، لقد قتلنا الشيء كما قتلنا ذواتنا، كانت للكتابة وظيفة ما، عكس الآن، لاحظت أن الذين لا يكتبون لديهم منابع أكثر من الذين يكتبون، لانهم يحتفظون لأنفسهم بكل شيء. ان تكتب، معناه ان تفرغ نفسك من أجمل ما فيها، الذي يكتب، إذن هو شخص يفرغ نفسه، وهو في نهاية المطاف، يصير عدما، هكذا فالكتاب عديمو الاهمية، اعتقد هذا حقا، لقد افرغوا حتى من كينونتهم صاروا أشباحا انهم أناس بارزون جدا، لكن من غير كينونة.  ينظر: سيوران في مقال بعنوان: ما أقذرك-حرفة-أيتها الكتابة: /http://www.nizwa.com.

* – ينظر: أميل سيوران/ التخصص في العواء – حياكة الجليد مقداد مسعود ، المحور: الادب والفن، الحوار المتمدن-العدد: 4208 – 2013 – 9 – 7 – 11:35 

16  – إميل سيوران، لو كان آدم سعيدا، تر: محمد علي اليوسفي،  ص 5.

17  – م، ن،  ص 6.

18 –  ينظر: منير الحافظ، الجنسانية، أسطورة البدء المقدس، مبحث: ثقافة الجسد، ط1، دار الفرقد، سوريا، 2008، ص 31.

19 – ينظر: حسن المصدق، البيولوجيا السياسية بين سلطة المعرفة ومعرفة الســلطة، جريدة العرب الدولية، لندن    26 – 7 – 2007 ، ص 02.

20 – منير الحافظ، م، س، ص 32.

21 – إميل سيوران، مثالب الولادة، تر: آدم فتحي، ط1، منشورات الجمل، بغداد، بيروت، 2015، ص 7، وما بعدها.

22 – ينظر: ينظر:  حميد زناز، المعنى والغضب: مدخل إلى فلسفة سيوران:  www.goodreads.com

* – الميكانيكية العضوية: نطلق عليها اسم: معمارية الخطاب الروحي والجسدي، بكافة حركاته وسيميائياته ودلالاته المتخيلة ينظر: منير الحافظ، الجنسانية، أسطورة البدء المقدس، مبحث: المرأة والمحرم في شرعنة النخب الفوقية، ص 66.

23 – ينظر: حسن المصدق، البيولوجيا السياسية بين سلطة المعرفة ومعرفة الســلطة، ص 2.

24 – لويس، فانسان توماس، الموت، تر: مروان بطش، ط1، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات، بيروت، لبنان  2012 ص 70.

25 – ميشيلا ما رزانو، فلسفسة الجسد، تر: نبيل أبو صعب، ط1، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت لبنان، 2011، ص 62-63.

26 –  مبارك عامر بقنه، رؤية حول : العدمية وما بعد الحداثة http://www.saaid.net/Doat/mubarak/

27 – حسن المصدق، البيولوجيا السياسية بين سلطة المعرفة ومعرفة الســلطة، ص 3.

 28- سيوران، تاريخ ويوتوبيا، تر: آدم فتحي، ط1، منشورات الجمل، بيروت، 2010، ص 11.

29 – م، ن، ص 45.

30 – حسن المصدق، البيولوجيا السياسية بين سلطة المعرفة ومعرفة الســلطة، ص 2.

* – يعرّف «نيتشه» الجينالوجيا في كتابه: «جينالوجيا الأخلاق» Genealogy of morals «بأنها تتبع وتعقب مراحل نشأة وتطور القيم الميتافيزيقية، بالإحالة دائماً إلى الشروط الوجودية والمصلحية المنتجة لها، والفكرة الناظمة لهذا المنهج الجينالوجي هي أن جميع الظواهر عبارة عن تأويلات، ولا توجد هناك على الإطلاق أية ظاهرة في حد ذاتها. لقد بدأ التحول نحو الجينالوجيا يظهر عند فوكو منذ كتابيه: نظام الخطاب، ونيتشه والجينالوجيا والتاريخ اللذين صدرا في عام 1971، وأصبح أكثر بروزاً ووضوحاً في كتابيه المراقبة والعقاب عام 1975، والجزء الأول من كتابه تاريخ الجنس عام 1976، حيث قام «فوكو» بقلب نظام الأولوية لصالح «الجينالوجيا» التي أصبحت الآن تحتل المرتبة الأولى في سلم اهتماماته، وإن كان يؤكد أن الجينالوجيا تتكامل مع الأركيولوجيا وتتمم عملها.

فغاية الجينالوجيا هي بالأحرى هدم وتقويض فكرة الأصل والمركز والحقيقة، تسعى الجينالوجيا إلى توضيح الانقطاعات حيثما يكون آخرون قد لاحظوا أن ثمة تطور مستمر، إنها تصف ماضي الإنسانية لكي تكشف زيف أناشيد التقدم الرسمية. على الجينالوجي إذاً أن ينسف أفكار الذات والحقيقة والمعنى والأصل، بعد هذا الهدم للبداهات الراسخة، عليه أن يكشف عن لعبة صراع الإرادات: فحيثما صوب نظرة عليه أن يبحث عن مظاهر الخضوع والهيمنة والصراع، وكلما تطرق إلى سمعه حديث عن المعنى والقيم والفضيلة، فعليه أن ينكب على تعرية أساليب السلطة والقوة. ينظر: عبد الرزاق الدواي، موت الإنســــان في الخطاب الفلسفي المعاصر، دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت، 1992، ص 35- 158- 159.

31 – عبد العزيز العبادي ميشيل فوكو: المعرفة والســــلطة، ص 55.

* – مصطلح الوثيقة يأتي في إطار اهتمام «فوكو» بالوثيقة أو الأرشيف ضمن منهجه الجينالوجي، يرى «فوكو» أن الوثيقة Document كما يراها ليست في النص الذي يأسرنا في بحثنا عن أكبر قدر ممكن من الموضوعية لمقاربة موضوعات البحث، وليست الوثيقة هي التزامنا تجاه الماضي، نقدس مطلقيته لتصبح مستقبلية المستقبل، والأنموذج الموجه لآنية الحاضر، بل الوثيقة هي الجسد ذاته كما هو مأخوذ في علاقات السلطة. ينظر: م، ن، ص 56.

32 – إميل سيوران، المياه كلها بلون الغرق، ص 101.

33 – إميل سيوران، المياه كلها بلون الغرق، ص 106.

34 – إميل سيوران، المياه كلها بلون الغرق، ص 106.

35 – ينظر: كليمان روسّيه، شوبنهاور، فيلسوف العبث، ط1، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بيروت، لبنان، 2015.

* –  يعمد الإنسان إلى صنع التشظي في كتابته الشذرية المبنية على شعرية الإنفصال لكونه ذلك الفيلسوف الكوني الذي يتكلم باسم الآخرين، وخارج الركون إلى اللاتواصل والتأرجح وسط انفعالاتنا الصماء ليست الحياة إلا رجة في مدى لا عناوين فيه، وليس الكون إلا هندسة مصابة بالصرع. ينظر: بنسالم حميش: معهم حيث هم، ص 135.

 

*ولد إميل ميشال سيوران يوم ٨ نيسان- أبريل ١٩١١ في رازيناري” وهي قرية في مقاطعة ترانسلفانيا الرومانية من أب قسيس أرثوذكسي، وعرف منذ طفولته بحبه للعزلة والتنزه في الجبال المحيطة بقريته، وأمضى الأعوام ما بين ١٩٢٨ و ١٩٣٢ في جامعة بوخارست؛ حيث حصل على دبلوم حول الفيلسوف برغسون، واكتشف الفيلسوف الألماني سيمل. ويتحدث سيوران عن حالات من الأرق واليأس لازمته خلال هذه المرحلة فأوحت إليه بكتابه الأول الذي ألفه سنة ١٩٣٢ ونشره سنة ١٩٣٤ تحت عنوان “على ذرى اليأس.” ثم أعقبته عناوين مثل “كتاب الخُدع ” و “دموع وقديسون” ومر بمرحلة صعبة في حياته لم تميزها سوى رحلة إلى باريس لمدة شهر قرر إثرها الإقامة في فرنسا التحق بالسربون لدراسة اللغة الإنكليزية فاكتشف الشعراء الإنكليز ثم قرر تعميق لغته الأم الرومانية لكنه سرعان ما استغرب هذا الاختيار، حتى قرر سنة ١٩٤٦ أن يقطع مع لغته ومع الماضي، من أجل الإقامة النهائية في فرنسا لذلك بدأ يطور لغته الفرنسية. ونشر كتابه الأول بهذه اللغة بعد ثلاثة أعوام، أي سنة ١٩٤٩، ضمن منشورات “غاليمار” التي سوف تتولى أعماله لاحقا، فكان أول كتاب ينشره بالفرنسية بعنوان “موجز التفكيك” وحصل به على جائزة اللغة الفرنسية المخصصة للكتَّاب الأجانب، كان من بين أعضاء لجنة التحكيم: أندريه جيد، جول رومان سوبرفيال، بولهان، الخ….ثم اتخذ سيوران قرارا برفض كل أنواع الجوائز. وتأكدت قيمته ككاتب باللغة الفرنسية وتوالت مؤلفاته: قياس المرارة، بحث في الفكر الرجعي “التاريخ واليوتوبيا“، “السقوط في الزمن” وخلال هذه المرحلة أي مع بداية الستينات، أشرف على سلسلة دراسات ضمن منشورات “بلون”” لكنها لم تنجح على الرغم من أهمية عناوينها. فخاب ظنه وألغى السلسلة بعد صدور الكتاب السابع، فكانت تلك تجربة النشر الوحيدة التي خاضها. وتابع إصدار مؤلفاته: الخلق السيء” ١٩٦٩  مساوئ أن يكون المرء قد ولد” ١٩٧٣، التمزق” ١٩٧٩، “تمارين الإعجاب” ١٩٨٦، وفي العام نفسه صدر له مختصر كتاب كان قد ألفه باللغة الرومانية بعنوان “دموع وقديسون” ثم أصدر “الاعترافات واللعنات” سنة ١٩٨٧ وكتاب: على ذرى اليأس سنة ١٩٩٠ مترجما عن الرومانية. ينظر: إميل سيوران، لو كان آدم سعيدا، تر: محمد علي اليوسفي، ط4، شارع الشريف ناصر بن جميل، الدوحة، 2014، ص 9-10.

[1] – بنسالم حميش: معهم حيث هم، بيت الحكمة، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1988، ص133.

[2] – ينظر: جميل حمداوي، النقد الشذري أو الكتابة الشذرية بين النظرية والتطبيق – المغرب- موقع الحوار المتمدن موقع رقمي، العدد:3040، بتاريخ:21/06/2011، ص 1-2

[3] – ينظر: فريدريك نيتشه: هكذا تكلم زرادشت، تر: محمد الناجي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، ط2 2011، ص 41-42. ينظر كذلك: جميل حمداوي، النقد الشذري أو الكتابة الشذرية بين النظرية والتطبيق، ص 2-3.

[4] – جميل حمداوي، م، س، ص 144.

[5] – Ph. LacoueLabarthe et J.-L. Nancy : L’absolu littaraire, Paris, seuil.Poétique, 1978.p, 33.

* – السَاكسُفون: يسمى اختصارا ً ساكس، وهي آلة نفخ أسطوانية تصويرية تنتمي لعائلة آلات النفخ الخشبية، تصنع عادة من النحاس الأصفر ويتم العزف بها عن طريق قصبة هوائية واحدة, اخترعها البلجيكي آدولف ساكس عام 1840 يحتوي جسم الآلة على عشرين ثقباً يتم التحكم بها عن طريق مفاتيح ويتم التحكم بالمفاتيح على شكل مجموعات بواسطة الأصابع الثلاث الأولى من كل يد وهناك أيضا ثقبين آخرين يستخدمان لرفع الأصوات الناتجة عن الآلة أوكتافاً إلى الأعلى أو إلى الأسفل من الطبقة العادية وهناك عدة أنواع من الساكسفون حسب الطبقة الصوتية التي ينتجها مثل ساكسفون سوبرانو وساكسفون ألتو وساكسفون تينور وغيرها ولجميع الأنواع مجال صوتي يبلغ الأوكتافين ونصف الأوكتاف تم استخدام الساكسفون في الأوركسترا لأول مرة عام 1844 وكتب العديد من المؤلفين الموسيقيين أعمالا موسيقية للساكسفون. ينظر: الموسوعة الحرة: https://ar.wikipedia.org/wiki/

[6] – إميل سيوران، المياه كلها بلون الغرق، تر: آدم فتحي، منشورات دار الجمل، 2003، ص 149-150.

[7] – ينظر: قيمة الموسيقى عند سيوران:  http://www.saqya.com

[8] – إميل سيوران، المياه كلها بلون الغرق، ص 150.

[9] – ينظر: ضياء غني العبودي، متتالية الجسد السّردية، دراسة في مجموعة “تراتيل الماء  قصة”، س ص ع، “لعبة الأقدام اختياراً”، ص 1، الموقع: http:ahmedtoson.blogspot.com

*- يوهان سباستيان باخ: بالألمانيةJohann Sebastian Bach ع أرغن ومؤلف موسيقي ألماني ولد في 1685 ورحل في 1750 ميلادية يعتبر أحد أكبر عباقرة الموسيقى الكلاسيكية في التاريخ الغربي.

[10] – إميل سيوران، م، س، ص 149.

[11] – ينظر: ادريس القصوري، شعرية الجسد، واللغة غير اللفظية، “وقائع ندوة”، رهانات الكتابة عند محمد برادة، مختبر السّرديات، كلية الآداب واللغات، بنمسيك، الدار البيضاء، ط1، 1995، ص 30-31.

*تنويه: ما أن بلغت المراهقة حتى كانت فكرة الموت تخرجني عن طوري، فلا أجد مهربًا منها إلا في المسارعة إلى الماخور مستغيثًا هناك بالموسيقى. إلا أن التقدم في السن يعلّمنا أن نتأقلم مع مخاوفنا، فنتخلى عن أي محاولة للتهرب منها، ونتبرجز في الهاوية. وإذا كنت ذات يوم قد حسدت رهبان مصر، الذين كانوا يحفرون قبورهم بأنفسهم ليذرفوا فيها الدموع، فإني الآن لو حفرت قبري بيدي، لما ألقيت فيه إلا بأعقاب السجائر . ينظر: فكرة-الموت-عند-ايميل-سيورانhttp://www.saqya.com

[12] – إميل سيوران، المياه كلها بلون الغرق، ص 6.

[13] – ينظر: م، ن ، ص 149-150-152.

[14] – ينظر: إميل سيوران، المياه كلها بلون الغرق، ص 12.

[15] – م، ن، ص ن.

*تجربة الاقلاع عن الكتابة التي عدها كانتحار مؤجل، معروفة عند اميل سيوران، كقوله: “في جميع الأوقات خاصة الآن حيث لم أعد أكتب، توقفت عن الكتابة، بدا لي انه من غير المجدي الاستمرار، فلم الكتابة في ظروف كهذه؟ في كل الأحوال، لم الكتابة أصلا؟ لماذا نراكم الكتب؟ لماذا نسعي جاهدين الى أن نصير كتابا؟ لقد صار الناس، منذ زمن، يكتبون كثيرا وهذه هي المعضلة، هذه الانتاجية عديمة الجدوى وبلا معنى، في باريس خاصة، لماذا هذا الالحاح؟ أنا شخصيا فكرت دائما، في ترك الكتابة جانبا، او الاقلال منها الى أبعد حد، لكنني، في كل مرة  أنساق وراء اللعبة، الآن تأكدت من أنني فقدت القدرة على مواصلة هذه المهزلة، من ذي قبل لم تكن الكتابة مهزلة. كان فعل الكتابة استجابة لضرورة ما، كانت الكتابة، عندي، طريقة في التخلص من نفسي، يجب القول ان أفضل طريقة لاختصار الأشياء كلها، هي الكتابة، ما ان نكتب شيئا حتى يكون قد فقد سحره، صار بلا معنى، لقد قتلنا الشيء كما قتلنا ذواتنا، كانت للكتابة وظيفة ما، عكس الآن، لاحظت أن الذين لا يكتبون لديهم منابع أكثر من الذين يكتبون، لانهم يحتفظون لأنفسهم بكل شيء. ان تكتب، معناه ان تفرغ نفسك من أجمل ما فيها، الذي يكتب، إذن هو شخص يفرغ نفسه، وهو في نهاية المطاف، يصير عدما، هكذا فالكتاب عديمو الاهمية، اعتقد هذا حقا، لقد افرغوا حتى من كينونتهم صاروا أشباحا انهم أناس بارزون جدا، لكن من غير كينونة.  ينظر: سيوران في مقال بعنوان: ما أقذرك-حرفة-أيتها الكتابة: /http://www.nizwa.com.

* – ينظر: أميل سيوران/ التخصص في العواء – حياكة الجليد مقداد مسعود ، المحور: الادب والفن، الحوار المتمدن-العدد: 4208 – 2013 – 9 – 7 – 11:35 

[16] – إميل سيوران، لو كان آدم سعيدا، تر: محمد علي اليوسفي،  ص 5.

[17] – م، ن،  ص 6.

[18]-  ينظر: منير الحافظ، الجنسانية، أسطورة البدء المقدس، مبحث: ثقافة الجسد، ط1، دار الفرقد، سوريا، 2008، ص 31.

[19] – ينظر: حسن المصدق، البيولوجيا السياسية بين سلطة المعرفة ومعرفة الســلطة، جريدة العرب الدولية، لندن    26 – 7 – 2007 ، ص 02.

[20] – منير الحافظ، م، س، ص 32.

[21] – إميل سيوران، مثالب الولادة، تر: آدم فتحي، ط1، منشورات الجمل، بغداد، بيروت، 2015، ص 7، وما بعدها.

[22] – ينظر: ينظر:  حميد زناز، المعنى والغضب: مدخل إلى فلسفة سيوران:  www.goodreads.com

* – الميكانيكية العضوية: نطلق عليها اسم: معمارية الخطاب الروحي والجسدي، بكافة حركاته وسيميائياته ودلالاته المتخيلة ينظر: منير الحافظ، الجنسانية، أسطورة البدء المقدس، مبحث: المرأة والمحرم في شرعنة النخب الفوقية، ص 66.

[23] – ينظر: حسن المصدق، البيولوجيا السياسية بين سلطة المعرفة ومعرفة الســلطة، ص 2.

[24] – لويس، فانسان توماس، الموت، تر: مروان بطش، ط1، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات، بيروت، لبنان  2012 ص 70.

[25] – ميشيلا ما رزانو، فلسفسة الجسد، تر: نبيل أبو صعب، ط1، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت لبنان، 2011، ص 62-63.

[26] –  مبارك عامر بقنه، رؤية حول : العدمية وما بعد الحداثة http://www.saaid.net/Doat/mubarak/

[27] – حسن المصدق، البيولوجيا السياسية بين سلطة المعرفة ومعرفة الســلطة، ص 3.

 – سيوران، تاريخ ويوتوبيا، تر: آدم فتحي، ط1، منشورات الجمل، بيروت، 2010، ص 11.  [28]

[29] – م، ن، ص 45.

[30] – حسن المصدق، البيولوجيا السياسية بين سلطة المعرفة ومعرفة الســلطة، ص 2.

* – يعرّف «نيتشه» الجينالوجيا في كتابه: «جينالوجيا الأخلاق» Genealogy of morals «بأنها تتبع وتعقب مراحل نشأة وتطور القيم الميتافيزيقية، بالإحالة دائماً إلى الشروط الوجودية والمصلحية المنتجة لها، والفكرة الناظمة لهذا المنهج الجينالوجي هي أن جميع الظواهر عبارة عن تأويلات، ولا توجد هناك على الإطلاق أية ظاهرة في حد ذاتها. لقد بدأ التحول نحو الجينالوجيا يظهر عند فوكو منذ كتابيه: نظام الخطاب، ونيتشه والجينالوجيا والتاريخ اللذين صدرا في عام 1971، وأصبح أكثر بروزاً ووضوحاً في كتابيه المراقبة والعقاب عام 1975، والجزء الأول من كتابه تاريخ الجنس عام 1976، حيث قام «فوكو» بقلب نظام الأولوية لصالح «الجينالوجيا» التي أصبحت الآن تحتل المرتبة الأولى في سلم اهتماماته، وإن كان يؤكد أن الجينالوجيا تتكامل مع الأركيولوجيا وتتمم عملها.

فغاية الجينالوجيا هي بالأحرى هدم وتقويض فكرة الأصل والمركز والحقيقة، تسعى الجينالوجيا إلى توضيح الانقطاعات حيثما يكون آخرون قد لاحظوا أن ثمة تطور مستمر، إنها تصف ماضي الإنسانية لكي تكشف زيف أناشيد التقدم الرسمية. على الجينالوجي إذاً أن ينسف أفكار الذات والحقيقة والمعنى والأصل، بعد هذا الهدم للبداهات الراسخة، عليه أن يكشف عن لعبة صراع الإرادات: فحيثما صوب نظرة عليه أن يبحث عن مظاهر الخضوع والهيمنة والصراع، وكلما تطرق إلى سمعه حديث عن المعنى والقيم والفضيلة، فعليه أن ينكب على تعرية أساليب السلطة والقوة. ينظر: عبد الرزاق الدواي، موت الإنسـان في الخطاب الفلسفي المعاصر، دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت، 1992، ص 35- 158- 159.

[31] – عبد العزيز العبادي ميشيل فوكو: المعرفة والسلطة، ص 55.

* – مصطلح الوثيقة يأتي في إطار اهتمام «فوكو» بالوثيقة أو الأرشيف ضمن منهجه الجينالوجي، يرى «فوكو» أن الوثيقة Document كما يراها ليست في النص الذي يأسرنا في بحثنا عن أكبر قدر ممكن من الموضوعية لمقاربة موضوعات البحث، وليست الوثيقة هي التزامنا تجاه الماضي، نقدس مطلقيته لتصبح مستقبلية المستقبل، والأنموذج الموجه لآنية الحاضر، بل الوثيقة هي الجسد ذاته كما هو مأخوذ في علاقات السلطة. ينظر: م، ن، ص 56.

[32] – إميل سيوران، المياه كلها بلون الغرق، ص 101.

[33] – إميل سيوران، المياه كلها بلون الغرق، ص 106.

[34] – إميل سيوران، المياه كلها بلون الغرق، ص 106.

[35] – ينظر: كليمان روسّيه، شوبنهاور، فيلسوف العبث، ط1، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بيروت، لبنان، 2015.

* –  يعمد الإنسان إلى صنع التشظي في كتابته الشذرية المبنية على شعرية الإنفصال لكونه ذلك الفيلسوف الكوني الذي يتكلم باسم الآخرين، وخارج الركون إلى اللاتواصل والتأرجح وسط انفعالاتنا الصماء ليست الحياة إلا رجة في مدى لا عناوين فيه، وليس الكون إلا هندسة مصابة بالصرع. ينظر: بنسالم حميش: معهم حيث هم، ص 135.


Updated: 2019-10-26 — 20:43

أضف تعليق

JiL Scientific Research Center © Frontier Theme